page 1413, entry [865]Open original source
ذكر شيء من شمائله وفضائله وبقية أخباره وفوائد من كلامه وقطع من شعره قال المالكي: كان سعيد عابدًا، زاهدًا، ورعًا، مجاب الدعوة، وكان حسن اللباس، جميل الزى، مبالغًا فى ذلك، يفوق فيه أهل اليسار، كان تقوم كسوته بعشرين دينارًا، وكان يتقوت بأقل القوتويقول: المروة فى إظهار حسن الرياش (¬٢٢٢)، وأما (¬٢٢٣) في المأكل والمشرب مما هو مستور فلا. قال بعضهم: كنت أسمعه يقول للسائل: لطف الله بك! والله ما باطنى إلا شر من ظاهري. ثم إنه ورث من أخيه أربعمائة مثقال، فبنى داره بمائتين، واشترى كسوة بخمسين، ودابة بخمسين، وأمسك مائة (¬٢٢٤). وكان راض نفسه ألا يتكلم (¬٢٢٥) إلا بالفصاحة والإعراب في جميع مخاطباته، حتى كان بعضهم إذا ذكره قال: شيخ متقعر في كلامه، متشدق فى منطقه، يسكن درب القرشانين (¬٢٢٦) بجوار سوق اليهود، لو كان بوادى القرى ما كان يسمح له (¬٢٢٧) أن يأخذ نفسه بهذا الشأن. وكان آنس الناس مجلسًا، وأغزرهم خبرًا. وكان يقول: إنما أدخل كثيرًا من الناس فى التقليد، نقص العقول، ودناءة الهمم. وكان يقول: القول بلا علة تعبد، والتعبد لا يكون إلا من المعبود. وكان يقول: ما لطالب العلم وملاءمة المضاجع؟ وكان يقول دليل الضبط إلا قلال، ودليل التقصير الإكثار. "وكان يقول: ليس الفقه حمل الفقه، إنما الفقه معرفة الفقه، والفطنة فيه، والفهم لمعانيه" (¬٢٢٨).وكان يقول: تقديم من أخر الله، وتأخير من قدم الله، فتنة في الأرض، وفساد كبير. وقال: المكر مضارع للسحر، والغدر إلى جانبه الذل. وقال: المكابرة تدفع المناظرة. وقال: لن تنقطع الساعات حتى تعود الشهوات حسرات. وقال: من كان معنيًا بنفسه، لم يكن شغله إلا النظر في معايب نفسه. وقال: ليس كل ذنب يحسن فيه العفو، ولا كل حالة يحسن فيها الحلم (¬٢٢٩). وقال: طول العهد مخلق للود. وقال: القلب * الحى، كاللحم الحى، اليسير يؤلمه، والقلب الميت، كاللحم الميت، الكثير لا يؤلمه. وقال: اعتقد من أكثر الناس أنهم على خلاف ما تحب، ولتكن تهمتك فيمن علقك (¬٢٣٠)، أكثر منها فيمن يأتيك بالعداوة. وسئل يومًا عن رجلين ينتسبان (¬٢٣١) إلى العلم، وليسا من أهله، فقيل له أيهما أعلم؟ فقال: إن سألتني أيهما أغرق فى الجهل أعلمتك، وأما (أعلم) فلا أعلمه. وذكر بعضهم أنه كان مستجاب الدعوة. قال: بينا سعيد جالس فى أسطوانه، إذا مر به صاحب المحرس (¬٢٣٢)، فنظر اليه، وحوله جلساؤه، وزال عنه، فقال بعضهم: إنما مر إلى العامل يخبره خبرك، واجتماع الناس عندك.فجعل أبو عثمان يستعيذ بالله من شره، فما أمسى الليل، حتى أتاه الخبر أن صاحب المحرس أتى العامل، فأخبره بشيء ما ندرى ما هو، فأمر العامل أن يضرب وسطه بالسيف، فوقع نصفين. فشكر الله تعالى أبو عثمان على كفايته. قال ابنه: وكان أصابه فى بصره تغير وحول، من مرض اعتراه، ولم يعلم بهذا، إلى أن نظر في المرآة "يومًا فرآه، فقام ورفع يديه وقال: اللهم بحق دين الاسلام الذى نيط به لحمي ودمي، فرج عني، فأعاد الله بصره كما كان، فنظر فى المرآة" (¬٢٣٣) فقال: أقول، وما عسى أن أقول؟: أحمد من أعبد (¬٢٣٤). ذكر أن الحاجب بالقيروان أخذ رجلًا اتهم بحرم المسلمين، فقال له: سعيد بن الحداد يعرفني. قال سعيد: وكنت أعرف منه سوء الحال. قال: فجاءني فقال: تعرفني؟ قلت: نعم، بسوء الحال. فقال: أشهدك أني تائب إلى الله من جميع ما عملته (¬٢٣٥). فلما ولى عنى، أتاني رسول الحاجب، فسألني عنه، فقلت له: أما منذ (¬٢٣٦) تاب ورجع إلى الله تعالى فما أعلم منه جرحة. قال ابن الباجي لأبي اسحاق السبائى: "ما رأيت أغزر دمعة (¬٢٣٧) من سعيد بن الحداد - لأن كل صاحب حول له قسوة - فقال له السبائي" (¬٢٣٨): سعيد سبق إلى قلبه صحبة النساك، واصل وأصحابه.وقال سعيد: كنت فى شبيبتي كثيرًا ما أتمثل بقوله: "سحابة صيف" البيت، لأقصر نفسي عن اتباع ما لا يتبع (¬٢٣٩). قال بعضهم: قال لى سعيد: نعست مرة، فرأيت النبي ﷺ، فقلت: السلام عليك يا رسول الله (¬٢٤٠)، فسكت عنى، فانتبهت، فإذا بطاقة أمامي فيها مكتوب: وعليك السلام يا سعيد. ومن شعر أبي عثمان، قوله في ترك الشعر، وطلب الرزق - وكان أولا يعانيه ثم تركه -: رغبت بنفسي عن دنى المكاسب … وما (¬٢٤١) أعجزتني حيلة عن مطالبي أبت همتي إلا سموا إلى العلا … وإن طأطأتني حادثات النوائب فإن لم أنل دنيا فقد نلت همة … تنزه نفسي عن دنى المعايب تراني وفى صدري هموم كثيرة … ضحوكًا لأخفى عن جليس وصاحب وأنشد له على بن أبى سعيد البصري فى كتابه "المغرب" في المعنى: عد يا عاذلي عن التثريب … كم كربة أدت إلى محبوب (¬٢٤٢) ما ارتكاسى فى السعى يبسط رزقا … لا ولا الخفض قاطعي عن نصيبيغير أن القعود من سبب العدم … وطى البلاد شأن الأريب (¬٢٤٣) وكتب سعيد إلى حماس القاضي: تعودت مس الضر حتى ألفته … وأسلمني مس الليالى إلى الصبر * ووطن قلبي للأذى الأنس بالأذى … وقد كنت أحيانًا يضيق به صدري وصيرني يأسي من الناس راجيًا … لكثرة صنع الله من حيث لا أدري وتوفى أبو عثمان ﵀ فى رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة (¬٢٤٤). ومولده سنة تسع عشرة ومائتين، ويقال: سبع عشرة. وحكى أنه لما مات: خرج البريد سحرًا يبشر بموته أمير بنى عبيد. ورثى بأشعار كثيرة، أنشد منها ابن الحارث، وأكثر منها ابن أبي سعيد، اختصرناها. ***