page 1338, entry [806]Open original source
ذكر محنته ووفاته: لما قام القواد على المقتدر القيمة الأولى، مع محمد بن داود الوزير، وقتلوا وزيره العباس بن الحسين، ووجه محمد بن داود إلى القاضى أبي عمر، وصاحبه القاضى ابن المثنى، في جميع العدول، بخلع المقتدر لصغر سنه، ففعلوا ذلك، وكتبوا كتابا شهدوا فيه، وبايعوا لعبد الله بن المعتز، فلما لم يتم ذلك، وقتل ابن المعتز في الحين، واستقل المقتدر، نكب القاضى أبو عمر فيمن نكب مع سائر آله، وقبض عليه، وسلم لمؤنس الخادم، واستصفيت جميع أمواله، وجرت عليه محنة عظيمة. فذكر القاضي أبو على الحسن بن على التنوخي في كتابه، بسنده عن القاضي أبي عمر، قال، لما جرى من أمر عبد الله بن المعتز ما جرى، وحبست، وحبس معى ابن المثنى القاضي، ومحمد بن داود ابن الجراح الوزير، فى دار واحدة في ثلاثة بيوت متلاصقة، وكان بيتي وسطها، وما في وجهى طاقة بيضاء، وكنا آيسين من الحياة، فاذا جننا الليل، حدثت هذا تارة وهذا تارة، وحدثانى، من وراء الأبواب، ويوصى كل واحد منا إلى الآخر بمن يخلفه، ونتوقع القتل كل حين. فلما كان ذات ليلة، وقد غلقت الأبواب، ونام الموكلون، ونحن نتحدث من بيوتنا، اذ أحسسنا صوت فتح الأقفال، فارتعنا، ورجع كل واحد منا إلى مكانه، ففتح الباب على ابن الجراح، وأخرج،واضجع ليذبح، وهو يقول: يا قوم! ذبحا ذبحا كذبح الكبش! أين المصادرات؟ أين أنتم عن أموالى أفدى بها نفسى؟ فما التفت إليه، فذبح وأنا أراه من شق الباب، وقد صار الليل نهارا من كثرة الشموع، وحملوا رأسه، وطرحت جثته في بئر في الدارة، وغلقت الأبواب، وأيقنت بالقتل، وأقبلت على قراءة القرآن والدعاء والبكاء، فما مضت ساعة يسيرة، حتى سمعت الأقفال تفتح، فإذا هم قد جاءوا إلى بيت ابن المثنى القاضي، فأخرجوه، وقالوا له: يقول لك أمير المومنين: يا عدو الله! استحللت نكث بيعتى وخلع طاعتى؟ فقال: لأنى علمت أنه لا يصلح للإمامة (¬٢٨). فقالوا: إن أمير المومنين أمر باستثابتك من هذا الكفر، فإن تبت رددناك إلى مجلسك، وإلا قتلناك. فقال: أعوذ بالله من الكفر، ما أتيت ما يوجب كفرا. وأخذوا يتهوسون معه بما يشبه هذا، ولا يرجع عنه، فلما يئسوا منه مضى بعضهم وعاد، ثم أضجع وذبح، وأنا أراه، وحملوا رأسه، وطرحوا جثته في البئر، فذهب على أمرى واقبلت على التضرع والبكاء فلما كان في وجه السحر، إذا بصوت الأقفال، فقلت: لم يبق غيرى، وأنا مقتول، واستسلمت وفتحوا الأبواب على، وأقامونى إلى الصحن، وقالوا: يقول لك أمير المومنين: يا فاعل يا صانع!!! ما حملك على خلع بيعتى؟ فقلت: الخطأ وشقوة الجد، وأنا تائب لله تعالى من هذا الذنب. وأقبلت على شبه هذا الكلام. فمضى بعضهم وعاد، فقال: أجب. ثم أشار إلى وقال*: لا بأس عليك، فقد تكلم فيك الوزير، يعني ابن الفرات.فسكنت، فجاؤونى بخفي وطيلساني وعمامتي فلبست، وجيء بي إلى دار ابن الفرات، وفى الدار ابن الخليفة (¬٢٩)، فلما رآني أقبل على يخاطبني ويعظم جنايتى، وأنا أقر بذلك، وأتنصل وأستقيل، فقال: قد وهب لي أمير المومنين دمك، وابتعت منه جرمك بمائة ألف دينار ألزمتك إياها. فقلت: والله أيها الوزير ما رأيت بعضها قط مجتمعا. فغمزني أن أسكت، وجذبنى قوم من ورائى من وجوه الكتاب، فأسكتونى، فعلمت أنه أراد تخلص دمى، فقلت: كل ما يأمر به الوزير أعزه الله يمتثل. فقال: احملوه إلى دارى. فحملت، فقرر أمرى على مائة ألف دينار، النصف عاجلا، والنصف في حكم التأجيل (¬٣٠)، على رسم المصادرات، ووسع على في المطعم، وأدخلت الحمام، ورفهت، فلما خرجت من الحمام رأيت وجهى في المرآة، فإذا طاقات شعر قد ابيضت في مقدم لحيتى، وقد شبت في تلك الليلة. وأديت من المال نيفا وثلاثين ألف دينار، ونظرنى ابن الفرات في الباقى، وصيرني إلى منزلي، وتخلص دمى، "فمكثت في بيتى سنتين، وبابي مسدود على، لا أرى أحد ولا يرانى أحد إلا في الشاذ (¬٣١) " وتوفرت على درس الفقه والنظر في العلم، إلى أن من الله بالفرج. قال الصولى: توفى أبو عمر القاضي في رمضان، لخمس بقين منه، سنة عشرين وثلاثمائة، وسنه تسع وسبعون سنة. مولده بالبصرة، أول رجب، سنة ثلاث وأربعين ومائتين. ***