page 1238, entry [629]Open original source
ذكر اخباره وفضائله وذكر القابسي أن عبد الجبار راح الى الجمعة على بغل الراوية يوم طين، فلما صلى لم يجد ما يرجع عليه، وكان بعيد الدار من الجامع، فدفع * اليه رجل جندى فرسه، فركبه، فنظر اليه أصحابه، فقال: ما لكم؟ اما ورع نقص، أو علم زاد!! قال بعضهم: انما فعله للضرورة اذ لم يقدر على المشى، ولعله تصدق بقدر انتفاعه به. وخرج مرة من عند الأمير ابراهيم، وكان يجله ويكبره، فشيعه الى أن ركب، وأصلحت عليه ثيابه. وكان بينه وبين حمديس القطان صحبة عظيمة، وشركة في القطن، يعملان في سوق الأحد فيه، الى أن تهاجرا بسبب كتب محمد بن مهدي البكرى، كان عبد الجبار يقرأها، فنهاه عنها حمديس، وقال له: سمعت سحنون يقول: ابن مهدى هذا ضال مضل.فلم ينته عنها عبد الجبار، فهجره حمديس، ولم يزالا متهاجرين أربعا وعشرين سنة. وكان حمديس ينهى الناس عن السماع منه. وكان عبد الجبار، اذا مر بمسجد حمديس، سلم عليه، فلا يرد عليه حمديس، فيقول عبد الجبار: ما هاجرني الا لله. ويقول حمديس: عبد الجبار رجل صالح. وكان ابن طالب صديقا لعبد الجبار، فهم بتأديب حمديس بسببه، الى أن فسد أيضا ما بينه وبين عبد الجبار. وكان سببه أن عبد الجبار كتب اليه في بعض أمنائه، فلم يلتفت الى كتابه، فكتب بذلك للأمير، وكان ابن طالب يسئ ذكره، وطلبه ابن طالب عند الأمير، وأوقع فيه الشهادات بمخالفة مذهبه، وشهد عليه ابن الحداد، وابن أبي سليمان وجماعة من أصحاب سحنون، ويسترعى الشهادات عليه حمديس، فأبى، وقال: هجرته ديانة، رأى شيئا ورأيت أنا خلافه، لم أهجره على مال أكله ولا عرض. فمضى القوم. قال ابن أبي سليمان: فما قام منا أحد حتى نقده عبد الجبار. وكان سحنون ينتظره حتى يحضر، فاذا حضر أمر القارئ فقرأ. قال عبد الجبار: ما قرأ سحنون قط كتابا في بادية ولا حاضرة الا وأنا حاضر. وكان ما بينه وبين ابن طالب القاضى سيئا جدا، بعد صداقة كانت بينهما، وعبد الجبار أول من شهد عليه عند ابن الأغلب. قال ابن اللباد: كنا نسمع على عبد الجبار في جامع ابن وهب، ألا يمشى الرجل أمام والده، فقال: من بره به أن يمشى أمامه في الظلام.قال ابن اللباد: واجتمع عبد الجبار مع سليمان بن عمران، فتذاكرا السن فقال له سليمان: نفعك الله بعمرك. فقال له عبد الجبار، وكان سيء الرأى فيه: وأنت ينفعك الله بباقى عمرك. وحكى المالكي عن عبد الجبار أنه ختم في مسجده ثلاثين ألف ختمة، وكان يختم في مسجده كل ليلة ختمة، وكان إذا تعايى في الكلمة، أو اشتبه عليه الحرف، تركه وقرأ ما يليه، ثم قد يذكره بعد العشرين آية أو الثلاثين فيرجع إليه فيقرأه مفردا، ويعود من حيث رجع. وذكر أنه كان غاديا إلى الجمعة، فإذا بشاب جميل حسن، يمشى في أثر صبية، فاتكأ عبد الجبار على رجله، فقطع شسعه، وناداه: يا شاب! فوقف، فمشى إليه عبد الجبار، وقال له: أنا شيخ ضعيف، ضعف بصرى، وانقطع شسعى، فأصلحه لي. فتناوله الشاب. ورأى عبد الجبار الصبية تتباطى في مشيها، فأصلحه، وأخذ منه النعل، ومشى في اثر الصبية، فقطعه ثانية، وناداه ليصلحه، فعطف عليه وقال له: أنا قطعته يا شاب اشفاقا على هذا الشباب من لفح جهنم. وبكى، فبكى الفتى، وجزاه خيرا، وصحبه إلى الجامع وحسنت توبته.