page 1202, entry [607]Open original source
بقية أخباره واستعفاؤه من القضاء ووفاته ولما قدم القيروان، أتى على حمار عليه إكاف، فقام الناس إليه على أقدامهم، فقال: مكانكم رحمكم الله! إنما يقوم الناس لرب العالمين. ولما رأته امرأة على حمار وبردعة وشند، وحوله شيوخ القيروان، قالت: انظروا أي قاض وأى شكل!! فسمعها، فقال لها: والله لقد قلتها لهم. ومن الكتاب المعرب - ونقلته أيضًا من خط القاضي أبى الوليد الباجي - قال سهل بن إبراهيم: كنا عند عيسى بن مسكين، نسمع منه، وكان في كل يوم يأتيه شيخ نحوي، كان صاحبا له من عهد الصبا، وكان عيسى لا يخرج حتى يأكل، فجاء يومًا إلى عيسى قبل خروجه، فأعلم به فدعاه، فقال الشيخ للرسول: قل له إني صائم. فقال: يقول لك: تطوع أم واجب؟ قال: بل تطوع. قال: فانهض معي. فلما رجع الشيخ، سألناه قال: قال لي: إن ثوابك في إدخال المسرة على أخيك المسلم بإفطارك عنده، أفضل من ثوابك في صيام يومك. فأفطرت معه. قلنا: ألم يذكر لك قضاء هذا اليوم؟ قال: لا، ما ذكره. قال المؤلف ﵀: أما القضاء فواجب لابد منه، وإنما لم يذكره لعلمه - والله أعلم - بأن ذلك ليس من خفى العلم الذي يضطر إلى بيانه. وكان من سيرته في غير مدة قضائه، أنه كان إذا أصبح، قرأ حزبه من القرآن، ثم جلس للطلبة إلى العصر، فإذا كان بعد العصر، دعا بنته وبنات أخيه، يعلمهن القرآن والعلم.قال بعضهم: جئت إلى عيسى، فوجدناه جالسا على دكان في المعصرة، وخادم له يرد الزيتون، والدابة تطحن، وهو يقرأ حديث رسول الله ﷺ من صدره، فقيل له في ذلك، فقال: أعرض حديثى لئلا أنساه. قال ابن حمود السدوسي: كلفني ابن مسكين شيئًا في خصومة، فقلت: الله بيني وبينه. فأتاني في منامي آت، فقال لي: لا تدع على الرجل الصالح. واستعفى من القضاء، فعوفي، فرجع إلى منزله بالساحل، إلى أن مات، فأصابه داء في ساقه فلم يزل ملازما بيته. ومات في سنة خمس وتسعين ومائتين. مولده سنة أربع عشرة ومائة. وكان إذا تحدث عن أيام قضائه يقول: كنت في بليتي، وكنت أيام تلك المحنة. ولما أناب الأمير إبراهيم، وتخلى عن الملك، وتوجه للجهاد، قصده عيسى بن مسكين فقال له: إن الله عاناك مما كنت فيه، فأعفنى مما أدخلتني فيه، فقد كبرت سنى، وضعف بدنى. فعافاه، فخرج إلى ضيعته. فقال إبراهيم: ما أعجب حاله! هو في آخر أمره مثله في أوله. فكانت ولايته ثمان سنين وأحد عشر شهرًا. ولما بلغت وفاته القيروان، قال رجل منهم: سودوا وجوهكم وجدا عليه وقال آخر: ما على أفريقية! يجدون العلم بعد عيسى، ولكن لا يجدون مثل ورعه وزهده وأدبه (¬٣٨٨).وقال آخر: ذاك رجل حزنت لموته أفريقية.