page 1198, entry [605]Open original source
ذكر ورعه وزهده وعبادته وتواضعه قال الشيرازى: رأيت على عيسى جبة صوف قديمة، مرقعة بخرقة من كتان، وكان وهو قاض يركب الحمار بالشند، ويعلق الكوز من الشند. ومرض كاتبه أبو على بن البناء الفقيه، وكان يسكن معه فى دار واحدة، فطال مرضه أربعة أشهر، فلم يزره عيسى، ولا وقف على بابه، ولا سأله عن حاله. فبلغ ذلك من ابن البناء، وعتب عليه فيه. وفووض عيسى بن مسكين فى ذلك، وتوجه إليه فيه أبو سعيد بن محمد بن سحنون وغيره، وقالوا له: ابن البناء قد لحق بالمشايخ، وجعل لك لسانا وكاتبًا، وهو معك فى دار واحدة (¬٣٨٧)، وهو مريض أربعة أشهر، فما وقفت إليه يومًا واحدًا، ولا سألته عن حاله. فقال لهم: الله المستعان.فلما ألح عليه قال: أنا في بلد غصب، فما كان الله ليراني أمشى فيه واحدًا في موضع لم أجبر عليه!! فما رئ قط مشى فى غير طريق داره، إلا إلى المسجد، إلا يوم ماتت أم الأمير إبراهيم، وأرسل إليه أن يصلى عليها، فلم يجد من ذلك بدا. قال أبو العرب: حضرته بالساحل، وقد كلف انسانا شراء زيت، فاشتراه له من نصرانى، طيب الأصل، وأخبره أنه زاد فيما اشتراه عشرة أقفزة، حين علم أنه له، وذلك بعد صرفه عن القضاء فأطرق مليا، ثم رفع رأسه إليه فقال: شكر الله سعيك، لعلك تتم اجمالك بصرف زيته إليه، وتأتيني بدينارى بعينه، وإلا فاترك الزيت له، وخذ منه دينارا فتصدق به. ففعل الرجل ذلك، ثم اعتذر له عيسى لئلا يقع في * نفسه شيء، وقال له: خفت أن يميل قلبي إلى النصراني، لما ذكرت من مسارعته إلى حاجتي، فأدخل فى حكم قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (¬٣٨٨) الآية. واشتهى يومًا لحما فاشترى له، فأعجبه، فقيل له: إنه معلوف. فأبى أن يطعمه، فسئل عن ذلك، فقال: المعلوف يخلى عندنا على زيتون الناس وزروعهم. قال السدرى: أتى عيسى عشية إلى المسجد، فقمت وأخذت الحصير لأفرشها له، فلم يجلس عليها، وجلس على الأرض، وكان إذا أصابها مفروشة جلس عليها. قال بعض أصحابه: أراد عيسى أن يخرج إلى بعض المواضع، فدخلت أخرج متاعه، فلم أجد غير آنيتين، احداهما بخل، والأخرى بزيت، فقال لي: أصبب الخل على الزيت.ففعلت. فقال: هذا أخف، حمل آنية خير من آنيتين. ثم نظرت إلى كوة في بيته، وفيها آنية صغيرة، على فيها جلد مطبوع عليه، فقال: دعها حيث وجدتها. فسألته عنها. فحاد عن الجواب. فألححت عليه، فقال: كنت عند هذا - يعنى إبراهيم الأمير - فرآني أتوجع، فسألني، فأخبرته أنى أجد أرواحا باطنة، فقال: أعطيك دواء يقطعها. فأمر لي بهذا، فاستعفيت، فقال: أعرف مذهبك، خذها وابعث لنا بدراهم ثمنها فانصرفت، وبعثت إليه بالدراهم، وأغنى الله عنها. وحكى عن ابن دبوس حاجبه قال: جئته يوم خميس، أو جمعة، وقلت: اليوم يتفرغ، فأونسه. فقرعت عليه الباب، ففتح منه فردا، ووقفت، وإذا هو مؤتزر بكسائه، يغسل بيته، فقال لي: يا أخى! ما جاء بك؟ قلت: أردت أونسك، وأراك مشغولًا، فاتركني أستق لك الماء، وتغسل أنت، أو تستقى وأغسل أنا. فقال: يا أخى! قعدت بلا شغل! ورد الباب، وكان ذلك في قضائه.