page 1000, entry [401]Open original source
بقية أخباره قال يحيى بن يحيى: لما قام الناس على ابن معمر، أتاني سعيد بن حسان فقال لي: ما ترى في شهادتى عليه؟ قلت: لا تفعل. وانتظر أن تشاور فيه، فيكون رأيك أنفذ من شهادتك. فغلبته شهوته وشهد فيه. فلم أنشب أن أتاني كتاب الأمير يقول لي: تصفحت الشهادات فلم أر فيها شهادتك، وقد وجهتها إليك لتتصفحها وتكتب برأيك فيها. فكتبت إلى الأمير: ما عندى من أخبار القاضي شيء، لأنه لم يكن يحضرنى مجلسه، ولا يشاورنى، وأما الشهادات عليه فلو وقع * مثلها على مالك والليث، ما رفعا بعدها رأسا. فأمسى معزولا. قال ابن حارث: ثم ولى بعده الأسوار بن عقبة البصرى، وكان من أهل الخير والتواضع والتحرى، كان يحمل خبزه إلى الفرن بنفسه، ولما عزل وأريد صرفه ثانية، أبى، وقال: لي عيوب كثيرة: ضعف بدنى، وكبر ولدى. فقيل له: أو كبر ولدك من العيوب؟ قال: من أشدها. فولى يحيى بن معمر ثانية وذلك أن الأمير ورد أشبيلية فشاهد بعض حواشيه يحيى بن معمر في جنة له، يستقى الماء بخطارة، ويسقىبقل جنانه، فذكر ذلك للأمير، فقال الأمير: والله ما أشك في فضل الرجل وورعه، وإنى لأظن الرافعين عليه، تألبوا بالباطل. وأمر من ساعته بتوجيهه إلى قرطبة، فلما قدم، حلف ألا يستفتى يحيى بن يحيى، ولا زونان، ولا سعيد بن حسان. فبقيت الأحكام معلقة إلى مقدم الأمير، فبلغه، فأنكر ذلك، فقال له: قد أقسمت على ذلك، وفى ألبيرة رجل من أهل العلم والتقدم، أستغنى به عنهم، يعنى عبد الملك بن حبيب. فأقدمه وانفرد بفتياه. قال ابن أيمن عن عمه (¬١٧٨): كنت يوما عند ابن معمر، إذ دخل عليه ابن حبيب، فلما اتخذ مجلسه قال له: قضية الآن، أحب أن تنفذ فيها بما أشرت به عليك، فهو الحق إن شاء الله. وكان ابن معمر يريد أن يحكم فيها بقول ابن القاسم، فأفتاه ابن حبيب بقول أشهب. فقال له ابن معمر. والله لا أفعل، ولا أخالف ما وجدت عليه أهل البلد من العمل على قول ابن القاسم. فما زال التراجع بينهما حتى قام ابن حبيب مغضبا. فقلت له: هذا الرجل قد انفرد عن أعدائك (¬١٧٩)، كأني به قد صار في عددهم، ثم يعزلونك ثانية. فقال: بالعزل تخوفني؟ ليت بغلتي عجزت بي في سهلة المدور، منصرفا إلى أشبيلية. وقد اختلفت الأخبار، هل مات معزولا أو قاضيا.قال ابن عبد البر: وكان أول ما ظهر من حذق ابن معمر، أن تقديمه إلى القضاء وافق ليلة فطر، وأضحى فمشى صبيحتها إلى المصلى ليقيم الصلاة، وكانت الصلاة للقاضى، وكان إبراهيم يومئذ أمر أن تقام للإمام عنزة يصلى إليها، إذ لم يكن للمصلى يومئذ محراب، فإذا بأهل النباهة واليقظة من ذوى الهيئات قد احتوشوا العنزة، ليتعرفوا خطبته، فلما جاء ورآهم، فهم الأمر، فكادهم بأن قال لقومه: إنى أرى الناس قد ازدحموا حول العنزة، فقدموها إلى الفضاء ليستوسعوا. فقدموها، وطاش أنشاط الناس وأخفاؤهم، فاصطفوا قربها، وتثاقل أولو الهيئات عن ذلك، ومكثوا مكانهم، فحصل قرب الشيخ من لم تكن عليه منه مئونة، وقطع بأولائك. وذكر عن عثمان بن سعيد الزاهد قال: لما احتضر يحيى بن معمر بأشبيلية، قال لمولى له من أهل الصلاح: أقسم عليك بالله أجل الأقسام، إذا أنا مت إلا ما ذهبت ليحيى بن يحيى، فقل له: يقول لك ابن معمر: "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" (¬١٨٠). ففعل ذلك، فبكى يحيى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أظنه إلا خدعنا في الشيخ، وسيء بيننا وبينه. ثم استغفر الله مليا، ودعا له. وذكر ابن حارث أنه ولى القضاء بقرطبة مرتين، إحداهما سنة تسع ومائتين، والأخرى بعد ذلك. قال ابن الفرضي: وهو الصحيح. قال ابن أبي دليم: وتوفى سنة ست وعشرين ومائتين.