page 664, entry [222]Open original source
جمل من أخباره وكرمه وذكر وفاته قال مصعب بن عبد الله: كلمت الواقدي في توكيل رجل من أهل المدينة بعض الوكالات التي يرتزق فيها، فأرسل إلى بصرة فيها مائة أو مانتا درهم؛ فقلت: لم أكلمك أن تصله؛ فقال: وأي شيء ينفق إلى أن أوكله؟ * * * قال محمد بن سعد: رآني الواقدي مغتما، فقال لي: لا تغتم، فإن الرزق يأتي من حيث لا تحتسب، أملقت مرة حتى بعت برذوني، فاستبطأني يحيى بن خالد، فاعتذرت إليه، فوقف على حالي، فأمر لي بخمسمائة دينار، فصرت بها إلى البيت، فأنا في تصريفها في قضاء الدين وعلى العيال، إذ طرقني رجل من أهل المدينة، قد قطع عليه الطريق، من ولد أبي بكر، فشكا إلى حاله، فدفعت إليه ما فضل، ولم أشتر برذونا؛فاستبطأني يحيى فأخبرته الخبر، فوجه إلى البكري، فقال: نعم، أخذت الدنانير منه، فلما صرت بها إلى البيت جاءني فلان الأنصاري، فشكا إلي حاله فدفعتها إليه؛ فوجه يحيى إلى الأنصاري فأخبره الخبر، فتعجب من الكرم، ثم أمر لي بألف دينار، وللبكري بمثلها، وللأنصاري بمثلها، ولزوجتي بخمسمائة، لغمها (¬٣١٨) حين دفعت الدنانير إلى البكري؛ * * * قال هارون بن عبد الله القاضي: رفع الواقدي رقعة إلى المأمون، يذكر فيها غلبة الدين عليه، وقلة صبره عليه، فوقع المأمون على ظهرها: أنت رجل فيك خلتان: الحياء والسخاء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما عندك، وأما الحياء فهو الذي منعك من اطلاعنا على ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بكذا وكذا. فإن أصبنا إرادتك فازدد في بسطتك، وإن كنا لم نصب إرادتك فجنايتك على نفسك، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال للزبير: يا زبير إن خزائن الرزق مفتحة بإزاء العرش، فمن كثر كثر الله عليه، ومن قلل قلل الله عليه. قال الواقدي: وكنت قد أنسيت هذا الحديث، فكان ما ذكرنيه، أعجب إلي من جائزته. قال هارون: وبلغني أن جائزته كانت مائتي ألف درهم. * * *قال الواقدي: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، فنالتنا ضيقة، فقالت لي امرأتي: أما نحن فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا فقد قطعوا قلبي، فلو نظرت لهم في شيء تصرفه في صلاح شأنهم؛ فكتبت إلى صديقي الهاشمي، أسأله التوسعة بما حضره، فوجه إلي كيسا مختوما، ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراره، حتى كتب إلى الصديق الآخر، يذكر مثل شكواي، فوجهت إليه بالكيس كهيئته، وخرجت إلى المسجد فبت فيه حياء من امرأتي، ثم رجعت فاستحسنت فعلي، إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال: اصدقني عن الأمر، فأخبرته؛ فقال: وجهت إلى وما أملك إلا ما بعثت به إليك. وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه إلي بكيسي بخاتمي؛ قال: فتواسينا الألف، وقسمناها بيننا أثلاثا، بعد أن أخرجنا إلى المرأة مائة درهم، ونمى الخبر إلى المأمون، فدعاني فشرحت له الأمر، فأمر لي بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا ألفان وللمرأة ألف. * * * وقد ذكر في رواية أخرى في هذا الخبر نحوه، وأن البرمكي وجه فيه، وقال له: رأيتك البارحة في المنام بحالة دلت على شدة، فاشرح لي أمرك. فذكر له القصة، فقال: ما أدري أيكم أكرم؟ وأمر لي بثلاثين ألف درهم، ولهما بعشرين ألفا، وقلدني القضاء؛ ولم يذكر فيها المأمون. قال الواقدي: لقيت أشعب يوما، فقال لي: يا ابن واقد، وجدت دينارًا فكيف أصنع به؟. * * *قلت: تعرفه (¬٣١٩) قال لي: يا سبحان الله! ما أنت في علمك إلا في غرور؛ قلت: فما الصواب يا أبا العلاء؟ قال: أشتري به قميصا وأعرفه (¬٣٢٠). قلت: إذن لا يعرفه أحد؛ قال: فذاك أريد. * * * قال المؤلف رحمه الله تعالى: كذا وجدت هذا الخبر عنه، ولا أدري من هذا أشعب، فإن أشعب الطماع متقدم عن زمن الواقدي، سمع من سالم بن عمر، وقد قال أهل هذا الباب: لا يعرف بهذا الاسم غيره. * * * وتوفى الواقدي ببغداد وهو على قضاء عسكر المأمون، ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة سبع ومائتين، ودفن يوم الثلاثاء بعده، وهو ابن ثمان وسبعين سنة؛ مولده سنة ثلاثين ومائة؛ وصلى عليه محمد بن سماعة، وأوصى إلى المأمون، فقبل وصيته وقضى دينه.