page 570, entry [171]Open original source
ذكر فضله وخيره كان زياد إذا بعث معاوية بن صالح القاضي شيئًا - وكان أبا زوجته - إلى داره، لم يأكل شيئًا منه. وكان زياد ناسكًا ورعا راوده الأمير هشام على القضاء فأبى عليه، وخرج هاربًا بنفسه، فقال هشام: ليت الناس كلهم مثل زياد، حتى أكفى أهل الرغبة في الدنيا ثم أمنه، فرجع إلى قرطبة. * * * وكان هشام يقول: بلوت الناس فما رأيت رجلا يكتم من الزهد أكثر مما يظهر إلا زيادًا. * * * وذكر يحيى بن إسحاق أن هشامًا لما ولى قيل له: لا يعتدل ما تريد إلا بولاية زياد على القضاء، فبعث إليه، فتمنع، فألح هشام عليه، فقال للوزراء (¬١٧٥) أما إذا عزمتم فأخبركم بما أبدأ به، على المشى إلى مكة، إن وليتموني، إن جاءني أحد متظلما منكم إلا أخرجت من أيديكم ما يدعيه،ورددته عليه (¬١٧٦)، وكلفتكم البينة، لما أعرف من ظلمكم، فتركوه / [فأعفى، فقيل ليحيى بن يحيى: أهو وجه القضاء؟ قال: نعم، فيمن عرف بالظلم والغدرة] / (¬١٧٧) وأشاروا بإعفائه. *** وكان الأمير هشام يؤثر زيادًا ويكرمه، ويستنيم إليه، ويخلو به، ويسائله عما يعرض له من أمور دينه، فيأخذ برأيه، ويبالغ في بره، ويدفع إليه المال يتصدق به، وربما اجتاز به ليلا (¬١٧٨) فيخرج إليه ويسلم عليه ويحادثه. وذكر الصدفي أنه عرض عليه أخذ مال ليفرقه، فأبى. *** وذكر أنه حضر عنده يومًا غضب فيه على خاصة له، أوصل إليه كتابًا كرهه، فأمر بقطع يده، فقال زياد: أصلح الله الأمير، فإن مالك بن أنس حدثني في خبر رفعه، أن من كظم غيظا يقدر على انفاذه ملأه الله أمنا وإيمانا يوم القيامة. فسكن غضب الأمير، وقال له: الله إن مالكا حدثك بهذا؟ قال زياد: الله، إن مالكا حدثني به. فأمر الأمير أن يمسك عن يد الخادم وعفا عنه. *** وذكر أن زيادًا راكب الأمير الحكم، وقد أردف زياد ولده خلفه منصرفين من جنازة، ووصل محادثة الأمير إلى أن وصل القنطرة، فسمعالمؤذن، فقطع زياد حديثه وقال: معذرة إلى الأمير أصلحه الله، إنا كنا في حديث عارضه هذا المنادي إلى الله تعالى، ولا يجوز الإعراض عنه، فهو أحق بالإجابة، وإن اجتمعنا قدرنا على تتميم الحديث إن كانت بنا إليه حاجة، وسلم عليه، فدخل الجامع من باب القنطرة، واستقام الأمير إلى القصر. *** قال يحيى: كان زياد واحد زمانه زهدًا وورعًا، وأتاه هشام ليلا في خاصته، فقرع عليه الباب فخرج فزعًا، ففتح له وسلم عليه، وسأله عن سبب مجيئه، فقال: طلب التفرد بك، وهذا مال طيب - وأشار إلى مال يحمله الفتى - أردت التزلف به فأتيتك به لتضعه حيث تراه؛ فقال له زياد: تجد من هو أقوم لك بذلك وأعرف بأهله، وسمى له قومًا من صلحاء الناس؛ فأبى هشام إلا إياه، فلم يقدر عليه، إلى أن حلف ألا يفعل، فاستحياه هشام، وخرج بماله وهو يقول: اللهم أعني على طاعتك بمثل هذا. *** قال حبيب: كنا جلوسا عند زياد، فأتاه كتاب من بعض الملوك قد ميزه، فكتب فيه (¬١٧٩)، ثم طبع الكتاب ونفذ به الرسول، فقال زياد: أتدرون عما سأل صاحب هذا الكتاب؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة، أمن ذهب هي أم من ورق، فكتبت إليه: حدثنا مالك عن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وسترد فتعلم. ***وكان زياد (¬١٨٠) جرت له في مصاهرته لمعاوية بن صالح نادرة مذكورة، وذلك أنه أراد النظر إلى المرأة قبل تمام نكاحها، كما يفعل بعض الناس، وقيل بعد تمام نكاحها، وهو أشبه بحاله وبآخر الحكاية، فواعد أهل الدار أن يأتيهم ليلا خفية من معاوية، فجاء واختفى في أسطوان الدار، وخرج معاوية فأحس من دابته قلقا وحركة لمكان زياد، فأنكر ذلك، ودعى بالمصباح، فلما نظر، إذا بزياد قد انزوى في بعض زوايا أسطوانه، فلم يزد أن قال: استوصوا بضيفكم خيرًا. وانصرف. *** وله سماع من مالك مؤلف، وكتاب الجامع له؛ قال ابن عتاب: وهو كتاب غريب يشتمل على علم كثير. قال يحيى بن يحيى: عرضت سماع زياد على ابن نافع وابن القاسم، فرد على ابن القاسم منه مسألة، وقال لي: كذب زياد على مالك وما سمع منه هذا قط؛ فأخذت الكتاب وطويته وأدخلته كمي، فقال: اقرأ. فقلت: زياد أجل في نفسى من أن أعرضه مثل هذا؛ فاحتشم ابن القاسم وقال لي: اقرأ، فوالله لا عدت لمثلها أبدًا، فقرأت. ***وكان محمد بن عيسى الأعشى سيئ الرأي في زياد، وكان يقول: إني لآكل التفاح الحلو، وأحسو البيض الخفيف، وأبول في الماء الراكد منذ كذا، لينسينى الله علم زياد ويخرجه من صدري، فما نسيته، وألتزم كل ما أعرف أنه ينسى؛ فقيل له: لم؟ قال: لأن زيادًا لم يكن شيئا، وكان علمه باردًا (¬١٨١). وتوفي سنة ثلاث، وقيل أربع، وقيل تسع، وتسعين ومائة؛ ونجب ولده بقرطبة، وكان فيهم عدة من أهل الجلالة والفضل والقضاء (¬١٨٢) والعلم والخير.