page 541, entry [158]Open original source
ذكر فضائل البهلول وعبادته وورعه وتواضعه وشمائله وبقية أخباره قال أبو إسحاق البرقى: قال البهلول بن عمرو (¬١٤١): ما رأيت أحدًا أخشى الله من البهلول بن راشد؛ قال سحنون: كنا نختلف إلى البهلول، نتعلم منه السمت؛ * * * قال غيره: دفع إلى البهلول كتاب فقضه، فإذا فيه: من امرأة من سمرقند خراسان، مجنت مجونا لم يمجنه أحد إلا هي، ثم أنابت إلى الله، وسألت عن العباد في أرضه، فوصف لها أربعة، بهلول بأفريقية أحدهم. فسألتك بالله يا بهلول إلا دعوت الله أن يديم لي ما فتح لي فيه. قال: فسقط الكتاب من يده وخر على وجهه، وجعل يبكى حتى لصق الكتاب بطين دموعه؛ ثم قال: يا بهلول! سمرقند خراسان! الويل لك من الله، إن لم يستر عليك؛ * * * قال سحنون: كان الذكر لرباح، فلما مات صار لبهلول، وما ذلك إلا من خبيئة كانت له.ومرت امرأتان به وهو يتفلى، فقالت إحداهما للأخرى: هذا بهلول! فقالت: لأن تسمع بالمعيدى خير من أن تراه! فقال البهلول: هذه عرفتني؛ * * * وقال له رجل يوما: يا مراء! فقال له البهلول: قد أخبرتها بذلك، يعنى نفسه، فأبت على ولم تقبل، فاجتمع عليها شهادتك وعلمى. * * * وكان عند البهلول طعام فغلا السعر، فباعه ثم أمر أن يشترى له ربع نصف قفيز، فقيل له في ذلك، فقال: نفرح إذا فرح الناس، ونحزن إذا حزنوا. * * * قال جماعة: إن البهلول مضى مرة يريد الجامع، فلما حاذى قصر الإمارة إذا خدم السلطان قد خرجوا من المطبخ يحملون القدور؛ فقالوا له: تقدم، ووضعوا لوحًا عليه قدور على رأسه؛ فلما رآه الناس قاموا من كل ناحية، فأرادوا البطش بهم، فاعتذروا بأنهم لم يعرفوه؛ فقال: أنا فعلته بنفسي، ولا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، فكان بعد لا ينصرف إلا بثياب حسنة. * * * قال بعضهم: رأيت البهلول منصرفًا إلى داره وعليه قلنسوة خز، وساج طرازي، وقميص تسترى، ونعل طائفي. * * * قال عون: صنع البهلول طعامًا وأحضر له جماعة من أصحابه، فقالوا له: لم صنعته لغير سبب؟فقال: كنت خائفًا أن أكون من البربر، لما جاء فيهم من الحديث، فأخبرني من يعلم، أنى لست منهم. * * * وكان البهلول جوادًا، فبلغنى أنه كان لا يحبس فوق خمسمائة درهم. * * * قال ابن الحداد. أخبرتنى أمى قالت: وجهت إلى البهلول وأنا طفلة، فلما رأني قال: تبارك الله، نزع بها الشبه، ثم وهب لي مائة درهم. * * * وقالت جاريته: أقمت مع البهلول ثلاثين سنة، فما رأيته نزع ثوبه قط عن جسده، ولا رأيته مصليًا نافلة قط. كان يأتي فيرقدني كما ترقد الأم ابنها، ثم يدخل المستراح، فيتهيأ للصلاة، ثم يصعد لغرفته فيغلقها عليه، ولا أدرى أحى هو أو ميت، غير أني ربما كنت أسمع سقطته في آخر الليل، فأظن أنه استثقل نومًا فسقط. * * * وذكر أنه كان عنده شاب يطلب، ثم أقبل على المجانة، فبلغ ذلك البهلول، فساءه، فبينما هو يومًا جالس إذ خطر به الشاب، وتحته طنبور، فعرف ذلك البهلول، فتأمله، ثم قال: لعله ذهب ليكسره؛ فلما كان بعد ذلك، ذهب البهلول (¬١٤٢) إلى داره، فاستدعاه، فسلم عليه، وسأله عن الذي شغله عنه، وأقبل يعظه، حتى رجع الفتى إلى الخير، وترك ما كان عليه، ولازم البهلول ونفعه الله به، فكان له شأن. * * *قال أبو عثمان بن الحداد: بلغني أن بهلولا كان ذات يوم جالسًا وعنده صاحبه رياح (¬١٤٣) بن يزيد الزاهد، إذ أقبل أخ للبهلول من البادية، فجعل يلهج بخبر المطر والزرع، وبهلول يتقلى (¬١٤٤) ويتلون اغتماما لرياح، لعلمه بكراهيته ذكر الدنيا وأسبابها، فلما أكثر أخوه من ذلك، نهض رياح وجعل يقول لبهلول: سقطت من عينى، تذكر الدنيا في مجلسك ولا تنكر ولا تغير؛ فقال له البهلول: إذا لم أسقط من عين الله فلا أبالى من عين من سقطت؛ فخر رياح على رأسه يقبله ويقول: نعم يا حبيبى يا بهلول! لا تبالي من عين من سقطت إذا لم تسقط من عين الله. * * * ودخل بهلول على ابن غانم القاضي، وقت المغرب في رمضان، فقرب الماء ليغسل من حضر، فغسلوا وغسل بهلول، ولم يأكل، فكلمه في ذلك ابن غانم القاضي. وقال: أنا سلطان؟ طعامى حرام؟ ألست بصائم؟ فجعل البهلول يعتذر إليه ويقول: طعام لا أجد في بيتى مثله، وإن تكلفته شق على، وأنا أكره أن أتكلف ما يشق على (¬١٤٥)؛ وابن غانم يبدى ويعيد كلامه الأول، والبهلول يعتذر ولا يزيد على قوله الأول، حتى فرغ القوم وخرجوا وخرج بهلول. * * *وذكر ابن اللباد: أن رجلا سأل البهلول عن مسألة، فأجابه فيها، ثم قال له: اذهب إلى الفارسي، يعني ابن فروخ، فسله فذهب إليه فسأله، فأجابه بمثل قول بهلول، فانصرف إلى بهلول فسأله فيها أيضا، فقال: ألم أدلك على ابن فروخ؟ قال: بلى، وقد أجابني، قال بهلول: فلعلك تفضل بعض الناس على بعض؟ - يريد نفسه - والله لو كانت للذنوب رائحة ما جلست إلى ولا جلست إليك، وقال: ابن فروخ الدرهم الجيد، وأنا الدرهم الستوق (¬١٤٦). * * * قال بهلول: لقيت رياح بن يزيد ببئر زمزم ومعه خراساني، وقد نزعوا ماء من بئر زمزم، فجعلوه في سويق، فنظرت فإذا هو عسل. فقالا: لا تخير بما رأيت؛ فما فعلت حتى مات. * * * قال ابن الحداد. كان لقوم من النخاسين عشرون دينارًا عند البهلول، وكان له عند دحنون عشرون دينارًا، فجاءه سائل، فقال لدحنون: "ادفع إليه دينارًا من "العشرين" فدفعه؛ وجاءه النخاسون فقال له: "حضر تسعة عشر" وأمر دحنون بعدها لهم، فوجد عشرين فقال لدحنون: "لا إله إلا الله، أراك لا تحسن العدد". * * *قال سليمان بن سالم: جاء مغيث بن رياح إلى بهلول، فأخبره بعزمه على الحج، فقال له أما كنت حججت؟ فقال: نعم. ولكنى اشتقت إلى بيت الله الحرام، وقبر النبي ﷺ؛ فقال له: كم أعددت لخروجك؟ فقال له: مائة درهم؛ فقال له: هل لك أن تأتينى بها فأصرفها في مواضع، وأضمن لك على الله عشر حجج مقبولة؛ فأتاه مغيث بالصرة، فأفرغها تحته (¬١٤٧) وجلس معه، فلم يزل يدفع منها الخمسة والعشرة، يقول لهذا: تزوج بها وعش بالباقي، ولهذا: أنفقها على عيالك، وللآخر: استر وجهك بها (¬١٤٨). حتى نفذت. فرأى بعد ذلك رجل صالح، أن آتيا أتاه مرتين في الليل، يقول له: امض إلى مغيث، فأخبره أن الله قد وفاه ضمان بهلول، فأخبره بذلك الرجل. * * * قال أبو زرجونة: استغفيت ليلة جمعة، وضربت بمقرعة، فأخبرت بذلك البهلول من الغد، فأكب على يسألني أن أجعل من فعل ذلك في حل؛ فقلت: فعلوا بي وفعلوا، وأجعلهم في حل؟ فقال لي: أيسرك (¬١٤٩) أن يحال بين أخيك المسلم وبين الجنة بسببك؟ فلم يزل بي حتى جعلتهم في حل. * * *قال: وأقبل هرثمة بن أعين (¬١٥٠) أمير أفريقية في موكبه، حتى انتهى إلى مسجد البهلول بن راشد، وبهلول مسند ظهره إلى عمود بإزاء باب المسجد، فانحنى هرثمة في السرج، وقال لبعض من معه: ادفع إليه المزود بالدراهيم، وقل له. قال لك الأمير. فرقها؛ فجاء إليه الرسول، فقال له البهلول: الأمير أقوى على تفريقها منى. * * * قال سحنون: سأل رجل البهلول وأنا عنده عن مسألة فأجابه بخطأ، فقلت له في ذلك، فقال: ألا ترى إلى هؤلاء الأحداث يؤذوننا (¬١٥١). وكنت إذا اجتمعت لي قطعة، خرجت إلى على بن زياد، فخرجت إليه فبينما أنا عنده إذ جاءه كتاب البهلول، فرمي به إلى، فقلت: هذه مسألة اختلف فيها عندنا؛ فقال لي: ما قالوا؟ قلت: قال البهلول، كذا؛ قال: ومن نازعه؟ فقلت: أنا قلت فيها كذا؛ قال: أصبت وأخطأ، اكتب إليه بهذا عنى؛ ثم قال لي: الزم هذا الرجل فإنه صالح. * * * وقال ابن الحداد عن أبيه: كان بهلول من أغير الناس، ما كان يدخل داره رجل غيري؛ * * *قال بعض أصحابه: دخلت عليه وبين يديه ابنته طفلة، وعليها ثياب مصبوغة. قال: فقال لي: ما أحببت شيئًا حبى لها، وإني لأحب لو قدمتها لربي؛ فانصرفت عنه، ثم رجعت إليه فأصبت الناس مجتمعين على بابه، فسألت، فقيل لي، ماتت ابنته؛ فدخلت إليه وعزيته، فلما وليت لحقنى وقال لي: بالله لا تذكر ما كان منى، يعنى أمنيته، يعنى ما دمت حيًا. * * * قال زكرياء بن الحكم: قلت للبهلول: يا أبا عمرو! هذه القراءة التي تقرأ عنك، أشيء رويته عن السلف أم شيء رأيته؟ فقال: ما أخذته عن أحد، إلا أنى كنت عند معلمى أخيط، فأمر على مسافر بن سليمان الواعظ بالجامع، والقراء يقرأون عليه، فأقف عليه، واستحلى ذلك، ثم حاسبت نفسى وقلت: أنا مستأجر. فصرت أخذ من معلمى طريحة معلومة، فإذا فرغت منها مضيت إلى مجلسه، فانتفعت به، وبقيت حلاوة ذلك في قلبي ومنفعتها إلى الآن، ثم قال: وهؤلاء القراء إن أتوني سمعت منهم وإن غابوا لم أرسل فيهم. * * * وذكر رجل لبهلول أنه رأى الشمس والقمر دخلا جوفه، فأفتاه بهلول بأنه يموت، وتلى: " ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ " (¬١٥٢).