page 490, entry [135]Open original source
ابتداء طلبه وسبب زهده وجمل من فضائله وعلمه قال الإمام القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: ذكر الصدفي، قال: لما بلغ ابن المبارك، دفع إليه أبوه خمسين ألف درهم يتجر بها، فطلب العلم حتى أنفذها، فلما انصرف لقيه أبوه، فقال:- ما جئت به؟ - فأخرج إليه الدفاتر، فقال: هذه تجارتي! فدخل أبوه المنزل، فأخرج له ثلاثين ألف درهم أخرى، وقال *: - خذ هذه فابتع بها تجارتك (¬٥٢). فأنفقها. * * * قال ابن المبارك طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وقال ابن حنبل: لم يكن في زمن ابن المبارك أحد أطلب للعلم منه، دخل اليمن، ومصر، والشام، والحجاز، والبصرة، والكوفة، وكان من رواهُ العلم، وكان أهلا لذلك، كتب عن الصغار والكبار. وما أقل سقطه، كان يحدث من كتاب. * * * قال ابن وضاح: كان ابن المبارك يروى نحواً من خمسة وعشرين ألف حديث. وقيل له إلى متى تطلب العلم؟ قال أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت. وذكره أبو عمرو في كتابه في طبقات المقرئين. وذكر أنه كان يقرأ بالاختلاف (أن ابنك سرق) (¬٥٣). * * * وقال يحيى بن يحيى الليثى: أقبل يومًا إلى مالك رجل عليه سمت حسن، فكنت أراه - يعنى مالكًا - يقول له:- ها هنا. ثم تزحزح له في مجلسه، وما رأيته تزحزح لأحد غيره، فأجلسه في جواره، وكان ربما سئل مالك عن المسألة، فيجيب فيها، ثم يميل إلى الرجل فيقول له: - ما يقول أصحابك فيها؟ فيقول الرجل جواباً خفياً لا نسمعه ولا نفهمه، فرأيته فعل ذلك أياما، فأعجبني أدب الرجل، ولم أره يسأل عن شيء حتى انصرف، وكان يجتزئ بما يسمع، فقال لنا مالك: هذا ابن المبارك فقيه خراسان. * * * وصلى ابن المبارك يوما إلى جنب أبي حنيفة، فجعل ابن المبارك يرفع يديه في كل تكبيرة، فقال له أبو حنيفة: - أتريد أن تطير؟ فقال: لو شئت لطرت في الأولى. * * * وكان يقول: الزاهد، الذى أن أصاب الدنيا لم يفرح (¬٥٤)، وإن فاتته لم يحزن. * * *قال ابن شاهين. حضر ابن المبارك عند حماد بن زيد مسلما عليه، فذهب أصحاب الحديث إلى حماد أن يسأل ابن المبارك أن يحدثهم، فقال ابن المبارك: - يا سبحان الله! أحدث وأنت حاضر؟ فقال: أقسمت عليك لتفعلن، أو نحوه. فقال: حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد، وما حدثهم بحرف إلا عنه؛ * * * وكان ابن المبارك يقول: أول العلم، النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم العمل، ثم الحفظ، ثم النشر. ويقال: أنه كان يحج عاما، ويغزو عامًا. لا يمر بمدينة إلا قال لمشيختها من أهل العلم والاقلال: ليخرج معى من أراد الحج، يكفيهم مئونتهم، ويفعل مثل ذلك إذا غزا. * * * قال أحمد بن شجاع: رأيت سفرة ابن المبارك على عجلة، أو قال: على عجلتين. * * * ومن كتاب أبي عمرو الصدفي، قال: قدم الرشيد الثغر، فجاء الفزاري، وفرج أبو سليمان إلى ابن المبارك فقالا له: قدم هارون وهو يريد لقاءك والسلام عليك. فقال: اذن أكلمه بلساني كله، فقال أحدهما للآخر: قم بنا لعله يجئ منه ما يكرهه الآخر بسببنا. * * *قال الفسوي (¬٥٥) العابد: كنت مع ابن المبارك في غزاة في ليلة ذات برد ومطر، فيكى، فقلت: أتبكى من مثل هذا؟ فقال: إنما أبكى على ليال سلفت ليس فيها مثل هذا من الشدة لنؤجر عليها. * * * قال ابن المسيب: أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر ابن عياش بأربعين ألف درهم، وقال سد بها خلة اللوم عنك. * * * قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟ * * * وحكى أن إبليس جاء إلى ابن المبارك وهو يتوضأ فقال: انك لم تمسح؛ فقال: بلى قد مسحت. قال: بل لم تمسح؛ فقال: أنت المدعى، أقم البينة. * * * قال منصور بن عمار: ثلاثة * تفتتت أكبادهم من الخوف، الفضيل، وعيسى بن يونس، وابن المبارك. * * *وقال ابن المبارك لبعض أصحابه: لا تغفل عن يوم ذكره الله في كتابه في ثلاثة وستين موضعًا. * * * وقال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة؛ فقال ابن المبارك: لكني أعرف رجلًا لم يزل البارحة يقرأ (التكاثر) إلى الصبح، ما جاوزها - يعنى نفسه -، * * * وذكر هو وغيره أن ابن المبارك سئل عن ابتداء طلبه العلم؛ فقال. كنت شابًا أشرب النبيذ، وأحب الغناء، وأطرب بتلك الخبائث، فدعوت اخوانا لي حين طاب التفاح وغيره إلى بستان، فأكلنا وشربنا حتى ذهب بنا السكر والنوم، فانتبهت آخر السحر، فأخذت العود أعبث به وأنشد: ألم يان لي منك أن ترحما … وتعصى العواذل واللوما فإذا هو لا يجيبنى إلى ما أريد، فلما كررت عليه بذلك، وإذا هو ينطق كما ينطق الإنسان، يقوله: (ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) (¬٥٦) قلت: بلى يا رب؛ فكسرت العود وهرقت النبيذ، وجاءت التوبة بفضل الله بحقائقها، وأقبلت على العلم والعبادة. * * * وروي أن عبد الله بن المبارك دخل الكوفة وهو يريد الحج، فإذا بامرأة جالسة على مزبلة، وهي تنتف بطة، فوقع في نفسه أنها ميتة فوقف على بغله، فقال لها: يا هذه! هذه البطة ميتة أو مذبوحة؟قالت: ميتة. قال: فلم تنتفينها؟ قالت: لآكلها أنا وعيالى؛ فقال لها: يا هذه! أن الله تعالى قد حرم عليك الميتة، وأنت في بلد مثل هذا؛ قالت: با هذا! انصرف عنى؛ فلم يزل يراجعها الكلام وتراجعه، إلى أن قال لها: وأين تنزلين من الكوفة؟ قالت في قبيلة بني فلان؟ ثم قال لها: وبأى شيء تعرف داركم؟ قالت: بيني فلان؛ فانصرف عنها وصار إلى الخان، ثم سأل عن القبيلة فدلوه عليها، فقال الرجل: لك على درهم وتعال معى إلى الموضع؛ فمضى حتى انتهى إلى القبيلة التى ذكرت المرأة، فقال للرجل: انصرف؛ ثم دنا إلى الباب، فقرع الباب بمقرعة كانت معه، فقالت العجوز: من هذا؟ فقال لها: افتحى الباب؛ ففتحت بعضه، فقال: افتحيه كله؛ ثم نزل على البغل، ثم ضربه بالمقرعة، فدخل البغل إلى الدار، ثم قال للمرأة: هذا البغل وما عليه من النفقة والكسوة والزاد هو لكم، وأنتم منه في حل في الدنيا والآخرة.ثم جلس ابن المبارك مختفياً حتى رجع الناس من الحج، فجاءه قوم من أهل بلده يسلمون عليه ويهنونه بالحج، فأقبل يقول لهم: أنه كانت بي علة ولم أحج هذه السنة. فقال بعضهم: يا سبحان الله! ألم أودعك نفقتى ونحن بمنى، ونحن نذهب إلى عرفات؟ وآخر يقول: ألم تشتر لى كذا؟ فأقبل يقول: لا أدرى ما تقولون، أما أنا فلم أحج هذا العام؛ فرأى في الليل قائلا يقول له. يا عبد الله! أبشر، فإن الله قد قبل صدقتك، وبعث ملكا على صورتك فحج عنك.