Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ومنهم الحجاج بن يوسف (¬٢) بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف.

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 5464, entry [2028]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: ومنهم الحجاج بن يوسف (¬٢) بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف.
page 5464, entry [2028]Open original source
ومنهم الحجاج بن يوسف (¬٢) بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف. وكان يوسف مع عبد الملك وأبيه قبله، وانهزم يوم الحنتف بن السجف بالربذة (¬٣)، وكان مع حبيش بن دلجة فقال الشاعر: ونجّى يوسف الثقفي ركض … دراك بعد ما سقط اللواء ولو أدركنه لقضين نحبا … به ولكل مخطأة وقاء وكان الحجاج ردفه يومئذ، ومات يوسف والحجاج على المدينة، فنعاهعلى المنبر وقال: إني أحمد الله أنه لم يدع مالا ولا كلأ، وأم الحجاج ومحمد، وزينب أختهما: الفارعة بنت همّام بن عروة بن مسعود بن معتب. وولّى عبد الملك محمد بن يوسف اليمن فمات بها فقال الشاعر: ألا قل للوّامي على الخمر انني … سأشربها مما سباه (¬١) معتّب وكان الحجاج يكنى أبا محمد، ولي أول مرة تبالة، فلما رآها أبى أن يليها فقيل في المثل: أهون من تبالة على الحجاج. ويقال بل أقام يسيرا فآذى أهلها واستخف بهم فقيل أهون من أهل تبالة على الحجاج، والأول أثبت. وولي شرط أبان بن مروان في بعض أيامه، فلما خرج ابن الزبير وقوتل قال الحجاج: رأيت كأني سلخت ابن الزبير، فوجهه عبد الملك لقتاله، وقد كتبنا خبره. وولى عبد الملك الحجاج الحجاز ثلاث سنين، فكان يصلي بالناس في الموسم كل سنة، ثم ولاه عبد الملك العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فوليه لعبد الملك أربع عشرة سنة ثم للوليد حتى هلك بواسط في رمضان سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، ودفن بواسط، واستخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم مولاه، وعلى الحرب يزيد بن أبي كبشة السكسكي. وكان ابنه عبد الملك يصلي بالناس، وقد كتبنا خبره في قدومه الكوفة، والبصرة، وأمر رستقاباذ، وأمر ابن الأشعث، وأمر من خرج عليه، فيما تقدم من كتابنا هذا.وحدثني المدائني عن مسلمة وغيره قال: لما قدم الحجاج العراق سأل عن سيرة زياد، فاجتنب محاسنها، وأخذ بمساوئها. حدثني محمد بن أبان الواسطي عن أشياخهم قال: كان للحجاج جناح يقعد فيه إلى أن يمضي أكثر الليل، وان بعض الحراس، كان شارب نبيذ فرمى ذلك الجناح بحجر، فاستشاط الحجاج فأمر بطلبه فأتي به فقال: يا بن اللخناء ما حملك على ما فعلت؟ قال: العيّ واللؤم. فقال: لا تعد فقد أنجاك صدقك. وكان إذا صدّق نفع الصدق عنده. قالوا: وكان الحجاج يشرف من الخضراء وغيرها فإذا رأى رجلا يطيل الصلاة، قال: هذا حروري فحبسه وربما قتله. وكان لا يرى رجلا يبول أو يحدث في مدينة واسط إلاّ عاقبه فقال بعض الشعراء: إذا ما خرجنا من مدينة واسط … خرينا وصلينا بغير حساب المدائني قال: وفد الحجاج إلى عبد الملك، فدخل عليه وعنده خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له: يا حجاج إلى كم يكون هذا القتل، إلى كم يكون هذا البسط؟ فقال الحجاج: إلى أن لا يبقى في العراق رجل يزعم أن أباك يشرب الخمر. قال المدائني: وكان للحجاج طبيب يقال له تياذوق، فاستشاره في أكل السمك فأمره فأطلي بالمسك ثم أكله فقيل له: لقد أقدمت والله لو ضرب عرق لقتلك، فقال: صدقتم وقد سلم الله. وقال تياذوق لشبيب الناجي، وكان أثيرا عند الحجاج: أمالك إليّ حاجة، فقال: لا، لأني لا أجوع ولا أشبع، ولا آكل لحم شيء أكبر مني. قال: حسبك قد اكتفيت.وقال الحجاج لزادنفروخ بن تيزي كاتبه، وكان مجوسيا: ادعني فأطعمني لونا من اللحم، ولونا من الحلواء لا تزيد على ذلك، فأطعمه جديا رضيعا سمينا وفالوذجة. المدائني عن خالد بن يزيد أن الحجاج ذكر الفتنة فقال: تلقح بالشكوى، وتتم بالنجوى، وتنتج بالهلع. وقال المدائني كان الحجاج يقول في خطبته: أيها الناس إنكم لم تخلقوا للفناء، إنما خلقتم للبقاء غير أنكم تنقلون من دار إلى دار، فرحم الله عبدا أخذ بعنان عمله، فإن كان لله مضى قدما، وإن كان لغيره أمسك محجما. وروى ذلك قوم عن علي بن أبي طالب ﵇. قالوا: وخطب الحجاج حين أراد الحج فقال: أيها الناس إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني هذا وأوصيته فيكم بخلاف وصية رسول الله بالأنصار، فإن رسول الله أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ألا وإني أوصيته ألا يقبل من محسنكم ولا يعفو عن مسيئكم، وإنكم ستقولون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلاّ مخافتي، تقولون لا أحسن الله له الصحابة، ألا وإني قائل لا أحسن الله عليكم الخلافة، ثم نزل. ولما حج أتاه الناس يمدحونه ويستميحونه، فاستسلف من التجار، وأعطاهم، فلما صاروا بالعراق قضاهم. المدائني قال: أخرج الحجاج الدهاقين والناس من المصرين وألحقهم بأرضهم، فقال بعض الرجاز: جارية لم تدر ما سوق الإبل … أخرجها الحجاج من كنّ وظلّوذكروا أن الحجاج كان يقول: ولدتني إذا أم حجر، ولدتني إذا أم ببّة، وأم حجر من بني عبد الدار، وهي أم خالد بن عبد الله بن أسيد وأم ببّة هند بنت أبي سفيان بن حرب. وقال المدائني: لما فرّ ابن الأشعث يوم مسكن، نزع أبو حزابة درعه وسيفه وخري عليهما، وقال لعنك الله سلاحا ما كان أقل غناءك، فمر به شامي فقتله، وأتى الحجاج برأسه، وأخبره كيف قتله، فقال: ويحك هلا عفوت عنه وقد استسلم واستخذى. ومر الحجاج بدار هميان بن عدي السدوسي، وهو على بغل ديزح، وعليه قباء سماجوني، وعمامة بلويّة فرفع يده فدعا على هميان، ثم أمر بهدمها، فلما هدمت أمر بطرح ترابها في النهر، وكان هميان بأرض الترك، فلما مات الحجاج أقبل فمات في طريق البصرة. وقال عون بن عبد الرحمن بن سلامة: وددت مخافة الحجاج أني … بكابل في است شيطان رجيم وددت مخافة الحجاج أني … مع الحيتان في بحر أعوم المدائني عن عبد الله بن أسلم الفهري: قال أراد الحجاج الشخوص إلى عبد الملك بعد فراغه من أمر الأزارقة وغيرهم سنة ثمان وسبعين فشاور زاذ نفروخ كاتبه، الذي قتل يوم الزاوية، فقال له: أتطمع أن يزيدك في سلطانك؟ قال: لا. قال: فما يدعوك إلى الوفادة وأنت ههنا وال، وأنت ثمّ مولى عليك، وأنت تدعى ههنا الأمير، وتدعى ثمّ باسمك، وتحتاج إلى الطاف الولد والمرأة والعبد، وإذا رآك عبد الملك بعثته على الكفرة فيك. فقال: صدقت.ثم شاور عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة الأعور فقال له مثل مقالته، فقال: لولا أن هذا أمر لم يطلع عليه أحد لقلت إنكما اجتمعتما عليه، وأخذ برأيهما. فلما قتل ابن الأشعث وقتل زاذنفروخ، وهرب عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة وفد الحجاج إلى عبد الملك، فلقي في سفره غما، وركب عبد الملك فسعى بين يديه حتى كاد ينقطع، فقال: قبّح الله هذا عيشا، لله در القرشي والعلج. قالوا: وكان عند الحجاج شبيب الناجي، فأتي الحجاج بزبد وتمر، فقال الطبيب لا تأكله، فقال شبيب: قال الله ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ﴾ (¬١). وهذا مخ اللبن وأما التمر فإن الله قال لمريم ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ (¬٢) فكل فلن يضرك إن شاء الله، قال شبيب: فخرجت وندمت وقلت والله وإن وجد في بطنه شيئا قتلني. فلما أصبحت عبّات متاعي لأهرب فرآني عنبسة بن سعيد فقال: إنك لجريء، ويحك ما دعاك إلى التعرض للحجاج. والله لو وجد شيئا في بطنه أو عرق من عروقه لضرب عنقك. وقال عبد الله بن صالح: خطب الحجاج فقال: لئن أطيلت لكم النّظرة، ومدّ لكم في المهلة، ولم تحدثوا قبل الموت توبة فيا لها حسرة. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قدم الحجاج البصرة، فسمع تكبيرا من وراء القصب، فخطب فقال: يا أهل العراق ما هذا التكبيرالذي يراد به الترهيب، إني لأعلم أنها عجاجة ثارت يا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، ألا يربع الرجل منكم على ظلعه، ويبصر موضع قدمه، ويحسن حمل رأسه، فوالله ما أظن الأمر يتناهى بي وبكم حتى أوقع بكافتكم وقعة تكونون بها ﴿نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾ (¬١) الفتنة تلقح بالشكوى، وتتم بالنجوى، وتنتج بالهلع. قالوا: وأتي الحجاج بخليفة بن خالد بن الهرماس، وكان ممن خرج عليه فقال له: من أنت؟ قال: أحد الفجرة الكفرة فقال: خلّوا سبيله، فقال سويد بن صامت العجلي: هذا القائل: فله حجاج بن يوسف حاكما … أراق دماء المسلمين بلا جرم فأمر به فقتل. ومرض الحجاج فأرجف به، فلما أفاق خطب فقال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، تقولون مات الحجاج ومات الحجاج، فمه والله ما أحب ألا أموت، وما أرجو الخير كله إلا بعد الموت، وهل رأيتم الله اختار الحياة إلاّ لشر خلقه وأهونهم عليه إبليس، ولقد سأل العبد الصالح ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، ثم اضمحلّ، فكأن لم يكن، أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، لكأني بكل امرئ منا ومنكم قد نقل في ثياب طهره إلى ضيق قبره فوضع في ثلاث أذرع طولا في ذراعين عرضا فأكلت الأرض شعره وبشره وامتصّت صديدهودمه وأقبل الحبيبان من ولده يقتسمان الحبيبين من ماله. إن الذين يعلمون يعلمون ما أقول. ثم نزل. حدثنا محمد بن الأعرابي عن عبّاد بن عباد قال: لم يتعلق على الحجاج إلا بكلمتين، أقبل من الشام وحاد يحدو ويقول: إنّ عليك أيها البختي … أكرم من تحمله المطيّ فقال: صدق فوك. وقوله للوليد: حدثت بعد أمير المؤمنين أمور قد صورتها حتى أخبره بها يوم القيامة. وقال ابن الاعرابي قد ذكر نحو هذا عن هشام بن عبد الملك أيضا. المدائني قال: لما قدم الحجاج من الشام لقيه جرير بن عبد الله ويقال حميد الأرقط فقال: إذا بدا الحجاج وسط الموكب … رأيته بعد العجاج الأصهب كالبدر يعشي البدر كل كوكب وقال: تحمله معتجرا ببرده … شعواء (¬١) تردى بنسيج وحده كالسيف إذ أبرزته من غمده وقال الحجاج: لا يملّنّ أحدكم المعروف، فان صاحبه بعرض خير كثير، شكر في الدنيا وثواب في الآخرة، وخير المعروف ما بغشت (¬٢) به عثرات الكرام.وقالوا: لما حمل يزيد بن المهلب فلّ ابن الأشعث، أرسل الحجاج إلى أبي عيينة فزوجه هندا بنت المهلب، وزوج أختها من محمد أخيه، فحملت إلى اليمن. وقال الحجاج: قدمت العراق وأنا ابن ثلاث وثلاثين سنة. المدائني عن سحيم بن حصن قال: قال الحجاج حين مات أسماء بن خارجة بن حفص الفزاري: هذا الذي عاش فيما شاء، ثم فني فنى. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: كان الدهاقين عيونا لابن الأشعث، فلما انهزم وظفر الحجاج أضرّ بأهل السواد، حتى انكسر الخراج، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أتاه أهل النيل فشكوا إليه ما أخذ الحجاج منهم، فوجدوا ذلك في شرط الحجاج عليهم فلم يرده عليهم. المدائني عن أبي اليقظان وغيره أن الحجاج منع من ذبح البقر لتكثر الحراثة والزرع، فقال رجل: رأيت الخنازير تدخل البصرة وتمنع البقر من دخولها فقال الشاعر: شكونا إليه خراب السواد … فحرّم ظلما لحوم البقر فكنا كمن قال فيما مضى … أريها السّهى وتريني القمر حدثني عبد الله بن صالح عن رجل عن الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأقامه الحجاج فقال: إلعن الكذابين علي بن أبي طالب (¬١)، والمختار بن أبي عبيد، فلما قال: عليّ علمت أنه لم يعنهما.وقتل الحجاج دينارا مولى بني قطيعة، الذي تنسب إليه حفرة دينار. وكان هدم قصر الحجاج واشترى نقضة ابن الأشعث، فأخذه الحجاج ببنيانه فبناه وشرّفه فذبحه بين شرفتين منه. المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال الحجاج: أيها الناس تلمثوا واتقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج، يا أهل الشام املكوا أعنة خيلكم، فإن الله قد ملككم أعنتها، وكفوا أذاها عن الناس. قالوا: ولما بنى الحجاج واسطا قال لجامع المحاربي: كيف ترى؟ قال: بنيتها في غير بلدك تدعها لغير ولدك. ويقال إن الذي قال له ذلك ابن القريّة. قالوا: ولما اتخذ صالح بن علي ولد الحجاج في حصن، أخذ سيف الحجاج فقتلهم به. وطلب أبو جعفر المنصور درعه فكتب إلى سلم بن قتيبة فيها، فقال ولده: ننشدك الله قد أعطانا بها هشام مائة ألف درهم، فأخذها من الحجاج بن عبد الملك بن الحجاج. المدائني عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني وابن عون قالا: أكره الحسن إكراها حتى أتى ابن الأشعث، وذلك أنه قيل لابن الأشعث: إن أردت أن يقاتل الناس معك، كما قاتلوا مع عائشة، فأخرج الحسن، فأخرجه. وحدثني المدائني قال ذكر جماعة من أهل البصرة أن الحسن رؤي جالسا في ظل منبر ابن الأشعث.المدائني عن حماد بن زيد عن أبي التياح قال: كان الحسن وسعيد أخوه جالسين فسعيد يحضّ على قتال الحجاج والحسن يبتسم ويقول: إنما ابتليتم بالحجاج عقوبة الله فلا تلقوا عقوبة الله بالسيف. المدائني عن حماد بن سلمة قال رأى الحسن أخاه سعيدا وقد لبس سيفه، وهو يريد قتال الحجاج مع ابن الأشعث فقال: ما هذا؟ فأخبره، فقال: وما أنت وذنوب الحجاج، دعه يشقى بها. وحدثني روح بن عبد المؤمن حدثني أمية بن خالد عن حماد بن زيد عن يحيى عن ابن سيرين أنه قال: الحائن سعيد بن جبير صنع ما صنع، ثم أتى مكة يفتي الناس. حدثني بكر بن الهيثم عن سفيان بن عيينة أن ابراهيم التيمي حبس في الديماس، فكان ومن معه في جهد وضيق، واشترى بعضهم جروا فأكله، وكان التيمي يعزيهم، وكان يتناول الحجاج. المدائني عن حماد بن زيد عن أيوب أن الفتنة ومن خرج فيها ذكروا عنده، فقال: ما أعلم أحدا منهم إلا وقد رغب له عن مصرعه، ولا أحد منهم بقي إلاّ ندم على ما سلف منه. قال: وقال ابن عون: رأيت ابن الأشعث يخطب قاعدا، فأتيت الحسن والناس عنده وهو ينهاهم عن الخروج. قال: أين أبوك؟ قلت: غائب. قال: إلحق بأبيك. المدائني عن أبي خيران الحماني عن عوف عن الحسن قال: دخلت على الحجاج وعلى قباء مصدأ فقال: يا حسن ما دعاك إلى الخروج مع ابن الحائك؟ قلت: الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم. فأمر فخرجت وفكرفي كلمتي فدعا بي فتواريت فلم أظهر حتى مات، وتوارى أبو عمرو بن العلاء، قال: فسمعت أعرابيا يقول: مات الحجاج: ربما تجزع النفوس من الأم … ر له فرجة كحل العقال فما أدري بأي الأمرين كنت أفرح، أبموت الحجاج أم بقوله فرجة، وإنما كنا نرويها فرجة. المدائني عن علي بن حماد قال: رأى زبيد اليامي رجلا يضحك، فقال: إنك لتضحك ضحك رجل لم يشهد دير الجماجم، وقال لطلحة بن مصرّف: وددت أنّ يدي قطعت ولم أشهد دير الجماجم. وقال محمد بن المنتشر لطلحة بن مصرف: تعيب علينا شرب الطّلى المثلث، وتقاتل أهل التوحيد؟ فقال: ويحك وددت أني متّ قبل ذلك بعشرين سنة. الأصمعي عن عمه قال: أرسل الحجاج إلى مطرّف، ولم يكن خرج وكان القاعد عن الحجاج ومن قاتله سواء، فقال: يا مطرّف مرة لنا ومرة علينا؟ فخاف إن جحد أن يقتله فقال: كانت هنّة استخفت حلومنا فكنّا بين مقتول ومخذول وهارب مفلول، فقال: صدقت هذا خير مما يأتينا وسيفه يقطر من دمائنا ثم يجحد. المدائني عن عامر بن حفص عن ابن سيرين قال: ما ذكرت من قتل مع ابن الأشعث إلا قلت ليتهم لم يخرجوا، وما ذكرت كلمة قالها الحجاج إلا قلت: ما وسعهم إلاّ ما صنعوا، قال: أهل الشام يزعمون أن خبر السماء قد انقطع، وقد كذبوا إن خبر السماء عند خليفة الله وقد أنبأه الله أنه مشردهم وقاتلهم.حدثني يوسف بن موسى القطان، ثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن رجل سمع الحجاج يقول: إن رسول أحدكم أكرم عليه أم خليفته؟ المدائني أن مسلم بن يسار قال: أحمد الله إليكم فإني لم أرم بسهم ولا حجر، ولم أضرب بسيف ولا عصا، ولم اطعن برمح، فقيل له: كيف تصنع بوقوفك في الصف فقال: هذا أبو عبد الله رأيناه واقفا، فيقاتلون، فبكى. حدثني عمر بن شبه عن غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد قال: وجدت في قبر عبد الله بن غالب ريح المسك، فقال عطاء السليمي: ما أحسب هذا إلا من السلطان، يقتل في فتنة ويوجد من قبره ريح المسك. وكان الناس يأتون قبره فيأخذون من ترابه فجاء السلطان فأخرب قبره. المدائني عن عامر بن حفص قال: قيل لمالك بن دينار: يا أبا يحيى أعلى الكفر قوتل الحجاج؟ قال: ليتنا لم نشهد، وليت من قتل منا ينجو. المدائني عن سحيم بن حفص قال: مرّ مالك بن دينار بأبي الجوزاء صريعا وهو يقول: إنّا لله لا دنيا ولا آخرة. المدائني عن جعفر بن سليمان الضبعي عن مالك بن دينار قال: رأيت معبدا الجهني بمكة فقال: ليتنا أطعنا الحسن. المدائني عن أبي اليقظان قال: أتي الحجاج برجل من بني ضبيعة، وترك ابن الأشعث فقال له الحجاج: لم تركت صاحبك؟ قال: قد علمت أنه على الباطل. قال: كذبت ولكنك رأيت ملائكة أقبلت نحونا بجدّ وحدّ، ويقال انه قال له: رأيت سيلا أقبل نحونا بجدّ وحدّ، وقال عامر بن أبي الجهيم: كنا مع حمر نهّاقة فنهقنا معها. فأمّنه وسأله عن داره فقال:وسط البصرة فقيل له: إنها بالجبان، فقال: نعم هي بين الأحياء والأموات. وروى يونس بن أرقم عن رجل عن الحسن قال: أتاني هميان السدوسي فحملني من بيتي على فرس حتى أتى مسكن، فإذا الفريقان كأنهم جبال حديد فاقتتلوا فلقد رأيتني في العسكر أطلب من أدفع إليه القوس، فلما أعياني خليته ومضيت فانتهيت إلى نهر فإذا قوم قد جمعوا قصبا فحملوني فأتيت البصرة. وروي عن عبد الله بن عمر البكراوي القارئ قال: رأيت الحسن يقضي في عسكر ابن الأشعث محلوقا. المدائني عن أبي إسحاق التيمي قال: توارى الحسن عند أبي خليفة الحجاج بن عتاب مولى عبد القيس. وكان يكون عند علي بن زيد. فمرض جابر بن زيد فأتاه الحسن وقد ثقل ليلا، فخاف الصبح، ونزل بجابر الموت فصلى عليه الحسن وخرج، فمات بعد خروج الحسن. المدائني عن إسحاق التيمي عن الحسن قال: دخلت على الحجاج فقال: يا حسن ما جرّأك علي، قعدت تفتني في مسجدنا، فما تقول في أبي تراب؟ قلت: وما عساي أن أقول إلا ما قاله الله: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ … إلى قوله: ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ (¬١). فكان عليّ ممن هدى الله. فغضب ثم أكبّ ينكت، وخرجت فلم يعرض لي أحد، فتواريت حتى مات الحجاج.المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: كان الحجاج يذكر الحسن فيقول: علج تواريه أخصاص البصرة، وأخطب الناس إذا شاء، وإذا شاء سكت. حدثني هدبة عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: لزم رجل بيته في أيام ابن الأشعث، فقال له بنوه: لو أتيت السلطان فأصبت خيرا فأبى، فقالوا: ستموت هزلا فقال: لأن أموت مؤمنا مهزولا أحبّ إلي من أن أموت منافقا سمينا. المدائني عن عامر بن حفص أن الحجاج كتب إلى عامله على الكوفة أن احمل إليّ ابراهيم بن يزيد اللخمي، فحمل ابراهيم التيمي. وقال عبد العزيز بن الجارود: اضطرني ضيق الحبس حتى صرت في موضع مبالهم ليلة حتى أصبحت، فوجد مني البواب ريح المسك، أو قال ريحا طيبة فضربني على رأسي ضربة وجدت ألمها يومي كله. حدثنا العمري عن الهيثم عن عوانة عن مجالد عن الشعبي أن الحجاج أخّر الجمعة حتى صلاها قبل غروب الشمس ثم صلى العصر، ثم غابت الشمس فصلى المغرب فقال رجل: أخرت الصلاة عن وقتها وخالفت محمدا ﵊ في سنته، فأدخل عليه فأمر به فضربت عنقه، وعرض قوله على أهل المسجد فلم يقل مثل قوله إلا رجل آخر فضرب أيضا عنقه. حدثني عمر بن شبة قال: خرج الحجاج إلى البصرة، واستخلف بالكوفة أبا يعفور عروة بن المغيرة بن شعبة، فلم يزل عليها حتى فرغ الحجاج من رستقاباذ.وحدثني عمر بن موسى بن اسماعيل عن سلام بن مسكين عن أبي النضر عن عامر قال: شهدت عروة وهو على الكوفة، فأتاه رجل فقال: أصلح الله الأمير ما تقول في رجل قال لامرأته إن خرجت من بيتي فأنت طالق البتّة فقال رجل: اشهد على علي أنه قال بانت منه، وقال آخر: أشهد على عمر أنه قال واحدة وهو أملك بها. فقال: فإني أخالفهما، أما الطلاق فسنّة وأما البتّة فبدعة فيمينه بالله على ما نوى. حدثنا محمد بن الصبّاح البزّاز عن هشيم عن داود عن الشعبي أن رجلا اشترى جارية من رجل بخمسمائة درهم فنقده ثلاثمائة، وسأله أن يدفعها إليه فأبى فتحمل له مائتين وأعطاه إياها، فقال: ادخل فاقبض جاريتك فوجدها ميتة فخاصمه إلى عروة فقال: أما الثلاثمائة فلك وأما المائتان فإنك ارتهنت السلعة بها، والرهن بما فيه، فأعجب ذلك الشعبي. وحدثني عمر بن شبة عن أبي عاصم عن سفيان عن أبي حصين عن الشعبي أن رجلا قال لامرأته: يا وسنى فقال عروة: ما هي؟ قالوا: يا زانية. فجلده الحدّ، وكان الشعبي يأخذ بذلك. المدائني قال: هرب العديل بن فرخ العجلي فقال: أخوّف بالحجاج حتى كأنما … يحرك عظم في الفؤاد مهيض ودون يد الحجاج من أن تنالني … بساط لأيدي الناعجات عريض مهامه أشباه كأنّ سرابها … ملاء بأيدي الغاسلات رحيض فقتل الحجاج عبد الله بن حكيم المجاشعي، وقال: أنا قاتل العبادلة: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مطيع، وعبد الله بن صفوان،وعبد الله بن الجارود، وعبد الله بن حكيم، وعبد الله بن أنس، وكان قتل في المعركة. قالوا: لما مات محمد بن يوسف قدم عليه بابنة له فوضعها في حجره وجعل يقبلها ويبكي، ورجل من خلفه يقول له: اذكر الله يا حجاج، وكان قد وكله بأن يقول له هذا القول كلما جلس. المدائني عن أبي حفص الأزدي قال: قال الحجاج: سألت قبل مقدمي العراق عن وجوه أهله فذكر لي زياد بن عمرو العتكي فيمن ذكر، فما كان أحد أبغض إلي منه، فلما وفدت على أمير المؤمنين عبد الملك أشخصته فيمن أشخصت معي، فما كان أحد أحسن مقاما بوصفي والثناء علي منه، قال: يا أمير المؤمنين إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه في أمرك لومة لائم، فقد رأيتني وما أحد من الخلق بعد ذلك اليوم يعدله عندي. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: قال الحجاج يوما: ما أذهب الأشياء للإعياء؟ فقال قائل: أكل التمر، وقال قائل: الحمام وقال قائل: التمريخ، وقال فيروز حصين: أذهب شيء للإعياء فقد الحاجة، فقال الحجاج: صدقت. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه قال: قال الحجاج بن يوسف: لأنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل. وقال المدائني: قال هذا الحجاج بن عبد الملك. المدائني عن عامر بن أبي محمد قال: اشتهى يزيد بن المهلب اللحم حين حبسه الحجاج، فاحتيل له حتى أدخل له اللحم بأمر الحجاج، فدعاالحجاج مالك بن أسماء فقال له: أخبرني عن اللحم الذي أدخل عليكم من كان أكثركم منه أكلا؟ قال: يزيد بن المهلب قال: إنه أشجعكم وألأمكم، وكان بين يدي الحجاج قلال معلّقة فقال: أصلح الله الأمير شربة من ماء عذب، فقال: ارجع اليوم مكانك، فإذا كان غدا وليتك حلوان فشربت عذبا. المدائني عن محمد بن ابراهيم قال: قال سعيد بن عمرو: كنت في حبس الحجاج فدعاني ليلا فقال: يا سعيد كيف أنت إن أطلقتك واستعملتك؟ فقال: أما الإطلاق فيسرّني، وأما العمل فلا حاجة لي به فهو أصارني إلى الحبس. فقال: ذاك أنك لم تصدق الله، فاصدق الله يصدقك. المدائني عن حماد بن سلمة عن الحارث بن نبهان الجرمي قال: قال الحجاج في خطبته: والله لتموتنّ ثم لتبعثنّ ثم لتسئلن حتى يصير أهل الجنة إلى الجنة، كأنما كانوا فيها مذ خلقوا، إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للبقاء، غير أنكم تنقلون من دار إلى دار. وحدثني عمر بن بكير عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: قال الحجاج: إنما هذه العقارب من وذح (¬١) الشيطان. المدائني عن عامر بن أبي محمد قال: قال الحجاج: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لنافق فيه يزيد بن المهلب، وكان حريصا على أن يضع آل المهلب فلم يقدر.قال: وقتل الهذيل بن عمران البرجمي، وقتل ابن عبد الرحمن بن سمرة، وقتل غالب بن عبد الله الجهضمي، وعمرو بن عتبة بن أبي سفيان، وأتي بعمرو بن عصام الضّبعي فقتله. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: كان طلحة بن مصرّف يحض الناس يوم دير الجماجم، ويقول: ما خرجنا على الحجاج حتى خفنا الله في ترك ذلك فظننا أنه لا يسعنا الرضا به. ودعا الحجاج بالهلقام بن نعيم فقال: لعنك الله يا حجاج إن فاتك هذا المزوني (¬١) فقال: ما أنت وذاك وقتله، ثم قال: صدق، اتخذني جزارا لقومي، ودافع عن قومه. المدائني عن عامر بن حفص قال: شهد معرور بن سويد الزاوية مع ابن الأشعث، فرأى رجلا قد تقدم أمام الصف فردّه وقال: إنك تغرر بنفسك فأقم مع أصحابك وقاتل فإن عمرا قال: لأن أموت على فراشي أحب إلى من أن أموت وراء الكتيبة مغرّرا. المدائني عن سحيم بن حفص قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقاتل بدير الجماجم ويقول: يا معشر القرّاء إن الفرار قبيح، وهو منكم أقبح منه من غيركم، قاتلوهم صابرين محتسبين، فإن عليا رفع الله درجته قال: من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد برئ منه، وإن أنكره بلسانه فقد برئ وهو أعظم درجة، ومن أنكره بسيفه فذلك الذي أصاب سبيل الهدى.وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى بدير الجماجم وهو يقاتل: قاتلوهم على جورهم في الحكم، واستئثارهم بالفيء، وتجبرهم على عباد الله، وإماتتهم الصلاة واستذلالهم المسلمين. وكان معرور بن سويد يقاتلهم ويقول: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ١،﴾ الآية. وقال الشعبي، وهو يقاتل: أيها الناس لا يكونن في صدوركم حرج من قتالهم فوالله ما أعرف أمة أعلن ظلما، ولا أحكم بجور منهم فلتكن الأيدي عليهم واحدة. وقال أبو البختري سعيد بن فيروز: قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فلئن ظهروا عليكم ليفسدن دينكم، وليغلبنكم على دنياكم، ثم يحمل عليهم وهو يتلو: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ (¬٢). وكانت كتيبة القراء أشد الكتائب على أهل الشام، وعليهم جبلة بن زحر الجعفي. فلما قتل نادى أهل الشام: يا أعداء الله قتل طاغيتكم. فقال أبو البختري: لا يهدّنكم قتله فإنما هو رجل أتته منيته. ولما أتي الحجاج برأسه قال: الله أكبر، قلّما كانت فتنة فتخمد حتى يقتل فيها رأس من رؤوس المنافقين. وقال عوانة: قال: رأس من رؤوس أهل اليمن. وفقد ابن أبي ليلى بدير الجماجم.وروى سفيان بن عيينة عن أبي فروة الجهني قال: آخر عهدي بابن أبي ليلى على جسر سورى، ولم أره بعد. قالوا: وأتى ابن أبي ليلى برطب في منسف فأكله وهو في الماء. قالوا وخرج روزنة بن مهاجر على الحجاج بسابور، وغلب عليها ومعه أكراد، فوجه الحجاج إليه الجيوش ثم أتى النيرمان (¬١) فقتله عبد الرحمن بن سليم وبعث برأسه إلى الحجاج، وبعث بمهران فحبسه أربع سنين وعذّبه واستأداه، ثم هيأ لنفسه طعاما فأكل وشرب ولعب، ثم قتله الحجاج من الغد وصلبه. المدائني قال: سار الحجاج من إيلياء إلى واسط في سبع فقال الراجز: كسيره من إيلياء فاعلمي … سبعا إلى واسط في تجشم فقال الحجاج: هل سار أحد سيري؟ فقال صالح بن كدير المازني: نعم، جبير بن حيّة سار فذكر سيرا شديدا، فقال: كذبت وأمر بحبسه. وقال الفرزدق في الحجاج: سما بالمهاري من فلسطين بعد ما … دنا الفيء من شمس النهار فولّت فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها … بميسان قد حلّت عراها وكلّت فلو أن طيرا كلّفت مثل سيره … إلى واسط من إيلياء لملّت (¬٢) قالوا: وأراد الحجاج أن يتخذ لعلع (¬٣) دارا، فبنى مسجدا، وأمر أن تبنى أساطين قريب بعضها من بعض إلى البصرة والكوفة، وأراد أن يقيمعلى كل اسطوانة رجلا يصلي صلاة الليل في شهر رمضان، فإذا كبّر الإمام كبّر الذي يليه ثم الذي يليه حتى يصل التكبير إلى البصرة والكوفة، فيصلّون بصلاته فلما بلغه خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تطيّر، فبنى واسط (¬١) القصب، وسماها واسط لأنها من البصرة والكوفة والمدائن والأهواز ببعد واحد، وكان إحداثه إياها في سنة ثلاث وثمانين، ويقال في سنة أربع وثمانين، وبنى مسجدها وقصره فيها والقبة الخضراء، وكانت أرض قصب فسميت واسط القصب. وقال رقبة بن مصقلة العبدي: لما نزل الحجاج واسط كان يأذن في كل يوم مرتين وأكثر. وأمر الحجاج ثولاء بن نعيم أن يقتل عدي بن خصفة العبدي، وكان صالحا فغيّب عنه، ثم ذبحه على رأس حرف سفينة فسقط رأسه في الماء فهرب نوتي، ولقي شرا. المدائني قال: لما احتضر الحجاج قال: والله لئن كنت على ضلالة لبئس حين المفزع ولئن كنت على هدى لبئس حين المجزع. وقال ليزيد بن أبي مسلم: إذا متّ فلا تكتم أمري ومر من ينادي بموتي، وأخرجني من باب الزابي فإذا فرغت من دفني فأجر الماء على قبري، ثم أثره بالبقر، وليكن الحفر عميقا. المدائني عن سفيان عن أبي عون قال: رأى الحجاج رجلا قد قلد بدنته فقال: هذا قد أحرم فسئل سعيد بن جبير، فقال: صدق.حدثني عمر بن شبة، حدثني أحمد بن معاوية عن خلف بن خليفة عن حصين قال: كان الحجاج إذا حبس الناس عن صلاة الجمعة استقبل أبو وائل القبلة يومئ برأسه إيماء يتناعس. وحدثني عن أبي عبيدة قال: مر الحجاج بدار عمر بن سعد، فإذا هو بكف مسمورة فقال: ما هذه؟ قالوا: كف المختار. فقال: والله ما هم قتلوه، ولا أدركوا بثأرهم منه. هذا يهيّج الفتنة، نحّوها وغيّبوها. حدثني محمد بن سيف عن الواقدي عن إسحاق بن يحيى قال: لم يستخرج الحجاج من أرض السواد شيئا إلا الزابي والنيل، وذلك أنه كتب يدعو أهل الخراج إلى أن يكفوه مؤونة ثقله، وأن يضع مثل ذلك مما عليه من خراجهم، فأبوا وكان يرفع من ذلك إلى عبد الملك مالا كثيرا. فلما ولي عمر بن عبد العزيز رحل إليه أهل الزاب والنيل إلى البصرة فشكوا إليه مما صنع الحجاج، فقال عمر: بئس الرجل كان الحجاج لقد كان ظالما متعديا. وقال المدائني: لما انقضى أمر ابن الأشعث ولى الحجاج الكوفة عمير بن هانئ من أهل دمشق ثم عزله، وولى المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل، ويقال ولاه البصرة. وقال الأصمعي: ولي الحجاج العراق عشرين سنة، وتوفي في شهر رمضان سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وخمسين. وحدثت عن علي بن الجعدانة قال: سمعت بعض الكوفيين يقول: لما هلك الحجاج صرخ صارخ على الخضراء بواسط: ألا إن مفلّق الهام، ومطعم الطعام، وحبيب أهل الشام قد هلك.وقال الوليد بن عبد الملك حين مات الحجاج: أما والله لئن سئلت عنه، ولأسألنّ، لأقولنّ: كان والله القوي الأمين. وخطب فقال: ألا إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول: إن الحجاج جلدة ما بين عينيّ، ألا وإنه جلدة وجهي كله. ومات الحجاج واستخلف على صلاة العراق وحربها يزيد بن أبي كبشة، وعلى الخراج يزيد بن أبي مسلم مولاه. المدائني قال: قال سلم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج وأنا غلام مع ولده، فقالوا: قد جاء الأمير فدخل الحجاج فأمر بتنور فنصب، وقعد في الدار وأمر رجلا أن يخبز خبز الماء، ودعا بسمك فجعلوا يأتونه به في جام وقد نقّي من شوكه، فيأخذ الرغيف حارا فيضع عليه السمك، فيأكله حتى أكل ثمانين جاما. قال: ونظر الحجاج يوما إلى عبيد الله بن شعبة بن القلعم، وهو يأكل، وكان مفرطا في الأكل، فقال الحجاج لشهر بن حوشب: الحديث عن رسول الله ﷺ أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء. قال شهر فقلت: أصلح الله الأمير ثبت صحيح؟ فقال الحجاج: ما أظن من قتل ابن شعبة إلاّ سيقتل كافرا. المدائني عن موسى بن سيّار الهذلي قال: كان الحجاج يطعم في شهر رمضان ألف خوان، لكل خوان قفيز دقيق وسبعة أرطال قدير (¬١)، وجنبشواء، وسمكة، وجرة فيها لبن، وجرة فيها عسل، وكان له طعام بعد ذلك في كل يوم يعشي ولا يغدي ولا يطعم إلاّ شاميا. ويقال إن الحجاج كان يطعم في شهر رمضان وغيره كل يوم ألف خوان، على كل خوان أربعون رغيفا، وجفنة ثريد، وجنب شواء، وأرزة، وسمكة وخلّ وبقل. وكان يحمل في كرسيّ فيدور على الأخاوين، فينظر إلى الطعام فيقول: هل تفقدون شيئا أو ترون تقصيرا؟ فيقولون: لا. فقال رجل يوما: ما نفقد أيها الأمير شيئا إلاّ المرق فإنه قليل، فضرب صاحب طعامه وقال: ويلك يشكو قلة المرق، وأنت بين دجلة والزابي. فأهل بيت هذا الرجل بالشام يقال لهم بنو المرق. وقال المدائني: أرسل الحجاج أبا بردة بن أبي موسى إلى أسماء بن خارجة: إن عبد الملك بن بشر بن مروان من أبناء الملوك، وقد شبّ واحتاج إلى التأديب، وقد أعددت له مؤدبا ومنزلا ولا بدّ من التفرقة بينه وبين أمه، يعني هند بنت أسماء. قال أبو بردة: فدخلت على أسماء وهو يتغدى وهند وعبد الملك يأكلان معه، فدعاني إلى غدائه فلم أفعل، وجعلت هند تعابثني وتضحك، فقلت: أما والله لو تعلمين في أي شيء جئت كان مكان ضحكك بكاء. قال: فأبلغت الرسالة، فبكت وقال أسماء: إنما عبد الملك ثمرة قلوبنا وأنسنا، وأمر الأمير طاعة. فأبلغت الحجاج ذلك، فأرسل إلى هند بثلاثين غلاما، مع كل غلام عشرة آلاف درهم وبثلاثين جارية مع كل جارية طخت من ثياب، فأمر لي أسماء بثلاثين ألفا وبثياب، فلم أقبل ذلك وقلت: ليس الحجاج ممن يتعرض له وأتيت الحجاج فأعلمته، فقال: قد أحسنت ولك ضعف ذلك فأعطاني ستين ألفا وضعف الثياب.وقال عمران بن حطان في الحجاج حين دخلت غزالة الخارجية مسجد الكوفة: هلا برزت إلى غزالة في الوغى … بل كان قلبك في جوانح طائر أسد علي وفي الحروب نعامة … فتخاء يذعرها صفير الصافر صدعت غزالة قلبه بفوارس … صدع الزجاجة ماله من جابر (¬١) قالوا: ومر مؤذن الحجاج بمؤذن سويد بن غفلة وهو يؤذن بالهاجرة فأخبر الحجاج بذلك، فبعث إليه: ما هذا الأذان وما هذه الصلاة؟ فقال: صليتها مع أبي بكر وعمر وعثمان. فقال: صليتها مع عثمان؟ قال: نعم. فقال: رعبنا الشيخ. ودعا بغالية فجعلها في لحيته بيده، وأمر له بعطائه. ويقال انه قال له: لا تؤمّ قومك، وإذا خرجت فسبّ عليا، فقال: سمعا وطاعة. وكان الحجاج يقول في دجلة والفرات: أولهما للمشركين وآخرهما للمنافقين. قال المدائني: وسأل الحجاج حوشب بن يزيد عن المختار فقال: كانت معه خرقة يقول جاءني بها جبريل، وقال: سأتزوج امرأة من آل رسول الله، وأهدم قصر الملك وأبني ببعضه قصرا، فقال الحجاج: كذب ابن دومة وإن كانت لكريمة، لقد رأيته بالطائف نذل الأصحاب، أخطأت استه الحفرة، أنا ذاك. فتزوج ابنة عبد الله بن جعفر، وهدم قصر النعمان بالحيرة، وبنى قصره بجبانة الكوفة، وبنى مدينة واسط.وحدثني الأثرم عن الأصمعي قال: أتت الحجاج امرأة فمثلت بين يديه كأنها عجول أخطأت بوّها فقالت: والله ما لنا ثاغية، ولا راغية، ولا أنّة، ولا حانّة، ولا هبع ولا ربع، ولي ابن في بعث كذا، فإن رأى الأمير أن يقفله فعل. فقال: نعم أقفلوا ابنها، وقولوا له: لعنة الله عليك إن لم تبرّها، فأقفل فاستبطأته في بعض الأمر فقالت: فوالله لولا الله والرحم بيننا … لا نبأت حجاجا بأنك كاذب وحدثني عبد الله بن صالح عن أبي زيد قال: نادى الحجاج بالكوفة ألاّ يؤمّ مولى، فأتى عنبسة بن سعيد مسجد بني كاهل، ويحيى بن وثاب إمامهم، وهو مولى لهم، فأراد أن يتقدم في صلاة العشاء الآخرة فقال رجل من العرب: والله لا تؤمّنا. فقال: والله لأفعلنّ، وتقدم. قال عنبسة: فوالله ما سمعت قارئا قط عربيا ولا مولى أقوى (¬١) منه، فلما كانت صلاة الغداة حضرت لأنظر ما يكون من أمرهم، فأخذ كف حصى ثم قال: والله لا يلج أحد منكم إلاّ ضربت بهذا الحصى رأسه، فأحجموا وقدموه فصلى، فأتيت الحجاج فأخبرته فأعاد مناديه: إنا لم نرد القراءة، إنما أردنا كل مولى لا يحسن القراءة. وقال الفضل بن دكين أبو نعيم: كان يوم الجماجم في سنة ثلاث وثمانين، ففقد يومئذ أبو البختري، وابن أبي ليلى، ونظر الحجاج إلى رأس بسطام بن مصقلة بن هبيرة فجعل يقول: إذا مررت بوادي حية ذكر … فاذهب ودعني أمارس حيّة الواديفبكى مسمع بن مالك، فقال له الحجاج: أجزعا عليهم؟ فقال: لا ولكن جزعا لهم من النار. وقال الأخطل في عبد الملك والحجاج: فعليك بالحجاج لا تعدل به … أحدا إذا نزلت عليك أمور فلقد علمت وأنت أعلمنا به … أنّ ابن يوسف حازم منصور (¬١) حدثني عبد الله بن صالح عن حمزة الزيات أنه سمعه يقول، وذكر الحجاج أنه أرسل إلى مطرّف بن المغيرة بن شعبة، وكان يتألّه، فقال له: يا مطرف أرسولك أكرم عليك أم خليفتك في أهلك؟ فقال: بل خليفتي أكرم. قال الحجاج: فإن عبد الملك خليفة الله في عباده فهو أكرم عليه من محمد وغيره من الرسل. فوقرت في نفس مطرّف واختبأها، وقال: جهادك والله أولى من جهاد الروم، فخرج عليه. وقال أبو نميلة: صلى جابر بن طلحة اليامي مع المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل، وهو خليفة الحجاج على الكوفة، فكان يرفع يديه في كل تكبيرة، فأتى جابر ابراهيم فأخبره بذلك، فقال: أصاب وأحسن. وروى أبو عوانة عن المغيرة أن إبراهيم خرج مع المغيرة بن عبد الله للاستسقاء فصلى المغيرة ورجع ابراهيم ولم يصلّ. وقالوا: كان المغيرة إذا كنّي أبا صفية غضب، وكان بخيلا فقال ابن همّام السلولي فيه:رماك الله يا بن أبي عقيل … بداء لا يقوم له جليل إذا حضر الخوان فأنت ليث … بصير بالثريد وبالنشيل وعند البأس بهكنة رداح … لها حجلان كالرشأ الكحيل فليتك يا مغيرة من تنوخ … أو الشعر السواعد من نكيل وليت الله صير بين داري … ودارك يا مغيرة ألف ميل حدثنا شيبان عن سلام بن مسكين عن سليمان الربعي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قاتلوا الحجاج فوالله ما تحل طاعته لمسلم. حدثنا أبو بكر الأعين عن أبي نعيم قال، خرج مع ابن الأشعث على الحجاج عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن عوسجة والشعبي، وذرّ، ومالك بن دينار، وسيار بن سلامة. وأبو البختري الطائي والحكم بن عتيبة وقد قيل ان ابن عون فيمن خرج، وخرج مسلم بن يسار وجابر بن زيد أبو الشعثاء، وعقبة بن عبد الغافر العوذي، وأبو الجوزاء (¬١) قتل معه، وهو أوس بن خالد الربعي وعبد الله بن غالب قتل معه، وعقبة بن وساج، وطلق بن حبيب، وأبو شيخ الهنائي، وعقبة بن صهبان، وأبو نجيد الأزدي. حدثني عمر بن شبة عن هارون بن معروف عن ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال: كتب عمال الحجاج إليه: «إن الخراج انكسر، وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار». فكتب إلى البصرة وغيرها: «إن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها» فخرج الناس فعسكروا وجعلوا يبكونوينادون: يا محمداه، وجعلوا لا يدرون أين يذهبون، وجعل أهل البصرة يخرجون إليهم متقنعين يبكون معهم، وقدم ابن الأشعث على بقية ذاك فنفروا مع ابن الأشعث. حدثنا شيبان بن فروخ، ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: كنا مع الحسن على سطحه حيث أخرج الحجاج الذين أسلموا، فجاء سعيد بن أبي الحسن فقال: أنحن نقر على هذا؟ فردّ عليه الحسن ما قال. حدثني يوسف بن موسى القطان عن جرير بن عبد الحميد الضبي عن المغيرة عن البزيغ بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يقول على المنبر: أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله في حاجته فقلت: لله عليّ ألا أصلي خلفك أبدا، وإن رأيت قوما يجاهدونك لأجاهدنك، فخرج في الجماجم فقتل. وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن بزيغ بن خالد بمثله. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو نعيم، ثنا ابن أبي بكير عن أبي حيان التيمي قال: سمعت الحجاج يقول: يدعى حيّ على الصلاة فلا يجيبون أما والله لو دعي حيّ على أربعة دراهم لغصّ المسجد بأهله. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: ذكروا أنه عدّ في المسجد يوم الجمعة أيام الحجاج تسعون رجلا. حدثنا أبو خيثمة، ثنا جرير عن الأعمش قال: قلت لأبي وائل يوم الجمعة في إمارة الحج: أصلّيت قبل أن تروح؟ قال: ومن أنت؟ قلت: رجل من المسلمين. قال: مرحبا بالمسلمين.حدثنا عبد الله بن صالح عن إسرائيل عن عامر بن شقيق قال: كان شقيق يأمرنا أن نصلي الجمعة في بيوتنا زمن الحجاج، ثم نأتي المسجد، وذلك لأن الحجاج كان يؤخر الصلاة. قالوا ورأى: راذان ستور الحجاج تضربها الريح فقال: هذا والله المفلس. فقيل له: المفلس من ذهبت دراهمه فقال: لا إنما المفلس من أفلس من دينه. حدثنا عمرو بن محمد الناقد عن ابن علية عن ابن عون أن أبا وائل سئل عن الحجاج فقيل له: أتشهد أنه في النار، فقال سبحان الله، أنحن نحكم على الله. وروي عن جرير عن عثمان بن شبرمة قال: دخل أبو وائل على الحجاج فقال له: متى هبطت إلى هذا البلد؟ فقال: حين هبط أهله. قال: ما تحسن من القرآن؟ قال: ما إن عملت به كفاني. قال: استعملك؟ قال: إن تعفيني أحب إلي. فلما خرج جعل يحيد عن الطريق فقال الحجاج: سدّدوا الشيخ. وروي عن الشعبي أنه قال: صعد الحجاج المنبر فتكلم بكلام لم أسمع مثله قبله ولا بعده قال: أيها الناس إن الله كتب على الدنيا الفناء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، وكتب على الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، فلا يغرّنكم حاضر الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: أتي الحجاج برجلين من الخوارج فسألهما عن قولهما في أبي بكر وعمروعثمان، فأثنيا على أبي بكر وعمر، وقالا في عثمان: أحسن أولا ثم أفسد إحسانه. قال: فما تقولان في معاوية؟ فقالا: كان طاغيا باغيا. قال: فيزيد؟ قالا: كان حمارا نهاقا. قال: فما تقولان فيّ؟ قالا: جعلت مع الله إلها آخر فأطعته وعصيت الله - يعنيان عبد الملك - فتكلم أهل الشام وقالوا: اسقنا دماءهما، فقالا: كان جلساء أخيك خير من جلسائك. قال: وأين أخي ﵀ محمد بن يوسف. فقالا: يا فاسق، إنما عنينا فرعون حيث يقول جلساؤه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (¬١) وهؤلاء يأمرونك بقتلنا، فأمر بهما فقتلا. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: كان الحجاج قصيرا صغير العينين، تدمعان دمعا كثيرا. حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: دخل أزاذمرد بن الهربذ على الحجاج، وكان ذا حال عنده فسأله في خراجه فأمر بتأخيره فيه، فانحطّ ساجدا فضرط فتبسم الحجاج، وكان لا يكاد يضحك، فأراد بسطه، فقال له الحجاج: هل لك من حاجة؟ فقال: نعم هذا الاعرابي تهبه لي أمنّ به على قومه، وكان الاعرابي قد أحضر ليقتل، فوهبه له فخرج ازاذمرد والاعرابي خلفه يقبل استه ويقول: بأبي استك أستا تضع الخراج، وتفك الأسرى، وتحيي الموتى. أبو الحسن المدائني عن أبي إسحاق المالكي قال: قال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص، وهو يمازحه: أخبرني عبد الله بن هلالصديق ابليس أنك تشبه ابليس. قال: أصلح الله الأمير وما تنكر أن يشبه سيد الإنس بسيد الجن. وحدثني اسماعيل بن يحيى اليزيدي، أخبرني إسحاق بن أبي إسرائيل، أنبأ جعفر بن سليمان الضبعي عن المعلى بن زياد قال: خشيت أن أوجد في ليالي يزيد بن المهلب فأجعل عريفا فأتيت الحسن وخادم له يقال لها برزة تناوله ثيابه، فقلت: يا أبا سعيد كيف بهذه الآية في كتاب الله قوله: ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (¬١) يا أبا سعيد فسخط الله على هؤلاء لقولهم الإثم وأكلهم السحت وذم هؤلاء حيث لم ينهوا؟ فقال لي الحسن: يا أبا عبد الله إن القوم عرضوا، فحال السيف دون الكلام، قلت: يا أبا سعيد هل تعرف لمتكلم فضلا؟ قال: ما أعرفه. ثم حدّث الحسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس لمؤمن أن يذل نفسه أقيل: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق». قلت: يا أبا سعيد فيزيد الضبّي حين قام فتكلم؟ فقال الحسن: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته. قال المعلى: فأقوم من عند الحسن فآتي يزيد الضبي - قال غيره: هو يزيد بن شقيق الضبي - فدخلت عليه فقلت: يا أبا مودود كنت عند الحسن آنفا فذكرتك له. قال: فما قال لك؟ قلت: قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندمعلى مقالته، فقال: وأيم الله لقد قمت مقاما أخطرت فيه بنفسي ثم قال يزيد: أتيت الحسن ثلاث مرات فقلت: يا أبا سعيد غلبنا على كل شيء، أو على صلاتنا نغلب؟ قال: فقال لي الحسن: يا عبد الله إنك لم تصنع شيئا إنما تعرّض نفسك لهم، قال: فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب فقلت: الصلاة رحمك الله، قال: فجاءتني الزبانية من كل جانب فأخذوا بتلبيبي ويدي ولحيتي فجعلوا يضربونني بنعال سيوفهم، قال: وسكت الحكم بن أيوب وكدت أقتل دونه فمشوا بي إليه حتى إذا بلغت باب المقصورة أدخلت إليه فقال: إمجنون أنت؟ قلت: أصلحك الله ما بي من جنون، قال: أو ما كنا في صلاة؟ قلت: هل كلام أفضل من كتاب الله؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن رجلا نشر مصحفه فقرأه غدوة وعشية حتى يمسي ولا يصلي فيما بين ذلك أكان ذلك يجزيه ويقضي عنه صلاته؟ قال الحكم: والله إني لأظنك مجنونا، قال: وأنس بن مالك قريب من المنبر على وجهه خرقة خضراء فقلت: أيا أنس، أيا أبا حمزة أذكّرك الله إنك قد صحبت رسول الله ﷺ وخدمته أبحق قلت أم بباطل؟ فوالله ما أجابني بكلمة. فقال الحكم: يا أنس. قال: لبيك أصلحك الله، قال: أوقد كان فات ميقات الصلاة؟ قال: قد كان بقي من الشمس بقية. قال: احبسوه. فذهب بي إلى السجن، فشهد قوم أني مجنون، قال جعفر بن سليمان: فبذلك نجا من القتل. قال: وكتب الحكم إلى الحجاج أنّ رجلا من بني ضبة قام فتكلم في الصلاة، وقد قامت البينة عندي أنه مجنون، فكتب إليه: إن شئت فخلّ سبيله وإلا فاقطع يديه ورجليه ولسانه، قال أبو سليمان جعفر: واحبسه،قال: واسمل عينيه. فخلى سبيله، قال يزيد: ومات أخ لي فتبعنا جنازته وصلينا عليه، ثم دفن فكنت أنا في ناحية مع إخواني نذكر الله إذ طلع الحكم بن أيوب في خيله فقصد قصدنا فلما رآه الناس هرب جلسائي وبقيت وحدي فجاء قاصدا فوقف علي وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلت: أصلح الله الأمير أخ لنا مات فدفن فقعدنا نذكر الله والمعاد إليه، وما صار صاحبنا إليه. قال: فهلا فررت كما فرّوا؟ قلت: أصلح الله الأمير ما يضرني منك، أنا ابرأ ساحة من ذاك وآمن للأمير، فقال عبد الملك بن المهلب وهو صاحب شرطه وحربته بيده وهو واقف بين يديه: أصلح الله الأمير أو ما تعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا الذي قام إليك وتكلم. قال الحكم: وإني لأراك ههنا تجترئ عليّ مرة بعد أخرى، مدّوه. فمددت وهو واقف حتى ضربت أربعمائة سوط، فما عقلت كيف رفعت، ثم أدخلت الحبس، فلم أزل في الديماس حتى مات الحجاج. حدثني أبو موسى إسحاق الفروي، أنبأ محمد بن الفضيل عن سالم بن أبي حفصة قال: سمعت الحجاج يخطب على المنبر فذكر قراءة ابن مسعود فقال: زجر كزجر الأعراب. والله لا أحدّث رجلا يقرؤها إلا ضربت عنقه، والله لأحكنّها ولو بعظم خنزير. وحدثني بكر بن الهيثم والحسين بن ابراهيم الصفّار، قالا: ثنا مسلم بن ابراهيم عن الصلت بن دينار قال: سمعت الحجاج على منبر واسط يقول: قاتل الله عبد هذيل والله ما قرأ مما أنزل الله على محمد حرفا، وما هو إلا زجر العرب، والله لو أدركته لسقيت الأرض من دمه.حدثنا شيبان بن أبي شيبة الأبلّي، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا قتادة قال: قال الحجاج لأبي عبيدة بن عبد الله: أتؤمن بما في مصحف أبيك؟ قال أبو عبيدة: آمنت بما أنزل الله من كتاب. فقال الحجاج: أولى لك. حدثني عبد المؤمن، حدثني يعقوب بن الحضرمي عن شهاب بن شريفة المجاشعي عن أبي محمد الحماني قال: عددنا حروف القرآن بالشعير للحجاج فوجدنا السبع الأول صدودا وذكر سائر الأسباع على ما يجزأ في مصاحفنا. حدثنا خلف البزار، ثنا شهاب عن الحسن بن عمرو قال: توارى ابراهيم النخعي أيام الحجاج، وكان المسجد على الباب، فكان لا يخرج يصلي في المسجد. حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل عن اسماعيل بن إبراهيم - يعني ابن علية - عن ابن عون، أن أبا وائل سئل عن الحجاج فقيل له: أتشهد أن الحجاج في النار فقال: سبحان الله أنحن نحكم على الله. وروي عن ابن عمر أنه قال: لا تسبوا الحجاج فإني سمعته قرأ سورة الملك فأعربها. حدثني أبو علي الحرمازي، حدثني يوسف بن سليمان قال: خطب الحجاج فقال: إن خيركم من صبر على مكروه الطاعة فذلك الذي يستوجب الثواب ويكافأ بالإحسان. فأما من جرى مع الطاعة ما جرت الطاعة مع هواه فليس بمستوجب خيرا ولا معدود مطيعا. حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا عبد الله بن عمرو المنقري، ثنا عبد الوارث أبو عبيدة، ثنا محمد بن ذكوان عن مجالد عن الشعبي قال:قدمنا على الحجاج البصرة، وقدم عليه قرّاء من المدينة من أبناء المهاجرين والأنصار، فيهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵁. وقراء من قراء أهل الشام وأهل الكوفة، فدخلنا عليه في يوم صائف شديد الحر وهو في آخر أبيات فدخلنا البيت الأول فإذا الماء قد أرسل فيه الثلج والخلاف، ثم دخلنا البيت الثاني فإذا فيه من الثلج والخلاف أكثر مما في البيت الأول ثم دخلنا البيت الثالث فإذا فيه من الماء والثلج والخلاف أكثر مما في البيت الثاني، قال: وإذا الحجاج قاعد على سريره، وعنبسة بن سعيد إلى جنبه فدخلنا فجلسنا على الكراسي فما خرجنا يومئذ حتى قررنا، ودخل الحسن آخر من دخل فقال الحجاج: مرحبا بأبي سعيد، إليّ. ثم دعا بكرسي فوضع إلى جانب سريره فقعد عليه الحسن، فقال: اخلع قميصك فجعل الحسن يعالج زرقميصه وأبطأ بنزعه فطأطأ الحجاج رأسه إليه حتى قلنا إنه يتعاطاه بيده من لطفه به وإقباله عليه ثم جاءت جارية بدهن حتى وضعته على رأسه، وما صنع ذلك بأحد غيره، فقال له الحجاج: ما لي أراك منهوك الجسم لعل ذلك من سوء ولاية وقلة نفقة ألا نأمر لك بخادم لطيف ونفقة توسع بها على نفسك؟ فقال: إني من الله في سعة، وإنّ عليّ لنعمة، إني منه في عافية ولكن الكبر والحر. وأقبل الحجاج على عنبسة فقال: لا والله ولكن العلم بالله، والخوف له، والزهد فيما نحن فيه. قال: ولم يسمعها الحسن وقد سمعتها أنا وكنت أقرب إلى عنبسة من الحسن، وجعل الحجاج يذاكرهم ويسألهم إذ ذكر علي بن أبي طالب فنال منه ونلنا مقاربة له وفرقا منه ومن شره، والحسن، ساكت عاضّ على إبهامه، فقال: يا أبا سعيد مالي أراك ساكتا؟ فقال: ما عسيت أن أقول؟ قال:أخبرني برأيك في أبي تراب علي؟ فقال الحسن: سمعت الله يقول: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لرؤوف رَحِيمٌ﴾ (¬١). فعليّ ممن هدى الله، ومن أهل الإيمان وأقول: إنه ابن عم رسول الله ﷺ، وختنه على ابنته، وأحب الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس حظرها عليه، والحول بينه وبينها، وأقول: قد كانت لعلي ذنوب، والله وحده حسيبه، والله ما أجد قولا هو أعدل فيه من هذا. فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير مغضبا، فدخل بيتا خلفه، وخرجت فأخذت بيد الحسن وقلت: يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره، فقال: إليك عني يا عامر، يقول عامر الشعبي، وعامر من أهل الكوفة: أتيت شيطانا من شياطين الإنس تكلم في هواه فقاربته في رأيه، ويحك يا عامر هلا اتقيت الله إذ سئلت فصدقت أو سكتّ فسلمت. فقلت: يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها، وذكر بعد ذلك كلاما في دخولهم على ابن هبيرة. وحدثنا أحمد بن ابراهيم عن أبي معمر عن عبد الوارث عن محمد بن ذكوان، ثنا أبو نعامة قال: إنّا لجلوس عند الحسن في المسجد الجامع إذ طلع الحجاج على برذون أبيض، وحوله شرط يسعون، حتى انتهى إلى الحلقة فسلم، ثم ثنى رجله فنزل فجلس بيني وبين الحسن، ومضى الحسن فيحديثه، فلما فرغ أقبل على الحجاج فسأله، فقال الحجاج: إن هذا الشيخ شيخ مبارك معظم لحقّ أهل القبلة، ناصح لأهل الملة، صاحب سنّة واستقامة ونصيحة للعامّة، فعليكم به، فاحضروه واشهدوا مجلسه، فإن مجلسه مجلس يعرف فضله وترجى عاقبته، فلولا الذي ابتلينا به من الشغل وبالقيام بحق الرعية وسياستهم لأحببنا مشاهدتكم وحضوركم، ثم ما لبث أن جاءت سفرة وأطعمة وأشربة. فطعمنا، ثم قام شيخ كبير فاستقبل الحسن ثم قال: يا أبا سعيد شيخ كبير من أهل الديوان وعطائي زهيد قليل، وما فيه فضل عن قوت عيالي، وقد أخذت بفرس وسلاح ثم بكى وبكى الحسن، ثم قال: إن هذا السلطان ناصر لله ودينه وعباده، وسلطاننا قد أخفر ذمة الله واستخول عباد الله، وقتلهم على الدينار والدرهم أخذهما من خبيث، وأنفقهما في سرف، مضغة قليلة، وندامة طويلة، إذا خرج عدو الله فبغال رفّافة، وسرادقات هفّافة، وإذا خرج غيره سعى على رجله في غير كنّ. فسعي بهما إلى الحجاج فبعث حرسيا فدعا الحسن. قال أبو نعامة فانطلقت معه فدخل على الحجاج. ومع الحجاج قضيب يخطر به، فسلم الحسن ثم قام بين يديه فقال: يا حسن أنت صاحب الكلام؟ فقال: أي الكلام أصلح الله الأمير؟ فأخبره، فقال: نعم. قال: فما دعاك إلى هذا؟ قال: ما أخذ الله علينا في الكتاب حين قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ (¬١) وكان الحسن يفسرها لتكلمنّ بالحق ولتصدقن العمل. فقال الحجاج: إذهب أيهاالرجل فقل ما بدا لك فإنما أنت والد غير ظنين علينا، ناصح لخاصتنا وعامتنا، فما مثلك يؤاخذ بقول، قال: فانصرف الحسن. حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر قال: قال الحجاج: إن بين أخصاص البصرة علجا له لخطابة وبيان وما يبالي ما قال مما جرى على لسانه، والله لهممت أن أسقي الأرض من دمه. حدثني هدبة بن خالد عن مبارك بن فضالة قال: جاء عبد الله بن غالب، أبو قريش الجهضمي وعقبة بن عبد الغافر الأزدي إلى الحسن فقالا: إن الحجاج قد أمات السنّة، وانتهك المحارم، وقتل على الظنة وأخاف المسلمين، فقال: إن الحجاج عقوبة من الله، فلا تلقوها بالسيف، ولكن بالتوبة والتضرع. وحدثني الحرمازي عن أبي اسماعيل الثقفي قال: خرج الحجاج إلى ظهر الكوفة في غبّ مطر، فرأى رجلا واقفا في طرف الحيرة فقال له: ما تقول في أميركم؟ قال: الحجاج؟ قال: نعم. قال: زعموا أنه من ثمود، وكفى بسوء سيرته شرا، فعليه لعنة الله، فقال الحجاج: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا الحجاج. قال: أفتعرفني أنت، أصلح الله الأمير أنا مولى بني فلان أجنّ في كل شهر ثلاثة أيام فاليوم آخرهنّ وهو أشدهنّ، فضحك ولم يعرض له. حدثني عافية بن شبيب عن أبيه عن شبيب بن شبة قال: كانوا يقاتلون الحجاج ويقولون: يا لثارات الصلاة. قال المدائني: قال مالك بن دينار: سمعت عبد الله بن غالب ينادي بالزاوية: يا لثارات الصلاة.قال المدائني: لما مات الحجاج وقف على قبره رجل من أهل الشام فقال: إنا لا نخافك على تعذيب الحجاج فلا تحرمنا شفاعته. المدائني قال: قال الحجاج لعروة بن الزبير وقد أغلظ لعبد الملك في كلام: يا بن العمياء، أتقول هذا لأمير المؤمنين؟ فقال له عروة: وما أنت وهذا يا بن المتمنية، يعني أن جدته أم أبيه وهي من بني كنانة ثم من بني الديل، القائلة في زمن عمر بن الخطاب: ألا سبيل إلى خمر فأشربها … أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج وقد ذكرنا خبرها فيما تقدم. المدائني عن أبي اليقظان قال: مات محمد بن الحجاج في حياة أبيه، فقال الحجاج: إذا فرغتم من غسله فاعلموني، فأعلموه فانطلق حتى أخذ بعضادتي الباب فنظر إليه وهو على السرير فقال: الآن لما كنت أكمل من مشى … وافترّ نابك عن شباة القارح فقيل له: استرجع أصلح الله الأمير، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (¬١). ومات محمد بن الحجاج، ومحمد بن يوسف باليمن في سنة، فقال الحجاج: مصيبتان عظيمتان في عام، أما والله لو كان الموت يقبل الفداء لقد كان عندنا مال، ولو كان يدفع بالقوة لقد كانت عندنا قوة وسلطان، ولكن غلب سلطان الله سلطاننا وما يسرني أن أحدهما عن يميني والآخر عن شمالي لماأرجو من ثواب الله، وكأنّا بكل جديد قد بلي وبكل حي قد مات. وعزاه الناس فقال الفرزدق: جناحا عقاب فارقاه كلاهما … ولو نزعا من غيره لتضعضعا سميّا رسول الله سمّاهما به … أب لم يكن عند الحوادث أخضعا (¬١) فبكى الحجاج حين سماع هذا الشعر حتى نشج. وأخبر الجارود بن أبي سبرة أن رجلا من بني عقيل كان الحجاج قتل ابنه فقال: ذوقوا كما ذقنا غداة محجّر … من الغيظ في أكبادكم والتحوّب قال المدائني: أتي الحجاج برجلين من الخوارج فقال لأحدهما: ما دينك؟ قال: دين ابراهيم حنيف مسلم، وإني أحذرك يا حجاج يوما لا آخر له فأمر به فقتل، وقال للآخر: ما دينك فقال: دين يوسف بن الحكم. فقال: لقد توليت بحب الله ورسوله وخلى سبيله، فقال حين خرج: أرى الحجاج يقتل كل برّ … ويترك من على دين الحمار فيا بن القلعم (¬٢) … المجلوب حيفا دع الحجاج وانج إلى وبار وحدثني عبد الله بن صالح قال: قدم رجل من اليمن يشكو محمد بن يوسف فقيل له: إن أخاه الحجاج فاحذر غائلته وأمسك فقال: أتراه بالحجاج أعزّ مني بالله؟ لاها الله إذن.وحدثنا الحسن بن علي الحرمازي عن أبي اليقظان قال: لما توفي الحجاج قال الفرزدق يرثيه: ما ذرّفت عينان بعد نبيّها … على مثله إلاّ نفوس الخلائف أقول لهم لما أتاني نعيّه … أريحوا عليكم مهملات التنائف يقول: أريحوا إبلكم لا ترعوها لخوف الغدرات إذا ذهب من كنتم تأمنون به. فليت الأكف الدافنات ابن يوسف … تقطّعن إذ يحثين فوق السفائف فما حملت أنثى على الأرض مثله … ولا خط نعي في بطون الصحائف (¬١) وكان قد ظنّ أنّ ابنه عبد الملك سيلي مكانه، ثم قال بعد ذلك لئن أسرة الحجاج آل معتّب … لقوا دولة كان العدو يدالها لقد أصبح الأحياء منهم أذلة … وفي النار موتاهم يهان سبالها وكانوا يرون الدائرات بغيرهم … فصار عليهم بالعذاب انتقالها وكان إذا قيل اتّق الله شمّرت … به عزة لا يستطاع جدالها (¬٢) فقيل له: رثيته ثم قلت هذا؟ فقال: إنّا نكون مع القوم ما كان الله معهم، فإذا تركهم تركناهم. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: كان الحكم بن أيوب بن أبي عقيل عامل الحجاج على البصرة أبخل الخلق وكان له دراجة يؤتى بها بعد الطعام فيأكلها وحده، وكان استعمل رجلا من بنيمازن بن تميم يقال له جرير بن بيهس ويعرف بالغطرّق على بعض العروض وناحية سفوان، فقدم عليه وهو يتغدى ودراجة بين يديه فدعاه إلى الغداء فأكل معه وجعل يفسخ الدراجة حتى أكل أكثرها، فعزله وقال: إلحق بأهلك. فقال ابن عم له: قد كان عندك صيد لو قنعت به … فيه غنى لك عن دراجة الحكم وفي عوارض ما تنفكّ، تأكلها … لو كان يشفيك أكل اللحم من قرم فبلغ ذلك الحجاج فقال: لعن الله الحكم لقد هممت أن أعزله، وكتب إليه: أمن عوز الدراج لا أم لك فعلت ما فعلت، ولقد كان أحسن من فعلك بالرجل وأستر لبخلك ألا تدعوه إلى طعامك. وقال غير الكلبي: عزل الغطرّق وولى نويرة بن شقيق من بني تميم فقال أبو نويرة الشعر الذي أوّله: « قد كان بالعرض صيد ». ثم عزله الحكم وولى المحلّق الضبي فقال نويرة: أبا يوسف لو كنت تعلم طاعتي … ونصحي إذا ما بعتني بالمحلّق ولا اعتلّ سراق العرافة صالح … عليّ ولا كلّفت ذنب الغطرّق حدثني الحرمازي عن مشايخهم قال: أتي الحجاج بعاص وهو يتغدى فقال له: أما سمعت قول جرير: إذا ظفرت يداه بحبل عاص … رأى العاصي من الأجل اقترابا (¬١) اضربا عنقه. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي قال: كان الحجاج يفرضفي ثلاثمائة ففرض للجرنفش أحد بني ثعلبة بن سلامان وكان يأخذهم بالخيل والسلاح فقال الجرنفش: يكلفني الحجاج درعا ومغفرا … وطرفا كميتا رائعا بثلاث وستين سهما صنعة يثربية … وقوسا طروح النبل غير لباث ففي أي هذا أكتفي بعطائه … فربّي من هذا الحديث غياثي وحدثني عبد الرحمن بن حزرة من ولد جرير قال: أنشد جرير الحجاج: من كابن يوسف يوم تختلف القنا … أم من يصول كصولة الحجاج أم من يغار على النساء حفيظة … إذ لا يثقن بغيرة الأزواج ولربّ ناكث بيعتين تركته … وخضاب لحيته دم الأوداج (¬١) فقال الحجاج حين أنشده إياها: لله أبوك ما أعرفك، إني لأصول بحد وأنوأ بحزم، وأغار على الحرم. وحدثني الحرمازي عن العتبي وغيره قالوا: أنشدت ليلى الأخيلية الحجاج شعرها الذي تقول فيه: وكان إذا ما حلّ أرضا مريضة … تعمّد أقصى داءها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها … غلام إذا هزّ القناة سقاها (¬٢) فقال الحجاج: لا تقولي غلام ولكن قولي همام. المدائني عن خالد بن عبد الله قال: كان الحجاج يقول: ما تناجى اثناندون واحد إلا ظن بهما اغتيابا له، أو طيا لأمرهما عنه، فأحنقته تلك، أو أوحشته هذه. وكتب الحجاج إلى عبد الملك: إنك يا أمير المؤمنين أعز ما يكون أحوج ما تكون إلى الله، فإذا عززت بالله فاعف له، فإنك به تقدر، وإليه ترجع. حدثني الحرمازي عن أبي عقيل الثقفي قال: خطب الحجاج فقال: احفظوا ألسنتكم فإن أيمن امرئ وأشأمه بين فكيه. وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: كان جرير يقول: سمعت الحجاج يقول: البليغ من سهل لفظه، وحسنت بديهته. المدائني عن سعيد بن عبد الرحمن عن مالك بن دينار قال: حبس الحكم بن أيوب الثقفي علي بن زيد بن جدعان، والحسن يومئذ مستخف، ونحن معه مستخفون، فأتاه الحسن ليلا وأتيناه فأذن له وأجلسه معه على السرير فما كنا عند الحسن إلاّ مثل الفراريج، فذكر يوسف النبي ﵊ وإخوته فقال: باعوا أخاهم وحزنوا أباهم ومكانه من الله مكانه، ثم لقي يوسف ما لقي من الحبس وكيد النساء، ثم أداله منهم ورفع ذكره وأعلى كعبه، وجعله أمينا على خزائن الأرض فلما أكمل له أمره، وجمع أهله، وأتاه بأبويه، وأقرّ عينه قالوا: ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ. قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُالرّاحِمِينَ﴾ (¬١). قال الحكم: وأنا أقول لا تثريب عليكم، لو لم أجد الاثوبي هذا لواريتكم به، وأطلق عليا. وحدثني الأثرم عن الأصمعي قال: اغتاب رجل رجلا عند الحجاج، وقتيبة حاضر، فلما خرجا قال قتيبة: يا هذا لقد لكت مضغة، طالما لفظها الكرام. حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ عن علي بن نصر الجهضمي عن أبي مرجعة قال: سمعت مالك بن دينار يقول: سمعت الحجاج يقول في خطبته: رحم الله امرأ اتهم نفسه على نفسه، رحم الله امرأ اتخذ نفسه عدوا فحذرها في قوله وفعله، رحم الله امرأ أخذ بعنان عمله فعلم ما يراد به، رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون حسابه إلى غيره، رحم الله امرأ نظر إلى ميزانه فأشفق من خفّته، رحم الله امرأ علم أن الشقاء والرخاء فيما بين يديه. فلم يزل يتكلم حتى بكينا. حدثني ابن الأعرابي عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي قال: سمعت من عبد الملك - أو قال من الحجاج - كلمتين حسدته عليهما، سمعته يقول: اللهم إن ذنوبي قد كثرت فجلت عن الوصف، اللهم وإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني. وقال الحرمازي: أخذ رجل بابن عم له عاص، فقال للحجاج: أؤخذ بذنب غيري أصلح الله الأمير، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (¬٢) فقال: أو ما سمعت قول القائل:. . . . . . . . . . . … إن الفتى بابن عم السوء مأخوذ فقال الحسن: ما له قبحه الله تتلى عليه آية من كتاب الله، فيعارضها بقول شاعر كذاب. المدائني عن عامر بن حفص قال: قال عمر بن عبد العزيز: «لو خابثتنا الأمم بالحجاج، فجاءت كل أمه بأخبث من فيها، وجئنا بالحجاج لخبثناهم وغلبناهم». حدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: قرأت في كتاب شيخ من أهل واسط قال: قال الحجاج بن يوسف: كان يقال الكآبة في أربع: في الفقر بعد الغنى، والذل بعد العز، واليأس بعد الطمع، وعواقب الهوى المتّبع. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، حدثني ابن أبي ذئب عن إسحاق بن أبي فروة قال: رأيت أنس بن مالك وقد ختم الحجاج في رقبته (¬١). قال ابن أبي ذئب: وحدثني من رأى جابر بن عبد الله وقد ختم يده في كوعه، فبلغ الحجاج أن جابرا قال: شهدت العقبة ورأيت ورأيت، ثم رأيت الحجاج وما يصنع فليت أن سمعي قد ذهب مع بصري حتى لا أسمع شيئا، فقال: ما رأيت أعظم فخرا من هؤلاء اليهود. وقال المدائني عن عوانه وغيره: هلك الحجاج وفي حبسه ستون ألف محبوس. ويروى عن الحجاج - وبعضهم يرويه عن المغيرة بن شعبة - قال:الشره ينتج الطمع، والطمع يخلق المروءة، ويدنس العرض، ويستخف الشأن ويذهب ببهاء الرجال. حدثني ابن أبي شيخ الكوفي عن عبيد الله بن موسى قال: بلغني أن عبد الملك قال للحجاج: إنه ليس من الناس أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فعزمت عليك لمّا أخبرتني بما فيك؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا لجوج، حقود، حسود. قال: حسبك فما في الشيطان إلاّ دون هذه الخلال. قال ابن أبي شيخ: وبلغني أن الحجاج وعظ بعض أهله فقال: لا تستشيرنّ ذا عيب، فإنه يرجع بك في مشورته إلى عيبه. وكتب الحجاج إلى عبد الملك: بلغني أن أمير المؤمنين عطس فشمته من حضر فرد عليهم أن يغفر الله لكم، ويصلح بالكم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما. وقدم رجل على الحجاج في مظلمة فحبق فقال: أصلح الله الأمير إنها خلف نطقت خلفا. فقال: لا ولكن عودتها ذلك في الخلاء، ففضحتك في الملاء. المدائني عن سعيد بن زيد عن عثمان بن أبي سلمة عن مطرف قال: قال لي الحجاج: هيه يا أبا عبد الله إذا كانت لنا فأنت معنا، وإذا كانت علينا فأنت علينا. قلت: كنا بين مفارق وخاذل، لو صبرنا على الحق كان خيرا لنا. قال: صدقت أدن فدنوت، ثم قال: يا أهل الشام هذا بقية الناس.وولى الحكم بن أيوب محمد بن رباط الفقيمي، فكتب إليه الحجاج: وليته أعرابيا جافيا، وكان ابن رباط أميّا، فلزم طول الصمت، وحسن السمت حتى ولاه الحكم. المدائني عن ابن فائد قال: قدم الحجاج العراق وليس على أنهارهم جسور، فأخذهم باتخاذها إلى أرضهم. قال: وضرب الحجاج أبا عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وأمر به فسحب وقال: ضرب بضرب، وتجرار بتجرار. وذلك لأن عبد الله بن خالد ولي الطائف، ففعل مثل ذلك برجل من ثقيف. المدائني عن جرير بن حازم عن أبيه عن حميد بن هلال قال: أتى القراء مطرّف بن عبد الله بن الشخبر فدعوه إلى الخروج، فقال: أرأيتم الذي تدعونني إليه أليس إنما هو جهاد؟ قالوا: بلى. قال: أخاف أن أكون مأثوما، فلو كانت لي نفسان بايعتكم بواحدة، فإن كان ما تقولون رشدا أتبعتها الأخرى، ولكنها واحدة، فأنا أكره أن أغرر بها. وخرج من البصرة إلى السّخبرية وهي علي ليلتين منها، وأقام الحسن بالبصرة ينهى الناس عن الخروج، فكان كرجل خاف السيل فأقام على سننه. المدائني قال: قتل الحجاج عثمان بن مسعود مولى خزاعة، جدّ أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم، وكان عثمان عظيم القدر بخراسان، وهو قتل موسى بن عبد الله بن خازم السّلمي، فقال له مجشّر بن مزاحم السلمي وهو جالس عند قتيبة بخراسان، وأراد أن يغضب قتيبة عليه: ما فعل موسى بن عبد الله؟ قال: استودعته نهر بلخ، ولو حضرته لألحقتك به. وكتب الحجاج إلى قتيبة: إحمل إلي عثمان فحمله إليه وما مع قتيبة قلبهفرقّا، فأمن عثمان فحبسه الحجاج وبعث قتيبة بمنطقة نيزك إلى الحجاج، فدعا بعثمان من الحبس فقال: هذه منطقة نيزك؟ قال: لا هذه منطقة رجل من عظماء الترك، ومنطقة نيزك موصولة بنصف منطقة فيروز. فقال محفز الكلابي: كذبت قال: اغرب فإنك بأكل اليربوع أعلم منك بأمر الملوك. فقال الحجاج: كفّ يا محفز. وردّه إلى السجن. وقال الحجاج: لونا صحني عبد خزاعة كان أحبّ إليّ من أن يمدني أمير المؤمنين بثلاثة آلاف فارس، وكان سخيا جميلا شجاعا كاتبا بالعربية والفارسية أعطى يوما ثمانين جارية وثمانين وصيفا، وبعث إليه رجل بجارية فقال لجلسائه: أرى قبيحا أن أتخذها لنفسي وأنتم حضور، وأكره أن أخص بها رجلا وكلكم له حق، وكانوا ثمانين، فأمر لكل رجل بجارية ووصيف. وقال الحجاج لجبلة بن عبد الرحمن: إنك لنزيف زيغان (¬١)، ويقال عثمان بن مسعود، فقال: أصلح الله الأمير وما عسيت أن أكون إلاّ رجلا من أهل أصبهان، أو عبدا لباهلة. ودعا الحجاج بعثمان وقد أتي برأس نيزك، فقال له: يا عثمان رأيت أحدا أعظم غناء ممن بعث بهذا الرأس وقتل صاحبه - يعني قتيبة بن مسلم - فقال: نعم الذي قتل صاحب هذا الخاتم، ورمى إليه بخاتم موسى بن عبد الله بن خازم. قال: صدقت، أنت لعمري أعظم غناء ونحن نعجز عن مكافأتك فأدّ ما عليك حتى أحملك إلى عبد الملك أمير المؤمنين فيتولىمكافأتك. وردّه إلى الحبس، وأمر صاحب العذاب فألح به عليه حتى قتله. المدائني عن كليب بن خلف العميّ قال: قال ديبق الأقطع للحجاج: أردت كذا فما منعني منه إلا سفهك فقال: بل صرامتي. وكان يمازحه. المدائني عن أبي إسحاق التميمي قال: توارى الحسن عند أبي خليفة مولى عبد القيس فمرض جابر بن زيد، فأتاه الحسن ليلا وقد ثقل فخاف الصبح، ونزل به الموت فصلى عليه، وقال أبو خليفة: إن الله قد وسّع فلا تحتشم. فقال: أما ترضى أن أكون في بيتك مثلي في بيتي؟. المدائني عن أبي إسحاق التميمي قال: قال الحسن: قدم رجل من أهل الشام في بيعة الوليد فكان الشامي يبايع قوما، فميلت بين إتيان الحجاج والشامي، فأتيت الحجاج فبايعته فقال: يا حسن ما كتاب أصيب في دار عمير يروي عنك تزري فيه على الأئمة والسلطان؟ قلت: أصلحك الله كثيرا ما يقال الباطل، وما أدري ما هذا الكتاب. وخطب الحجاج فقال: إن الله أمرنا بطلب الآخرة، وكفانا مؤونة الدنيا، فليتنا كفينا مؤونة الآخرة. فقال الحسن: منية مؤمن خرجت من قلب منافق. المدائني عن عامر بن أبي محمد أن الحجاج كان يضيق على أهل الديماس فكان يقرنهم كل رجلين في سلسلة، فمات الحكم بن المنذر بن الجارود وكان مقرونا بابن رباط الفقيمي، فسقط في متوضإ لهم فمات من نتنه، وكان لكل رجل ذراع في ذراع يتراوحان ذلك، ولم يكن لهم أدمإلاّ الملح والخبز الشعير وكان يلقى في الماء ملحا، فحبس قطن بن زياد الحارثي فمرض فاشتهى اللحم فاحتالوا له فأدخلوا إليه عرقا أو عرقين، فأكل اللحم فقال جبلة بن عبد الرحمن: اعطوني العظام فأعطوه فدفنها في منزل رجل في السجن كان الذي بينهما متباعدا، وبلغ صاحب السجن فدخل ففتش مواضعهم فاستخرج العظام، فلقي الرجل أذى وضرب وضيّق عليه. المدائني عن شيخ من الأزد قال: نادى رجل من بني عطارد: يا حجاج أخرج إلينا أكفاءنا من مضر. فأمر جندب بن عبد الرحمن أخا الجنيد فخرج إليه فقتله جندب، فأعطاه الحجاج سلبه، فاشترى يحيى بن الحكم فرسه بثلاثة عشر ألف درهم فقال الحجاج، لقد صدقت أسماء بنت الصديق حين قالت: «في ثقيف كذاب ومبير»، أنا المبير أبير المنافقين وأهل الشقاق. المدائني عن بكر بن حبيب السهمي من باهلة عن أبيه قال: سمعت الحجاج يخطب فقال: يا أهل العراق إنه والله ما بيني وبينكم من هوادة ولا بلهنية ولا رفاهية ولا دبغ على التحلية، ولا أقول لمن عثر: لعا (¬١)، ولكن لليدين والفم، وما مثلي ومثلكم إلا كمثل رجل كانت في بيته حية تخرج له كل يوم دينارا تضعه على باب جحرها، فقيل له: لو قتلتها واستخرجت الدنانير التي في جوفها. فرصدها بفأس فلما خرجت أهوى إليها ليضربها فولّت فقطع ذنبها، فلما كان الليل لدغت ابنا له فمات فندم وسألها الصلحفقالت: لا صلح بيني وبينك، إذا ذكرت قطع ذنبي وذكرت قتلي ابنك لم تطب نفسك لي، ولا نفسي لك. المدائني عن أحمد بن خالد قال: لما قتل ابن الأشعث فندشا، نذرت أخته إن ظفر الحجاج أن تقبل رأسه فلما ظفر ونزل واسطا دخلت عليه وهو عند النساء فأخبرته بنذرها، فقال: إذا جلست للناس فادخلي عليّ، فلما جلس للناس دخلت عليه فدعاها وقال: قصيّ قصّتك ففعلت فنكس رأسه وقال: في بنذرك فأقبلت تمشي بين السماطين حتى قبّلت رأسه وانصرفت. المدائني قال: جهد الحجاج على وضع آل المهلب فلم يقدر، ووضع آل الفضيل بن عمران، وقتل الهذيل بن عمران البرجمي، وآل شقيق بن ثور، وقتل أشيم، وهدم دار سفيان بن عمرو العبدي، وأقطع دار عبد الرحمن بن زياد لخروجه مع ابن الأشعث فردّها عمر بن عبد العزيز، وأقطع دار عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بالجزيرة فهي اليوم لآل نهيك، وأقطع عبيد الله بن زياد دار سعد الرابية من بني عمرو بن يربوع كانت ماخورا، وكان سعد معلما وله يقول الفرزدق: إني لأبغض سعدا أن أجاوره … وما أحبّ بني عمرو بن يربوع قوم إذا غضبوا لم يخشهم أحد … والجار فيهم ذليل غير ممنوع (¬١) فلما قدم مصعب بن الزبير أخذ الدار من سعد لانقطاعه إلى زياد وآل زياد، فخرج سعد إلى عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين ﴿الْخَبِيثاتُ﴾﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ (¬١) كانت داري ماخورا أقطعنيها ابن زياد، فأخذها مني مصعب، فردها عليه، فلما قدم الحجاج أخذها لأن ابن الزبير ردها على سعد فأقطعها عبد الرحمن بن طارق التميمي ثم العبشمي، وأصله من الجزيرة، فخرج مع ابن الأشعث وكان على شرطة الحجاج، فهرب إلى الشام، فقبض الحجاج الدار فكانت مقبوضة، فأقطعها يزيد بن عبد الملك محمد بن عمر بن عبد الرحمن المخزومي حين قدم عليه برأس يزيد بن المهلب فخاصمه فيها إلى سعد، ثم اشتراها عيسى بن سليمان بن علي. المدائني قال: أخذ الحجاج فضيل بن بزوان مولى بني البكاء، ويقال عبد الرحمن بن بزوان العدواني فقال له: ألم أكرمك؟ ألم أستعملك؟ قال: بلى فاستعبدتني وأهنتني. قال: لأقتلنّك. قال: إذا أخاصمك في دمي، قال: إذا أخصمك، وقتله. المدائني قال: ركب الحجاج فعرض له خارجي فحمل عليه بخيت فقتله، فلما كان رأس السنة ولى بخيت فارس ووصله بمائة ألف درهم. وولى ثولاء بن نعيم على الجزيرة وأمره بقتل عدي بن خصفة العبدي، وكان فاضلا، فأخبر ثولاء بفضله واجتهاده، فكتب إلى الحجاج فيه، فكتب إليه: اقتله لا أم لك، وابعث إلي برأسه فقال عديّ: اللهم لا تري الحجاج وجهي فذبح على حرف سفينة فسقط رأسه في البحر، فاتهم الحجاج ثولاء، ولقي منه شرا. وقتل الحجاج مساور بن رئاب التميمي وقال: ادفعوه إلى أهله فأهلالقتيل يلون القتيل، ويقال قتل في المعركة بالزاوية، وكانت الفارعة بنت همام أم الحجاج عند المغيرة، فولدت له ابنة فماتت فخاصم عروة بن المغيرة الحجاج في ميراثها، فكان ذلك مما حقده الحجاج على عروة. قالوا: وسار الحجاج من مكة إلى البصرة تسعا، ومن إيلياء إلى الكوفة سبعا، فقال الراجز: كسيره من إيلياء فاعلمي … سبعا إلى واسط في تجشّم وقال الفرزدق: فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها … بميسان قد حلّت عراها وكلّت قالوا: وكان دليل الحجاج في طريق مكة قنبر مولى بني عدي فضلّ به، فضربه الحجاج، ثم كساه ووصله وقال له: إن الحوار لا يضيره وطاء أمه. وبعث الحجاج إلى أبي عيينة بن المهلب، وكان معه في الطريق فقال: انظروا ما يصنع فأخبر أنه كان يمصّ قصب السكر، فقال: أراد أن يلينّ أمعاءه. قالوا: وكان قنبر مولى بني عدي والشمّاخ أحد قيس بن ثعلبة يستبقان، فسبق الشمّاخ عديا والحجاج بواسط، فركب سفينة إلى واسط، وقدم قنبر بعده فركب زورقا فسبق فحسده الفرزدق فقال: وما سبق القيسيّ من سوء سيره … ولكن طفت في الماء غُرلة قنبر (¬١)وأنشدنا ابن الاعرابي للفرزدق في مسير الحجاج من الشام إلى واسط في سبع: سما بالمهاري من فلسطين بعد ما … دنا الفيء من شمس النهار فولّت فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها … بميسان قد حلّت عراها وكلّت فلو أن طيرا كلّفت مثل سيره … إلى واسط من إيلياء لملّت كأنّ قطاميا على الرّحل طاويا … رأى غمرة الظلماء حين تجلّت المدائني قال: دخل بسطام بن مصقلة بن هبيرة على الحجاج قبل خروج ابن الأشعث، وكان بسطام جلدا شديد العارضة، فقال له الحجاج: يا بسطام ما أنت بالذي قال الغنوي: أخي ما أخي لافاحش عند بيته … ولا ورغ عند اللقاء هيوب فقال: أنا كما قال الأخطل: عن المغمّر لا تسأل بمصرعه … واسأل بمصقلة البكريّ ما فعلا ضخم تعلّق أشناق (¬١) … الديات به إذا المئون أمرّت فوقه حملا (¬٢) يعني بالمغمر القعقاع بن ثور. وقال الحجاج: لما تبوأت الأشياء منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام. قال الطاعون: وأنا معك، وقال النفاق: أنزل العراق، قالت النعمة وأنا معك، قالت الصحة: أنا أنزل البادية، قال الجوع: وأنا معك. قالوا: وذكر الحجاج روح بن زنباع الجذامي فقال: أخذ من فقه أهلالحجاز، وأخطار أهل العراق، وطاعة أهل الشام، وروي ذلك عن عبد الملك بن مروان. وولى الحجاج صالح بن كريز بيت المال، وكان قد وفى له وسماه قفل الأمانة. قالوا: وقال الحجاج يوما: إني كافر فلم يجبه أحد فقال: أيتها المعزى، كافر باللات والعزى. وقال أيضا يوما: إني لا أخاف الله، فلم يكلمه أحد، فقال: لا أخاف أن يظلمني. المدائني قال: أخذ الحجاج أمام بن أقرم النميري في أمر فحبسه، والحجاج على شرطة أبان بن مروان فهرب من السجن وقال: ولما أن فرغت إلى سلاحي … وبشرى قلت ما أنا بالفقير طليق الله لم يمنن عليه … أبو داود وابن أبي كثير ولا الحجاج عينا بنت ماء … تقلب عينها حذر الصقور أبو داود يزيد بن هبيرة المحاربي، وبشرى فرسه. فلما قدم الحجاج العراق رأى أمام بن أقرم فقال له: ويلك أعيناي أشبه بعيني بنت أم الماء أم عينيك؟ فقال: عيني. وكان أخزر. ولما أراد الحجاج بناء واسط قال بعض الدهاقين: إن الطواعين بها كثيرة، وقد أراد كسرى بناءها ونزولها فكرهها. فقال الحجاج: أراد العلج أن يصرفنا عنها. قالوا: وكان من عمال الحجاج على البصرة قطن بن مدرك الكلابي، وعلى شرطته يزيد بن عمير الأسيدي، فقال له الحجاج: إن الناس قد ولدواأبناء وإنك ولدت أبا، فاستخلفه على عملك، واستعمل يزيد: عمر بن يزيد، وهو ابن سبع عشرة سنة، وقتل سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن ثمان وثلاثين، وصار يزيد إلى الحجاج فولاه دستميسان، وتلقى عمر بن يزيد الحجاج حين قدم من مكة بأسوقة وأشربة، فجعل إذا ناوله قدحا جرع منه جرعة ليأمن أن يكون مسموما فأعجبه ذلك، وطلب الحجاج فسطاطا، فقال له: هو عندي، فابتاعه له وحمله إليه. المدائني عن محمد بن الحجاج قال: قال عبد الملك وهو بالنخيلة: من سيد ثقيف؟ فقال الهيثم بن الأسود: أشرفها نفسا وأبا وجدّا وفضيلة عروة بن المغيرة، فقال الحجاج: أسكت فنحن أعلم بقومنا منك. فقال العريان بن الهيثم: أنا أعلم بقومك منك، فلما ولي الحجاج العراق أضرّ بالعريان، ووضع منه فبعثه إلى عامل الفرات في درهم ونصف بقي عليه، ثم ولى الهيثم بريد دجلة، وولى العريان بريد الفرات، فكانا يتزاوران فكتب: إنه بلغني اجتماعكما لمناشدة الأشعار وتشاغلكما عن العمل، مع كلامك يوم النخيلة يا عريان. المدائني عن الأسود بن سنان عن الجارود بن أبي سبرة قال: دخلنا على الحجاج فقال: ما تقولون في عبد الله بن عامر بن مسمع؟ فلغطوا فقال: ما هذا الصوت بل ما هذا الصّويت إن بكرانا وتميمانا أهون عليّ من بردين متوثيين (¬١) قصيري الطول وصغيري العرض.المدائني قال: قال الحجاج لآذنه: أدخل عليّ رجلا يحدثني، فرأى رجلا من الأزد طويل اللحية، فأدخله فقال الحجاج: هيه. قال: هيه. قال: هيه ويلك. قال: هيه ويلك. قال: هيه ثكلتك أمك. قال: هيه ثكلتك أمك. فقال: أخرج هذا عني وأدخل غيره، فأدخل عليه رجلا فقال له الحجاج: هيه. قال: يسأل الأمير عما أحبّ. قال: أتقرأ القرآن؟ قال: قد علمنيه الله فإن حفظته حفظني، وإن تركته تركني. قال: أفتفرض؟ قال: أفرض الصّلب، وأعرف اختلافهم في الجدّ. قال: فما تعرف من السنة؟ قال: ما أقيم به ديني وأعلّم الجاهل. قال: أتروي الشعر؟ قال: أروي الشاهد والمثل. قال: قد عرفت المثل فما الشاهد؟ قال: النائرة (¬١) تكون بين القوم، فيقول الرجل فيها، فيكون قوله شاهدا قال: فما تعرف من النسب؟ قال: الجماهير، وأعرف موقعي من العرب. قال: أتحب المال؟ قال: له طلبت العلم قبل طلب المال. فأمر له بأربعة آلاف درهم. المدائني قال: لما قدم الحجاج البصرة حضر العيد فرأى كثرة من حضر من النساء، فقال: إن ترك أهل الشام وهؤلاء أفسدوهن فابتنى قصره واتخذ فيه حائرا طويلا أكثر من ميل، وأنزله أهل الشام لا يخالطهم عراقي فتغوط أهل الشام فيه فقال: إنما أردت أن أتخذه لهم فإذا أفسدوه فأبعدهم الله، وكان في قصره إيوان وأربع مقاصير واتخذ صهريجا، وكان قصره على فرسخ من البصرة أو أكثر فكان يأتي الجمعة حتى نزل واسطا.قالوا: وكان على شرطة الحجاج عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي فقال: لأولينّ شرطتي رجلا شديد العبوس، طويل الجلوس، شديدا على أهل الريب والدعارة. قالوا: وعزل الحجاج الحكم بن أيوب، وولى عثمان بن سعد العذري ففرض اللبن على التياسين فعزله، وأعاد الحكم، وصيّر على شرطته عبد الملك بن المهلب. وكان طاعون القينات سنة سبع وثمانين، فخرج الحكم عن البصرة وولاها عبد الملك فقال الحارث بن ضب العتكي: فلو كنت من أولاد حمّة لم تكن … لتكتب بالعصيان والناس عزّل ولكن عرقا من بهلّة يعتزي … فقال فما عنه لكم من محوّل وقال فيه واثلة بن خليفة: بكى المنبر الشرقي لما وليته … وكادت مسامير الحديد تذوب وقد أقفرت منكم رساتيق فارس … وبالمصر دور جمّة ودروب رأيتك لما شبت أدركك الذي … ينال شيوخ الأزد حين تشيب سفاهة أحلام وضنّ بنائل … ففيك لمن عاب المزون معيب قالوا: وكان الحجاج إذا قتل رجلا فتزوجت امرأته كف عنها، وإن لم تتزوج حبسها في قصر المسيرين. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال الحجاج لمساور بن هند العبسي: ما ترجو من الشعر؟ قال: أسقى به الماء، وأرعى به الكلاء، ويقضى لي به الحاجة. قال المدائني: ولحن الحجاج يوما، فقال الناس: لحن الأمير، فأخبره أبو كعب فخطب وتمثل بشعر قعنب ابن أم صاحب:صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به … وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا إن يسمعوا سيئا طاروا به فرحا … مني وما سمعوا من صالح دفنوا قالوا: وقرأ الحجاج يوما: ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ منتقمين ثم قال: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ (¬١). المدائني قال: عصى ثلاثة بنون لموسى بن حكيم بن حنيفة فقال له الحجاج جئني بهم فقال: إذا ذكرت نفسي خفافا وخالدا … وراجعت ذكرا من أمية أيجع إذا قال حجاج ألا فأتني بهم … أزاول عن أفلاذ كبدي فتنزع وكان حكيم مع عثمان يوم الدار، فقال له: يا أمير المؤمنين أكفر الناس؟ قال: لا بل قسطوا. وعصى ابن لهارون بن حكيم فجاء به عمه موسى بن حكيم إلى الحجاج فقال: هذا ابن أخي عاص قال: قد غفرتها له، لما كان من حكيم يوم الدار. المدائني قال: وفد الحجاج إلى الوليد، وكان أخصّ الناس بالوليد عباد بن زياد بن أبي سفيان. والغازي بن ربيعة الجرشي فقال عباد للغازي، وكره أن يكون هو الذي يقول للوليد، فيبلغ الحجاج: إن الحجاج سيذكر لأمير المؤمنين أمر العراق ويعظم شأنه وبلاءه فيه ويقول: لولا مكاني بالعراق ما قام لكم سلطان فقل لأمير المؤمنين إن قال ذلك يقول له: اسكت فنحن أعظم عليك منّة ويدا، قد ولّيناك وشرفناك ولولا ما كانمنا إليك لكنت كرجل من قومك، ولولا ما صنع الله لنا ولك بنا ما كنت بالعراق شيئا. فقال الغازي ذلك للوليد، ودخل الحجاج ذات يوم على الوليد، فعظّم أمره وبلاءه، وما كان منه في أمر أهل العراق حين عصوه، فردّ عليه الوليد ما ألقى إليه الغازي فانقطع الحجاج، وقال في نفسه: ما هذا كلام الوليد فمن أخصّ الناس به؟ قالوا: الغازي. قال: وما هو بكلام يمان، قالوا: فعباد بن زياد، قال: هو كلامه وهو صاحبي، فجفا عبادا وحجبه حين أتاه، فشكا ذلك إلى الوليد فقال له: يا حجاج أتستخف بمشايخ بني عبد شمس؟ فأذن لعباد وقال له: أصالحك صلحا دملجا (¬١)، وقال الراجز: قد أمر الأمير بالإدلاج … قلت لأصحابي ولم أداجي هلمّ هاتوا صفة الحجاج … كأن عينيه من الزجاج كأن ساقيه عمود ساج قالوا: ودخل ما عز بن ضمرة الحارثي على الحجاج فكلمه فقنعه الحجاج، فقال: مه، بانتهار. قالوا: واستسقى قبيصة بن برمة يوما عند الحجاج فأتي بإناء صغير فشرب، ثم قال: قبح الله الإناء إذا لم يكن عظيما يروي صاحبه، ويفضل عن ريّه.وقال الحسن: الحجاج يتلو القرآن تلاوة أزرقيّ، ويحكم حكم جبار. وقال المدائني: كانت دار محمد بن يوسف بمكة لعبد المطلب، وفيها ولد النبي ﷺ، فاشتراها الحجاج بمائة ألف دينار (¬١)، فقال عبد الله بن حسن بن حسن للحجاج بن عبد الملك بن الحجاج: إني أريد أن أطلب دار ابن يوسف فأقرّ أن أباك غصبها، فقال له الحجاج: إني لأرى فيك ما يرى هؤلاء النوكى، أفتأمرني أن أزعم أني ظلمتك فتصير لك بحق لزمني، وهي اليوم قد أخذت منا، وأنا لا أيأس من أن تردّ علينا. وقالوا: حبس الحجاج أبا الطفيل عامر بن واثلة الليثي، فكلمه فيه عبد الرحمن بن سهل بن عمرو، وأم عبد الرحمن بنت أبي الضريس من بني ليث. فقال للحجاج: هب لي خالي، وكان عبد الرحمن صهر الحجاج، كانت ابنته أم سلمة عند الحجاج، فأخرجه الحجاج، فقال له عبد الرحمن: يا أبا الطفيل أنا أحبّ إليك أم حسين؟ قال: اعفني. قال: لا أعفيك. قال: أما إذا أبيت فما ولدت ابنة رسول الله ﷺ أحبّ إلي مما ولدت ابنة أبي الضريس. وقيل للحسن: إن الحجاج قال عند الموت: أللهم إن هؤلاء يزعمون أنك لا تغفر لي فاغفر لي. قال: أو قالها؟ قالوا: نعم، قال: عسى. حدثنا عفان، ثنا المبارك بن فضالة قال: كان الحجاج يأخذ الناس بالجمعة ثم يقيم على رؤوس الفقهاء والقراء قوما يمنعونهم من الصلاة حتىيصلي، فكانوا يومئون إيماء، فقال الحسن: هي والله لهم تامة. حدثنا شيبان بن فروخ الأبلّي، ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني قال: رأيت سيف مولى عبد الرحمن بن سمرة والحجاج يخطب يومئ برأسه إيماء، فأخذت ذلك عنه، وكنت أومئ برأسي. المدائني عن جرير عن الأجلح قال: قلت للشعبي: أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: مؤمنا بالطاغوت، كافرا بالله. المدائني عن عامر بن حفص قال: قال ابن سيرين: ما ذكرت من قتل مع ابن الأشعث إلا قلت ليتهم لم يخرجوا، فإذا ذكرت قول الحجاج قلت: ما حل لهم إلا ما صنعوا. قال: يقول المنافقون إن خبر السماء قد انقطع وكذبوا، إن خبر السماء عند خليفة الله وقد أنبأه الله أنه قاتلهم ومشردهم، يقول هذا لأهل الشام. المدائني عن بشر بن عيسى عن أبي المضرحي قال: أمر الحجاج محمد بن المنتشر وهو ابن أخي مسروق بن الأجدع أن يعذب أزاذمرد بن الهربذ ويستأديه فقال له ازاذمرد: يا محمد إنك شريف ولك دين، ومثلي لا يعطي على الذل فارفق بي فأستأداه في جمعة ثلاثمائة ألف درهم، فغضب الحجاج وأمر معدا صاحب عذابه فحوّله إليه فكسر يديه ورجليه فلم يعطه شيئا، قال محمد: فمررت بأزاذمرد وهو على بغل فقال: يا محمد. فكرهت الدنو منه فيبلغ الحجاج وتذممت منه فدنوت، فقال: انك وليتني فأحسنت ولي عند فلان مائة ألف درهم فخذها. فقلت: لا آخذ منك شيئا، فقال: مثلي ومثل الحجاج مثل رجل كان يسقط طائر على سطحه في كل يوم فيبيض لؤلؤتين، فقال: لو أخذت هذا الطائر فذبحته وأخذت ما في جوفه،فصاده وذبحه فلم يجد في جوفه غير بيضتين. وقد رفقت بي وأخذت مني ثلاثمائة ألف درهم في جمعة وقد اشتد عليّ هذا طمعا في أن يأخذ أكثر من ذلك ولا أعطيه والله درهما، يا محمد إني أحدثك حديثا سمعته من أهل دينك، إن الله إذا أراد بالعباد خيرا أمطر المطر في إبّانه، واستعمل عليهم خيارهم، وجعل المال عند سمحائهم، وإذا أراد بهم شرا أمطر المطر في غير إبانه، واستعمل عليهم شرارهم وجعل المال في بخلائهم. قال: ومضيت إلى منزلي فلم أضع ثيابي حتى أتاني رسول الحجاج، فدخلت عليه وبين يديه سيف قد اخترطه فقال: ادن فدنوت وأضحكه الله لي، فقال: ما قال لك الخبيث؟ فحدثته فلما أردت تسمية الرجل صاحب المائة الألف صرف وجهه وقال: لا تسمّه، وأتممت الحديث فقال: لقد سمع الكافر الحديث، انصرف. وقال الحجاج ليحيى بن يعمر العدواني: أين نشأت؟ قال: بالأهواز. قال: فما هذه الفصاحة؟ قال: لسان أبي. المدائني عن محمد بن عبد الله الشيباني قال: قالت جارية للحجاج حين مات: اليوم يرحمنا من كان يغبطنا … واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا قال المدائني: أتي الحجاج بخمر فأمر بهراقتها، فأمسك غير واحد من جلسائه على أنفهم، فقال اسماعيل بن الأشعث وكان يضعّف: ما تمسكون بأنفكم، إنها لطيبة الريح، وإنا لنشتهيها غير أن الله حرّمها، فإذا الذين أمسكوا بأنفهم يشربونها كلهم. وقال الحجاج لإسماعيل، وهو في قصره بواسط: كيف ترى قصري؟قال: أرى قصرا ستعظم المؤنة لمن أراد هدمه، قال: ويحك ما خالف بك إلى ذكر الهدم؟ وخطب الحجاج فذم الدنيا وصغّرها فقال: والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء. وكان أبو عون يقول: إذا سمعت قراءة الحجاج علمت أنه طالما قرأ كتاب الله. قال وخطب الحجاج في يوم جمعة فأطال فقال رجل: الصلاة أيها الأمير فإن النهار لا ينتظرك، والله لا يعذرك، فأمر بحبسه فكلم فيه وقيل إنه مجنون فقال: إن زعم أنه مجنون خليت سبيله، فقيل للرجل قل: إني مجنون فقال: ما كنت لأنسب إلى ربي ما لم يفعله بي فعرض الحجاج الناس يوما فغلط وخلى سبيله. قالوا: وقدم نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل على الحجاج فأمره بقتل رجل، فاعتلّ فاغفل الحجاج برّه، فمضي إلى المدينة فبعث إليه الحجاج بثلاثمائة دينار صلة لحقه بها الرسول وقال: استعن بها في سفرك. المدائني عن شهاب السلمي قال: حدثني ابن صاحب نهر المرأة قال: كسر دهقان من دهاقين فارس خراجه، وأفسد أهل الخراج فكتب الحجاج إلى عامله أن اصلبه فصلبه، وطعنه في أحد شقّيه طعنة، وصلب إلى الجذع، وتفرق الناس، وإلى جانب المصلوب حانوت، فأومأ فاستسقى، فأعلم العامل بذلك فرجع إليه فطعنه في الجانب الآخر، ثم انصرف واستسقى فقيل للعامل فرجع فطعنه بين الطعنتين، ثم مضى عنه فاستسقى فأنزله العامل وكتب بخبره إلى الحجاج فكتب الحجاج أن احمله إليّ فحملهإليه، فقال الحجاج: يا أهل الشام، تهابون الإقدام وقد طعن هذا ثلاث طعنات كلها تصل إلى الجذع فلم يمت. وخلى عنه، قالوا: فكان بعد ذلك يمشي في السوق. قالوا: وكتب قتيبة إلى الحجاج يشكو ترك أهل الشام طاعته بخراسان، فكتب إليه أن احرمهم أطماعهم، فقد أشروا بدرورها عليهم، وأفقرهم فإن الفقر جند الله الأعظم الذي يذل به كل جبار عنيد. وقال الحجاج لصاحب حرسه: إني استعملتك على نفسي، ولصاحب شرطه: إني استعملتك على سلطاني، ولحاجبه: إني استعملتك على وجهي، ولصاحب طعامه: إني استعملتك على مروءتي. وخطب الحجاج فقال: ﴿إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (¬١) وكان لا يدع ذلك حتى مات. قالوا: وبعث الحجاج بهدايا مع رجل من همدان إلى عبد الملك فأنشد عبد الملك: لقد أوعدتني شاكر فحسبتها … وفي النفس من همدان والقلب هاجس قبيلة لا كثّر الله خيرها … لها حجف فوق المناكب يابس وقال: يا أخا همدان، لئن أسأنا المقال لا نسيء الفعال، وأمر له بأربعة آلاف درهم.وقال الحجاج للعجاج وبين يديه لقحة تحلب، انعمت هذه فقال: تصرف للحالب وجها حرّا … إلى سنام طال ما اكفهرا كأنّ خلفيها إذا ما درّا … جروا هراش حرّكا فهرّا (¬١) قال: خذها يا عجاج فهي لك. وقال الحجاج: إن الرجال ذوي الظنون يظنون فيدخلون ويظنون فيخرجون، والمرأة إذا رأت عقلت، وإذا سمعت انتفعت. وقال الحجاج: إني أعطي على البلاء والظرف وأحرم على العجز والضعف. وقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أو كان متفرقا فأجمعه؟ قال: أتقرأه ظاهرا؟ قال: بل أقرأه وأنا أعرفه، وأعلم أنه نور مبين. قال: أفتحفظه؟ قال: إن أحسنت قراءته فأنا أحفظه. قال: ما تقول في عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه. قال: ويلك كيف تلقى ربك؟ قال: ألقاه بعملي، وأرجو أن تلقاه بدمي. وقال الحجاج في خطبته: إن امرأ مضت له ساعة في غير ما خلق له لخليق أن تعظم حسرته. وخطب الحجاج يوما فقال: اللهم أرني الهدى هدى فاتبعه، وأرني الغيّ غيا فاجتنبه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ﴿ضَلالاً بَعِيداً﴾ (¬٢).قال الهيثم بن عدي عن عوانة: خطب الحجاج فقال: رحم الله امرأ عمل بعلمه، رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب من غيره، رحم الله امرأ فكر فيما يقرأ في كتابه ويراه في ميزانه، رحم الله امرأ كان له من نفسه مذكّر لمعاده وزاجر عن معصية ربه، رحم الله امرأ أخذ بعنان عمله فإن قاده إلى طاعة الله اتبعه، وإن قاده إلى معصيته كفه. قال: وقدم نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف على الحجاج، فأمره الحجاج أن يقتل رجلا فأبى وارتحل إلى المدينة فبعث إليه الحجاج بثلاثمائة دينار صلة له وقال استعن بها على سفرك، فلما لحقه الرسول ظن أنه يريد رده فقال: أغدرا؟ قال: لا بل صلة الأمير. وخطب الحجاج فذم الدنيا قال: والله ما مضى من الدنيا لأشبه بما بقي من الماء بالماء. وأمر الحجاج جلساءه أن يرسلوا إلى منازلهم فيحضر كل امرئ ما عنده مما يؤكل فأتوا جميعا بتمر وزبد. وعرض الحجاج الجند يوما فمر به رجل لا سلاح عليه فقال له: أين سلاحك يا بن نوح؟ فقال: تغافل أيها الأمير، فكف عنه، ومر به رجل من أهل حمص لا سلاح عليه، فقال له: أين سلاحك؟ قال: تغافل أيها الأمير فأمر به فضرب مائة سوط. المدائني قال: كان زاذان خباز ابن زياد ومصعب بن الزبير فقال له الحجاج: أي الطعام كان أحبّ إلى ابن زياد؟ قال: الشواء. قال: فمصعب؟ قال: الثريد. قال: هو والله أولاهما بذلك. يقول لأن الثريد طعام العرب.وكان الحجاج جمع بين زاذان وطباخ شامي، فكان الشامي أكثرهما طرائف، وكان زاذان أقواهما طعاما. وقال الحجاج لحوشب بن يزيد: ما كان أبوك يخبرك به عن المختار؟ قال: أخبرني أنه قال: أنا الذي أتزوج امرأة من أهل النبي، وأكسر قصر الملك، وأبني بنقضه قصرا، وأنا الذي ابني مدينة داوردان. فقال: كذب ابن دومة، وإن كانت لكريمة، أنا ذاك. فنقض قصر النعمان، وبني قصره في الجبان، وتزوج ابنة عبد الله بن جعفر. وقدم الحجاج على قوم فسألهم عن المطر فتكلموا، فقال عمر بن أبي الصلت: أصلح الله الأمير أما أنا فما أجسر أن أنسق كما نسقوا، غير أني لم أزل في مطر وطين منذ خرجت من حلوان حتى قدمت عليك. فقال: لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة، إنك لأطولهم بالسيف خطوة. المدائني قال: لما بنى الحجاج واسطا قال: لا عيب فيها علمته إلاّ ما نصير إليه من الموت، مع أنها ليست لنا ببلد، ولا لمن نترك من الولد. وقال الحجاج لرجل من النخاسين: ما بال دوابكم أفره من دوابنا؟ قال: لأنا إذا علفنا أشبعنا، وإذا زجرنا أسمعنا، وإذا ضربنا أوجعنا. وقال الحجاج: ما زالت قريش تذكر ابن جدعان، حتى ظننت أنه قد ولي رقابهم. قالوا: ولما مات بشر بن مروان، وبلغ الحجاج موته قال: مات بشر يوم كذا، فيصل خبره يوم كذا، فلا يرى للعراق أحد غيري، فيأتيني كتاب بولايته يوم كذا. فكان كما قال: فاستخلف على الحجاز محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وقدم العراق.وحلأ (¬١) من بني كاهل رجلا من أصحابه عن الماء فقال: إني ابن سبيل، قال: ذاك أهون لك عليّ، فأخذه الحجاج فقطع يده فقال الشاعر: ألم تر أن الكاهلي ابن معبد … أبينت يداه بعد عقد مؤكد وقال الحجاج لزياد بن قطبة، وكان يرى رأي الخوارج، فقال: ما تقول في عثمان وعلي؟ فقال: هما ختنا خير الأنام ومن له … على الناس فضل بيّن يا بن يوسف فقال: ليس عن هذا أسألك إنما أسألك عنهما؟ فقال: خليلان عاشا برهة مع محمد … فبان ولمّا يسخطا يا بن يوسف فقال: أسألك عنهما في دينهما؟ قال: علمي فيهما والله كعلم الأمير لا أعدو والله فيهما قوله. قال: اعتصمت بمعتصم. محمد بن خلف قال: قال الحجاج لسعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد: أشعرت أن ابن عمك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد مات. ولم يعزّه فغمّه تركه تعزيته، فقال: أيّ شعر قالته العرب أحسن؟ قال: قول عدي بن زيد العبادي: أيها الشامت المعيّر بالده … ر أنت المبرّأ الموفور أم لديك العقد الوثيق من الأي … ام بل أنت جاهل مغرور (¬٢) فقال، إنك ما علمت لتتشفى بالدهر، وتولع بليّن الشعر.قالوا: وخرج فرقد السّبخي مع ابن الأشعث، فطلبه الحجاج فهرب، وقيل لم يخرج ولكنه بلغ الحجاج عنه قول فطلبه فهرب. قال فرقد: فأتيت واسطا فكنت أصلي في المسجد، فخرج الحجاج ليلة ومعه شيء يقسمه، فوقف علي فأعطاني فلم أقبل، فعاد، فأعطاني فلم أقبل، وعاد الثالثة فلم أقبل فأعطاني كيسا فلم أقبله، فوكل بي رجلا فلما انصرفت أتاه بي فقال لي: من أنت؟ قلت: فرقد. قال: أنا أطلبك وأنت معي فأخبرته خبري فقال: قد عفوت عنك، وأصبح فأمر بقتل رجل من أهل الكوفة وقال لرجل: أخرج هذا فاقتله، وقال لي قم معه حتى يقتله فقلت للرجل: فيم يقتل هذا؟ قال: لا أدري فإن أمرتني بقتله قتلته فقد سرحك معي، فقلت أرى أن تخليه فخلاه، ومضينا فستر الله وأنساه ذكري. وأرسل الحجاج رجلا إلى عنبسة بن سعيد وقال لرسوله: قل لعنبسة: اقتله فإن أبى فاقتل عنبسة، فأبلغ الرسول عنبسة رسالة الحجاج، فقال عنبسة لرجل: اقتله فقتله، فقال رسول الحجاج: لم قتل هذا؟ فقال عنبسة: أمر بذلك الحجاج. وقال الحجاج لرجل من الأعاجم: أمن أبناء الملوك أنت؟ قال: لا ولكني من أبناء أهل الرأي. قال: فأخبرني عني قال: غضبك نصفين بين عدوك وصديقك، صديقك يخافك كما يخافك عدوك، فتبسم الحجاج وأمره أن ينطلق. حدثنا عن جعفر بن سليمان الضبعي عن عوف قال: صليت خلف الحجاج جمعا فما صلى حتى توارت بالحجاب. المدائني قال: مات الحجاج فذكره الوليد، وذكر فروة بن شريكالعبسي فترحم عليهما، وقال: كانا منقادين لأمرنا والله لأشفعنّ لهما عند ربي، ولأسألنه أن يدخلهما الجنة، يا أهل الشام أحبوا الحجاج فإن حبه إيمان وبغضه كفر. الربيع بن صبيح عن أبي الحسن قال: كان الحسن يذكر الحجاج فيقول: أخفش أعمش، مقصص الشعر، جاءنا يميت الصلاة حتى تصفّر الشمس، ويقول: إنّا والله ما نصلي للشمس، وما نصلي إلا لله، أفلا تقولون: يا عدو الله إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإن له حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وكيف تقولون ذلك وعلى رأس كل رجل علج قائم بالسيف!. المدائني قال: أراد الحجاج قبل أمر ابن الأشعث أن يبعث إلى عبد الملك بهدايا، فقال: انظروا رجلا أمينا فقال له عبد الرحمن بن أبي بكرة: قد وجدته، شعبة بن القلعم قد خبرته، وكان عبد الرحمن استودع شعبة أموالا لزياد فأداها فوجّه الحجاج شعبة إلى الشام، وقال له محمد بن عمير بن عطارد: وجّهني معه وكان قد خافه فوجههما فوردا بالهدايا على عبد الملك، فمات شعبة بالشام قبل خروج ابن الأشعث، وطلب محمد بن عمير إلى عبد الملك أن يقيم بالشام فمات بالشام قبل خروج ابن الأشعث وهو ابن ست وثمانين سنة، ولم يدع ولدا، مات بنوه قبله، وكان ابنه عمرو من فتيان أهل الكوفة ففقد في الغزو، ومات ابنه القعقاع فورثته أخته. ويقال إن الحجاج كان معلما بالطائف. وولد الحجاج من أم الجلاس: الوليد، ومن أم سلمة بنت عبد الرحمن: يوسف، ومن أم أبان بنت النعمان: أبان وعبد الملك، فقال رجلمن الشاميين: اللهم إني أعلم أنك لا تعذب الحجاج، فلا تحرمني شفاعته. أبو بكر الهذلي قال: وسم الحجاج العلوج، وأخرجهم من البصرة، وألحقهم ببلادهم، وكان أهل البصرة والكوفة وغيرهم من الموالي قبل أن يخرج الناس إلى أرضيهم يزوجون الدهقان وغيره، فلما أخرج الحجاج الناس امتنعوا. وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: أتقرأين من كتاب الله شيئا؟ قالت: نعم. فقرأت: «إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا (¬١)» فقال: ويلك، يدخلون، فقالت: قد دخلوا وأنت تخرجهم. قال: وكان شبيب الناجي في ديوان الحجاج يضادّ يزيد بن أبي مسلم، فسأله تياذوق المتطبب حاجة فلم يقضها، فقال تياذوق: أما تحتاج إلي؟ قال: لا، أنا ادّهن بالبنفسج، وآكل الاسبيذاج، فإذا شبعت أمسكت، وأشرب الماء مطبوخا، ولا آكل على شبع، ولا آكل لحم شيء أكبر مني، فقال: حقّ لك ألا تحتاج إليّ. عبد الله بن فائد قال: خطب الحجاج هند بنت المهلب، بعد أن بعث يزيد بالأسراء من قبل ابن الأشعث، فبعث الحجاج إلى أبي عيينة فزوجه هندا، وتزوج أختها أم اسماعيل محمد بن يوسف، وحملها إليه إلى اليمن.حدثني هشام بن عمار قال: قتل أصحابنا الهاشميون من ولد علي بن عبد الله عدة من أولاد الحجاج.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • KadhdhabKadhdhab

    أُخْرى﴾ (¬٢) فقال: أو ما سمعت قول القائل:. . . . . . . . . . . … إن الفتى بابن عم السوء مأخوذ فقال الحسن: ما له قبحه الله تتلى عليه آية من كتاب الله، فيعارضها بقول شاعر كذاب. المدائني عن عامر بن حفص قال: قال عمر بن عبد العزيز: «لو خابثتنا الأمم بالحجاج، فجاءت كل أمه بأخبث من فيها، وجئنا بالحجاج لخبثناهم وغلبناهم». حدثني عبد الله بن صالح العج

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • KadhdhabKadhdhab

    ن عبد الرحمن أخا الجنيد فخرج إليه فقتله جندب، فأعطاه الحجاج سلبه، فاشترى يحيى بن الحكم فرسه بثلاثة عشر ألف درهم فقال الحجاج، لقد صدقت أسماء بنت الصديق حين قالت: «في ثقيف كذاب ومبير»، أنا المبير أبير المنافقين وأهل الشقاق. المدائني عن بكر بن حبيب السهمي من باهلة عن أبيه قال: سمعت الحجاج يخطب فقال: يا أهل العراق إنه والله ما بيني وبينكم من هواد

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • KadhdhabKadhdhab

    ّم ظلما لحوم البقر فكنا كمن قال فيما مضى … أريها السّهى وتريني القمر حدثني عبد الله بن صالح عن رجل عن الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأقامه الحجاج فقال: إلعن الكذابين علي بن أبي طالب (¬١)، والمختار بن أبي عبيد، فلما قال: عليّ علمت أنه لم يعنهما.وقتل الحجاج دينارا مولى بني قطيعة، الذي تنسب إليه حفرة دينار. وكان هدم قصر الحجاج واشترى

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبا محمد

    بها فقال الشاعر: ألا قل للوّامي على الخمر انني … سأشربها مما سباه (¬١) معتّب وكان الحجاج يكنى أبا محمد، ولي أول مرة تبالة، فلما رآها أبى أن يليها فقي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Kunya

    أبي عقيل بن

    ومنهم الحجاج بن يوسف (¬٢) بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

Teacher and student relations

Parsing and provenance details
Local passage ID
255024
Book record
shamela-9773
Source record
337848
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
ومنهم الحجاج بن يوسف (¬٢) بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف. — shamela-9773 · Hadith Research Library