page 3384, entry [602]Open original source
أمر هشام بن عبد الملك بن مروان هشام بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا الوليد، وكان أحول بخيلا، وأمه أم هشام واسمها فاطمة بنت هشام بن اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ويقال عائشة بنت هشام، ويقال مريم بنت هشام، وكانت أمه حمقاء أمرها أهلها ألا تكلم عبد الملك حتى تلد، وكانت تثني الوسادة ثم تركبها وتزجرها، وتشتري الكندر (¬١) فتمضغه وتجعل منه تماثيل، وتضع التماثيل على الوسائد، وقد سمّت كل تمثال باسم وتنادي: يا فلانة يا فلانة، فطلقها عبد الملك، وسار إلى مصعب وهي حامل فلما قتله بلغه مولد هشام فسماه منصورا تفاؤلا بذلك، وسمته أمه هشاما باسم أبيها. وولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب سنة اثنتين وسبعين. وولد هشام: مسلمة أبا شاكر، وأمه أم حكيم بنت يحيى بن الحكم، ويقال هي أم حكيم بنت الحارث بن الحكم.وسعيدا، أمه أم ولد، ويقال أمه أم عثمان بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان. ومعاوية، وأمه عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وعبد الملك، وأمه مخزومية. محمدا، أمه الطليحة، ويقال أم ولد. ومروان: درج صغيرا وأمه أم ولد. وتزوج هشام من النساء: أم حكيم بنت يحيى بن الحكم. وحفصة بنت عمران بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، وعبدة بنت عبد الله الأسوار بن يزيد بن معاوية. ورقيّة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان وأمها أم عمر بنت مروان، ولدت له عائشة بنت هشام، تزوجها عبيد الله بن مروان بن محمد، ويقال عبد الله، وعبيد الله أصح. وأم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو. وأم عبد الملك المخزومية. وأتت هشاما الخلافة وهو بالزيتونة (¬١)، ومات هشام بالرصافة التي بقرب الرقة في شهر ربيع الآخر لستّ خلون منه سنة خمس وعشرين ومائة، وصلى عليه ابنه مسلمة، ويقال بعض ولده غير مسلمة، وكان خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر. ويقال إنه مات ليلة الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.ويقال كانت خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحدا وعشرين يوما، ومات وله أربع وخمسون سنة. قال المدائني: كان على شرطة هشام كعب بن حامد العبسي ثلاث عشرة سنة ثم عزله وولاه أرمينية بعد الجرّاح بن عبد الله الحكمي، وولى الشرط يزيد بن يعلى بن الضخم العبسي. وولى الرسائل سالم بن عبد الرحمن مولى سعيد بن عبد الملك بن مروان، أو المنذر بن عبد الملك. وولى الحرس نصرا مولاه ثلاث سنين، ثم ولى الحرس الربيع مولى بني الحريش وهو الربيع بن شابور، وولاه أيضا خاتم الخلافة. وولى ديوان الخراج والجند أسامة بن زيد، ثم عزله، وولى ابن الحبحاب، ثم ولى ابن الحبحاب مصر وصيّر مكانه على ديوان الخراج والجند سعيد بن عقبة مولى بني الحارث بن كعب. وكان قاضي هشام نمير بن أوس الأشعري، ثم يزيد بن أبي مالك الهمداني. قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: لما خلع يزيد بن المهلب وجّه إليه يزيد بن عبد الملك مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك، وقال: أمير الجيش مسلمة فإن حدث به حدث فالعباس بن الوليد، فقال العباس بن الوليد ليزيد: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق قوم غدر كثير إرجافهم وأنت توجهني محاربا والأحداث تحدث ولا آمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا: مات أمير المؤمنين، ولم يعهد فيفتّ ذلك فيأعضاد أهل الشام ويدخلهم له الوهن والفشل، فلو بايعت لعبد العزيز بن الوليد، قال: غدا إن شاء الله. وبلغ مسلمة بن عبد الملك ذلك فدخل على يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، أولد عبد الملك أحبّ إليك أم ولد الوليد؟. قال: ولد عبد الملك إخوتي وأحب إلي، قال: فابن أخيك أحقّ بالخلافة من أخيك؟ قال: لا. قال: أفتبايع لعبد العزيز؟ قال: لا، غدا أبايع لهشام أخي وبعده للوليد ابني. وبلغ عبد العزيز قوله، وأتاه مولى له وهو لا يعرف الخبر فقال له: يا أبا الأصبغ غدا نبايع لك. قال عبد العزيز: هيهات، أفسد ذلك علينا مسلمة ونقضه. فلما كان الغد بايع يزيد لهشام، ومن بعده لابنه الوليد بن يزيد، فكان إذا نظر إلى الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك. المدائني أن عبد الملك بن عياش قال لهشام قبل الخلافة، وكان يسحب ثيابه: قد أطلت قميصك يا أبا الوليد، قال: وما يضرك؟ قال، إنك تجره في الطين فارفعه. قال: وما ينفعك؟. المدائني عن الحارث بن يزيد قال: حدثني مولى لهشام قال: بعث معي مولى لهشام كان على بعض ضياعه بطائرين ظريفين فدخلت عليه وهو جالس على سرير في عرصة الدار، فجعل ينظر إليهما، فقلت: يا أمير المؤمنين جائزتي. فقال: ويلك وما جائزة طيرين؟. فقلت: ما كان. فقال: خذ أحدهما، فعدوت في الدار لآخذ أحدهما فقال: مالك؟.قلت: أختار أحدهما. فقال: أو تختار أيضا وتدع شرهما؟. قلت: نعم. قال: دعهما ونعطيك خمسين درهما. قال: وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: «إن بغلتي قد عجزت فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابة فعل»، فكتب إليه: «قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وقد ظن أمير المؤمنين أن عجز بغلتك عنك من قلة تعهدك لها، فإن علفها يضيع، فتعهّد دابتك وقم عليها وسيرى أمير المؤمنين رأيه في حملانك إن شاء الله، والسلام». قال: وكتب بعض عمال هشام إليه: «إني قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة فيها دراقن فليكتب إليّ بوصلها». فكتب إليه: «قد بلغ أمير المؤمنين كتابك ووصل الدراقن وأعجبه، فزد أمير المؤمنين منه، واستوثق من الوعاء الذي توعيه إياه، والسلام». وكتب إلى بعضهم: «قد أتت أمير المؤمنين الكمأة التي بعثت بها وهي خمسون وقد تغير بعضها ولم يؤت ذلك إلا من قبل حشوها، فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين بشيء من الكمأة فأجد الحشو في طرفه بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضه بعضا إن شاء الله، والسلام». قال: وكان سالم بن عبد الرحمن كاتبا لهشام، ثم إنه صيّر ابنه كاتبا له يخلفه عنده، فقال له: إن ابنك يا سالم لبيب فقال، يا أمير المؤمنين أخا يرك به أيّ بنيك شئت. المدائني قال: قال هشام لأبي أيوب: أخرج فانظر كيف ترى السحاب، فخرج فنظر فقال: قد تفرق وإن اجتمع فعسى.المدائني قال: قال هشام: إن لأهل العراق رائدين لا يكذبان دجلة والفرات. المدائني قال، قدم علباء بن منظور الليثي على هشام فأنشده: إنّا أناس ميّت ديواننا … ومتى يصبه ندى الخليفة ينشر فقال: ما أحسن ما قلت وسألت، وأمر له بخمسمائة درهم وأن يلحق له عيّل، فقدم البصرة فقال الفرزدق: الحذيّا (¬١)، فأعطاه مائة درهم، فقال: اجعلها يا أمير المؤمنين لابنتي، قال: إنما حاولت الجريبين، وكان لكل واحد من الذرية في كل عام مائة درهم، وفي كل شهر جريبان، وإنما ذلك لعيال أهل الديوان. وقال هشام للأبرش - وهو سعيد بن الوليد بن عمرو بن جبلة بن وائل بن قيس بن بكر بن عامر، وهو الجلاح بن عوف بن بكر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان، وكان الأبرش جليسه وأنيسه-: كيف تكون أخص الناس بي وأنت أخص الناس بمسلمة أخي؟. فتمثل الأبرش: أؤاخي رجالا لست أخبر بعضهم … بأسرار بعض إنّ قلبي واسع قال: وقال الأبرش لهشام: يا أمير المؤمنين، لو ينادى في عرض الناس يا مفلس فسمع رجل من جلسائك نداءه ما ظن أنه عنى غيره. المدائني عن عمر بن يزيد عن الوليد بن خليد قال: رآني هشام على برذون طخاري فقال: ما هذا البرذون؟ قلت: حملني عليه الجنيد بن عبدالرحمن المرّي. فحسدني وقال، لقد كثرت الطخارية، ولقد مات عبد الملك وما في دوابه إلا برذون طخاري، فتنافسه ولده أيّهم يأخذه وما منهم أحد إلا وهو يرى أنه إن لم يأخذه لم يرث من أبيه شيئا، فصار لي فما ورثت من عبد الملك شيئا كان أحب إلي منه. المدائني عن يزيد بن الحارث قال: كان هشام وبنو مروان كلهم لا يكسون الناس الخز الأحمر والأصفر ويكسونهم ما وراء ذلك من الألوان، ويدخرون الأحمر والأصفر لكسوتهم. قال: وقسم هشام تمرا وجبنا، فقال ابراهيم بن يزيد بن هبيرة السكوني، أخي مالك بن هبيرة السكوني لمولى له: انطلق فجئنا بشيء من تمر العراق وجبنه، فأعطي قوصرة وجبنة، قال مولى ابراهيم: فألفيت القوصرة وما فيها إلاّ تمر قد سوّس وفسد، وإذا الجبنة قد قشرها الفأر وأكل جانبها وثقبها. ودخل أبو النجم العجلي على هشام فقال له: كيف رأيك في النساء فقال: ما لي عندهن خير ولا لهنّ عندي مير. قال: ما ظنك بأمير المؤمنين؟ قال: مثل ظني بنفسي، فبعث هشام إلى جواريه فأخبرهنّ بما قال أبو النجم، فقلن: كذب عدو الله ما منا جارية تصلي صلاة حتى تغتسل، فوهب لأبي النجم جارية، ثم سأله عما صنع فأنشده: نظرت فأعجبها الذي في درعها … من حسنه ونظرت في سر باليا ورأت لها كفلا ينوء بخصرها … ثقلا وأجثم في المجسّة (¬١) رابياورأيت منتشر العجان مقلّصا … رخوا حمائله وجلدا باليا أدني له الركب الحليق كأنما … أدنى إليه عقاربا وأفاعيا المدائني قال: كان سهيل بن أبيض أبو البيضاء من أهل المدينة، وكان مضحكا، وكان هشام والوليد يستملحان حديثه وشعره، فقال له هشام: كيف قلت لداود وامرأته؟. قال: قلت: إنما دلّ عليه … مركن كان استعاره فله ما شاء عندي … إن تخطى العود فاره أو رآه المرء غضيـ … ـاء فلم يوجع فقاره وقال غير المدائني: كان داود هذا استعار مركنا يزرع فيه شيئا: أو يستعمله في بعض الأمر، فرأته امرأته فأعجبها فضمها إليه بغير ولي ولا شهود، فلذلك قال إنما دل عليه هذا المركن، يقول: فله ما شاء إن لم يأخذه غضياء بن عياش بن الزبرقان بن بدر، وكان على شرطة المدينة، فيضربه. وقوله: تخطى العود، يعني بالعود العصا. والفار العضل. وكان غضياء يكثر ضرب عضل الرّجلين. والعرب تقول: أشبع جارك، وأوجع فارك، أي أوجع عضلك حتى يهزل. وقال لامرأة داود: وجدوا جونة سوء … بين هرشى والأصافر وجدوا فيها متاعا … ليس من زاد المسافر وجدوا كارين فيها … من أديم غير ظاهر وجدوا فيها خطايا … عجزت عنها الأباعر قال أبو اليقظان: ولد عياش بن الزبرقان - واسم الزبرقان حصين بن بدر بن إمرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد:غضياء، وكان على شرطة المدينة لخالد بن عبد الملك بن الحارث بن أبي الحكم بن أبي العاص في أول أيام هشام، وكانت أم عبد الملك بن الحارث ابنة الزبرقان بن بدر، وغضياء القائل: غريب في ديار بني تميم … ولا يخزي عشيرتي اغترابي وعياش الذي قال له جرير بن عطية: أعياش قد ذاق القيون مياسمي … وأوقدت ناري فادن عياش فاصطلي (¬١) فقال: إني إذا لمقرور. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: دخلت جارية لهشام عليه، وعنده الأبرش فقال: يا أبرش أهبها لك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين وهو يضحك ويغمز هشاما، فقالت وفطنت: أنت والله يا أبرش أطمع من أشعب. فقال هشام: ومن أشعب؟ فقيل: مضحك مليح يكون بالمدينة، وحدّث حديثه. فقال: اكتبوا في إشخاصه، فقال له الأبرش: أيتحدث الناس بأنك كتبت إلى عاملك على مدينة الرسول ﷺ فأشخصت منها مضحكا لتلهو به؟ فقال: أمسكوا، أمسكوا فإنها وصمة عظيمة، ثم قال شيئا زعموا أنه لم يقل قط شيئا غيره، ويقال إنه إنما تمثل به: إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال المدائني عن ابراهيم بن سعيد القرشي قال: رأى عبد الملك بن مروان بن الحكم في منامه كأن ابنة هشام بن اسماعيل فلقت رأسه فلطعتمنه عشرين لطعة، فغمه ذلك، فأرسل إلى سعيد بن المسيّب من قصها عليه، فقال سعيد: تلد غلاما يملك عشرين سنة، فولدت هشاما. قالوا: وأقطع هشام الضيعة التي تدعى دورين فأرسل في قبضها فإذا هي خراب، فقال لدويد وهو كاتب كان بالشام: ويحك كيف الحيلة؟. قال: ما تجعل لي؟ قال: أربعمائة دينار. قال: فكتب دويد: وقرأها. ثم أمضاها في الدواوين فاتسعت الضيعة وفشت، فلما ولي هشام دخل عليه دويد كالمتقرب بما كان فعل، فلما وقعت عين هشام عليه قال: وقرأها، لا يلي لي والله ولاية أبدا، فأخرجه. قال: وكان هشام يوما على باب يزيد بن عبد الملك، فنظر إلى بغال تعرض عليه وفيها بغل لم ير مثله حسنا وطهارة خلق، ولين سير فقال: ما يصنع أمير المؤمنين بهذه الدواب كلها لو أن رجلا اجتزأ بهذا البغل وحده كفاه، فلما ولي هشام اتخذ البراذين الطخارية والبغال فقال له الرجل الذي حضره على باب يزيد: أتذكر يوم قلت في البغل كذا وكذا؟. قال: نعم، وأنا عليه، ولكنا نرى شيئا نحسد الناس عليه فنحب أن نحويه دونهم. قالوا: ولما أخرج دويد ثقله أخبر هشام أنه على أربعين جملا، فأرسل فأخذه. وطلب هشام عسلا من الخزانة التي هي بالهني والمري (¬١) والخزانة قرية، فقيل له إن الفقراء والمرضى كانوا يلعقونه فمنع الناس من تلك الكواير، وكتب بجمع العسل وطين الأبواب.المدائني قال: كان هشام يتكلم بكلمات في العيدين في خطبته لا يقولهن في غير هذين اليومين، ثم يخطب بعد ذلك: «الحمد لله ما شاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، ومن شاء خفض، ومن شاء رفع، ومن شاء ضرّ، ومن شاء نفع». المدائني عن عبد الله بن سلم القرشي عن خليد بن عجلان قال: خرج هشام وليس بخليفة يريد بيت المقدس، وأتى دمشق، فدخل على محمد بن الضحاك بن قيس الفهري ودخلنا معه، فقال له محمد وراءه يسحب ثيابه: يا أبا الوليد أدركت أمير المؤمنين عبد الملك؟ فقال: نعم وكان والله مشمرا مهجّرا. قال: فما يمنعك من ذلك؟. قال: يمنعني قول الشاعر لأبيك: قصير الثياب فاحش عند بابه … وشر قريش في قريش مركّبا حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان هشام يلاعب الأبرش بالشطرنج، وقد أشرف هشام على أن يغلب الأبرش، فاستأذن الحاجب لرجل من بني مخزوم من أخواله فأمر بإدخاله، وغطيت الشطرنج بمنديل، فلما دخل المخزومي سلّم وجلس، فقال له هشام: يا خال أتقرأ كتاب الله؟ قال: ما أقرأ منه إلا ما أقيم به صلاتي. قال: أفتروي من الآثار شيئا؟ قال: لا. قال: أفتعرف من أحاديث العرب وأشعارها وأيامها ما يعرفه مثلك؟ قال: لا. قال: أفتنسب قريشا وسائر نزار؟ قال: لا أحسن من النسب شيئا. قال: يا غلام! إرفع المنديل فليس من خالنا حشمة، وأخذ في لعبه.وقال الهيثم: عرض هشام الجند يوما فنفر برجل من أهل حمص فرسه وقد دنا من هشام، فقال له: ويلك أتركب مثل هذه الفرس فإن نفر بك في حرب صرعك فهلكت، قال: والرحمن ما هذه عادته ولكنه شبّهك بأبي جبرون البيطار، فقال له هشام: اغرب لعنك الله، وضحك. المدائني وغيره قالوا: قال مسلمة بن عبد الملك لهشام - وتلاحيا في شيء: كيف ترجو الخلافة وأنت جبان بخيل؟ قال: لأني عفيف حليم. وقال هشام ابن الكلبي: قال هشام لمن حضره: من أنعم الناس عيشا؟ فقال بعضهم: أمير المؤمنين، وقال بعضهم: ولد أمير المؤمنين. فقال رجل من الحرس: أنعم الناس عيشا ابن كفيته أمر دنياه، وليس يهتم بأمر آخرته. المدائني قال: كان المنصور يذكر هشاما فيقول: كان رجل القوم. أبو الحسن المدائني عن محمد بن الفضل قال: بعث هشام إلى أبي حازم الأعرج فأبطأ عليه، ثم أتاه فقال: ما منعك من إتياني؟ فقال: والله لولا مخافة شرك ما أتيتك. قال: ما ترى في إنفاق هذا المال؟ قال: إن أخذته من حله ووضعته في حقه سلمت، وإلا فهو ما تعلم. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان هشام إذا أحدث قال: القوا عني مؤونة التحفظ. قال: ودخل سليمان بن سعيد الخشني (¬١)، أو ابنه على هشام، ومعه كتب يريد عرضها، فقال هشام: أخّرها فإني محموم، وناولهيده فمسّ عرقه ثم قال: ما أرى بك حمى، ثم قال: يا بن اللخناء تكذبني. لا تقربني، وأمر بعزله عن الديوان. المدائني عن شبيب بن شيبة قال: كان المنصور إذا ذكر بني مروان يقول: أما عبد الملك فكان جبارا لا يبالي ما أقدم عليه، وأما الوليد فكان مجنونا، وأما سليمان فكان همه بطنه وفرجه، وأما عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان، ورجل القوم هشام. قالوا: وكان الجعد بن درهم مؤدب مروان ومعلمه، وكان دهريا، ويقال كان معتزليا شهد عليه ميمون بن مهران أنه قال له ووعظه: لشاة قياد أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله وهو قاتلك، ويقال إن ميمون بن مهران وعدة شهدوا عند هشام على الجعد بن درهم بالكفر، فطلبه هشام فهرب إلى حران، ثم إنه ظفر به فحمل إلى هشام فأخرجه من الشام إلى العراق، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري وهو عامله على العراق بأن يحبسه فلم يزل محبوسا حينا، ثم إن امرأته رفعت إلى هشام في أمره تعلمه طول حبسه وسوء حاله وحال عياله، فقال: أو حيّ هو؟ وكتب إلى خالد في قتله، فقال خالد في يوم أضحى: أيها الناس انصرفوا إلى أضاحيكم فإني مضحّ بعدو الله الجعد بن درهم، وكان الجعد مولى سويد بن غفلة الجعفي. قالوا: وكان غيلان يقول: كلمت الجعد فوجدته معطلا. المدائني عن ريسان الأعرجي عن عقال بن شبّة قال: دخلت على هشام، وعليه قباء أخضر، فجعلت أتأمله، فقال: مالك تتأمل قبائي؟ قلت: رأيت عليك قبل الخلافة قباء أخضر شبهته بهذا القباء، قال: هوهو، والذي لا إله غيره، ومالي قباء سواه، وما ترون من جمعي المال وصونه إلا لكم. وقال المدائني: كان عقال بن شبة مع هشام، وكان شبه أبو عقال مع عبد الملك، وكان عقال يقول: دخلت على هشام فدخلت على رجل محشو عقلا. قالوا: وقال هشام لنسطاس أبي الزبير: أترى الناس يرضون بعدي بالوليد بن يزيد؟ قال: قلت: يطيل الله عمرك يا أمير يا أمير المؤمنين ويبقيك بعده، قال: لا بد من الموت. أفترى الناس يرضون به؟ قلت: يا أمير المؤمنين البيعة له في أعناق الناس، قال: لئن رضي الناس بالوليد إنّ الحديث الذي روي: «إنّ من ولي الخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار»، باطل. قال الهيثم بن عدي: بعث يوسف بن عمر إلى هشام ياقوتة حمراء يخرج طرفاها من الكف، وحبة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحبّ، قال الرسول: فدخلت على هشام فدنوت منه فلم أر وجهه من طول السرير وكثرة الفرش. فلما تناول الحجر والحبة قال: أكتب معك بوزنهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين هما أجلّ من أن يكتب بوزنهما، ومن أين يوجد مثلهما؟ قال: صدقت. وكانت الياقوتة للرائقة جارية خالد بن عبد الله القسري اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار.المدائني وغيره أن هشاما أنشد بيت حسان بن ثابت الأنصاري: أتانا رسول الله لما تجهمت … له الأرض إذ يرميه كل مفوّق (¬١) وهو يروي «حين تنكرت له الأرض إذ يرميه كل مفوق». وأنشد أيضا شعر أبي قيس: ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكّر لو يلقى صديقا مؤاتيا فقال: ما رأيت أحد أشد امتنانا على الله ورسوله من هؤلاء اليهود - يعني الأنصار-. ومات هشام بالذبحة فروي عن سالم أبي العلاء أنه قال: خرج علينا هشام يوما وهو كئيب، يعرف ذلك فيه، مسترخي الثياب، وقد أرخى عنان دابته فقال: ادعو الأبرش، فدعي فسار بين الأبرش وبيني، فقال الأبرش: يا أمير المؤمنين لقد رأيت منك ما غمني. قال: ويحك كيف لا أغتم وقد زعم أهل العلم إني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوما، قال الأبرش: فلما انصرفت إلى منزلي كتبت: زعم أمير المؤمنين أنه يسافر يوم كذا، فلما كانت ليلة اليوم الذي كمل الثلاثة والثلاثين أتاني رسول هشام فقال: أجب واحمل معك دواء الذبحة، وقد كانت الذبحة عرضت له مرة فتداوى بذلك الدواء فانتفع به فأتيته ومعي الدواء فتغرغر به، فازداد الوجع شدة، ثم سكن، فقال: قد سكن بعض السكون فانصرف إلى أهلك وخلف الدواء عندي، ففعلت، فما استقررت في منزلي حتى سمعت الصراخ فقالوا: مات أمير المؤمنين، فلما مات أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله فما وجدوه، حتى استعاروا قمقما.وكان الوليد شخص عن الرصافة لكثرة عبث هشام به، وخلف عياض بن مسلم مولى عبد الملك بن مروان، وهو كاتبه، بالرصافة، وأمره أن يكتب إليه بالأخبار، فعتب عليه هشام فضربه وحبسه وألبسه المسوح، فلما صار هشام إلى الحدّ الذي لا ترجى له فيه الحياة، أرسل عياض إلى الخزّان أن احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد منه إلى شيء. وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنا خزانا للوليد. ثم مات هشام من ساعته، فخرج عياض من الحبس، وختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه وحازها، فما وجد له كفن، حتى كفنه غالب مولى هشام. وقال مروان بن شجاع مولى مروان: كنت مع محمد بن هشام، فأرسل يوما إليّ فدخلت عليه وقد غضب وهو يتلهف، فقلت: مالك؟ قال: رجل نصراني شجّ غلامي، وجعل يسبّه، فقلت: على رسلك. قال: ما أصنع؟ قلت: نرفعه إلى القاضي، قال: أما غير هذا؟ قلت: لا. فقال خصيّ له: أنا أكفيك. فذهب فضربه. وبلغ ذلك هشاما فطلب الخصيّ فعاذ بمحمد، فقال محمد بن هشام: لم آمرك، وقال الخصي: قد والله أمرني، فضرب هشام الخصي، وشتم ابنه وهجره أياما ثم رضي عنه. قالوا: وكان في موكب هشام ثمانمائة فارس: أربعمائة من الشرط، وأربعمائة من الحرس، ولم يكن أحد يسير في موكب إلا مسلمة بن عبد الملك.ورأى هشام ذات يوم سالما كاتبه في موكب فزجره، وقال: لا أعلمنّ ما سرت في موكب، فكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم ويقول: ما حاجتك، ويمنعه أن يسير معه. وكان سالم عظيم القدر عند هشام، وكان يتمثل بشعر النعمان بن بشير في غلام له، كان يقال له سالم وهو: يذودونني عن سالم وأذودهم … وجلدة بين العين والأنف سالم وكان حاجب هشام يسير وحده، ولم يكن أحد من بني مروان يأخذ عطاء إلا وعليه الغزو، فمنهم من يغزو بنفسه، ومنهم من يخرج بديلا، وكان لهشام مولى يقال له يعقوب فكان يأخذ عطاء هشام، وهو مائتا دينار ودينار، يفضّل بدينار، فيأخذ يعقوب ذلك ويغزو عنه. وكانوا يصيّرون أنفسهم في أعوان الديوان، وفي بعض ما يجوز لهم معه المقام، فيوضع عنهم الغزو. فكان داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وعيسى بن علي، وهما لأمّ في أعوان السّوق بالعراق لخالد بن عبد الله القسري، فأقاما عنده ووصلهما، ولولا ذلك لم يقدر على تصييرهما عنده، ولأخذا بالغزو فجعلهما في الأعوان، وكانا يسامرانه ويحدثانه. قالوا: وكان هشام أراد أن يصيّر ابنه مسلمة ولي عهده بعد الوليد بن يزيد، فقال الكميت بن يزيد الأسدي: إنّ الخلافة كائن أوتادها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم قالوا: فأضرّ هشام بالوليد بن يزيد، فدخل عليه يوما فقال له العباس بن الوليد بن عبد الملك: يا أبا العباس كيف حبك للروميات؟ قال: إني لأحبّهن، وكيف لا نحب من لا يزال يأتي بمثلك. فترك الوليدالرصافة وخرج، فكان بالأزرق من أرض بلقين وفزارة، فكان يزيد بن الوليد بن عبد الملك يكتب إلى الوليد بما أجمعوا عليه من خلعه. قالوا: وضم هشام إلى ولده: سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي، وقالوا: ولى هشام مولى له ضيعة فعمرها حتى جاءت بغلّة كثيرة، وعمرها أيضا فأضعفت غلتها وحمل ما ارتفع من مالها مع ابنه، فقدم به على هشام فجزى أباه خيرا، فلما سمع ذلك انبسط فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: زيادة عشرة دنانير في عطائي. قال: ما يظن أحدكم أن زيادة عشرة دنانير في العطاء إلا نقد الجوز، لا لعمري لا أفعل. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جعدبة قال: قال هشام: لو أشاء أن أقول الشعر لقلته، وما يمنعني منه إلاّ قول معاوية، أو قال عبد الملك: إن الشعر أسرى خلال الدنيء، وأدنى خلال السريّ، قال: فقلت له: قال رسول الله ﷺ: «إن من الشعر حكمة» فهل تكون حكمة من دنيء. حدثني أبو محمد النحوي عن أبي عبيدة قال: حج هشام بن عبد الملك سنة ست ومائة، فأتى الكوفة فحج منها، فقال يزيد بن المر قال: كنت في اكرياته، فلم يأمر لنا بشيء، فقلت لأصحابه: أنا أكلمه. فوضعت غرائر وقمت عليها فقلت: يا أمير المؤمنين نحن أكرياؤك وخدامك. فأمر لنا بصلة. قالوا: وقال إبراهيم بن هشام المخزومي: ما كان من هشام في حجه شيء أنكرناه، إلا حاديا حدا بين يديه وهو يسير فقال:إنّ عليك أيها البختي … أكرم من تحمله المطيّ فقال: صدق فوك لعمر الله، وزوج ابنا له بالكوفة. حدثني التوزي النحوي عن أبي عبيدة عن الزعبل بن الكلب العنبري قال: خازمت - يقول: عارضت - إلى هشام حين قدم يريد الحج فأهديت له ناقة فلم يقبلها، فلما قوّضت سرادقاته ورفعت حجره واستوى في غرز (¬١) ناقته ناديت فقلت: يا أمير المؤمنين جعلت فداءك إنها مرباع هلواع مقراع حلباة ركباة. فضحك وأمر لي بصلة. قال: المرباع: التي تربع إلى الصوت، مرباع: سريعة الحمل. هلواع: حديدة القلب من الهلع. مقراع: تقر للفحل حتى يقرعها. ويقال: ناقة حلباة ركباة وحلبانة ركبانة وحلبوت ركبوت. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: قال هشام بن عبد الملك: اثنان يتعجلان النصب ولعلهما لا يظفرا بالبغية: الحريص في حرصه ومعلّم البليد ما لا يبلغه فهمه. المدائني قال: قال هشام لرجل متصل به سرقت له عشرة آلاف درهم: هل حدثت نفسك أن تفعل بها شيئا من أنواع البر؟ قال: لا. قال: فهل حدثت نفسك أن تنفقها في شيء تتمتع به في الدنيا؟ قال: لا، قال: فخذ حجرا يزن عشرة آلاف درهم فضعه موضعها، فإن الحجر وتلك العشرة الآلاف سواء.قالوا: وخطب هشام بنت القاسم بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأم القاسم فاطمة بنت الحسين، وكان القاسم جلدا من رجال قريش فقال لرسوله: لا أزوجه حتى يقضي ديني ويأمر لي بعشرة آلاف درهم، ويعطي أخي عبد العزيز عشرة آلاف درهم، وآمنة أختي عشرة آلاف درهم. فأدى الرسول قوله إلى هشام، فغضب هشام وشتمه، ثم بعث القاسم رسوله الى هشام في حوائج له فقال: لا ولا نعمة عين لا تقضى له حاجة، فوالذي أكرمني بخلافته ما هممت بظلم مسلم ولا معاهد مذ وليتها ولا ظلم القاسم، ولم يقض حاجته. فلما مات القاسم تزوج هشام امرأته، وزوج ابنه ابنة القاسم، وحملها إلى الشام، فبكى أهل المدينة جزعا على القاسم. قالوا: وأهدى حسان النبطي لهشام بن عبد الملك هدايا كثيرة من ثياب وجوهر وغير ذلك فاستكثرها هشام، وقال: بيت المال أحق بهذه الهدايا، فأمر ببيعها فبلغ ثمنها خمسمائة ألف درهم فابتاعها حسان ممن اشتراها وحملها إلى هشام وقال: قد طابت لك فمر بقبضها. فأمر هشام فنودي: ألا إن حسان سيد موالي أمير المؤمنين. قالوا: ودخل هشام الكوفة فنزل الحيرة فسمع أصوات المؤذنين بالكوفة للغداة فقال لخليفة خالد بن عبد الله القسري - وكان خالد عامل هشام على العراق، وخليفته بالكوفة العريان بن الهيثم-: ما هذه الأصوات؟ أتراهم فعلوها؟ قال: يا أمير المؤمنين هذه أصوات المؤذنين، فقال هشام:إن بلدا تبلغ أصوات مؤذنيه ما أسمع لبلد يجب حفظه وحفظ أهله. وكان جبانا. وحج هشام فدخل على سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو مريض فقال له: يا أبا عمر ألك حاجة؟ قال: اتق الله. قال: أوصني بأهلك. قال: هم في سعة من فضل الله. فمات في سنة ست ومائة وصلى عليه هشام. حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عياش قال: لما حج هشام فدخل المدينة قال لرجل من أصحابه: انظر من ترى في المسجد، قال: أرى رجلا طوالا أدلم. قال: هذا سالم بن عبد الله بن عمر، ادعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين. فأرسل من يأتيك بثيابك. قال: ويحك يزور بيت الله زائره في ثوبين ولا أدخل على هشام فيهما. فلما دخل على هشام وصله بعشرة آلاف درهم. ثم قدم المدينة منصرفا من الحج فقيل له إن سالما شديد الوجع، فدخل عليه فسأله عن حاله، ومات سالم فصلى عليه هشام وقال: ما أدري أي الأمرين أنا أشد به سرورا، إتمام حجي أم صلاتي على أبي عمر. حدثني عمر بن بكير عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: حج هشام فلما قدم المدينة دعا سالم بن عبد الله فآنسه، ودعا له بصلة وقال: هذا بقية الناس وابن الفاروق وخير أهل زمانكم، ثم انصرف وقد حمّ فقال: أترون الأحول لعقني بعينه، فكان هشام يقول: سروري بالصلاة على أبي عمر كسروري بتمام حجي أو كما قال.قالوا: وكان مما أنكر على هشام قوله لأشكونّ سليمان أخي يوم القيامة لاختياره يزيد بن عبد الملك علي. قالوا: وأراد هشام أن يبايع لمسلمة بن هشام، ويخلع الوليد بن يزيد، فكاتب أهل الشام في ذلك فأجابه إلى إرادته خلق كثير، فكان ممن أجابه: سعيد بن عبد الملك، ومحمد، وابراهيم ابنا هشام المخزومي، والوليد وعبد الملك ابنا القعقاع بن خليد العبسي، وغيرهم من بني أمية، فأضرّ بالوليد وأقصاه وكان يشتمه ويسفهه ويعيره بالشراب، وولى مسلمة بن هشام الموسم وأعطاه مالا عظيما أمره أن يقسمه فقسمه فقال مولى من أهل المدينة: يا أيها السائل عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد بأرسانها … ليس بزنديق ولا فاجر يعرض بالوليد، وقال قوم أن هشاما عاب الوليد ووبخه في الشراب فقال: يا أيها الباحث عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة … بالسخن أحيانا وبالفاتر (¬١) فقال هشام لمسلمة: يعيرنا الوليد بشربك، فالزم الأدب، واحضر الصلوات، والزم مجلسي غدوة وعشية. ويقال إن الذي قال هذا الشعر عبد الصمد بن عبد الأعلى أخو عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر.قالوا: وكان الخلفاء وأبناء الخلفاء من بني أمية يتبدون ويهربون من الطاعون، فينزلون البرية خارجا عن الناس، فلما أراد هشام أن يترك الرصافة قيل له: لا تخرجن فإن الخلفاء لا يطعنون ولم نر خليفة قط طعن، فقال: أبي تريدون أن تجربوا، الرصافة - وهي قرية - وابتنى قصرين وأقام بها، والرصافة رومية بناها بعض ملوك الروم، وهي تنسب إلى هشام. ويقال إنه أراد أن يخرج من الرصافة إلى البادية فرارا من الطاعون، فقيل إنه لم يطعن بها أحد فقال: أبي تجربون. قالوا: وأنشد أبو النجم هشاما أرجوزته اللامية حتى بلغ: والشمس قد همّت ولما تفعل … فهي على الأفق كعين الأحول فغضب هشام وأمر به فأخرج، وروي أيضا أن خالدا بعث الى هشام بحاد فحدا بهذين البيتين فغضب هشام وطرده. المدائني عن مسلمة أن الفرزدق حج عام حج هشام فوصله ابراهيم بن اسماعيل المخزومي بخمسمائة درهم فقال: أميركم شرّ الولاة علمته … وشرّ ولاة المؤمنين هشام (¬١) فأراد ابراهيم أن يضربه فقيل: تضربه ثم تخلي عنه فيهجونا. المدائني عن أبي عاصم عن رجل من بني ضبة قال: مرّ بي معاوية بن هشام وأنا في مزرعة لي قد اختبزت خبزة، فوقف علي فقلت: الغداء. فنزل فأخرجتها ووضعتها في لبن فأكل، ثم جاء الناس فركب وثار بين يديهثعلب فركب في إثره، وعثر فرسه فسقط فاحتملوه ميتا. فقال هشام: أرشحه للخلافة ويتبع كلبا. وكانت عند معاوية امرأتان: إحداهما ابنة اسماعيل بن حربي فأخرج كل واحدة منهما من نصف الثمن بأربعين ألف درهم. ورثى الكميت معاوية بقصيدة قال فيها: سأبكيك للدنيا وللدين إنني … رأيت يد المعروف بعدك شلّت المدائني قال: قال هشام لغيلان أبي مروان: ويحك يا غيلان قد أكثر الناس فيك، فتنازعنا في أمرك، فإن كان حقا اتبعناك، وإن كان باطلا نزعت عنه. وكان غيلان كاتبا من كتّابهم، وهو مولاهم، فترك خدمتهم وبسط لسانه فيهم بسوء القول، فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلمه فقال له: يا ميمون سل فأقوى ما تكونون إذا سألتم، فقال ميمون: أشاء الله أن يعصى؟ قال: لا. قال: فعصي كارها؟ قال: هو كاره للعصيان الذي نهى عنه وليس هو بالمحمول على أمر يكرهه، ويقال إنه لم يجب بشيء وقال: أقلني. فقال هشام: لا أقالني الله إن أقلتك، وأمر بقطع يديه ورجليه وسل لسانه، وألقي على مزبلة يراه الناس. وكان من أصحاب الربيع (¬١): خطبان، والوضين بن عطاء، وهما من أهل اليمن، فأما الربيع فرآه المنصور أمير المؤمنين بالبصرة عند عمرو بنعبيد قبل الخلافة، فذكر محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن فقال الربيع: ما ندري ما محمد لم نره، وأما أنت فرجل منا نقول بما تقول به من الحق والتنزيه لله، قد عرفنا مذهبك وما أحد أحق بالخلافة منك. فشكر له أبو جعفر ذاك فولاه دار الضرب بدمشق. وكان عمر بن عبد العزيز ولاه (¬١) بيع خزائن بني مروان، فباع متاع عبد الملك، والوليد فنودي على جورب فبلغ مائة دينار، فقال غيلان: ما لهؤلاء لعنهم الله، جورب بمائة دينار؟ فحقد ذلك عليه هشام. وقال جعفر بن سليمان بن علي: قال لي عبد الله بن علي: جمعت بين دواوين بني مروان فلم أر ديوانا أصح ولا أصلح من ديوان هشام في أمر الخاصة والعامة والسلطان. المدائني عن غسان بن عبد الحميد قال: لم يكن أحد من بني مروان أسدّ نظرا في أمر أصحابه ودواوينه، ولا أشد مبالغة في الفحص عن أموره من هشام. قال: ودخل نسطاس على هشام، وعلى نسطاس جبة يسحبها، فقال له: من أين هذه الجبة لك؟ قال: بعث بها إليّ فلان. قال: ولم بعث بها إليك؟ فما زال يبحثه ويفتشه عنها حتى علم أنها مصانعة، فحجبه أياما ثم كلم فيه فأذن له. وقال الهيثم: خرج الفرزدق مع هشام حين حج في سنة ست ومائة، فأمر له هشام بخمسمائة درهم فقال:تحبّسني بين المدينة والتي … إليها قلوب الناس يهوى منيبها فقلت كفاكم لم تكن كفّ سيّد … وعينا له خوصاء جمّا عيوبها (¬١) قالوا: وكان مع هشام حجر جوهر فقال: من شاء فليسبّني ويأخذه، فقال له الأبرش الكلبي: هاته يا أحول. فقال: خذه لا بارك الله لك فيه. وقال هشام: أنعم الناس عيشا رجل له امرأة صالحة قد غضت بصره عمن سواها، وسداد من عيش يقيمه، فهو مقبل على أمر معاده، ولا يعرفنا ولا نعرفه. وقال هشام بن عمار: كان هشام بناحية من الشام، فوقع الطاعون هناك فقيل: يا أمير المؤمنين إنه لم يمت ههنا خليفة قط، قال: أفبي تجربون. حدثنا محمد بن الأعرابي عن المفضّل الضبّي قال: دخل قرواش بن حبيب على هشام في غمار الناس فقال: إنا أنضاء سفر، وفلّ سنة (¬٢)، وعندكم أموال فإن تكن لله فبثّوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تمنعونهم إياها، وإن تكن بينكم وبينهم فقد أسأتم الأثرة وتركتم النّصفة. فقال هشام: نحن أقفال عند الله مفاتيحها، فإذا أذن في شيء فتحنا له. المدائني عن عبد الله بن محمد القرشي قال: أتى ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله هشام بن عبد الملك حين حج فمر بالمدينة فقال له:اعدني يا أمير المؤمنين على نافع بن علقمة فإنه أخذ داري. قال: أفلا رفعت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: قد فعلت فسلك غير طريق الحق. قال: أفلا رفعت إلى الوليد. قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه. قال: فعمر بن عبد العزيز. قال: عوجل ﵀. فغضب هشام وقال: لا يزال أحدكم يتكلم بما يستحق به أن يدقّ أنفه ويسحب برجله. فقال: إذا يسبق خيرك شرك، وتقطع رحمك، وتكون يد الله فوق يدك، أما والله إن اقتضاء ليتعقّب. فقال هشام: لو كان فيك مضرب لضربتك، قال: فيّ والله مضرب. فقال هشام: اكتمها علي. وحدثني أبو عدنان عن الأصمعي قال: دخل أعرابي على هشام فقال: يا أمير المؤمنين ان يكن المال الذي في أيديكم لله فبثوه في عباد الله، وإن كان بينكم وبينهم فلقد أسأتم الأثرة عليهم، وأثمتم في حرمانكم إياهم، وإن كان لكم دونهم فتصدقوا فإن الله يحب المتصدقين. فقال: والله ما ترك واحدة من ثلاث، فأعطاه فخرج وهو يقول: ما أكزّ يده بالمعروف. حدثني أبو عدنان عن هشام بن محمد، والهيثم بن عدي عن عوانة قال: أتى خالد بن صفوان باب هشام، فطلب له مسلمة الإذن فقيل: قد ركب أمير المؤمنين متنزها. قال خالد: وكان العام عاما قد بكر وسميّه (¬١) وتتابع وليّه (¬٢)، فكأن على الأرض زرابيّ مبثوثة من نورها ووشيها، فأشار إليمسلمة أن تكلم، فنظرت إلى الثمار والشجر فوالله ما دريت ما أقول، فقلت: قاتل الله عدي بن زيد حيث يقول: أين كسرى كسرى الملوك أنوشر … وان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملو … ك الروم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر (¬١) … إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور لم يهبه ريب المنون فباد … الملك عنه فبابه مهجور (¬٢) قال هشام: قبح الله رأيك يا مسلمة فليس هذا بأول يوم غممتني فيه وقام مغضبا وتفرقوا، قال خالد: فأتاني بعض الشاميين فقال: أين هذا العراقي الذي أغضب أمير المؤمنين؟. قلت: خرج. فخرجوا يسعون فأخذت في ناحية أخرى، وكان هشام لا يكاد يذكر في مجلسه الموت تطيرا منه. وحدثني أبو عدنان عن الهيثم بن عدي وهشام ابن الكلبي عن عوانة قال: وفد على هشام بن عبد الملك وفد كلهم من قريش، وكلهم خطيب، فتكلموا ثم قال اسماعيل بن محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي أو غيره من ولد أبي الجهم: يا أمير المؤمنين هذه خطباء قريش قد نطقت فأطنبت وتكلمت فأسهبت، فوالله ما بلغ متكلمهم قدرك، ولا جاوز أبلغهم فضلك أفأوجز أم أطيل؟. قال: بل أوجز. قال: تولاك الله يا أمير المؤمنينبالحسنى، وزيّنك بالتقوى، ويسرك لليسرى، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لي يا أمير المؤمنين حوائج أفأذكرها؟. قال: نعم. قال: كبرت سني، وكثر عيالي فإن رأى أمير المؤمنين أن يصلني بصلة يجبر بها كسري، وينفي بها فقري فعل. قال: وما صلتك التي تفعل بك هذا الذي ذكرت؟. قال: ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار. قال: هيهات، هيهات، رمت مراما صعبا، هذا والله ما لا يحتمله بيت مال المسلمين. ثم نكس هشام واسماعيل ماثل بين يديه، فرفع رأسه ثم قال: هيه. قال: وما هيه يا أمير المؤمنين كأنك آليت إلا تقضي لي حاجة في مقدمي هذا، أما والله إن الأمر لواحد، إلا أن الله آثرك بهذا المجلس، فإن تعطني فحقي أعطيت، وإن تمنعني فإني أسل الله الذي بيده ما حويت، فإن الله جعل العطية محبة والمنع مبغضة، ووالله لأن أحبك أحبّ إليّ من أن أبغضك. قال: فألف دينار لماذا؟. قال: أقضي بها دينا، فدحني حمله، وأضرّ بي أهله. قال: نعم المسلك أسلكتها تؤدي حقا وتضع عنك ثقلا، أو قال تؤدي عن أمانتك، وتحط حملا ثقيلا عن ظهرك. وألف لماذا؟ قال: أزوج بها من أدرك من ولدي. قال: تغضّ بصرا، وتعفّ فرجا، وترجو نسلا، نعم المسلك أسلكتها. وألف لماذا؟ قال: أشتري بها أرضا يكون فضلها لنفقتي في حياتي ويبقى عقده لعقبي. قال: فإنّا قد أمرنا لك بما سألت، قال: المحمود على ذلك الله، فلما ولى قال هشام: إذا كان القرشي فليكن مثل هذا، ثم قال هشام: أما والله ما نعطي تبذيرا، ولا نمنع تقتيرا، وإنما نحن خزّان الله على بلاده، وأمناؤه على عباده، فإذا شاءأعطينا، وإذا منع أبينا، ولو كان كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق ما جبهنا قائلا، ولا رددنا سائلا. حدثني عبد الله بن صالح عن الهيثم، أخبرني الضحاك بن زمل قال: بلغ هشام قول الحسن البصري: لا يعدل أحد عن قصد، ولا يبقى كثير على إسراف، فقال هشام: صدق لله أبوه. حدثني محمد بن أنس الأسدي عن ابن كناسة الأسدي قال: قدم رصافة هشام رجل من بني أسد، ثم من بني فقعس على هشام، فدخل عليه حين جلس للعامة، فقال: يا أمير المؤمنين أتت علينا سنون ثلاث أجحفت بالأموال ونحبت قلوب الرجال، فأما الأولى منهنّ فأذابت الشحم، وأما الثانية فنحضت (¬١) اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تحظرونها عنهم وتمنعونها ذوي خلّتهم، وإن تكن لكم فتصدقوا ف ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (¬٢) قال هشام: هذه حاجتك في خاصتك، فما حاجتك في عامتك؟. قال: مالي حاجة في خاصة دون عامة، فكتب هشام إلى خالد بن عبد الله أن أنفق على من أقحمته السنة حتى يأتي الله بالحيا والخصب. وكتب بمثل ذلك إلى ابراهيم بن هشام عامله بالمدينة فأنفقا، فاحتسب بألفي ألف درهم، واحتسب إبراهيم بسبعين ألف دينار فسميت السنة سنة خالد.ويروى عن الأصمعي أن عراقيا قال لبعضهم - هشام أو غيره-: إن كان هذا المال لكم فقد بخلتم به، وإن كان بينكم وبين رعيتكم فقد أسأتم الأثرة ومنعتم الحق، وإن كان لكم أن تعطوا ولكم أن تمنعوا فأنتم كما قال الله: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (¬١). المدائني عن أبي محمد القرشي قال: كان يفطر عند هشام قوم في شهر رمضان فسأله رجل منهم حاجة فقال هشام: ألم أنهكم عن أن يكلمني أحد في حاجة في هذا الشهر؟. فقال له رجل يكنى أبا نوح من بني تميم، ممن كان يفطر معه: والله لقد أمر لي أمير المؤمنين بخصي فما منعني من تنجز ذلك إلاّ هذا الشهر. قال هشام: ما أعلمني أمرت لك بشيء، قال: بلى يا أمير المؤمنين قد أمرت لي به ولكنك نسيت. قال: فمن يعلم ذلك؟. قال: إبراهيم بن هشام خالك، قال: أكذلك يا إبراهيم؟. قال: نعم يا أمير المؤمنين وما كنت أرى نسيانك يبلغ هذا، فأمر له هشام بالخصي. فلما خرج أبو نوح وقف لإبراهيم، فلما خرج ابراهيم قال: جزاك الله خيرا، قال: لكن لا جزاك الله خيرا، ويحك ألا أعلمتني أنك تريد هذا قبل أن تقوله، ثم قال: إياك أن تعود لمثلها. المدائني قال: استأذن المهاجر بن عبد الله هشاما في الحج فأذن له، وحج هشام فشكاه الناس، فراح إلى رواق هشام، فقال هشام لجارية له: انظري من في الرواق، فخرجت ثم رجعت فقالت: فيه أجمل الناس وآدب الناس، فقال: انطلقي إلى هذا الذي زعمت أنه أجمل الناس فادعيهفخرجت إلى المهاجر فقالت: أجب أمير المؤمنين. قال: انطلقي فإن للأمير حاجبا غيرك، فأرسل إليه خصيا فدعاه فقال: دونك هذه الجارية فاطلب ولدها فإنها نعمت أم الولد. قالوا: وكان المهاجر بن عبد الله يمر في مسجد دمشق فيعدل عن القناديل لئلا يكسرها بطوله، وقد مدحه جرير فقال: إنّ المهاجر حين يبسط كفّه … سبط البنان طويل عظم الساعد ولقد حكمت وكان حكمك مقنعا … وجعلت بين منابر ومساجد (¬١) وقالوا: قدم عمرو بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص على هشام فجفاه فقال: لعمرك للرّبيع أقلّ دينا … وأكثر صامتا مني مرارا وأكثر زائرا مني كثيرا … وأجدر بالرصافة أن يزارا قالوا: وكان هشام يقف على القصاب فيسأله عن سعر اللحم، ورأى رجلا من خاصته يبتاع لحما فغمزه فأتاه فقال: بكم تشتري؟. قال: بدرهم، قال: أحسنت، وأكثر من هذا سرف، وقال هشام: لا يلام المرء على إصلاح ماله والقصد فيه. قال المدائني: دخل هشام بستانا له فأقبل من معه يأكلون من ثمرته ويقولون: اللهم بارك لأمير المؤمنين، فقال: كيف يبارك في شيء تأكلون منه هذا الأكل، فقلع شجر ذلك البستان وجعل مكانه زيتونا.حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: قال هشام: ما ندمت على شيء ندامتي على ما أهب. إن الخلافة تحتاج إلى الأموال كما يحتاج المريض إلى الدواء. حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة، حدثني أبي أن رجلا من قريش دخل على هشام فقال له: ما أقدمك؟. قال: حاجة جليلة، وفضل أمير المؤمنين أجلّ منها. قال: وما هي؟. قال: تصلني بألف دينار وألف دينار وألف دينار. قال: ألف لماذا؟. قال: أصرفها في قضاء ديني. قال: حسن جميل، تقضي حقا، وتحط ثقلا، وتؤدي أمانة. وألف دينار لماذا؟ قال: أزوج بها ولدي. قال: حسن جميل. تعف فرجا، وتصل سببا، وترجو عقبا. وألف لماذا؟ قال: استعين بها على نوائب الزمان وجفوة الإخوان، قال: حسن جميل، تستر بها نفسك، وتصون وجهك، وتصلح معاشك. ثم سكت فخرج من عنده. ثم عاد في اليوم الثاني فقال له: قد أمرنا لك بثلاثة آلاف دينار، وإنما نحن خزان الله، فإن أذن لنا في عطاء شيء أمضيناه، وإذا لم يأذن فيه منعناه. قالوا: وكتب هشام بخطه: «من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى رياح مولى مسلمة ابن أمير المؤمنين، أما بعد، فقد قرئ على أمير المؤمنين كتابك بما ذكرت من تكلفك من المؤونة في القراطيس، وسيرى أمير المؤمنين في أمر القراطيس لك ولغيرك رأيه، إن شاء الله». وكتب هشام إلى يوسف بن عمر: أما بعد فقد وليت عبد الله بن نافع ما كان سعيد يليه من عمل بعلبك، وأمرته بقبض العهد الذي كانلسعيد، والأخذ بما فيه، فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، وأحسن جوار عبد الله، وأعنه على ما استعانك عليه فيما وافق الحق، وما هو له، ولما تحت يده صلاح، ولا تجعل له إلى شكيتك سبيلا إن شاء الله». قالوا: بعث خالد بن عبد الله القسري إلى هشام بمال، وأرسل قوما يشهدون أنه طيب أخذ من حلّه، فصانع رجل بألفي درهم حتى جعل مع الشهود، وصيّر آخرهم، فقدموا على هشام فقال: أين المزكّون، فدعا رجلا رجلا فحلفوا بالله أنه ما أخذ شيئا من ذلك المال إلا من حلال، ولا حمل إليه خالد إلا الفضل بعد أن أعطى كل ذي حق حقه، حتى قام ذلك الرجل المصانع بالألفين فحلف بالله لقد شهدوا بزور وفجور. فقال هشام: أراك مستأجرا؟ فقال: والله لقد صانعت بألفي درهم حتى ألحقت بالشهود، قال: أفأنت خارجي؟ قال: لا والله ما أنا بخارجي، ولكني نظرت لك فاتق الله. فقال هشام لمن حضره: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن تقتله فإن له مذهب سوء، وإلا فلم صانع ليخبث بنفس أمير المؤمنين، ويجرح شهادات مثل هؤلاء فقتله وصلبه، ويقال بعث به إلى خالد فقتله وصلبه بواسط. وقال بعضهم كان خالد بن عبد الله أبلغ عن الكميت بن زيد تنقصا له، وكان متهما بالرفض عندهم، وأنشد قصيدته الهاشمية التي يقول فيها. إلى النفر الغرّ الذين بحبّهم … إلى الله فيما نابني أتقرب وقالوا ترابيّ هواه ورأيه … بذلك أدعى فيهم وألقّب (¬١)فحبسه خالد فلبس ثياب النساء وخرج فعاذ بمسلمة بن هشام وقال: خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل … على الرغم من تلك النوابح والمشلي (¬١) عليّ ثياب الغانيات وتحتها … عزيمة رأي شبّهت سلّة النصل فأصبحت مغبوطا ومحسود أمة … بأبيض محسود على مثله مثلي من النّفر البيض الذين أكفّهم … سمام العدى والشافيات من النبل (¬٢) وأخبرني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: بلغ هشام بن عبد الملك أمر عابه به، وأنشد قصيدته الهاشمية البائية، فكتب إلى خالد في حبسه، فحبسه فكان أبان بن الوليد يعده ويمنيه ويضمن له عن خالد ما يحب، وخالد يومئذ بواسط، وكان المستهل بن الكميت يعمل في أمره من قبل عبد الرحمن بن عنبسة، فجاء كتاب هشام بقطع يدي الكميت ورجليه ولسانه، فأخبر خالد بن عنبسة بذلك، فأخبر ابن عنبسة المستهل بذلك ليعلمه إياه فيوصي ويعهد، فأخبر المستهل أمه فلبست درعين وخمارين ونطاقين، ثم أتت الكميت فأخبرته فلبس أحد درعيها، وأحد خماريها، وأحد نطاقيتها، ثم خرج على البوابين فلم ينكروه ومضى من فوره إلى مسلمة بن هشام فأجاره مسلمة وأخواه. وقال في أبان بن الوليد: أخلق وابل أبا الوليـ … ـد فقد لبست ثياب غادر وكتب خالد إلى هشام بخبره، فكتب إليه هشام: أما امرأته فخاطرت بنفسها لزوجها فلا سبيل عليها فأطلقها. وأما أنت فقد ضيّعت. وقال الكميت:خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل الأبيات. وقال الكميت يحذّر هشاما غدر خالد - ويذكر ما تدّعى اليمانية من مصير الأمر إليهم، فإن ابن الأشعث كان ادعى ذلك لنفسه، ثم يزيد بن المهلب بعده، وأن خالدا أطمع نفسه في ذلك - قصيدة، وقال في ذلك. أنوّاما يقول بني لؤيّ … عن الأمر المرشح ذي البزول أرى أمرا سيعظم أصغراه … لتمّ لقاح مبسقة (¬١) حفول دفوع للفصال بمنكبيها … خبوط عند درّتها ركول كما لقيت ثمود ولا يكونوا … لكم مثلا براغية الفصيل (¬٢) فيقال إن مسلمة بن هشام دخل على هشام فلم يفارقه حتى عزل خالدا، وأمسك عن الكميت لأنه كذّب ما قيل فيه: وقال الكميت في مسلمة أبي شاكر بن هشام: إن الخلافة كائن أوتادها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم (¬٣) فقال خالد: أنا اكفر بخليفة يكنى أبا شاكر، فكأنّ مسلمة قد حقد ذلك عليه. وقال الكميت في هشام قصيدة يقول فيها: وكنا متى ما ندع مروان للتي … نخاف نذد عن حوضنا أن يفجّرا وأنتم أناس يجمع الله دينه … بكم ويقيم الله من كان أصورا (¬٤)وجدنا أبا العاصي أبا أبويكم … ومجدكم المستقدم المتأخرا كساه من المجد الهشامان حلة … مغيرية منها ارتدى وتأزّرا وقال الكميت: أبني أمية إنكم … أهل الوسائل والأياصر أنتم معادن للخلا … فة كابرا عن كل كابر وإلى القيامة لا يزا … ل لشافع منكم وواتر الأطيبون الأكثرو … ن من الأطايب والأكابر الآن صرت إلى أميـ … ـة والأمور إلى المصائر يا مسلم ابن أبي الوليـ … ـد لميّت إن شئت ناشر علقت حبالي من حبا … لك ذمة الجار والمجاور والناس قد علموا رجا … ئي فيك من باد وحاضر أنت المقابل في أميـ … ة في قوادمها الفواقر الضامنين الدهر للحدثـ … ـان والجار المجاور حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني الراوية، قال: لم يزل مسلمة بهشام حتى أمن الكميت وأنشده شعره فيه، وكان يحب أن يشرف ابنه مسلمة، ويرفع ذكره، فأظهر الرضا عنه، وتشفيع ابنه فيه. وقال الكميت لعبد الملك بن هشام: من عبد شمس لك السّنا … م ومن عبد مناف لبيتك الطّنب وأنت في البيت ذي الدعا … ئم من مخزوم في بيت علا به النّسب فما لحيّ مجد ولا مكر … مة إلا لكم فوق مجده رتب وقال في مسلمة بن هشام:أمسلم إنّ الحلم والحزم والندى … ببابك ما يزداد إلا تجدّدا وأنتم نجوم الناس والمهتدى بهم … وأكرم أهل الأرض كهلا وأمردا وقال يرثي معاوية بن هشام تقربا بذلك إلى هشام وولده وقد كان ممن دفع عنه: أتانا بموت ابن الخليفة حادث … به نهلت منا القلوب وعلّت فإن تك أرض يا معاوي غيّبت … جداك وأرض منك أخرى تجلّت فنعم فتى الهيجا ونعم شهابا … إذا البيض تحت المشرفيات صلّت ربيع إذا ضنّ الشتاء بقطرة … وليث إذا ما المشرفية سلّت سأبكيك للدنيا وللدين إنني … رأيت يد المعروف بعدك شلّت وغلّق أبواب الندى وتنغّصت … إلى الناس أخرى عيشهم وتقلّت (¬١) المدائني عن زيد بن الحارث قال: كان سعيد بن هشام يركب متنزها فإذا برز عن الناس نزع ثيابه حتى يبقى في قميص فيضعه على عاتقه ويعدو فيقول: أرسلت كلبي يبتغي ما يأكله، فلا يلقى امرأة إلا غصبها نفسها، وكان ماجنا، وكان يخالف إلى امرأة عمرو بن قيس، وكان على حمص، فقال فيه الشاعر وهو من طيّئ ثم من بني بحتر: بلّغ لديك أمير المؤمنين فقد … خصصتنا بأمير غير عنّين طورا يخالف عمرا في حليلته … وعند تاجة يبغي البرّ في الدين وقال الكلبي: عمرو بن قيس بن ثور بن حمران السكوني، وهو أبو عيسى عمرو بن قيس، وعيسى هو أبو الجمل الحمصي وتاجة بنت عمرو الغنوي امرأة عمرو بن السليل من الرباب.وقال يزيد بن الحارث: كنا نعرف شبهه في قوم بحمص نرى أنهم ولده، قال فخرج مرة متنزها فلم أخرج معه، وخرج معه صفوان بن عمرو الكلاعي، فلما رجع خرجت أتلقاه. فقال: ما منعك من الخروج معنا؟ فاعتذرت إليه، فسايرته ثم نزلنا فقال: أترى هذا الخلق ما فيهم أشبق مني. قلت: إن مثلك لا يقول مثل هذا. قال: اسكت أنا أعلم بنفسي منك. ورفع عليه عند هشام أنه يزني فعزله وقال: لا تلي لي عملا أبدا لعنك الله، أيزني القرشي، إن مثلك لا يزني، أتدري ما فسق القرشي وفجوره، إنما هو أن يأخذ مال هذا فيعطيه هذا: ويقتل هذا ويظلم هذا. قالوا: وخرج سعيد يوما بحمص في غبّ مطر يسير، وقد التحف بطيلسانة، وهو على فرسه: وقد كادت صنعة طيلسانة تصيب الأرض، فمر برجل وهو لا يعرفه، فقال: يا عبد الله قد أفسدت ثوبك وما يضرك لو رفعته؟ فقال: وددت أنك وثوبك في النار. فقال: وما ينفعك؟ وقال أبو محمد السفياني: حبس سعيد بن هشام معنا، فكان في بيت على حده فكنت أسمع صوت أوتار عود، فخرجت يوما إلى البيت الذي هو فيه، فإذا هو قد أخذ جفنة فثقبها، وعلق عليها أوتارا، فقلت: ويحك، على هذه الحال؟ قال: لا أبا لك لولا هذه لمت غما. المدائني عن اسماعيل بن ابراهيم قال: سمعت شيخا يقول: خطب هشام حين ولي فقال: «الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام». فأخبرت محمد بن عمرو بن حزم فقال: لكن عمر بن عبد العزيز كان إذاخطب بكى ثم قال: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)﴾ (¬١). حدثني العمري قال: ولى هشام ابنه سعيدا حمص، فكان يرسل إلى تاجة بنت عمرو الغنوي، وهي امرأة عمرو بن السليل من بني تيم الرباب، فشهد بذلك عند أبيه، فحدّه أبوه وقال: يا بن الخبيثة أتزني وأنت ابن أمير المؤمنين، لا جرم. لا ولّيتك عملا أبدا، إنما فجور قريش منع هذا ما يستحق، وإعطاء ذاك ما لا يستحق، فيقال إن سعيدا مات من ذلك الضرب، والثبت أنه بقي بعد موت أبيه. قالوا: وقدم محمد بن علي بن عبد الله بن العباس على هشام فكره ذلك وأمر بفسطاطه فقوض وقال: قولوا له إلحق بمنزلك، وانتظر دولتكم التي تتوقعونها. فقال له الأبرش الكلبي: يا أمير المؤمنين إن كان الذي يقال حقا فقد ينبغي أن تصانعهم، وإن كان باطلا فعلام تقطع رحم هذا وقد قصد إليك. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم قال: كتب هشام لابنه محمد بن هشام، وأراد أن يبعثه على الصائفة كتابا نسخته: «إني رأيت أن أعهد إليك في أشياء من أمر خاصتك، أحب أن أحملك فيها على أدبي، ليكون حجة عليك وتأدية لحق الله عليّ لك، وأنا أرجو أن يتولى الله حفظك بالتنزيه عن كل قبيح، والعصمة من كل مكروه، والتحصين من كل آفة أخشاها عليك في دينك وبدنك ورأيك وعرضك، وأن يبليني في جميع ذلك أجمل ما عوّدنيفيك، فحميد هو على ما يولي، مشكور على ما يبلي، وليس امرؤ وإن ظوهرت له العظة ونخلت له النصيحة بمنتفع بشيء من ذلك حتى يكون له من توفيق الله داع، ومن نفسه عليه معين يبصره فضل ما يوعظ به على ما يوعظ عليه، فإنه لا يوفق للخير ويعين عليه إلا الله وحده لا شريك له. وقد كان مما أحدث الله لي فيك من النعمة، ما أسأل الله تمامه، وحسن المزيد فيه، والعون على أداء شكره عليه، فإنه قد أراني فيك من معالم الفضل وأمارات الخير ما قذف به في نفسي توجيهك لما وجهتك له من الأمر الذي أرجو أن يجعله الله لك إلى قصوى غايات الفضل سببا وسبيلا، فيما يعرفنا من بصرك بالأمور واستقلالك بالقيام لله بالنصيحة، وحسن السياسة، والرفق في مستقبل أمرك، ومفتاح عملك، فليكن أول ما تبدأ به إيثار تقوى الله ربك بالاجتهاد في طاعته، والحيطة لدينه وعباده ليجزيك بذلك جزاء كريم سلفك الماضين، وصلحاء أهلك الباقين، فإنّ به تمام كل نعمة، وإليه منتهى كل رغبة». حدثني الأثرم عن أبي عبيدة قال: دخل أعرابي على هشام في غمار الناس، فقال هشام لحاجبة: أكلّ من شاء أن يدخل دخل؟ فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين إن دخولي عليك لا ينقص من قدرك، وهو يزيد في قدري. فقال: لا بأس إذا، أذكر حاجتك، فتظلم من واليهم، فكتب بإنصافه. ويقال إن هشاما - أو الوليد بن عبد الملك - كان يقف على البقال قبل الخلافة فيقول: ناولني تلك الحزمة، فيناوله حزمة من البقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلسين، فيقول: زد فيها.وفي هشام يقول الشاعر: باتصال دعوت يا عبد شمس … بعد ما نابهنّ أو يا مغيرا قمري مكة المضيء دجاها … يجلوان الدّجنّة الدّيجورا وقال الواقدي: خرج عشرون ألفا من الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائة فنزلوا على ملطية، فأغلق أهلها أبوابها. وخرج رسولهم مستغيثا فلحق بهشام وهو بالرصافة، فندب هشام الناس إلى ملطية، وتقلد سيفا ثغريا، وركب يطوف على الناس بالرقة، وأتاه الخبر بأن الروم قد قفلوا فأخبر الرسول بذلك، وبعث معه بشرا ليرابطوا بملطية. حدثني أبو الوليد هشام بن عمار قال: سمعت من يحدث أن هشاما قال: لسان المرء من خدم عقله وأول واحد يخبر ما عنده. قال: وبلغني أن هشام بن عبد الملك قال: إن اللسان في حكايته صادق عن عقل صاحبه. قال المدائني: كان عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز يفد إلى هشام فيتكلم عنده، فيعجب مسلمة بن عبد الملك كلامه ويقول: والله إني لأرفع كور العمامة عن أذنيّ لاستفرغ كلام ابن عامر، وكان مسلمة يقول: إنّ الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فكأنه يقضمني حب الرمان الحامض حتى يسكت فأردّه عنها، ويكلمني الرجل في الحاجة ما يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها. قالوا: وحضر الوليد بن يزيد مجلس هشام: ثم خرج فوثب على فرسه وقال لأبي شاكر بن هشام: أيحسن أبوك أن يركب كذا؟ فقال: لأبيمائة عبد يفعلون أكثر من هذا. فقال هشام: لله مسلمة ابني ما أظرفه لولا مجونه. المدائني قال: حج هشام: فأخذ الأبرش قوما معهم برابط، فقال: احبسوهم وبيعوا متاعهم هذا وصيّروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردوا الثمن عليهم. وقال بشر مولى هشام: أتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه، وضربه فجعل الشيخ يبكي. قال بشر: فقلت له عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي لضرب أمير المؤمنين إياي، إنما أبكي لاحتقاره العود حين سماه طنبورا. وقال هشام بن محمد الكلبي: دخل الوليد بن يزيد المقتول على هشام بن عبد الملك وعنده ولده، وفيهم مسلمة بن هشام، المكنى أبا شاكر، فقال الوليد لمسلمة، وكان ظريفا: ما اسمك؟ - كأنه لا يعرفه - فقال: شارزنجي. يعرّض بأنه يكثر شرب النبيذ إكثار الزنج ويطرب طربهم، وقد كتبنا خبر شارزنجي مع أخبار عبد الملك بن مروان. وقال المدائني: استأذن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وأخوه عبد العزيز معه على هشام، فأذن لمحمد قبل عبد العزيز، فقال عبد العزيز: يرحم الله حسينا - من غير أن يجري للحسين ذكر - فأنكر هشام ذلك وقلب عينه وقال: ما ذاك؟ قال: ذاك لأني ومحمدا أبناء عبد الله، وأمي أموية بنت خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وأم محمد فاطمة بنت حسين، وقد قدّم عليّ وأنا أسنّ منه لأن فاطمة ولدته. فقال هشام لآذنه: قدّمه بعد مرّته هذه.وحضر محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الله بن الحسن بن الحسن باب هشام فخرج الآذن فقال: محمد بن عبد الله. فلم يقم. فدنا الآذن فقال: ادخل، فقال: عبد الله بن الحسن ههنا. فرجع إلى هشام فأخبره بقوله، فقال: محمد بن عبد الله، فلم يقم. ففعل ذلك مرات، فقال هشام: ائذن لعبد الله، فخرج الآذن فقال: عبد الله بن حسن. فقام وقام معه محمد بن عبد الله. المدائني: أن هشاما قال لمسلمة بن عبد الملك: يا أبا سعيد هل دخلك ذعر لحرب شهدتها، أو لعدو كادك؟ قال: ما سلمت من ذعر لا يذهلني عن حيلة ولم يغشني ذعر يسلبني رأيي، فقال هشام. هذه البسالة. قال المدائني: قال ابراهيم بن هشام لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين أقبل عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص يوما، وعندي ابراهيم بن عبد الله بن مطيع، وعلى عبد الرحمن بن عنبسة ثياب خضر: الجبة والمطرف والعمامة، فقال ابراهيم: قد أقبل ابن عنبسة في زينة قارون. فضحكت، فقال عبد الرحمن: ما أضحكك أيها الأمير؟ قلت: قال ابراهيم حين أقبلت كذا وكذا. فقال عبد الرحمن: لولا أني أخافه علي وعليك وعلى المسلمين إن هو غضب لأجبته. قلت: وما تخاف من غضبه؟ قال: بلغني أن الدّجال يخرج لغضبة يغضبها، وابراهيم أعور وأنا أظنه الدجال، فقال ابراهيم: لولا أن له عندي يدا عظيمة لأجبته، قلت: وما يده؟ قال: سعى عليه غلام بمدية فأصابه فأشواه، فلما نظر إلى الدم جعل لا يدخل عليه مملوك إلاّ قال له: أنت حر، ودخلت عليه عائدا لهفقلت له: كيف تجدك؟ قال: أنت حر، قلت: أنا ابراهيم بن عبد الله، قال: أنت حر، فأعتقني في ظنه فهذه يده. قالوا: وهرب هشام من الطاعون، فانتهى إلى دير فأدخله الراهب بستانا على أربعة أجربة، وجعل يأتيه بأطايب الفاكهة والبالغ منها، فقال هشام: أتبيعني بستانك؟ فسكت. فأعاد عليه القول وهو ساكت فقال: مالك لا تتكلم يا راهب؟ قال: وددت أن الناس ماتوا غيرك. قال: ولم؟ قال: حتى تشبع إذا بقي كل شيء في الدنيا لك. فضحك وقال: أما تسمع يا أبرش. قال: ما لقيك حرّ غيره. المدائني قال: دخل جديع الكرماني على هشام فقال له: من أنت؟ قال: جديع. قال: الكرماني؟ فكأنه كرهها، فقال هشام: لا تفعل وإذا شهرت بلقب تكرهه فإنه نسب. قالوا: ووقف هشام يوما بحائط له فيه زيتون ومعه عثمان بن حيان، فسمع هشام نفض الزيتون، فقال لعثمان: انطلق إليهم فقل لهم: القطوه لقطا ولا تنفضوه نفضا فتتفقأ عيونه وتتكسر غصونه. قالوا: وأدخلت على هشام جارية أعجبته، فاشتط صاحبها في الثمن، فأعطاه هشام عشرة آلاف فأبى فاشتراها الأبرش بحكم صاحبها وسومه، وبعث بها إلى هشام. وأتي هشام بمال فقسمه على ولده وأهله، وقال لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم، وقد عزل مائة وعشرين ألف درهم: من أحقّ بهذا المال؟ قالت: أنا. قال: قد أخذت قسمك.وقال لعبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية: قولي فإنكم آل أبي سفيان تدّعون الرأي؟ قالت: أحق الناس بهذا المال من جاد لك بما بخلت به على نفسك، قال: صدقت، وأمر بحمل ذلك المال إلى الأبرش، وقال: هذا الآن في هذا الموضع أحسن منه في ذلك الموضع. قالوا: وقدم على هشام وفد وفيهم ابن عمار بن ياسر، فقال له هشام: من أنت؟ فأخبره. فقال: ترجو الصغير وقد أعياك والده … وفي أرومته ما ينبت العود لا والله ما نال مني خيرا أبدا ما بقيت. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك في يوم شديد الحر وهو في بركة ماؤها يغمر الكعبين، وقد وضع له كرسي فجلس عليه، فلما رآني دعا لي بكرسي، ثم جلس يسائلني فأقبلت أحدثه، ثم قال: يا خالد لربّ خالد جلس مجلسك كان أحب إلي منك - يعني خالد بن عبد الله القسري - قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، لو تفضّلت عليه بصفحك وتغمّدته بحملك؟ فقال: إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، فسكتّ. حدثني العمري عن الهيثم قال: أهدى خالد بن عبد الله وهو على العراق إلى ولد هشام وحشمه هدايا، وأغفل خادما له، فأخذ الخادم ابنا له صغيرا فوقف به حيث يسمع هشام الكلام، ثم قرصه قرصة أبكته فقال: والله لو كنت من ولد خالد بن عبد الله القسري ما عدا، فسمع هشام قوله فكان ذلك أول ما وقر في قلبه.قالوا: ولما غضب هشام على خالد أرسل إليه يذكّره حرمته، فقال: إنّ الإفراط في الدالّة يفسد الحرمة. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قال هشام: أرخى الناس بالا من تخلّى عن الدنيا ومتاعها فدافع الأيام، وأصبح أجله أحبّ قادم إليه. وقال هشام للأحوص: ما لنا وللفرزدق، حفر لنا خالد نهرا. فقال: أنفقت مال الله في غير حقه … على نهرك المشؤوم غير المبارك (¬١) فقال الأحوص: ما هذا من كلامه. قال هشام: قاتلهم الله، إذا جاءت الحقائق نصر بعضهم بعضا. المدائني عن سحيم بن حفص قال: مرّ ابن هشام بن عبد الملك على اسماعيل بن يسار وقد اتخذ منزلا وهو يصوّره (¬٢)، فقال: يا اسماعيل ما هذا من منازلك، قال: بلى والله إنه لمن منازلي ومنازل آبائي ولكن منزلك خباء مضروب من شعر أو صوف على عمود من خشب. قالوا: وتفقد هشام بعض ولده فلم يره يحضر الجمعة فقال له: ما منعك من الصلاة في يوم الجمعة في مسجد الجماعة؟ فقال: نفقت دابتي فعجزت عن المشي إلى الجمعة. وقال هشام لخالد بن صفوان: عظني وأوجز، فقال: أنت فوق الخلق وليس فوقك إلا الله، وأنت صائر إلى الله، فاتّق الله.المدائني عن حمزة بن ابراهيم قال: قال الحجاج لمعبد الجهني: يا معبد أتتكلم في القدر؟ قال: نعم، زعم فسّاق أهل العراق أن الله قضى وقدر أن يقتل عثمان، فقلت: كذبتم. فقال: صدقت. فبلغ هشاما قوله فقال: لقد قدر الله قتل عثمان لما كتب على قاتليه من الشقاء، وكذب معبد والحجاج. قالوا: وقدم رواية الفرزدق وجرير والأخطل على هشام، فدخل رواية جرير في فرو، ودخل الآخر في خزّ، فأنشد رواية الفرزدق شعرا: كأنّ مفالق الرّمان فيه … وجمر غضى قعدن عليه حام (¬١) فغضب هشام ولم يصل راوية الفرزدق والأخطل، ووصل راوية جرير. المدائني عن عبد الرحمن بن خالد قال: رأيت هشاما وهو يقول لغلمانه وهم يلقطون زيتونا في أرض له: القطوا لقطا، ولا تخبطوا خبطا، فإن الخبط يفقأ عيونه ويكسر غصونه، وكان معه عثمان بن حيان فوجّهه من وجهه إلى العراق للمسألة عن خالد فقدم عليه فأخبره، فكان ذلك سبب عزل خالد. حدثني هشام بن عمار قال: بلغنا أن هشاما حدّث بأن خالدا يعطي من جاءه من قومه، فازداد غيظا عليه وغضبا وقال: إني أبخل بهذا المال عن نفسي وأهلي وولدي، وخالد يفرقه في قومه، فحدثه بعض حضره أن رجلا من بجيلة دخل عليه فسأله فمنعه فقال:إذا المرء أثرى ثم قال لقومه … أنا السيد المفضى إليه المعمّم ولم يولهم خيرا أبوا أن يسودهم … وهان عليهم رغمه وهو أظلم فردّه وأعطاه فقال هشام: والله لأنقضنّ كور عمامته، ولأدعنّه وهو لا يفضى إليه. حدثني أبو مسعود عن ابن كناسة قال: اختلف هشام ومسلمة في إعراب حرف أو معنى حرف من الغريب، فحكما رجلا فقال: القول قولك يا أمير المؤمنين، فقال مسلمة: هذا حكم الجهّال وقولهم. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: هدم ابراهيم بن هشام المخزومي دار عبد الله بن عامر بن الزبير بأمر هشام، فمر به وهو يصلي فقال: اصبر، فقال: إني أعرضكم على الله في كل يوم خمس مرات - يعني الدعاء-. أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن محمد عن أبيه عن عامر بن عبد الله قال: أراد هشام الحج فقال: من بقي من رجال قريش في المدينة ممن يتكلم؟ فقالوا: لم يبق أحد يردّ على السلطان، فحج فأتاه عبد الله بن عروة بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على خالك ابراهيم بن هشام، فإنك وليته ما بين المدينة واليمن فلم يمنعه كثير ما في يديه عن قليل ما في أيدينا، فأنشدك الله أن تصل رحما بقطيعة أخرى. قال: لا أعديك عليه قال: ولم فوالله ما منعنا أن نموت مع عبد الله إلاّ هذه الأموال، وقد أخذت ولأن يموت الرجل عزيزا خير له من أن يموت ذليلا، فقال هشام: هذا واحد.ثم آتاه ابراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على نافع بن علقمة، فإنه أخذ داري. قال: أفلا رفعت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: قد فعلت فسلك بي غير طريق الحق، قال: أفلا أتيت الوليد؟ قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه. قال: أفلا رفعت إلى سليمان؟ قال: قد فعلت فسلك بي طريق أبيه وأخيه. قال: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: عوجل ﵀، فغضب هشام وقال: لا يزال الرجل يتكلم عند أمير المؤمنين بما يستحق من يتكلم بمثله أن يدقّ أنفه ويسحب على وجهه. قال: إذا يسبق خيرك شرّك، وتقطع رحمك، وتكون يد الله فوق يدك، وأمر الله من ورائك، أما والله، ان القضاء ليتعقب وإن الفاسق ليصلح. فقال هشام: قبح الله من زعم أن قومي قد ذهبوا، هذا زعم إنّ قضائي يردّ، وابن عروة يتهددني. ثم قال لإبراهيم: لو كان فيك مضرب لضربتك مائة، قال ابراهيم: فيّ مضرب ألف، قال هشام: سوءة اكتمها علي. قال: فما أخبرت بها أحدا حتى مات، فلما مات حدثت بها لأنها مكرمة. وقال الفرزدق وقد خاف خالدا. ألم تعلموا يا آل مروان نعمة … لمروان عندي مثلها تحقن الدّما وما كان عني ردّ مروان إذ طغى … عليّ زياد بعد ما كان أقسما ليقتطعن حرفي لساني الذي به … لخندف أرمي عنهم من تكلماوكنت إلى مروان أسعى إذا جنى … عليّ لساني بالمقال وأجرما وما تركت كفّا هشام مدينة … بها عوج في الدّين إلا تقوّما (¬١) وقال الكميت في خالد بن مسلمة: الشمس أدتك الا أنها مرة … والبدر أداك إلا أنه رجل الغالب النفس حلما عند طيرتها … والمستثيب حلوم القوم إن جهلوا ما أنت في الجود إذ عدّت فواضله … ولا ابن مامة إلاّ البحر والوشل قال: ولم يقدم جرير على هشام فيمن أتاه من الشعراء عشر سنين، ثم تهيأ للخروج إليه وقال: وكيف ولا أشدّ إليك رحلي … أروم إلى زيارتك المراما (¬٢) فمات قبل أن يخرج إلى هشام. قالوا: وقدم عروة بن أذينة الليثي على هشام، فسأله: ألست القائل: لقد علمت وما الإسراف من خلقي … أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنيني تطلّبه … ولو صبرت أتاني لا يعنّيني وإني لأحسبك ممن يفضل قوله فعله، فقال عروة: فإني استغفر الله وأستقيله ولا أرغب إلا إليه، فخرج من عنده ولم يبت إلاّ في الطريق منصرفا إلى أهله. وتذمم هشام مما استقبله به حين بلغه انصرافه، فبعث إليه بألف دينار، فلما أتاه بها رسوله قال: أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له إنيرضيت بالله ورغبت إليه فأتاني برزقي على فراشي، فقال هشام: صدق. إنما نحن خزان الله، فإذا أذن في شيء أمضيناه على محبة منا وكرامة. المدائني قال: قال هشام لسعيد الأبرش: أوضعت أعنزك؟ قال: أي والله قال: لكن أعنزي تأخر ولادها فاخرج بنا إلى أعنزك نصب من ألبانها، قال: نعم. وقدّم خباء فضرب وغدا هشام والأبرش وغدا الناس فقعد هشام والأبرش على كرسيين، فقدموا الى كل واحد منهما شاة فحلب هشام الشاة بيده ثم قال: يا أبرش إني لم أنس الحلب. ثم أتي بخبزة أمر الأبرش بها فعملت بين يدي هشام، فأوقد هشام النار بيده وفحصها، وألقى الخبزة فيها وجعل يقبلها في النار بالمحراث ويقول: يا أبرش كيف ترى رفقي، حتى نضجت، ثم أخرجها فجعل يضربها بالمحراث ويقول: جنبيك، جنبيك والأبرش يقول: لبيك لبيك، وهذا شيء كان يقوله الصبيان إذا خبزت لهم الخبز، ثم تغدى وتغدى الناس وانصرف هشام. المدائني قال: قال رجل من أهل المدينة: انتقص الناس بعد هشام، ما كان أحد يشد رحله إلى رجل إلاّ وجد عنده رأيا وعقلا وسخاء، فلما مات هشام انتقص ذلك. وسئل هشام يوما عن مكحول، فذمه فقال مسلمة: مه يا أمير المؤمنين فقد سمعته يقول: اللهم لا تبقني بعد هشام. المدائني عن شيخ من جرم أنه قال: إني لباقريتين، وبينها وبين دمشق مرحلتان على الإبل، إذ نزلت قافلة جاءت من أرمينية فيها خلق، فجاء رجل من كلب من قبل هشام، ورجل آخر معه فقالا: أيتها النازلةأفيكم غيلان بن مسلم؟ فقام رجل أحمر عليه قباء نصيبي مجلد الأزرار فقال: أنا غيلان أبو مروان. فقالا: أين صالح، فقام رجل ربعة حسن الوجه فقال: أنا صالح أبو عبد السلام فشداهما في الحديد وحملاهما إلى هشام، فقال هشام لغيلان: ويلك ما هذا الذي يبلغني عنك من القول؟ فسبقه صالح فقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ (¬١)، فقال له هشام: أتركت أن تتلو كتاب الله محكمه، وتلوت متشابهه، إن هذا ليحقق ما قيل فيكما، قال: أو هذا متشابه؟ قال: أخرجوهما فاضربوهما سبعين سبعين، فضربا، وجاء قوم فشهدوا عليهما بأنهما قالا: ما ولّى الله هشاما شيئا قط، وإن الناس يتغالبون على الأرزاق، وتأتيهم بالإتفاقات. فقال: لعلكم شهدتم لأمر وجدتم عليهما فيه، أو لعداوة واجبة؟ فقالوا: لا، ولكنك إمام وقد خرجنا إليك مما في أعناقنا، فقطع أيديهما وأرجلهما، فمر عليهما عثمان بن حيّان المرّي فقال: يا غيلان، كان هذا بقضاء الله وقدره؟ فقال: كان في علم الله. ثم أمر هشام باخراج ألسنتهما من أقفيتهما أو قطعها فلم يلبثا أن ماتا. وقيل إن غيلان وصاحبه كانا بأرمينية يتكلمان في هشام، فلما شخصا عنها، وكان قد وضع عليهما عيونا فأخبر بنزولهما حيث نزلا، فدس شهودا شهدوا عليهما، فصنع بهما ما صنع ثم صلبهما. قالوا: وعمل هشام منجنونا (¬٢) وكتب إلى صاحب الرقة يأمره أن يبتاعله ثور المنجنون فاشتراه بثلاثين درهما، وبعث به إليه مع بعض الشرط، فلما رأى هشام الثور أعجبه وقال: بارك الله فيك وفيمن وجّه بك، أعطوا الرسول عشرة دراهم. فقال: يا أمير المؤمنين زدني في عطائي خمسة دنانير فقال: جئت بثور اشتري بثلاثين درهما وإنما بيننا وبين الرقة ثلاثون ميلا، وأنت تنال خمسة دنانير في عطائك، أنت أحمق. إذهب بارك الله فيك. المدائني قال: قال عمرو بن عتبة المخزومي: أذن هشام يوما إذنا عاما، فدخل أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين قد كبرت سني، ورقّ عظمي فأعنّي بالفرض لابنيّ فإنهما كما يحب أمير المؤمنين في طاعتهما وجلدهما قال: ما ذاك لك عندنا، قال: فأقطعني دارا إلى جانب داري كانت ليهودي هلك، ولا وارث له أوسّع بها منزلي. قال: بيت المال أحقّ بها، قال: فأزرعني مزرعة إلى جانبي تخفف من خراجها عني. قال: لا. فولّى الرجل وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ رجلا أفحش بخلا ولا أسوأ ردّا، وسمع هشام كلامه فنكس، ورفع الشرط عليه العمد، قال عمرو: فضممت إلي ثوبي مخافة أن يقتل فيصيبني دمه، أو يشدخ فينتضح علي من دماغه، فقال الأعرابي: ما ينبغي أن ألومك وإني لأعلم أنك عبد من عبيد الله لا تعطي ولا تمسك إلا بإذنه، قال هشام: ردوه، كيف قلت؟ فأعاد قوله فقال: صدقت، أعد عليّ حوائجك، فقضاها. قالوا: وأهدى إلى هشام حسان النبطي هدايا كثيرة، وركب هشام فعرضها عليه وأرضى حسان كل من يطيف بهشام غير خادمين له صغيرين احتقرهما، فدخل هشام المتوضأ وجاء الوصيفان بالماء، فقال أحدهما أما تعلم أمير المؤمنين أن حسان لم يهد ما أهدى حتى أخذ لنفسه مثله؟ قالالآخر: بل لنفسه عشرة أمثاله، أفمن بيت أمه أهدى هذا؟ وسمعهما هشام، فلما دخل عليه حسان قال: وهبت لهذين شيئا؟. قال: لا ولقد أغفلتهما. قال: فأحسن إليهما. فبعث إلى كل واحد منهما بألفي درهم. وخلا به هشام وهما على باب البيت، فقال أحدهما: نحن نتكلم في أمر هذا الرجل بما لا نعلم، وأمير المؤمنين أعلم بنصيحته وتوفيره، وقال الآخر: ما صارت له عند أمير المؤمنين هذه المنزلة إلا بفضل نصيحته وما فعل أحد مثل فعله، عماله يأكلون الدنيا ولا يهدون شيئا. فقال هشام لحسان: أرضيتهما؟ قال: نعم. فضحك هشام وقال: ما أخبثهما قد رأينا أثر ذلك. المدائني قال: لما اشتد وجع هشام بكى نساؤه وولده، فقال جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، فترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما كسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له، ثم فاظت نفسه. المدائني قال: أتى هشاما محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فسأله فقال: لست معطيك شيئا، فإياك أن يغرك الناس فيقولون إن أمير المؤمنين لم يعرفك، قد عرفتك، أنت محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلا تقم فينفق ما معك، والحق بأهلك. حدثني على الأثرم عن الأصمعي قال: حج هشام فأراد سالم بن عبد الله الدخول عليه بالمدينة فقال له بنوه: لو اعتممت فاستعاروا له عمامة، ولما دخل على هشام قال له: يا أبا عمر العمامة لا تشبه الثياب. قال: انا استعرناها. قال: ما طعامك؟ قال: الخل والزيت. قال: أما تأجمهما؟ قال: إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما. ثم قام فخرج فقالهشام: ما رأيت قط ابن سبعين أقوى كدنة (¬١) منه. فما وصل إلى بيته إلا محموما، فقال: أترون الأحول لعقني بعينه. ولم يبرح هشام المدينة حتى صلى عليه، وقد كتبنا خبره من جهة أخرى. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: دخل زيد بن علي بن الحسين على هشام، فلما مثل بين يديه لم ير لنفسه موضعا يجلس فيه، فعلم أنه إنما فعل ذلك به على عمد، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد فوق أن يؤمر بتقوى الله، ولا أحد دون أن يأمر بها. قال: اسكت لا أم لك. قال: أمّ لم تلدني؟ قال: أنت الذي تنازعك نفسك الخلافة وأنت ابن أمة؟. قال: يا أمير المؤمنين إن لك جوابا، قال: هاته فما أنت وجوابك. قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجل دون بلوغ الغايات، كانت أم اسماعيل أمة، فلم يمنعه ذلك أن ابتعثه الله نبيا، وجعله أبا العرب وأخرج من صلبه محمدا ﷺ، أفتقول هذا لي وأنا ابن فاطمة وجدي علي؟. قال: صدقت، ثم خرج فقال هشام لمن بقي عنده من أهل بيته: زعمتم أن أهل هذا البيت قد بادوا. لا لعمري ما انقرض قوم هذا خلفهم. قالوا: وخرج زيد على هشام بالكوفة، وقتل ودفن ليلا، فدل على قبره عامل الكوفة فنبش وصلب، وكان فيمن نبشه خداش بن حوشب أخو العوام بن حوشب المحدث.وكتب هشام إلى عامله بالعراق: إنّ زيدا قدم عليّ فرأيت حوّلا قلّبا خليقا لصوغ الكلام وتنميقه، وقد كتبت خبر زيد ومقتله في نسب آل أبي طالب وأخبارهم. حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم قال: قال هشام: إني لأرى الرجل فأعرف عقله من حسن سماعه، وكان يقول: أنا أعرف الجاهل الأحمق بسرعة جوابه بالخطأ، وكثرة تلفّته، وتدويمه نظره إلى جليسه بغير علة يصوّب ويصعّد فيه. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن اسماعيل بن عبد الملك بن نافع عن أبي عبيدة بن محمد قال: شرق ما بين ربيعة الرأي وأبي الزناد وكانا قديما يجالسان القاسم بن محمد بن أبي بكر، فلما ولي خالد بن عبد الله بن الحارث بن الحكم المدينة من قبل هشام، ولى أبا الزناد الخراج وما وراء بابه، وكان خالد قد علم الذي بينهما، فأرسل إلى ربيعة، وخثيم بن عراك، ومحمد بن عطاء الليثي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد، فوجد عبد الرحمن قد تغيب فضرب هؤلاء وحلقهم، وقال: إنهم يطعنون على الأئمة ويرون رأي الخوارج. وكتب خالد إلى هشام يعلمه ضرب هؤلاء النفر، وأنه طلب عبد الرحمن فوجده قد تغيب، وتوجه إلى ابن شريح بخراسان يدعو إليه، فجاء الكتاب إلى هشام وهو يومئذ بالرصافة فقال: أي رجل عبد الرحمن بن القاسم؟. فقال ابراهيم بن هشام: يا أمير المؤمنين، من أهل السنّة والجماعة، فرمى بالكتاب فقرأه فقال: باطل والله يا أمير المؤمنين، وما خرج ابن القاسم إلا إليك. فأفرخ روع هشام، فقال: أرى ذلك، ووكلابراهيم غلاما له يتفقد عبد الرحمن عند مسلحة عليها طريق من قدم من المدينة إلى هشام، فكان مقيما عندها أياما، ثم طلع عليه عبد الرحمن على بغلة له وهو معتمّ فسلّم فقالوا: من الرجل؟. قال: رجل من قريش. قالوا: من أي قريش أنت؟ فأخبرهم، فأتى عبد الرحمن ابراهيم بن هشام، فأتى به إبراهيم هشاما، فأدخله إليه فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، كيف أنت يا عبد الرحمن، كيف أهل بيتك؟. قال: بخير يا أمير المؤمنين. قال: أحب أن يكونوا بخير، فما أقدمك يا عبد الرحمن؟. قال: ظلامتي، خاصمت إلى خالد: ابن أبي عتيق، فمال علي ميلا بينا، فرحلت إلى أمير المؤمنين مستغيثا به لينصرني. فكتب إلى خالد: «أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فأحضر رجالا من أهل الفضل والستر والصدق والعفاف ممن يخيرهم عبد الرحمن بن القاسم، ثم اجمع بينه وبين خصمه، ثم مرهم أن يجزموا القضاء على أحدهما، ولا تعرض لعبد الرحمن في خصومة ولا غيرها، فإن لعبد الرحمن فضلا، ومكان أبي بكر في الاسلام مكانه». ثم ختم الكتاب ودفعه إلى عبد الرحمن فقال عبد الرحمن: قد بررت وقضيت الحاجة وأعفيتني من الظلم وعليّ أربعمائة دينار. فقال: يا عبد الرحمن، لو جمعنا لأحد أن نرد ظلامته ونقضي دينه لفعلنا ذلك بك، ولكنا لا نفعله بأحد فامض لشأنك. قال عبد الرحمن: فلحقني حسان النبطي فقال: قد سمعت كلامك في دينك، وهذه أربعمائة دينار من مالي فخذها واقض بها دينك. فقال عبدالرحمن: ما أستجيز أخذها منك وأنا استجيزه من الخليفة، وأنا أقبلها على أن تكون قرضا، فأخذها على هذه الجهة فقضاه إياها ورثة عبد الرحمن بعد ذلك. قال ابن شوذب يمدح أبا الزناد نصر بن ربيعة وأصحابه: حتى إذا ما دخيل الهمّ أرّقني … فوق الفراش وكاد النوم يمتنع وقلت حين أناجي النفس من رجل … والرأي مشترك والهم ملتفع (¬١) فصرت نحوك من أرضي لتنفعني … إذا بلغتك والمعروف متبع أبا الزناد فلا تقعد بحاجتنا … إن الكريم إذا ما هز ينخدع تحوي من العلم ما يشقي السقيم به … ويجبر العظم منه حين ينصدع ما زلت بالحق إذ ضلت عقولهم … حتى ردعت إلي الأهواء فارتدعوا