page 3261, entry [586]Open original source
أمر يزيد بن عبد الملك بن مروان (¬١) يكنى يزيد أبا خالد، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وإليها ينسب، بويع له بالخلافة سنة إحدى ومائة، وكان سليمان بن عبد الملك ولى عمر بن عبد العزيز العهد في مرضه ويزيد بعده. وقال سليمان: لولا أني أخاف اختلاف بني مروان بعدي ووقوع الفتنة ما وليت يزيد ولاقتصرت على عمر بن عبد العزيز. وقال عمر بن عبد العزيز حين احتضر: لو اخترت للإمامة غير يزيد كان أولى، ولكني أخاف إن أخرجتها من بني عبد الملك أن تقع في ذلك فتنة وفرقة، وأنا أولّي سليمان ما تولّى، والمسلمون أولى بالنظر في أمرهم، فكانت ولاية يزيد بن عبد الملك أربع سنين وشهرا، ودفن بالجولان من سواد الأردن وذلك سنة خمس ومائة، ويقال في أول سنة ست ومائة، وله سبع وثلاثون سنة وأشهر، ويقال ابن اثنتين وأربعين سنة، ويقال مات بالبلقاء من عمل دمشق.قالوا: وكان يزيد جميلا، حسن الشعر أهدل (¬١)، وكان صاحب لهو وطرب وهزل، وهو أول من غالى بالقيان. حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش الهمداني قال: كان يزيد صاحب طرب وفتوة، وهو أول من اشترى حلة بخمسة آلاف دينار. قالوا: وكان نديمه الأحوص بن عبد الله بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، واسمه قيس بن عصمة بن أمية بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان يرمى بالأبنّة، وكان منفيا، نفاه الوليد بن عبد الملك بشهادة عراك الغفاري إلى دهلك، فلما ولي يزيد بن عبد الملك أقدمه، ونفى عراكا فقال الأحوص: الآن استقرّ الملك في مستقرّه … وعاد لعرف أمره المتنكر طريد تلافاه يزيد برحمة … فلم يمس من نعمائه يتعذّر (¬٢) حدثني أبو حسن المدائني عن أبي جزي قال: عمد يزيد بن عبد الملك إلى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز مما لم يوافقه فردّه، ولم يرهب فيه شنعة عاجلة، ولا إثما آجلا. المدائني قال: وظف محمد بن يوسف أخو الحجاج على أهل اليمن وظيفة جعلها عليهم خراجا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله يأمره بإلغاء تلك الوظيفة والاقتصار على العشر، وقال: لأن لا يأتيني من اليمن حفنة كتم أحبّ إلي من أن تقرّ هذه الوظيفة.فلما ولي يزيد بن عبد الملك بعد عمر أمر بردّها، وكتب إلى عروة بن محمد عامله إنّ ابن عبد العزيز كان مغرورا منك ومن أشباهك، فأعد على أهل اليمن الضريبة التي كان عمر أسقطها ولو صاروا حرضا (¬١). حدثني أبو مسعود عن عوانة قال: أقرّ يزيد عدي بن أرطاة الفزاري عامل عمر بن عبد العزيز على البصرة، وولى عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري المدينة، فشكته فاطمة بنت الحسين بن علي، وهي أم عبد الله بن حسن بن حسن بن علي وإخوته وكتبت إليه كتابا وأرسلت رسولا وقالت إنه يدعوني إلى تزوجه وأنا أمرأة لا حاجة لي في التزوج لأني مشبلة على ولدي ولا آمن من أن يتكذب على ولدي حتى يوقعهم فيما أكره ليغيظني بذلك، وأمير المؤمنين أحقّ من نظر فيّ ودافع عني، فإني ابنة عمه وإحدى نسائه. فكان ذلك سبب غضبه عليه وعزله ومطالبته بمال أخرج عليه، فلما أراد الخروج من المدينة بكى ثم قال: والله ما أبكي جزعا من العزل ولا أسفا على الولاية، ولكني أربأ بهذه الوجوه أن يهينها من لا يعرف لها مثل الذي أعرف، ولا يوجب من حقها ما أوجب. ثم أنشد: فما السجن أضناني ولا القيد شفّني … ولكنني من خشية النار أجزع على أنّ أقواما أخاف عليهم … إذا غبت أن يعطوا الذي كنت أمنع المدائني عن محمد بن خالد قال: كان لسعيد بن خالد بن أسيد قصر بحيال قصر يزيد بن عبد الملك، فكان يزيد إذا ركب إلى الجمعة توافيا فيموضع واحد، فقال له يزيد في بعض الجمع: أما تخلّ بجمعة واحدة؟ فقال سعيد: إن قصري بحيال قصرك فإذا ركبت ركبت فالتقينا في هذا الموضع، فقال يزيد: فإن لي إليك حاجة. قال: إذا لا تردّ عنها يا أمير المؤمنين. قال: قصرك. قال: هو لك. قال: فلك به خمس حوائج فاذكرها. قال: أولاهن أن ترد القصر علي. قال: قد فعلت فاذكر الأربع فذكرها فقضاها له. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قال يزيد: لذة الدنيا في أربع: الغناء، والطّلاء، ومجالسة من تحب، وإعطاء السائل. حدثني محمد بن سعد كاتب الواقدي عن الواقدي عن يزيد بن عياض قال: لما ولى يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس المدينة خطب فاطمة بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فأبت وقالت: ما النكاح من حاجتي أنا مشبلة مقيمة على ولدي، فألح عليها الخطبة فقال: والله لئن لم تفعلي لآخذنّ أكبر ولدك، يعني عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب في شراب، ثم لأضربنه على رؤوس الناس، ولأفعلنّ بعد هذا، ولأفعلن حتى أفضحك، فبعثت إلى يزيد بن عبد الملك رسولا، وكتبت معه كتابا، فذكرت قرابتها ورحمها، وشكت عبد الرحمن وذكرت ما أرادها عليه، وبعثت به إليه وسألته أن يجيرها منه، وقالت: إنما أنا حرمتك واحدى نسائك، والله لو كان التزويج من شأني ما كان لي بكفء، وإن عمر بن الخطاب كان يقول على منبر رسول الله ﷺ: لأمنعنّ ذوات الأحساب إلا من الأكفاء.قال وكان ابن هرمز على الديوان بالمدينة، وأراد الخروج، فأرسلت إليه وأخبرته بما تلقى من ابن الضحاك، وسألته أن ينمي ذلك إلى يزيد، فلما دخل على يزيد سأله عن المدينة وأهلها فبينا هو يخبره، إذ أتى حاجب يزيد فأخبره بمكان رسول فاطمة، فذكر ابن هرمز ما حملته وأعلمه أنها أرسلت إليه، فألقت إليه أمرها وأمر ابن الضحاك، فدعا يزيد برسولها وقرأ كتابها فغضب غضبا شديدا، ونزل عن سريره إلى الأرض، وضرب بقضيب كان معه الأرض حتى أثار الغبار، وقال: ابن الضحاك يتزوج امرأة من بني عبد مناف؟ ثم قال: من يسمعني صوت ابن الضحاك بعذابه إيّاه وأنا على فراشي؟ قال ابن هرمز: أنا أدلك عليه. عبد الواحد بن عبد الله النصري، وهو بالطائف، فكتب إليه يزيد كتابا يأمره فيه بالمسير إلى المدينة وولايتها، وأن يغرم عبد الرحمن بن الضحاك أربعين ألف دينار، ويقفه للناس، وأمر لرسول فاطمة بجائزة وصرفه. فمر الرسول الموجه إلى الطائف بابن الضحاك فوقع في نفسه خوف العزل، فأعطاه ألف دينار فأخبره الخبر وأحلفه أن لا يبرح المدينة. وجلس ابن الضحاك على رواحله حتى لحق بمسلمة بن عبد الملك فقال له: يا أبا سعيد كن لي جارا من أمير المؤمنين فإن لي رحما وقرابة، وان خليتني من يديك افتضحت. فلقي مسلمة يزيد في غبش الليل فكلمه فيه فقال يزيد: لا أرينّ وجهه ولا يخرج إلى عسكري حتى يرجع من حيث جاء فينفذ فيه أمري. فرجع من دمشق حتى وافى المدينة فوجد النصري بها فأغرمه أربعين ألفدينار، فلم يصل إليها حتى سأل الناس فيها، وكان أخذ هذه الأربعين الألف الدينار من بيت المال ففرقها على نفر من قريش وغيرهم. قال الواقدي: وحدثني عقبة بن سنان قال: لما رجع ابن الضحاك إلى المدينة اتبع الناس فأخذ ذلك المال منهم، فمنهم من وجد عنده ما أعطاه، ومنهم من لم يوجد عنده لأنه فرقه في غرمائه، فكان يطاف به في جبة صوف يسأل فيها: وقال الواقدي: حدثني زفر بن محمد الفهري عن أشياخه قال: لما أحسّ عبد الرحمن بالعزل فرّق هذا المال في قومه فكتب يزيد أن يحتسب ذلك ويغرمه. قالوا: فتنازع محمد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن حسن بن حسن، وزيد بن علي فقال عبد الله بن حسن بن حسن لزيد: يا بن السندية الساحرة، فيقال إنه قال له: يا بن الهندكانية، فانصرف زيد إلى عمته فاطمة بنت علي بن الحسين، وهي أم عبد الله بن حسن فقالت: إن سبّ أمك فسبّني فعاد للخصومة فشتمه فقال له زيد: أتذكر ابن الضحاك حين كانت تبعث إليه أمك معك بالعلك الأخضر والأحمر والأصفر فتقول له: فمك فمك فتطرح ذلك في فمه. فأتاها بنوها فأخبروها فغضبت وقالت: كنتم فتيانا فكنت أدارية فيكم وأمنّيه أن أتزوجه حتى كتبت فيه إلى يزيد فعزله. حدثني محمد بن سعد، والوليد بن صالح قالا: ثنا الواقدي قال: وفد خالد بن المطّرف، والمطرف بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان على يزيد بن عبد الملك، فخطب إليه اخته فقال له: إن عبد الله بن عمرو بنعثمان أبي قد سنّ لنسائه عشرين ألف دينار فان أعطيتنيها وإلا لم أزوّجك. فقال له يزيد: أو ما ترانا أكفاء إلاّ بالمال؟ قال: بلى والله إنكم لبنو عمنا وأشراف قومنا، فقال يزيد: إني لأظنك لو خطب إليك رجل من قريش لزوجته بأقل مما ذكرت من المال؟ قال: أي لعمري لأنها تكون عنده مالكة مملّكة، وهي عندك مملوكة مقهورة. وأبى أن يزوجه، فأمر أن يحمل على بعير صعب وينخس به إلى المدينة، وكتب إلى عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري وهو عامله على المدينة أن وكّل بخالد بن عبد الله المطرف من يأخذه بيده كل يوم وينطلق به إلى شيبة بن نصاح المقرئ: ليقرأ عليه القرآن فإنه من الجاهلين. فلما قرأ على شيبة قال حين قرأ: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن منه، وإن الذي جهّله لأجهل منه. ثم كتب يزيد إلى عامله: بلغني أن خالدا يذهب ويجيء في سكك المدينة، فمر بعض من معك أن يبطش به، فضربوه حتى مرض ومات وله عقب بالمدينة. وحدثني أبو مسعود عن عوانة قال: قال يزيد بن عبد الملك، وهو ابن عاتكة بنت يزيد بن معاوية: كان عمر بن عبد العزيز خيرا لنفسه، وأنا خير للناس. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر الزهري عن عبد الواحد بن أبي عون قال: لما ولي الوليد بن عبد الملك، استعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة، ثم عزله وولي عثمان بن حيان المري على المدينة، فاستقضى أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكانت ولاة البلدان تستقضي القضاة من أهل الفضل والمروءة والهيئة والعلم، وكان القاضيلا يركب مركبا ولا يذهب لحاجة إلا استأذن أمير البلد لأن يطيب له الرزق، فقال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لابن حيان بعد العصر مساء عشرين يوما من رمضان، وعند عثمان أيوب بن سلمة المخزومي، فقال أبو بكر: إن رأى الأمير أن يأذن لي غدا فأنام بعد الصبح ولا أجلس للناس لأن أقوى على قيام ليلة احدى وعشرين، فإنه يذكر أنها ليلة القدر. فقال له ابن حيان: نعم. فلما ولى قال أيوب: ألا ترى إلى هذا الذي استأذنك فيما استأذنك فيه؟ فقال ابن حيان: والله ما هو إلاّ رياء، ولست لحيان إن لم أسأل عنه غدوة فإن وجدته نائما ضربته مائة، وحلقت رأسه ولحيته. قال أيوب: فقال أمرا سرني، فلما انصرفنا رجعت إلى منزلي مسرورا، فلما كان في السحر خرجت فإذا سراج في دار مروان فقلت: عجل والله المري فأدخل الدار فإذا أنا بأبي بكر بن حزم وقد جاءته ولايته من قبل سليمان بن عبد الملك وهو جالس على المنبر والشمع بين يديه، وابن حيان جالس بين يديه وابن حزم يقول: صيروا هذه الكبول في رجل ابن حيان، قال أيوب: فنظرت إلى ابن حيان ونظر إلي فقال: جاؤوا على أدبارهم كشفا … والأمر يحدث بعده الأمر فلما صلى وحضر الناس دعا بقوارير كانت في منزل ابن حيان، فقال: ما هذا الشراب؟ قال، شراب أشربه من الطلا. فقال أبو بكر لمن حضره: أنشدكم الله ما تقولون في هذا الشراب؟ قالوا: هو الخمر. قال: أكنت تشرب من هذا الشراب؟ قال: نعم فأمر بتلك القوارير فكسرت وضربه الحد، وجاء عبد الله بن عمرو بن عثمان بالبينة أنه قال له: يا مخنث أو يا منكوح فضربه له حدا آخر. فلما ولي يزيد بن عبد الملك ولى علىالمدينة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وخرج عثمان بن حيان مع مسلمة بن عبد الملك حين خرج يريد يزيد بن المهلب فحمل رأسه حين قتل يزيد (¬١) إلى يزيد بن عاتكة (¬٢) فقال له يزيد: ما تحب أن أصنع بك يا بن حيان؟ قال: تقيدني من ابن حزم، قال: كيف أقيدك من رجل اصطنعه أهل بيتي وله فضل، ولكني أولّيك المدينة فتفعل ما رأيت. قال: إن ضربته في سلطاني قال الناس إنما ضربه في سلطانه. قال: فاكتب إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتابا ننتفع به، فكتب إليه يزيد: «أما بعد فإذا جاءك كتابي فانظر فيما ضرب ابن حزم ابن حيان فيه، فان كان ضربه في أمر بيّن فلا تلتفت إليه، وأمض الحدّ - يعني على ابن حيان - وإن كان في أمر منكر مشكل يختلف فيه فأمض الحدّ أيضا، وإن كان في أمر لا يختلف فيه فأقده منه». فلما قرأ ابن الضحاك الكتاب رمى به من يده وقال: ما ضربك إلاّ في أمر بيّن وما لك في هذا الكتاب منفعة. فقال له عثمان: إنك إن أردت أن تحسن أحسنت. قال: الآن أصبت المطلب. قالوا: فأرسل إلى أبي بكر فلم يسأله عن حرف حتى ضربه حدين في مقام واحد، وانصرف أبو المغرى عثمان بن حيان وهو يقول: والله ما قربت النساء منذ ضربني ابن حزم فاليوم أقربهن. وكان ابن حزم قال: نحن ضربنا الفاسق ابن حيّان … حدّين لمّا يخلطا ببهتانفقال ابن حيان: نحن ضربنا الفاسق ابن حزم … حدّين لما يخلطا بإثم قال الواقدي: ولما أغرم عبد الرحمن بن الضحاك أربعين ألف دينار نهى ابن حزم حاشيته ومن معه أن يعرضوا له بشيء يكرهه، وأمر له بجميع ما احتاج إليه، فكان ابن الضحاك يذكر ما صنع به، وما صنع ابن حزم فيعجب ويقول: كان والله خيرا مني. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن رجل من آل الأهتم قال: كتب يزيد بن عبد الملك إلى عمر بن هبيرة، وهو عامله على العراق: «إنه ليست لأمير المؤمنين بأرض العرب خوصة تمر على القطائع، فحز فضولها لأمير المؤمنين، فجعل عمر يأتي القطيعة فيسأل عنها ثم يمسحها حتى وقف على أرض فقال: لمن هذه؟ قال صاحبها: لي. قال: ومن أين صارت لك؟ فقال: ورثناهنّ عن آباء صدق … ونورثها إذا متنا بنينا ثم إن الناس ضجوا من ذلك فأمسك عمر بن هبيرة. قالوا: وبعث يزيد بن عبد الملك رسولا في حمل ابن سريج (¬١) فلما انتهى إلى أداني مكة سمع رجلا يغني: فلم أر كالتجمير منظر ناظر … ولا كليالي الحج أفتنّ ذا هوىوإذا الرجل ابن سريج، فقال الرسول: ما أجهل هؤلاء، بعثوا إلى غير هذا وتركوه، فأتى الوالي فبعث ابن سريج فإذا هو الذي رآه الرسول، فقال: لقد أنكرت أن يكون ابن سريج غيرك. وقال الهيثم بن عدي وغيره: كان المغنون يأتون يزيد فيصلهم، وكان معبد (¬١) وابن سريج يزورانه فيقيمان عنده زمانا فيجيزهما، وكان الأحوص يزوره من المدينة فيجزل عطيته ويحسن جائزته، وكان ممن يتغنى بين يدي يزيد الغزيّل الشامي، وقد غنى يزيد لنفسه ومن غنائه: أضحى لسلاّمة الزرقاء في كبدي … صدع مقيم طوال الدّهر والأبد وقال ابن الكلبي: هذا الغناء ليزيد والناس ينحلونه معبد والغزيل الشامي. وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: قدم عمر بن هبيرة على يزيد وهو عامله على العراق، وأهدى له هدايا كثيرة، وأتاه بغنائم وفيها مسك فأخذ ابن له من ذلك المسك وولى، فقال يزيد: أي بني إنّ هذا غلول، فقال ابن هبيرة: ان رجلا من قراء أهل العراق كان بخراسان كان ينهى عن الغلول، ويغل المسك، فقيل له في ذلك فقال: إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (¬٢) أما واللهلآتينّ طيب الريح خفيف المحمل. قال يزيد: يا بني أما إذا رخص القرّاء فيه فخذه. وكان يزيد صاحب سلاّمة وحبّابة اللتين ذكرهما أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي الخارجي فقال، وذكره: أقعد سلامة عن يمينه، وحبابة عن يساره، ثم قال: أطير، ألا فطر إلى لعنة الله وحرقه. - وكان من قصة سلامة أنها كانت لرجل من أهل مكة فاشتراها منه سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ويقال إن سهيلا هو رباها وعلمها، ولم يشترها مغنية. والأول أثبت. وكان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار - أحد بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، وقد أصابته منّة من صفوان بن أمية الجمحي - ينزل مكة، وكان فقيها عابدا يسمى القسّ لعبادته واجتهاده، فمر يوما بمنزل مولى سلامة فسمع غناءها فتوقف يسمعه فرآه مولاها فقال له: هل لك أن تدخل فتسمع فأبى ذلك فقال له: هل لك في أن أخرجها إليك؟ فأبى ذلك، فلم يزل حتى أخرجها، فلما رآها وسمع غناءها ظاهره شغف بها، وهويته أيضا، وكان جميلا فكان يأتي مولاها ويغشاه ليسمع غناءها ويراها، فزعموا أنها قالت له يوما على خلوة: أنا والله أحبك. قال: وأنا والله. قالت: وأحب أن أضع بطني على بطنك. قال: وأنا والله أحب ذلك. قالت: فما يمنعك؟ ان موضعنا خال. قال: إني سمعت الله يقول: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)﴾ (¬١). وأنا أكره أن تؤولخلتنا إلى عدوة. ثم قام فانصرف وعاد إلى عبادته، وقد كان قال فيها شعرا منه: ألم ترها لا يبعد الله دارها … إذا طربت في صوتها كيف تصنع تمدّ نظام القول ثم تردّه … إلى صلصل من صوتها يترجّع ومنه أيضا ما بال قلبك لا يزال يهيجه … ذكر عواقب غيّهنّ سقام باتت تعللنا وتحسب أننا … في ذاك أيقاظ ونحن نيام حتى إذا سطع الصباح لناظر … فإذا وذلك بيننا أحلام قد كنت أعذل في السفاهة أهلها … فاعجب لما تأتي به الأيام فاليوم اعذرهم وأعلم انما … سبل الضّلالة والهدى أقسام ومنه: ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر … وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر ألا ليت أني حيث صارت بها النوى … جليس لسلمى كلّما عجّ مزهر إذا أخذت في الصوت كاد جليسها … يطير إليها قلبه حين ينظر كأنّ حماما راعبيّا معلّما … إذا نطقت من صدرها يتغشمر (¬١) ومنه: على سلاّمة القلب السلام … تحية من زيارته لمام أحبّ لقاءها وألوم نفسي … كأنّ لقاءها منّي حرامإذا ما عج مزهرها وعجت … أصاخ إلى مقالتها الكرام وأصغوا نحوها الآذان حتى … كأنّهم - وما ناموا - نيام ومنه قوله: سلام ويحك هل تحيين من ماتا … أو ترجعين على المحزون ما فاتا ادعي بمزهرك المحنوّ فاحتفلي … ثم امنحي السّمع مني منك أصواتا ومنه: سلاّم هل لي منكم ناصر … أم هل لقلبي عنكم زاجر قد سمع الناس بوجدي بكم … فمنهم اللاّئم والعاذر قال فشهر أمر عبد الرحمن القس حتى نسبها الناس إليه فقالوا: سلامة القس، وفي سلامة يقول عبد الله بن قيس الرّقيّات: لقد فتنت ريّا وسلاّمة القسّا … فلم تتركا للقسّ عقلا ولا نفسا فتاتان أمّا منهما فشبيهة … هلالا وأخرى منهما تشبه الشّمسا يكنّان أبشارا رقاقا وأوجها … عتاقا وأطرافا مخضّبة ملسا (¬١) وغنى في الشعر مالك بن أبي السّمح. وفيها يقول ابن قيس أيضا: أختان إحداهما كالشمس طالعة … في يوم دجن وأخرى تشبه القمرا (¬٢) أبو الحسن علي بن محمد المدائني عن ابن جعدبة قال: قدم يزيد بن عبد الملك المدينة في خلافة سليمان أخيه، فتزوج سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان على عشرين ألف دينار وربيحة بنت محمد بنعبد الله بن جعفر على مثل ذلك، فلما ولي الخلافة اشترى سلامة القس من سهيل بن عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف دينار، ويقال ان التي تزوج: رقية بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وتزوجه سعدة أثبت. وقال المدائني: كانت حبّابة تسمى الغالية، وكانت لرجل من الموالي بالمدينة، فلما قدم يزيد وتزوج ابنة عبد الله بن عمرو وربيحة بنت محمد، اشترى الغالية من مولاها بأربعة آلاف دينار. وبلغ ذلك سليمان فقال: لأحجزنّ على هذا المائق السفيه، فلما بلغه قول سليمان استقال مولى الغالية فأقاله وشخص بها مولاها إلى إفريقية فباع الغالية هناك. فلما استخلف يزيد واشترى سلامة من مولاها، قالت له ابنة عبد الله بن عمرو بن عثمان امرأته: هل بقي لك من الدنيا شيء مما تحبه لم تنله؟ قال: نعم الغالية، وقد بلغني أنها بيعت بإفريقية. فبعثت بعض مواليها إلى إفريقية فاشتراها بأربعة آلاف دينار، وقدم بها فهيأتها ابنة عبد الله بن عمرو وأجلستها في البيت، وقالت ليزيد: إن رأيت الغالية تعرفها؟ قال: نعم لقد رأيتها فما أنساها، فرفعت الستر فرآها فقال: هي هذه. قالت: فهي لك، وأخلتها فسماها حبّابة، وحظيت ابنة عبد الله بن عمرو عنده. وخطب يزيد إلى خالد بن عبد الله بن عمرو وأخي مسعدة، ابنة أخ له فقال: أما يكفيه أن أختي عنده حتى يخطب إليّ بنات أخي؟ فغضب يزيد من ذلك، فقدم خالد يسترضيه فبينا هو في فسطاطه أتته جارية لحبابة في خدمها فقالت: مولاتي تقرأ عليك السلام وتقول: قد كلمت أمير المؤمنين فيك فرضي عنك فارفع إليّ حوائجك، فرفع رأسه إلى من حضر فقال:ومن مولاتها؟ فقالوا: حبّابة وحدثوه حديثها فقال للجارية: ارجعي إلى مولاتك فقولي لها إن للرضى عني سببا لست به. فشكت حبابه ذلك إلى يزيد فغضب، وأرسل إلى خالد، أعوانا، ومعهم خدم حبابة فاقتلعوا فسطاطه وقطعوا أطنابه حتى سقط عليه وعلى من معه، فقال: ويلكم ما هذا؟ قالوا: رسل حبابة. فقال: ما لها أخزاها الله؟ ما أشبه رضاها بغضبها. وذكروا أن يزيدا أقبل يوما يريد البيت الذي فيه حبابة، فقام من وراء الستر فسمعها ترنم وتقول: كان لي يا يزيد حبّك حينا … كاد يقضي عليّ يوم التقينا فرفع الستر فوجدها مضطجعة محولة وجهها إلى الحائط، فعلم أنها لم تعلم به ولم ترده بما قالت في ذلك الوقت ليسمعه فألقى نفسه عليها يقبلها وحركت منه. قالوا: وجلس يزيد يوما وحبّابة عن يمينه، وسلاّمة عن يساره، فغنّتا فطرب، ثم قال لحبابة: غنّي صوتا. فغنت: وبين التّراقي واللهاة حرارة … مكان الشّجا (¬١) ما تطمئنّ فتبرد فقال: أطير. ومدّ يديه. فقالت: كما أنت. إن لنا فيك حاجة. فقال: والله لأطيرنّ. قالت: فعلى من تخلف الخلافة والملك؟ قال: عليك والله.المدائني قال: غنت حبابة يوما، فطرب يزيد طربا شديدا، فقال: يا حبيبتي هل رأيت أطرب مني قطّ، قالت: نعم معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار، فكتب إلى عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس عامله على المدينة في إشخاصه إليه، فأشخصه مكرما، فلما بلغه ما أراده له قال: سوءة أعلى كبر السن يستدعى طربي. فلما قدم على يزيد، دعا يزيد لنفسه بطنفسة خزّ ودعا له بمثلها، وأمر فأتي بجامين مملوئين مسكا فوضعت بين يديه واحدة، وبين يدي معاوية واحدة، ثم دعا بحبابة فغنت، فأخذ معاوية وسادة فوضعها على رأسه وجعل يدور في البيت ويصيح: الدّجر (¬١) بالنّوى، الدجر بالنوى، فأعجب به يزيد، فضحك وأمر له بثمانية آلاف دينار. وحدثني صاحب لي عن الزبير بن بكار الزبيري أن يزيد بن عبد الملك قال لحبّابة وسلاّمة: أيتكما غنتني ما في نفسي فلها حكمها، فغنّته سلاّمة، فلم تصب إرادته، ثم غنته حبابة: خلق من بني كنانة حولي … بفلسطين يسرعون الرّكوبا فأصابت ما في نفسه، فقال: احتكمي. قالت: تهب لي سلاّمة ومالها. قال: اطلبي غيرها، فأبت، فقال: خذيها ومالها ففعلت، فتداخل سلامة من ذلك أمر جليل، فقالت له حبابة: لن ترى مني خيرا، فسألها يزيد أن تبيعها منه بحكمها فقالت: اشهد أنها حرة فاخطبها إليّ حتى أزوجك إياها فأكون قد زوجتك مولاتي، فضحك.وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن ابن كناسة أخبره أنّ حبّابة وسلاّمة اختلفتا في صوت لمعبد وهو: ألا حيّ الدّيار بسعد إني … أحبّ لحبّ فاطمة الدّيارا فبعث يزيد إلي معبد، فأتي به فسأله عما بعث له إليه فأخبر، فقال: لأيّتهما المنزلة؟ فقيل: لحبابة. فلما عرضتا الصوت عليه قضى لحبابة فقالت سلامة: والله ما قضى لها إلا لحظوتها، وإنه ليعلم أني المصيبة ولكن ائذن لي يا أمير المؤمنين في صلته فإن له حقا، فأذن لها. قال معبد، فكانت أوصل لي من حبابة. قالوا: ودخلت حبابة ذات يوم على يزيد، وعلى يدها دف وهي تغني: ما أحسن الجيد من مليكة واللّبـ … ـات إذ زانها ترائبها يا ليتني والإله إذ هجع الناس … ونام الكلاب صاحبها في ليلة لا نرى بها أحـ … ـد يخبر عنا إلا كواكبها والغناء لابن سريج، فقام إليها يزيد فقبل يدها، فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك. وقال أبو الحسن المدائني: مرضت حبابة فقعد يزيد عند رأسها، وقال: كيف أنت بأبي؟ فلم تجبه، فبكى. ويقال كان يزيد وحبابة في بستان فضاحكها ومازحها فأخذ حبة من عنب فحذفها بها فدخلت في فمها فأصابها شرق، وكان ذلك سبب مرضها الذي ماتت منه. وقال هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: قال مسلمة بن عبد الملك: خرجت مع يزيد في جنازة حبابة فجعلت أعزيه وأسليه وهو ضارب بذقنهعلى صدره ما يجيبني بكلمة، فلما انصرفنا ودنا من باب القصر قال: فإن تسل عنك النفس أو تدع الصّبا … فباليأس تسلو عنك لا بالتّجلّد (¬١) ثم دخل قصره فوالله ما خرج منه إلا ميتا لحزنه وكمده عليها. وقال أبو الحسن المدائني: لما دفن يزيد حبابة مرض فمات بعد أربعين ليلة، ويقال بعد خمس عشرة ليلة. وقال رجل من أهل الشام: أتى يزيد من ناحية الأردن، وحبابة معه، فماتت فمكث ثلاثا لا يدفنها حتى أنتنت، وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي، فكلم في أمرها حتى أمر بدفنها، فحملت في نطع وخرج بها وهو معهم حتى أجنّها، ثم أنشد قول كثير: فإن تسل عنك النفس أو تدع الصّبا … فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد فما مكث إلا أياما حتى دفن إلى جانبها. وروى الهيثم بن عدي عن ابن عياش أن يزيد أراد الصلاة على حبابة، فسأله مسلمة بن عبد الملك ألا يفعل وقال: أنا أكفيك الصلاة عليها، فتخلف يزيد، ومضى مسلمة فأمر بعض أصحابه فصلى عليها. وقال بعضهم: نبئت أن يزيد ضعف حين ماتت حبابة، فلم يستطع الركوب من الجزع، وعجز عن المشي فأمر مسلمة فصلى عليها، ثم قال يزيد: إني لم أصلّ عليها فانبشوا عنها وأخرجوها حتى أصلي عليها، فقال له مسلمة: أنشدك الله أن تفعل فأمسك، ولم يزل كئيبا، ولم يأذن للناس عليه إلا مرة واحدة حتى مات، وصلى عليه مسلمة.وقال المدائني: جعل يزيد يطوف في داره فيقف على المواضع التي كانت تقعد فيها، فبينا هو كذلك إذ سمع وصيفة كانت لها تنشد: كفى حزنا للهائم الصّبّ أن يرى … منازل من يهوى معطّلة قفرا فبكى. وكان يجلس تلك الوصيفة عنده فيحدثها ويذاكرها أمر حبابة، ويأنس بها حتى مات. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: أراد يزيد أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز في بعض أيامه، فبدا لحبابة هجران منه فأرسلت إلى الأحوص وكان مقيما عنده: أنشد أمير المؤمنين شيئا يدعوه إلى ترك ما أخذ فيه فأنشده: ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا … فقد غلب المحزون أن يتجلّدا بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لا مني … ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا إذا كنت معزافا عن اللهو والهوى … فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا هل العيش إلا ما تلذّ وتشتهي … وإن لام فيه ذو الشّنآن وفنّدا (¬١) فقام يزيد وهو يقول: «هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي» حتى دخل على حبابة، وعاد الى أمره الأول، ثم ماتت فجزع عليها، وخرج حاملا جنازتها حتى كلمه مسلمة في ذلك، فرجع الى قصره، ومات بعدها بخمسة عشر يوما. وقال المدائني: لم يعلم بموت يزيد بن عبد الملك حتى سمعوا صوت سلامة من فوق القصر وهي تقول:قد لعمري بتّ ليلي … كأخي الداء الوجيع ويبيت الحزن منّي … دون من لي من ضجيع كلما أبصرت ربعا … خاليا فاضت دموعي موحشا من سـ … ـيّد كان لنا غير مضيع وا أمير المؤمنيناه قال: والشعر لبعض الأنصار إلا البيت الأخير. وقال بعض الرواة: اشترى يزيد حبّابة وسلاّمة بمائتي ألف دينار، والأول أثبت.