Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

'Umar bin ‘Abdul-‘Aziz

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 3145, entry [579]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: 'Umar bin ‘Abdul-‘Aziz
page 3145, entry [579]Open original source
عمر بن عبد العزيز (¬١): ويكنى أبا حفص، وأمه أم عاصم (¬٢) بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، خطبها عبد العزيز من أبويها وحملت إليه، فولدت له: أبا بكر، وعمر ابني عبد العزيز. وتوفيت عنده، فتزوج حفصة بنت عاصم وكانت عند ابراهيم بن نعيم بن عبد الله النّحام من بني عدي بن كعب بن لؤي، فقتل عنها يوم الحرّة، وحملت أيضا إلى عبد العزيز. وكانت أم عاصم حين حملت مرت بأيلة فأهدى إليها مجنون هناك يقال له شرشير هدية فأثابته وكسته. ومرت حفصة فأهدى لها فأغفلته فقال: ليس حفصة من رجال أم عاصم. وحكى بعض البصريين أن حفصة لم تحظ عنده كحظوة أم عاصم فقال: ليست حفصة من رجال أم عاصم، والأول أثبت.وقال الكلبي: كان ولد عبد العزيز: عمر، وأبا بكر، وعاصما، ومحمدا أمهم أم عاصم بنت عاصم بن عمر. والأصبغ وهو أبو زبّان لأم ولد. وسهلا وسهيلا وأم الحكم أمهم أم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي. وزبّان وأم البنين أمهما ليلى بنت سهل بن حنظلة بن الطفيل الجعفري. وقالوا: ولى سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز الخلافة، وكتب كتابا سمّاه فيه، ويزيد بن عبد الملك إن كان بعده. فلما مات سليمان بن عبد الملك أخرج رجاء بن حيوة الكتاب وأظهر اسمه وبايعه الناس، فقال لرجاء: ذبحتموني بغير سكين. وكان عمر بن عبد العزيز أشجّ، ضربه حمار وهو بمصر، فلما رآه أخوه الأصبغ قال: هذا والله أشج بني أمية، يملأ الأرض عدلا. وكانت خلافته ثلاثين شهرا، ووفاته وهو ابن تسع وثلاثين سنة. وتوفي في سنة إحدى ومائة، ودفن بدير سمعان (¬١)، وكان نزوله بخناصرة من عمل جند قنّسرين، وصلى عليه رجاء بن حيوة. ويقال مسلمة بن عبد الملك. حدثني الحسين بن علي بن الأسود العجلي، ثنا اسماعيل بن أبان عن أبي الأحوص عن ضرار بن مرّة الشيباني قال: لما ولي عمر بن عبدالعزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس: يبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ويدلّنا من العدل على ما لم نهتد له، ويؤدي الأمانة إذا حملها، ويعيننا على الخير، ويدع ما لا يعنيه. فمن كان كذلك فحي هلابه، ومن لم يكن كذلك فلا يقربنا». قال أبو سنان: فحجبوا والله دونه، قال: وهذا أول كلام تكلم به حين استخلف. حدثني هشام بن عمار عن أشياخه قالوا: لما ترعرع عمر بن عبد العزيز استأذن أباه في إتيان المدينة وقال: أحبّ أن أكتب العلم، وأحضر قبر رسول الله ﷺ، ويقرب علي الحج، فأذن له في ذلك، فأتى المدينة. حدثني عبد الله بن صالح عن عبثر أبي زبيد قال: أراد عمر بن عبد العزيز توليه ابن شهاب الزهري الصدقة، فبلغه عنه ما كان منه حين ولي السعاية على الصدقة من قبل رجل كان ضربه، فكره توليته. وولى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وقال الواقدي: أذن له أبوه في إتيان المدينة وقال له: اجتنب آل عبد الرحمن بن عوف، وآل سعيد بن العاص فإنّ ثمّ شرارة وشراسة وسوء أخلاق، فكان يجالس أهل العفة والورع. المدائني عن أبي اليقظان قال: أوصى عبد العزيز لعمر بأربعين ألف دينار، ودفعها إلى رجل من أهل المدينة يقال له ابن رمّانة، وكان مولى لبعضهم، فلما توفي عبد العزيز أتاه بالمال فقبضه ثم ذهب ابن رمّانة فحدث بذلك أبا بكر بن عبد العزيز، فغضب وكتب إلى عمر: إنك أخذت هذا المال دوننا.ثم شخص عمر من المدينة فقدم الشام، فلما استخلف الوليد بن عبد الملك - وهو صهره، كانت أم البنين بنت عبد العزيز عنده، فولدت له عبد العزيز بن الوليد، ومروان بن الوليد، وعنبسة، ومحمدا - ولاه الوليد المدينة فأحسن السيرة، إلا أنه كان لبّاسا عطرا، وإنما تقشّف بعد ذلك، فكان يعمل له ثوب الخزّ بمائة دينار فيستخشنه، ثم إنه كان يؤتى بالثوب الخشن بأقل من دينار أو بدينار فيقول: ما أصنع بهذا ائتوني بأخشن منه وأقل ثمنا. وكان ابن رمانة لمغاضبته إياه يرفع على عماله، ويقع فيهم حين عزل عن المدينة، فقال عمر: لو أشاء أن آخذ كتاب الوليد إلى عامل المدينة في ضرب ابن رمانة مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته فعلت، ولكني رأيت متّقى الله منجى. وفي ولاية عمر بن عبد العزيز يقول الأحوص بن محمد الأنصاري: وأرى المدينة إذ وليت أمورها … أمن البريء بها وخاف المذنب (¬١) وقال أيضا: وأرى المدينة حين كنت أميرها … أمن البريء بها ونام الأعزل وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللسان يقول ما لا يفعل (¬٢) الكلبي عن عوانة قال: أنشد رجل عمر: أعوذ بربّ الناس من كل نعمة … تقرّ بها عيناي فيها اذاهما فقال عمر: أعاذك الله ورحمك، ما أحسن ما قلت.حدثني هشام بن عمار قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز كان يساير سليمان بن عبد الملك، فرعدت السماء وبرقت، فقال عمر: يا أمير المؤمنين، هذه قدرة الله عند الرحمة، فكيف بها عند العذاب. المدائني قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا. لو كنت كذلك ما قلته. قال: وقال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: من أعزّ أهل البصرة؟. فقال: نحن وحلفاؤنا من ربيعة، فقال عمر بن عبد العزيز: من تحالفتم عليه أعزّ. المدائني وغيره قالوا: كان جلّ من هرب من الحجاج لجأ إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب الحجاج إلى الوليد إن عمر بن عبد العزيز قد صار كهفا لمنافقي أهل العراق، فما أحد يهرب منهم إلا لجأ إليه. فكان ذلك سبب عزل عمر. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي من القراء، وكان عمر بن عبد العزيز يكرمه، فدخل عليه يوما، وجرير بن عطية الخطفى بالباب فسأله أن يستأذن على عمر، وكان عون معتما فأذن له فسلم وخرج ولم يقبل عليه عمر، ويقال إنه لم يؤذن له فقال جرير: يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … إني لدى الباب كالمصفود في قرن (¬١)المدائني عن أبي اليقظان قال: جمع عمر بني مروان فقال لهم: يا بني مروان إني أظن نصف جميع مال الأمة عندكم فأدّوا بعض ما عندكم إلى بيت مال المسلمين. فقال هشام: لا يكون والله ذاك حتى تذهب أرواحنا. فغضب عمر وقال: أما والله يا بني مروان إن لله فيكم ذبحا ولولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا المال له لأضرعت (¬١) خدودكم. حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم، وقال أبو اليقظان أيضا: كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا تحتاج إلى مرمة فكتب إليه: «أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه فحصّن مدينتك بالعدل ونقّها من الظلم، والسلام». المدائني قال: كتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامله على الكوفة: «اجتنب الحاجات عند حضور الصلوات، والسلام». وحدثني منصور بن أبي مزاحم عن شعيب بن صفوان: ولى عمر رجلا من قريش من أخواله القضاء فأتاه خصمان فلم يتجه له الحكم بينهما، فغرّم للمدعي ما ادعى، فكتب إليه: «يا خال إنّا لم نولّك لتغرم»، وعزله، وولى غيره. المدائني قال: ولى عمر رجلا من أخواله عملا فتحاكم إليه رجلان في دينار فلم يحسن القضاء بينهما، وغرم دينارا أصلح به بينهما، فكتب إليه عمر: «إني لم أولك لتغرم»، وولى غيره.حدثني هشام بن عمار. أنبأنا الوليد عن سعيد بن واقد قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: أي الجهاد أفضل؟ قال: جهاد المرء هواه. المدائني عن أبي بكر عن رجل عن رجاء بن حيوة قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فكاد المصباح يطفأ فقمت لأصلحه فقال: مه، إن جهلا بالرجل أن يستخدم ضيفه، ثم قام فوجد غلامه نائما فلم يوقظه وتولى إصلاح المصباح ثم عاد فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز وقعدت وأنا عمر بن عبد العزيز. قالوا: وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز زاهدا خيّرا فقال له: يا بني لأن تكون في ميزاني أحبّ إلي من أن أكون في ميزانك. فقال: ولأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فلما مات عبد الملك خرج عمر إلى الناس وقد اكتحل فسئل عنه فقال: قد سكن علزه (¬١) ورجاه أهله، وما كان في حال أحبّ إليّ من حاله، ثم علم بموته فقيل له: قد فعلت ما فعلت وقد مات، فقال: أحببت أن أرغم الشيطان. وانصرف من جنازته فرأى قوما ينتضلون فقال لبعضهم أخطأت فافعل كذا. فقيل له في ذلك فقال: ليس في موت عبد الملك ما يشغل عن نصيحة المسلم. وقال أبو اليقظان: كتب إلى عمر عامله على عمان وهو عامر بن عبد الله بن أبي طلحة، يعلمه أن من كان قبله كانوا يستعينون بالجند، وأن قداختار ثلاثين رجلا من أهل عمان فولاّهم الصدقات. ويسأله أن يقفل من قبله من الجند. فكتب إليه: «قد فهمت ما ذكرت فاقفل من قبلك من الجند بعد أن تخيّرهم بين ركوب البحر وسلوك البر، فمن اختار البحر فاكتر له وزوّده من بيت مال المسلمين، ومن اختار البر فاكتر له ظهرا وزوّده ما يقيمه أيضا والسلام». وقال سحيم بن حفص أبو اليقظان: استعمل عدي بن سعيد بن مسعود المازني على عمان فأخذ رجلا من الأزد يقال له خليد بن سعوة، فضربه مائة سوط في باقة أرادها ابن مسعود، فأتى عمر فشكا ذلك إليه، وأنشده قول كعب الأشعري: إن كنت تحفظ ما يليك فإنّما … عمّال أرضك بالعراق ذئاب لم يستقيموا للذي تدعو له … حتى تضرّب بالسيوف رقاب بأكفّ منصلتين أهل بصائر … في رفعهنّ مواعظ وعقاب لولا قريش نصرها ودفاعها … أمسيت منقطعا بي الأسباب فقال عمر: لمن هذا الشعر؟ قال: لرجل من الأزد من أهل عمان يقال له كعب. فقال له: ما كنت أرى أهل عمان يقولون مثل هذا الشعر، وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «إنّ استعمالك سعيد بن مسعود قدر من الله قدره عليك، وبلية ابتلاك بها، فإذا أتاك كتابي فابعث إليه من يعزله، وابعث به إليّ مشدودا موثقا». فعزله واستعمل عبد الرحمن بن قيس، وحمل سعيدا إلى عمر فجعل سعيد يرتجز ويقول: كيف ترى الشيخ أبا الزبير … يدلّ بعد خطب الأمير سوق الرّوايا وحدا البعيرفلما دخل عليه كلمه عمر فقال: أصلحك الله أتكلمني وأنا موثق؟ أطلق عني حتى أتكلم بحجتي، فأطلق عنه وقال للأزدي: اضربه، فقال قمير بن سعيد: أنا الذي ضربته ولم يضربه أبي، قال: فأعطي الأزدي سوطا، وقال عمر: قم فاجلده كما جلدك. فجلد قميرا مائة سوطا، فقال له أبوه: يا قمير اصرر أذنيك إصرار الفرس الجموح، وعضّ على نواجذك، واذكر أحاديث غد، وإياك وذكر الله فإنه معجزة. وقال أبو اليقظان: قام رجل من بني كلاب إلى عمر وهو على المنبر فأنشد: إنّ الذين بعثت في أقطارها … نبذوا كتابك واستحلّ المحرم جلس الذئاب على منابر أرضنا … كلّ بنقص نصيبنا يتكلم وأردت أن يلي الأمانة منهم … عدل وهيهات الأمين المسلم فقال عمر: صدقني والله. حدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: سمعت حمزة الزيّات يحدّث أن عمر بن عبد العزيز غضب على رجل غضبا شديدا فأتي به وأمر بالسياط فأحضرت، فقال: لولا شدة غضبي عليك لأوجعتك. المدائني أن عمر بن عبد العزيز قال: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، وعفو إلى مقدرة. قال: وقال عمر بن عبد العزيز: تعلموا العلم فإنه زين للغني، وعون للفقير، لا أقول أنه يكسب به ولكنه يدعوه إلى القناعة. حدثني بكر بن الهيثم عن سفيان بن عيينة قال: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر عمر إلى شاب منهم يتهيأ للكلام فقال عمر:ليتكلم أكبركم سنا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، ليس الأمر بالسنّ ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنن منك، قال: صدقت. فتكلم فقال: إنّا لم نأتك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فأتتنا في بلادنا ودخلت علينا منازلنا، وأما الرهبة فإنا أمنّاها بعدلك. قال: فما أنتم؟ قال: نحن وفد الشكر. فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين لا يغلبنّ جهالة القوم بك معرفتك بنفسك، فإنّ من الناس ناسا غرّهم الستر وخدعهم حسن الثناء وأنا أعيذك بالله من أن تكون منهم. فبكى عمر. حدثني عبد الرحمن بن حزرة أحد ولد جرير بن عطية الخطفى قال: وفد جرير على عمر بن عبد العزيز فغبر حينا لا يصل إليه، ثم رأى ذات يوم عون بن عبد الله المسعودي يريد الدخول عليه وكان قارئا فقام إليه جرير فقال له: يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … إني لدى الباب كالمصفود في قرن فقال له عون: إن أمكنني ذلك فعلت إن شاء الله. فلما دخل عون على عمر سلم وجلس حتى فرغ من حوائج الناس، ثم أقبل عليه فقال: يا أمير المؤمنين إنّ ببابك جرير بن عطية وهو يطلب الإذن، فقال عمر: أو يمنع أحد من الدخول؟. قال: لا يا أمير المؤمنين لكنه يطلب إذنا خاصا ينشدك فيه. قال: يا غلام أدخل جريرا. فأدخل إليه وعون جالس فأنشد جرير عمر:أأذكر الجهد والبلوى التي شملت … أم أكتفي بالذي نبّئت من خبر كم بالمواسم من شعثاء أرملة … ومن يتيم ضعيف الصوت والنّظر ممّن ترجّى له من بعد والده … كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر (¬١) فبكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته، وأمر بصدقات تفرّق على الفقراء في النواحي فقال جرير: هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر فقال له: يا جرير أنت من أبناء المهاجرين الأولين؟ قال: لا. قال: أفمن أبناء الأنصار؟. قال: لا. قال: أفمن أبناء التابعين بإحسان؟. قال: لا. قال: أفمن فقراء المسلمين أنت فنجريك على ما نجري عليه الفقراء؟ قال: قدرتي فوق ذلك. قال: أفأنت ابن سبيل فنعينك على سفرك؟ قال: قدرتي فوق ذلك. فقال: يا جرير ما أرى لك بين الدفّتين حقا. فولّى جرير فقال عون: يا أمير المؤمنين إن الخلفاء كانت تعوده الإحسان، وإنّ مثل لسانه يتّقى، فقال عمر: ردّوه فردّ فقال له عمر: يا جرير إن عندي من مالي عشرين دينارا وأربعة أثواب فأقاسمك ذلك. فقال: بل توفّر يا أمير المؤمنين وتحمد. فلما خرج تلقاه الناس فقالوا له: ما وراءك؟ قال: خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني له لحامد. ولم يذكره بسوء. وقال فيه حين مات:فالشمس كاسفة ليست بطالعة … تبكي عليك نجوم الليل والقمر (¬١) المدائني عن عوانة قال: كتب صالح بن عبد الرحمن وصاحب له إلى عمر بن عبد العزيز وكان يلي الخراج بالعراق: «إنه لا يصلح الناس إلاّ السيف» فغضب عمر وقال: أما تعجبون لربذتين من الربذ (¬٢)، خبيثين من الخبث يعرّضان لي بدماء المسلمين، ما من الناس أحد إلاّ ودماؤكما أهون عليّ من دمه. المدائني قال: كتب عمر إلى أهل البصرة كتابا ذكر فيه يزيد بن المهلب فقال: «إنه لم يكن من أئمة الهدى، ولا الأعوان على التقوى». المدائني قال: أتى رجل من آل قتيبة عمر بن عبد العزيز فوقع في يزيد بن المهلّب عنده وتظلّم وهو ساكت، ثم قذفه فقال عمر: أخرج مما قلت فلم يخرج، فأمر سليمان بن حبيب فحدّه. المدائني قال: حبس عمر يزيد بن المهلّب فقيل له: إنه شريف له موضع. فقال: إنه صاحب فتك، وليس له خير من السجن. حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة عن مروان بن معاوية عن عيسى بن المغيرة عن مزاحم بن زفر قال: كنا بسمرقند وعليها محمد بن المهلب فخرج علينا شار يوم جمعة وضرب رجلا من بني عجل بالسيف فأخذ. ودعا محمد بن الضّحاك ابن مزاحم صاحب التفسير فسأله عن أمره فقال: أرى أن تحبسه حتى تنظر ما حال المضروب. فحبسه وكتب إلىيزيد بن المهلب، فكتب به إلى سليمان بن عبد الملك فوافاه الكتاب وقد مات سليمان، وولي عمر بن عبد العزيز، فكتب عمر: «أما بعد فانظر فان كان المضروب مات من ضربة الحروري فادفعه إلى أوليائه ليقتلوه، وإن كان قد برئ فأقصّه منه ثم احبسه في محبس قريب من أهله حتى يتوب من هواه الخبيث الذي خرج عليه أو يموت». قالوا: وأشرف سليمان في حجته من عقبة قديد، فنظر إلى عسكره، فأعجبه ما رأى من كثرة سواده، فقال: كيف ترى يا أبا حفص؟. فقال: أرى دنيا يأكل بعضها بعضا، أنت المبتلى بها والمسؤول عنها. ونعب غراب فقال: ما تراه يا أبا حفص يقول؟. قال: لا أدري وإن شئت قلت لك. المدائني قال: مرض عمر بن عبد العزيز فقال مسلمة: آتيك بمائة ألف درهم تتصدق بها؟ قال: أفلا تصنع خيرا من ذلك؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: تردّها إلى حيث أخذتها منه فإنه خير لك. المدائني قال: قال مسلمة لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أما تملّ الخلّ والزيت؟ قال: إذا مللتها تركتهما حتى اشتهيتهما. حدثنا هشام بن عمار عن الوليد قال: دخل بعضهم على عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة فقال: من تكن الخلافة زيّنته فإنك زيّنتها، وإنك لكما قال الشاعر: وتزيدين طيّب الطيّب طيبا … إن تمسّيه أين مثلك أينا فإذا الدّرّ زان حسن وجوه … كان للدّرّ حسن وجهك زيناقال: دعني فأنا أعلم بنفسي وذنوبي، إني إلى عفوالله عني أحوج مني إلى تقريظك إياي. قال: وقال الوليد: أثنى قوم على عمر فقال لهم: يا هؤلاء دعونا من ثنائكم وأمدّونا بدعائكم. حدثني أبو بكر الأعين عن السهمي عن أبيه وغيره أن عديّ بن أرطاة كتب إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه في عذاب قوم من عمال الخراج بلحوا (¬١) في يديه وامتنعوا من أداء ما عليهم، فكتب إليه: «أما بعد فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر، كأني جنّة لك من عذاب الله، أو كأنّ رضائي ينجيك من سخط الله، فمن أعطاك ما قبله عفوا فاقبله، ومن قامت عليه البيّنة فخذه بما ثبت بالبينة عليه، ومن أنكر فاستحلفه، فوالله لأن يلقوا الله بجناياتهم أحبّ إلي من أن ألقاه بعذابهم، والسلام». وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا سعيد بن عامر عن عون بن المعمّر قال: كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات»، فكتب إليه عمر: «أما بعد فكأنك بالدنيا وكأنها لم تكن، وكأنك بالآخرة وكأنها لم تزل، والسلام». حدثني أبو أيوب الرقّي المعلّم عن النّفيلي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: «أما بعد فكأنك بالدنيا وكأنها لمتكن، وكأنك بالآخرة وكأنها لم تزل، واعلم أنّ من علم أنّ كلامه من عمله أقلّ كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه. حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن المبارك بن سعيد عن أبي حمزة الثّمالي قال: أطرى ابن الأهتم بني أمية، وأفرط في مدحهم فقال عمر: من سرّه أن ينظر إلى الأفاك الأثيم فلينظر إلى ابن الأهتم. فلما استخلف قال: لا يدخل علي ابن الأهتم ولا خالد بن عبد الله القسري فإنهما مقولان، وإنّ من البيان ما فيه سحر. حدثني عبد الله بن صالح عن زهير بن معاوية أن عمر بن عبد العزيز عزل بعض قضاته، فلما قدم عليه قال: يا أمير المؤمنين لم عزلتني؟ قال: لأنّ كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك. وقال هشام بن عمار: قال همّام بن مصاد: دخلت على عمر، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال: يا بن مصاد إنّ في الجسد مضغة إليها يأوي خيره وشرّه فأصلحوا قلوبكم تصلح أعمالكم. حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: «أنزل رعيتك بمنزلة ولدك، فوقّر كبيرهم، وارحم صغيرهم، وقوّم ناشئهم». حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: «أما بعد: فدع من الحلال ما يكون حاجزا بينك وبين الحرام، فإنّ من استوعب الحلال كله تاقت إلى الحرام نفسه، وعليك بالقصد فإن الإسراف من عمل الشيطان، والسلام».حدثني محمد بن الأعرابي عن الأباني قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة الكندي، فقال: قد وليت هذا الأمر وابتليت به فأشيروا علي، فقال سالم: اجعل الناس ثلاثة أصناف أبا، وأخا، وابنا. فبرّ أباك، وصل أخاك، وارحم ابنك. وقال محمد بن كعب: اجعل الدنيا يوما صمته عن لذّاتك، فكأن فطرك عليه الموت. وقال رجاء بن حيوة: أحبّ للناس ما تحبه لنفسك، وأكره ما تكرهه لنفسك، واعلم أنك أول خليفة يموت. وحدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي عن يحيى بن يمان عن سفيان قال: بلغنا أن محمد بن يوسف أخا الحجاج ضرب على أهل اليمن خرجا جعله وظيفة أخصبوا أو أجدبوا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إليه عامله يعلمه ذلك فكتب: «ألغ تلك الوظيفة، واقتصر بالناس على عشر ما سقي سيحا أو سقته السماء ونصف عشر ما سقي بالغرب والسواني (¬١)، فوالله لأن لا يأتيني من اليمن حفنة كتم أحبّ إلي من إقرار هذه الوظيفة». فلما ولي يزيد بن عبد الملك أمر بردّها. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: لما ولي محمد بن يوسف اليمن أساء السيرة، وظلم الرعية وضرب على أهل اليمن خراجا جعله وظيفة عليهم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله يأمره بإلغاء تلك الوظيفة والاقتصار على العشر والصدقة، وقال: «والله لأن لا يأتيني مناليمن حفنة كتم أحبّ إليّ من اقرار هذه الضريبة». فلما ولي يزيد أمر بردّها وكتب إلى عروة بن محمد: إنّ ابن عبد العزيز كان مغرورا منك ومن أشباهك فأعد على أهل اليمن الضريبة التي كان عمر أمر بإسقاطها، ولو صار أهلها حرضا (¬١). المدائني قال: دخل على عمر بن عبد العزيز سالم السندي، وكان من خاصته، فقال له: أسرّك ما ولّيت أم ساءك؟ قال: سرني للناس وساءني لك. قال: إني أتخوف أن أكون قد أوبقت نفسي، قال: ما أحسن حالك إن كنت تخاف، إنما أخاف عليك ألا تخاف. قال: عظني. قال: إنّ آدم أخرج من الجنة بخطيئة، فتدبّر أمرك، واحفظ نفسك. قال: وقال عمر لمحمد بن كعب: عظني. فقال: لا أرضى نفسي لموعظتك لأني لأصلي بين الفقير والغني فأميل إلى الغني، ويدخل الفقير والغني عليّ فأوسع للغني. فقال عمر: فاستغفر الله. وبكى. المدائني عن سحيم بن سفيان قال: ولّى عمر بن عبد العزيز أيام توليته المدينة للوليد بن عبد الملك رجلا يقال له راشد، ويكنى أبا علي، الربذة فضرب رجلا من بني أسد يقال له بعثر، فركب إلى عمر وأنشأ يقول: أقول لراشد أمسك كتابي … وخلّ لناقتي عنك السّبيلا ستجمع بالمدينة وابن ليلى … وحكمته التي تشفي الغليلا وأتى عمر فشكا إليه فبعث إلى راشد ثم قال لبعثر: اضربه كما ضربك، فضربه ثم أتى راشد بإهاب فلبسه فقال بعثر:رأيت أخا الصّفاء أبا عليّ … يعاتبني ويدّرع الإهابا يقول ظلمتني وأقول كلّ … أصاب إلى أخيه ما أصابا وحدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عمن سمع عمر بن عبد العزيز يقول: ما كذبت مذ عرفت أن الكذب يضرّ بأهله. وقال أبو اليقظان: ثنا جويرية بن أسماء عن اسماعيل بن أبي حكيم كاتب عمر بن عبد العزيز، وهو مولى لآل الزبير قال: ما كتبت له قطّ في أكثر من شبر حتى خرج من الدنيا. وقال أبو اليقظان: لما قدم عمر المدينة واليا عليها، دخلت عليه قريش، فقال أبان بن عثمان بن عفان: قد أتاكم أمير مضطلع بأمره. وقال أبو اليقظان، ثنا جويرية بن أسماء عن اسماعيل قال: قال عمر: ما تركت من الدنيا شيئا تتوق إليه نفسي إلاّ البراذين فإني كنت أجد لها تحت ذي وطاء لا أجده لغيرها من المراكب. حدثنا محمد بن مصفّى الحمصي عن أبيه قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إليه سابق البريري أو أنشده: باسم الذي أنزلت من عنده السّور … والحمد لله أمّا بعد يا عمر إن كنت تعلم ما تأتي وما تذر … فكن على حذر قد ينفع الحذر واصبر على القدر المجلوب وارض به … وإن أتاك بما لا تشتهى القدر فما صفا لامرئ عيش يسرّ به … إلاّ سيتبع يوما صفوه كدر في أبيات.قالوا: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: إياك والمزاح، فإنه يذهب بالمروءة، وينبت الضغائن. وقال عمر بن عبد العزيز: قال عمر بن الخطاب: الرأي كثير والحزم قليل. وقال أبو اليقظان عن جويرية: غضب عمر بن عبد العزيز فقال ابنه عبد الملك: أتغضب في قدرك وموضعك الذي وضعك الله به؟ فقال: أو ما تغضب أنت يا عبد الملك؟ فقال: فما ينفعني سعة جوفي إذا أنا لم أردد الغضب فيه حتى يسكن. فتبسم عمر. فلما حضرت عبد الملك بن عمر الوفاة قال له عمر: كيف تجدك يا بني؟ قال: أجدني في الموت فاتّق الله يا أبه واصبر. فقال: يا بني ما خلق الله عينا تطرف أحبّ إليّ ولا أعزّ عليّ منك، ولأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك. فقال: يا أبه. ولأن يكون ما تحب أحبّ إليّ من أن يكون ما أحب. فمات يوم خميس، فخرج عمر في جنازته وقد اكتحل وسرّح لحيته وقال: أحببت أن أرغم الشيطان. وقال: الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نتوقعه، فلما أتى لم ننكره. وقال كثير: وحضّ الذي ولّى على البرّ والتّقى … ولم يهمم الباقي بأن يتخشّعا ولو نزلت مثل الذي نزلت به … بركن شديد من أجأ لتصدّعا فأصبحت كالمبقي له بعض نفسه … عياضا وبعض قد تولّى فودّعا (¬١)فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر فقال: الحمد لله على ما أعطى والحمد لله على ما بقّى، والحمد لله على ما أخذ. ثم كتب إلى جميع عمّاله: عدي بن أرطاة الفزاري وغيره: «إن الله وهب عبد الملك بن عمر فمتّعني به ما شاء أن يمتعني به، ثم قبضه إليه، فأعوذ بالله أن تكون لي مشيئة في غير ما أحبّ الله، فإذا جاءك كتابي هذا فلا أعلمنّ ما بكي عليه قبلك، وأكثر من الاستغفار له إن شاء الله، والسلام». وقال سحيم بن حفص: قام عمر على قبر ابنه حين دفنه فقال: رحمك الله إن كنت لتسرني حيا فأنا بك اليوم أسرّ، فرحم الله من قال: رحمك الله يا عبد الملك. المدائني عن سحيم أن عبد الملك قال لعمر أبيه: يا أبه لعله يمنعك أن تقوم بالحق مخافة هؤلاء - يعني بني مروان - فوالله لوددت أن القدور تغلي بنا وبهم. فقال: يا بنيّ صبرا فإن الخمر كانت محرّمة عند الله، فأنزل فيها آيتين قبل أن ينزل تحريمها. وقال أبو اليقظان: بلغ عمر عن ابنه عبد الملك أمر كرهه فكتب إليه: «بلغني عنك بعض ما أكره، ولو كنت تقدمت إليك فيه لأتاك مني ما تكرهه، واذكر أنّ أباك كان عند أبيه مطرحا يفضّل عليه الكبير ويؤثر عليه الصغير، واذكر أن أمك كانت أمة من الأعاجم وليست من خيارهم، فلئن عدت ليأتينّك مني ما لا تحب إن شاء الله». وقال عمر بن عبد العزيز: إنه لا عمل لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا خشية له، وإنّ أيمن أحدكم وأشأمه لسانه، فمن حفظ لسانه أراح نفسه وسلم المسلمون منه، وإنّ قوما صحبوا سلاطينهم بغير ما يحق عليهم فعاشوابخلافهم وأكلوا بألسنتهم وخلبوا الأمة بالمكر والخيانة والخديعة، ألا إنّ كل ذلك في النار، ألا فلا يقربنا من أولئك أحد لا سيما خالد بن صفوان وخالد بن عبد الله. المدائني قال: قال عمر بن عبد العزيز لمعلمه: كيف كانت طاعتي لك وأنت تعلمني؟ قال: أحسن طاعة. قال: فقد ينبغي أن تطيعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، وخذ من قميصك حتى تبدو عقباك. حدثني عبد الواحد بن غياث البصري عن جويرية بن أسماء قال: كتاب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى عمر ثلاثة كتب فأجابه عنها في كتاب واحد إليه: «إن من كان قبلي من أمراء المدينة كانت تجري عليهم أرزاق للشمع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجريها لي فليفعل». وكتب إليه: «إن مسجد بني عدي بن النجار، أخوال رسول الله ﷺ قد استهدم فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر ببنائه فليفعل». وكتب إليه إن قوما من الأنصار قد بلغوا أسنانا ولم يبلغ عطاؤهم الشرف فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإثباتهم في شرف العطاء فليفعل». فافتض عمر كتبه ثم كتب: «أمّا ما ذكرت من أمر الشمع فطالما مشيت في طرق المدينة في الليلة الظلماء، وأنت لا يمشى بين يديك بشمع، ولا يمشي خلفك رجال قريش والأنصار. وأما مسجد بني عدي فقد كنت أحب أن أخرج من الدنيا ولم أضع لبنة على لبنة ولا آجرّة على آجرّه، فابنه واقتصد في النفقة.وأما ما ذكرت من أمر الرجال الذين بلغوا سنا ولم يبلغ عطاؤهم الشرف، فإنما الشرف شرف الآخرة، والسلام». المدائني عن مسلمة أن عدي بن أرطاة كتب إلى عمر: «إن قوما من أهل الذمة تعوذوا بالإسلام مخافة الجزية، فليكتب إليّ أمير المؤمنين فيهم برأيه»؟ فكتب إليه: «إنّ الله بعث نبيه ﷺ داعيا ولم يبعثه جابيا فمن دخل في المسلمين فله ما لهم وعليه ما عليهم، فانظر من كان من أهل الذمّة فأظهر الإسلام واختتن وقرأ سورا من القرآن، فأسقط الجزية عنه إن شاء الله والسلام». المدائني وغيره قالوا: كتب عمر إلى عدي: «أما بعد فما بقاء الدين مع وسوسة الشيطان، وجفوة السلطان، فأعط كل ذي حقّ حقه والسلام». حدثني اسماعيل بن أبي زيد الأنطاكي، أخو ثمامة الكاتب، قال: حدثني شيخ لنا قال: أصابت الناس زلزلة، فكتب عمر: أما بعد فإن الله ذو قدرة غالبة وعزّ قاهر، يعفو عمّن يشاء، ويؤاخذ من أراد، وإن هذه الرجفة عتاب من الله لخلقه، فاعتبوه بطاعته، وخافوا عقابه، فإنه يقول: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ)﴾ (¬١).وحدثنا الحسين بن علي الأسود العجلي عن يحيى بن آدم عن فضيل بن عياض قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد فإن الله سبحانه وبحمده إنما جعل الجزية على من رغب عن الإسلام غيّا وخسرانا، فانظر من كان قبلك من أهل الذمة ممن كبرت سنه، وضعفت قوته، وولّت محاسنه فأجر عليه قوته من بيت مال المسلمين والسلام». حدثني الحسين عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: كتب عمر بن عبد العزيز: «من غلب الماء على شيء فهو له» (¬١). حدثني الحسين بن علي الأسود، ثنا محمد بن يزيد العقدي عن محمد بن طلحة عن داود بن سليمان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: «أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة، وجور في الأحكام، وسنن سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين، وصلاح الرعية العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهمّ إليك من نفسك حتى توطنها بطاعة الله، وأنا آمرك أن توظف عليهم خراجهم ولا تحمل خرابا على عامر، ولا عامر على خراب، وخذ من الخراب ما أطاق وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسهيل من غير عنف وإرهاق لأهل الأرض ولا تأخذ في الخراج إلا وزن سبعة ليس فيها آيين (¬٢)، ولا أجور الصرافين، ولا هدايا النوروز والمهرجان، ولا دراهمالنكاح، ولا ثمن الصحف، ولا أجر البيوت، ولا أجور الفيوج (¬١)، ولا خراج من أسلم من أهل الذمة، ولا تعجل دوني بقتل ولا قطع، والسلام». قالوا: وكتب عمر إلى العمال: «أما بعد: فإنه كان في الناس من أهل هذا الشراب أمر ساءت فيه رعيتهم حتى بلغت بهم إصابة الدم الحرام، والمال الحرام، والفرج الحرام، وهم يقولون: شربنا شرابا لا بأس به، وإنّ شرابا حمل على هذه المحارم لعظيم البلاء كثير الإثم، وقد جعل الله المندوحة والسعة في أشربة ليس في الأنفس منها حاكة (¬٢)، ولا ريب الماء الفرات واللبن العذب والعسل الماذي والسويق، وفي أشربة كثيرة من نبيذ التمر والزبيب المنبوذ في أسقية الأدم التي لازفت فيها، فإنه بلغني عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن نبيذ الظروف المزفتة وعن الدباء والحنتم، وقيل كل مسكر حرام، فاستغنوا بما أحلّ الله عما حرّم، فإنه من شرب بعد تقدّمنا إليه من هذه الأشربة المكروهة أوجعناه عقوبة، ومن استخفى عنا فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وقد أردت بكتابي إليكم اتخاذ الحجة عليكم في اليوم وما بعده، نسأل الله أن يزيد المهتدي منا ومنكم هدى وأن يقبل بالمسيء منا ومنكم إلى التوبة في يسر منه وعافية، والسلام». المدائني عن خالد بن يزيد عن أبيه قال: أغلظ رجل لعمر بن عبد العزيز فأمر بتجريده ثم قال: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ)﴾ (¬٣) خلّوا سبيله.المدائني قال: أبلغ رجل عمر كلاما عن رجل غاظه فهمّ بعقوبته ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منه اليوم ما ينال مني في مثله غدا، خلوا سبيله. المدائني عن المبارك بن فضالة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد فإني كنت كتبت إلى عمرو بن عبد الله أن يقسم ما وجد بعمان من عشور الحب والتمر في فقراء أهلها، ومن سقط إليها من أهل البادية وإضافته إليها أهل الحاجة والمسكنة وانقطاع السّبل، فكتب إليّ أنه سأل عاملك قبله عن ذلك الطعام والتمر فذكر أنه قد باعه وحمل إليك ثمنه، فاردد إلى عمرو ما كان عاملك حمل إليك من ثمن التمر والحب ليضعه في المواضع التي أمرته بوضعه فيها، ويصرفه إليها إن شاء الله، والسلام». المدائني قال: قدّم يزيد بن المهلب أخاه إلى خراسان فحبس وكيع بن أبي سود، فبكى فقيل له: أتبكي يا أبا مطرف جزعا من الحبس؟ فقال: وددت أني ويزيد بن المهلّب، وسليمان بن عبد الملك في النار فلعن الله أجزعنا، ولكني أبكي لأني قتلت قتيبة ثم يعزلني ابن العبسية، ويولي يزيد. فلما ولي عمر بن عبد العزيز بلغه ذلك فقال: لوكيع على جفائه خير من يزيد بن المهلب، على أنه لا خير في واحد منهما. قال المدائني: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة وولى عدي بن أرطاة الفزاري البصرة أراد أن ينشئ غرفا فوق دار الإمارة، فكتب إليه عمر:«هبلتك أمك يا بن أم عدي، أيعجز عنك منزل وسع زيادا وآل زياد»؟. فأمسك عدي. حدثنا بسّام الجمّال عن حمّاد بن سلمة عن أيوب أن قتيلا وجد بالبصرة في بني نمير فكتب فيه إلى سليمان بن عبد الملك، فكتب إلى عامله «أن استحلف خمسين رجلا على قاتله، فإن حلفوا فأقده». فلم يفعل حتى ولي عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى عمر في أمره فكتب: «إن شهد على قاتله عدلان فاقتله، وإلا فلا تقتله». المدائني عن عبيس بن بيهس قال: جاء رجل من بني عزيز بن ثعلبة بن يربوع إلى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين اسقني سقاك الله. قال: أين؟. قال: بالخرنق (¬١) فإنه طريق لا يطؤه الناس ولا يتطرقونه. فكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد: فإن رجلا من بني ثعلبة بن يربوع يقال له فلان استحفرني بالخرنق فاحفره، ومن جاءك من أسود الناس وأبيضهم يستحفرك فأحفره، واشترط أن ابن السبيل أول ريّان، وأنّ حريم البئر طول رشائها، والسلام». قالوا: وكتب عمر إلى عدي: «أما بعد فاستوص بمن في سجون أرضك خيرا، ولا تصيبنّهم ضيعة، وأقم لهم ما يصلحهم من الطعام والأدام من مال الصدقة إن شاء الله».وكتب إلى عدي: «أما بعد فما كان عندك من لقطة فحال عليها الحول فأخرج ما يجب فيها من الصدقة فضعه في أهل المسكنة والحاجة، ما كانت عندك، حتى يجيء لها طالب، وليكن ذلك شأنك وشأنها حتى يبقى منها ما لا تجب فيه الصدقة إن شاء الله، والسلام». وكتب عمر إلى بعض عماله: «أما بعد فقد بلغني أن كثيرا ممن قبلك من أهل الذمة قد لبسوا العمائم وتشبّهوا بالمسلمين في زيّهم، فامنعهم من ذلك أشدّ المنع، وخذهم بأن يحلقوا أوساط رؤوسهم، إن شاء الله، والسلام». المدائني قال: وعظ عمر بن عبد العزيز قوما من أهل بيته، فقال مسلمة: جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، فلقد ألنت منّا قلوبا قاسية، وأبكيت عيونا جامدة، وأحييت لنا في الصالحين شرفا وذكرا. المدائني قال: خطب عمر فقال: أيها الناس أصلحوا من سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، فإنّ امرأ ليس بينه وبين آدم أب حيّ لمعرق له في الموت. شريح عن اسماعيل بن علية أنّ صالح بن عبد الرحمن بعث توبة العنبري إلى سليمان في أمر فقال: إذا فرغت من أمر سليمان فائت عمر بن عبد العزيز فاعرض عليه الحوائج. فلما أتى قال: عليك بتقوى الله وما يبقى لك عند الله فإن الذي يبقى لك عنده باق عند الناس والذي لا يبقى لك عند الله غير باق لك عند الناس. فأبلغ ذلك صالحا فقال: أسمعتم قطّ بكلام أحسن من هذا؟المدائني عن موسى بن يزيد عن عمّه قال: قال هشام لرجاء بن حيوة: ألست صاحب عمر يوم ناجيته في الدار وقد توفي سليمان؟ فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما دعاني ولا ناجاني إلاّ في صرف الخلافة عنه. فقال هشام: رحم الله أبا حفص كان في أمر وكنا في غيره. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال مسلمة بن عبد الملك لعمر: ألا توصي ببنيك؟ قال: أوصي بهم الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين. المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان يوم احتضر: إنّ بنيّ صبية صغار … أفلح من كان له كبار إنّ بنيّ صبية صيفيّون … أفلح من كان له ربعيّون فقال عمر بن عبد العزيز وكان عنده: ﴿أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى)﴾ (¬١). قال: وكتب عمر إلى الناس: «أما بعد فإن صدقة الفطر سنة مؤكدة، فأدّوا صدقة الفطر عن أهليكم: حرّهم ومملوكهم، صغيرهم، وكبيرهم، وليكن ما تؤدون عن كل رأس صاعا من شعير أو تمر، أو نصف صاع من برّ ليقسم عاملكم ذلك في أهل المسكنة والحاجة من الحاضرة دون أهل البادية إن شاء الله، والسلام». قالوا: وكتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر بن عبد العزيز: «إنّ قوما من أهل الخراج كانوا إذا أرادوا كسر خراجهم جلوا من أرض إلىأخرى، وإني أمرت أن تجعل أرض من جلا صافية، وأرجو أن يتركوا بذلك عادتهم إن شاء الله». فكتب إليه عمر: «أما بعد فقد بلغني كتابك، ولعمري لئن لم تدع رجلا خرج من أرض إلى أرض ومن قرية إلى قرية إلا أخذت أرضه ثم عزلت أم متّ لينقطعنّ صاحب الأرض عنها وتبوء بإثمه، وما يجلو رجل عن أرضه إلاّ بأن يحمّل فوق طاقته، فإياك أن تعمل وعمالك بعمل ابن يوسف وعماله، فإنهم كانوا مفسدين وقد قضى الله بأنه لا يصلح عمل المفسدين، وتألّف أهل الأرض فإن أرضيهم وبلادهم أحبّ إليهم من الجلاء إذا عدل عليهم ورفق بهم إن شاء الله والسلام». المدائني عن بقيّة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض إخوانه: «أوصيك بتقوى الله الذي ابتدأك بإحسانه واحتج عليك بأنبيائه وبرهانه، فإنك مختبر بما كلّفت، ومرتهن بما عملت، وكأن قد وافيت مضجعك، وطالعت مرجعك، واضمحلّت عنك الدنيا، ثم بعثت يوم النشور، ووقفت بين يدي الملك القدير ليجزيك بما كدحت، ويسألك عما اجترحت. فاعمل بدنك فيما ينجيك، ودع عنك ما لا يعنيك، فإنّ الدنيا قد أدبرت، وإنّ أمورها قد تكدرت، وقد رأيت من تقلّب أحوالها وتصرّف أمورها ما فيه معتبر وموعظة لمن أبصر، أعاننا الله وإياك على تقواه، وألهمنا وإياك رضاه، تعاهدني يا أخي بكتابك فإنّ الكتب من الإخوان تديم الودّ والعهد، وتدعو إلى التواصل والتناصح، ولا قوة إلا بالله». وقال بعضهم: إنّ الرجل كتب إلى عمر بهذا الكتاب.وقال محمد بن مصفى الحمصي: كتب عمر إلى الجرّاح الحكمي أو غيره من عماله: «أما بعد، فإذا قدرت على عقوبة العباد، فاذكر قدرة الله عليك، فاعف له ما لم يكن في العفو مفسدة في الدين واستخراج من القوم المذنبين، فإنك بالله تعزّ، وإليه ترجع». المدائني قال: كتب عمر إلى أبي أمامة الحمصي يعزيه بابن له استشهد: «أما بعد: فالحمد لله على آلائه وقضائه، وقد بلغني الذي ساق الله إلى عبد الله بن أبي أمامة من الشهادة، فقد عاش في الدنيا مأمونا وأفضى إلى الآخرة شهيدا، فقد فاز بما خصّ الله به الشهداء من الفضيلة والكرامة، فليس شيء نعلمه وإن عظم خطره وجلّ ثوابه أعظم عند الله ﵎ وعند عباده الذين أوتوا العلم والفهم من الشهادة، فمن خصّه الله بها فقد أفلح وأنجح وربح، ووسمه الله سمة الأبرار، فهو في جوار الله وتحت عرشه قد انقطعت عنه مرارة الدنيا وعلاجها، وصار إلى عيش الآخرة وحبورها، نسأل الله الذي بيده نواصي العباد أن يرزقنا وإياكم الشهادة والسعادة بقدرته والسلام». حدثنا عمرو الناقد وأبو عبيد القاسم بن سلام قالا: ثنا محمد بن يزيد الواسطي، أنبأنا سفيان بن حسين أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه فترك نقط سين «بسم الله» وتبيينها، فأشخصه إليه فقال الناس: فيم أشخص فلان؟ فقيل: أشخص في سين، فعلقها الناس. المدائني عن مسلمة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: «أما بعد فإن الصلاة أحقّ ما تعهدّه المرء من نفسه، ومن ولاّه الله أمره. فأقيموا الصلاة في بيوتكم ومساجدكم لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها، وترتيلما تقرأون من القرآن فيها، فإن الله جعلها ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ١،﴾ وتعهدوا الناس في الزكاة وحضّوهم عليها، فإن من أدّاها أجر، ومن استخف بحقها وبذر كانت حجة عليه، نسأل الله أن يجعلنا مطيعين له مجتهدين في مرضاته، والسلام». وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد فقد أتاني كتابك تسأل عن القضاء بين الناس، والقضاء بين الناس باتباع ما في كتاب الله، ثم ما جاء عن رسول الله ﷺ، ثم ما حكم به أئمة الهدى، ثم استشارة ذوي الرأي والعلم، فما أتاك من الحكم فلم تجده في الكتاب نصا، ولا في السّنة رواية، ولا أخبرك به مخبر عن الأئمة الأبرار، فسل عنه أهل العفة والمعرفة، ثم احكم بالعدل، ولا تؤثر أحدا على أحد، إن شاء الله. وسألت عن ميراث رجل وهب ولاءه أو باعه غير مستكره فإنّ الولاء لمن أعتق، لا يباع ولا يوهب، وقد أوصى رسول الله ﷺ أنّ الولاء لمن أعتق. وسألت عن الكافر يعتقه المسلم فهو مولى للمسلم، وميراثه راجع الى بيت المال، لأنه لا يتوارث أهل ملّتين، ويعقل عنه إذا جنى من مال الله. وسألت عن المرأة ترمي الرجل بنفسها أو يوجد معها وليس معهما أحد سواهما، والرجل جاحد وقد اتّهم وأظن، وان الحدود لا تقام إلا بالبينات أو الاعتراف، فاجلد من أخذته على ذلك جلد النكال على غير حدّ، ولا تقم الحدود بالتّهم فإنها تدرأ بالشبهات، وما ستر الله عباده فاسترهمبه، واعلم أنك متمسك بالعدل ما أزلت الشك بالبيّنة، والشهود والعدول، والسلام». قالوا: وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد: فاحص أهل المسكنة بالبصرة، واكتب إليّ بعدّتهم إن شاء الله». فأحصاهم فبلغوا ثلاثين ألفا وتسعمائة وخمسة عشر إنسانا، فكتب إلى عدي يأمره أن يعطي كل إنسان جريبا في كل شهر من طعام كسكر والسّواد إذا قدم عليه بالطعام». قال: وجّه عمر جيشا إلى الروم فمشى معهم ثم ودعهم وقال: اتقوا الله وقاتلوا أعداءه ابتغاء ثواب الآخرة، فإنّ الأجر للصابرين ﴿فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)﴾ (¬١). وحدثني أبو عبيد القاسم بن سلام قال: بلغنا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: التّقى مفحم ملجم. حدثنا سعيد بن سليمان عن المبارك بن فضالة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: «أمت كلّ بدعة، وأحي كل سنّة من سنن الإسلام، وشريعة من شرائعه، ولا تأخذنك في الله لومة لائم». المدائني عن المبارك بن سلام عن مجالد أنّ عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه يستأذنه في عذاب العمال، والبسط عليهم، ويذكر مقاسمة عمر بن الخطاب عماله، فكتب إليه: «قد فهمت كتابك ولم تعلمني عن مقاسمة عمر عماله شيئا إلا وقد علمته، ولعمري لغير ما استأمرتني فيه من أمر العمال أجمل في عاجل الأمر، وأسرع في درك البغية مما كان ابن يوسفوابن أبي مسلم، وصالح بن عبد الرحمن يفعلونه من العذاب بالجوامع، والمحبس الضّنك، وسوء المطعم والمشرب، وغلظ الملبس، وفرّ من ذلك أشد الفرار، وانظر من كان في السجون في وثاق أو في مطعم سوء ومشرب سوء، فنفّس عنهم وأطلقهم، وأحسن أسار من أسرت، وليس رأيي في العمال إلا محاسبتهم فيما ولّوا فمن أدركنا عليه حقا أخذناه به، ومن لم ندركه عليه خلينا سبيله حتى يحكم الله فينا وفيهم بما شاء والسلام». وقالوا: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: «كتبت تسأل عن الرجل من الموالي يكون له ذوو رحم لهم عدد، وله مال يرثونه دون مواليه فيحدث حدثا، أيكون عقله عليهم دون مواليه، وان الموالي لا يحملون العقل، والموالي ثلاثة: مولى رحم، ومولى عتاقة يورث ولا يرث ومولى عقل لا يرث ولا يورث وميراثه لعصبة رحمه». حدثنا عفان بن مسلم، ثنا جرير بن حازم قال: قرأت كتاب عمر إلى عدي: «أما بعد فقد بلغني كتابك تسأل عن شهادة الأربع النسوة المرضيات أتجيزها أم لا، وكتبت تسأل عن العبد يقذف الحر، وذكرت أنه بلغك أني كنت أضربه في عملي على المدينة أربعين جلدة، ثم جلدته في آخر عملي ثمانين، وإنّ جلدي الأول كان رأيا رأيته، وإنّ جلدي الآخر وافق ما في كتاب الله لأنّ الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ (¬١) لم يسمّ فيها حرا ولا مملوكا، فاجلده ثمانين.فأما شهادة النسوة الأربع فإني لم أسمع في الكتاب بشهادة خلصت فيها نساء إلا ومعهنّ رجل فانته من الأمر إلى ما تعرف، ودع ما تنكر، واعلم أنّ أحدا لا يستطيع إنفاذ حقوق الناس بينهم حتى لا يبقى منها شيء، ولا بد من أن تستأخر قضايا كثيرة إلى يوم الحساب، والسلام». حدثني عمر بن شبه، ثنا عمرو بن عاصم عن حماد بن سلمة عن حميد أن رجلا اختلس طوقا من عنق جارية فارتفعوا إلى عدي بن أرطاة، فسأل عدي الحسن (¬١) فقال: لا تقطعه. وقال إياس بن معاوية بن قرّة: اقطعه. فكتب عدي بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب عمر: «إن العرب كانت تسمّي هذا: العادي، فاجلده، واستودعه الحبس». حدثني خلف بن هشام البزّار، ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النّجود أن عدي بن أرطاة كتب إلى عمر: «إني أخذت رجلا يسبك فهممت بقتله، ورفع إليّ رجل قتل في السوق فاتّهم به فسّاق من فساق أهل البصرة، ولم تقم عليهم البيّنة»؟ فكتب إليه: «أنظر القتيل فده من بيت مال المسلمين، وانظر الفساق فاحبسهم عن المسلمين، وأنفق عليهم من بيت المال، وانظر الذي سبّني فسبّه، وإلا فخلّ سبيله، فوالله لو كنت قتلته لقتلتك به». حدثني منصور بن مزاحم عن شعيب بن صفوان قال: استبطأ عمر بن عبد العزيز عديا في بعض الأمر، فكتب إليه: «إنك غررتني يا بن أم عدي بعمامتك السوداء». المدائني عن عبد الله بن سلم أن عدي بن أرطاة خطب فشتم علياولعنه، فكتب الحسن (¬١) بذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عدي: «بلغني عنك أنك شتمت عليا ولعنته، ولبئس الرجل أنت، إن فعلت ذلك، وأقدمت عليه، فقبّحك الله وترحك، وأنا أقسم لئن عدت لمثلها لأنهكنّك عقوبة، ثم لأسيئنّ عزلك». فأمسك عدي. فقال الشاعر: وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف … بريئا ولم تقبل مقالة مجرم حدثني أبو بكر الأعين عن سعيد بن سليمان عن خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرمّاني قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر: «إن الناس أصابوا خصبا وخيرا كادوا يبطرون له»، فكتب إليه عمر: «إن الله رضي من أهل الجنة حين دخلوها بأن قالوا: الحمد لله رب العالمين، فمر من قبلك أن يحمدوا الله على ما آتاهم إن شاء الله والسلام». المدائني قال: كتب عمر إلى عدي: «أن سل الحسن: ما بال نصارى العرب لا يؤخذ منهم الجزية»؟ فسأله فقال: اكتب إليه: «إنك متّبع ولست بمبتدع، إن عمر رأى في ذلك صلاحا». حدثني عمرو الناقد، ثنا إسحاق الأزرق عن عوف قال: كتب عمر إلى عدي: «أن سل الحسن: ما منع من مضى من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ما يجمعون من النساء»؟ فسأله فأخبره: «إن النبي ﷺ قبل الجزية من مجوس هجر، وأقرهم على مجوسيتهم ومناكحهم، وأقرهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، ﵃». حدثني محمد بن أبان الطحان، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا شهر بن حوشب أنه استأذن على عدي بن أرطاة فقال الآذن: إنّ الأمير يقول:لا تأذن له فإنه سبّني. فقال له قتادة: إنّ خادم البيت يخبرك بما في أنفس أهلها، وإنّ عديا قد أخبرك بما في نفس صاحبه عمر، فلا غفر الله لمن لا يستغفر لهما - يعني عليا وعثمان-. المدائني عن الفضل بن سويد الضبّي قال: كتب عمر إلى عدي: «أما بعد فإنه بلغني أن قوما قبلك إذا توضئوا رفعوا الطساس من بين أيديهم واحدا واحدا، وذلك من زي العجم، فلا يرفعنّ طسّ قبلك حتى يمتلئ أو يفرغ من آخر القوم». المدائني عن يزيد بن ابراهيم، عن أيوب قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: «مروا أهل الصلاح يتذاكروا السّنن في مجالسهم، ومساجدهم، وأسواقهم». المدائني قال: كتب عدي إلى عمر: «إنه قد ذكرت لي امرأة من أهل البصرة أعجبني دينها وموضعها وجمالها، وقد أحببت يا أمير المؤمنين أن تزوجنيها». فكتب إليه: «إن كنت أصبت بعدي مالا، فأهلك الذي صبروا على فقرك أحقّ بك. وإلاّ تكن أصبته فإن أجمل بك ألا يكون كما قال ابن دارة: إنّ الفزاري لا ينفعك. وأستغفر الله». المدائني عن إسحاق المالكي قال: كتب عدي إلى عمر يستأذنه في تزوج هند بنت أسماء، فكتب إليه عمر: «إن الفزاري لا ينفعك، والسلام».- يريد قول ابن دارة-:لا تأمننّ فزاريا خلوت به … على قلوصك واكننها (¬١) بأسيار إنّ الفزاريّ لا ينفعك مغتلما … يواصل الدّهر تهدارا بتهدار عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف قال: كانت الولاة من بني أمية قبل عمر يشتمون عليا ويلعنونه - فلما ولي عمر بن عبد العزيز أمسك عن ذلك. فقال كثير: وليت فلم تشتم عليا ولم تخف … بريئا ولم تتبع مقالة مجرم تكلّمت بالحقّ المبين وإنّما … تبيّن آيات الهدى بالتكلم فصدّقت معروف الذي قلت بالذي … فعلت فأضحى راضيا كلّ مسلم ألا إنّما يكفي القنا بعد زيغه … من الأود البادي ثقاف المقوّم (¬٢) فقال عمر حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذا. المدائني عن أبي هلال الراسبي عن قتادة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: «أما بعد فإذا أبردت إليّ بريدا فأبرده حسن الاسم حسن المنطق، خفيف اللحية يفهم عني ويفهمني مثل عذام الضبي». حدثنا عمر بن شبّه، ثنا أبو عاصم النبيل عن سفيان عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر إلى عدي: «أنظر كل قرية ليسوا بأهل عمود، فمرهم أن يجمعوا». حدثنا هشام بن عمار عن الوليد بن خليد بن دعلج قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله «أن اجعلوا أثمان كبول من تسجنونه من بيت المال، وإيّاكم أن تغرّموهم أثمانها».المدائني عن أبي هلال قال: كتب عمر إلى عدي: إذا أشكل عليك أمر فسل عنه الحسن بن أبي الحسن». المدائني قال: كتب عمر إلى عماله: «إن الله يقول: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)﴾ (¬١) أي لا تقاتل من لا يقاتلك من النساء والصبيان والرهبان. حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا أبان بن جمعة، ثنا بكر بن عبد الله قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن أم الولد إذا زنت وقد ولدت من سيدها، هل تباع؟. قال: لا تباع وإن بغت. حدثنا شيبان بن فروخ، ثنا حماد بن سلمة، ثنا قتادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطاة: «إنّ امرأة المفقود تعتدّ أربع سنين». حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا حميد أنّ رجلا كاتب عبده واشترط عليه أنّ له سهما في ميراثه. فسأل عدي إياس بن معاوية، فقال: السهم في كلاب العرب السّدس، فكتب عدي إلى عمر بن عبد العزيز بذلك، فكتب إليه: «إنّ قضاء الله قبل شرطه. ليس له شيء». حدثنا عمر بن شبّه عن عفان عن حمّاد بن سلمة عن حميد أن رجلا أسلم على يد عبيدة بن أبي عاصم السلمي وترك عشرين ألفا فكتب عدي إلى عمر في ذلك، فكتب: «إن عبيدة أحقّ بميراثه».حدثنا عبد الله بن صالح عن حماد بن سلمة عن حميد أنّ رجلا من موالي بني جشم قتل رجلا خطأ، فسأل عدي الحسن عن ذلك، فقال: لا تعقل العرب عن الموالي، فكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر: «إنّ مولى القوم من أنفسهم، وهم أحقّ بميراثه، فليعطوا عنه»، فجعل الدية عليهم. حدثني هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة عن حميد أنّ قتيلا وجد بين بني عبس وبني قشير بالبصرة، فكتب فيه عدي إلى عمر، فكتب فيه عمر: «إنّ من القضايا قضايا لا يقضى فيها إلى يوم القيامة، وإن هذا منها». حدثنا عفان عن حماد بن سلمة عن قتادة أن رجلا باع امرأة حرّة من رجل بأربعمائة درهم، وهربا فوجدا، وإذا ثمنها في هميان (¬١) في حقوها، فكتب فيها عدي إلى عمر، فكتب عمر: «أن عزّرهما، واستودعهما السجن، ولا تقطعهما». المدائني عن العباس بن محمد عن أبيه أنّ عمر كتب إلى بعض عماله: «أما بعد فإن الله أكرم بالإسلام أهله، ورفع به عنهم الصّغار والذلّة، فانظر من ادّعى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله، وأنه يؤمن بالله وملائكته ورسله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ورسوله، إذا كان نصرانيا، وأنّ عزيزا عبد الله إن كان يهوديا، وحفظ عدد الصلاة وأوقاتها، وقرأ من القرآن فاتحة الكتاب فما زاد، وأحسن الوضوء، ووجدته مختتنا فضع عنه الجزية».المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: «أما بعد فإن الله أكرم بالإسلام أهله وشرّفهم وأعزّهم، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فلا تولّينّ أمور واحد من المسلمين أحدا من أهل ذمتهم وخراجهم فتنبسط عليهم أيديهم وألسنتهم فتذلّهم بعد أن أعزّهم الله، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله، وتعرّضهم لكيدهم والاستطالة عليهم مع ما لا يؤمن من غشهم إياهم، فإن الله يقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ)﴾ (¬١). ويقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ (¬٢) والسلام». المدائني عن مسلمة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي في عزل من كان من العمال من أهل الذمة وأن لا يستعين بهم. فعزل ابن رأس البغل، وابن زاذانفروخ بن بيزي، وأقرّ زاد مرد بن الهربذ، فكتب إليه في عزله فعزله. قال: وكتب عمر في إباحة الأحماء ليرعى الناس فيها، وكتب إلى بعض عماله: «كتبت تسأل عن الأسير أيكتب إلى أهله بوصيته وفيها عتق ووصايا، فأجز وصيته وعتقه إذا علم أنه على دينه لم يغيره، وشهد العدول من المسلمين على وصيته».المدائني قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: «أما بعد فإنه ذكر لي أن رجالا من أهل الجفاء وقلة الفقه يشترون الطعام ثم يبيعونه قبل أن يقبضوه، ولعمري إنّ ذلك من الرّبا الذي لا شك فيه ولا مرّية، فإذا جاءك كتابي هذا فامنع من قبلك منه أشد المنع وحذّرهم العقوبة عليه أبلغ التحذير، ومن كان عنده من ذلك شيء اشتراه من مسلم فليردّه إلى صاحبه، ومن كان منهم على بيع شيء منه فليرفضه، وإن قدرت على أحد منهم فعل ذلك بعد نهيك عنه فأوجعه عقوبة واجعله نكالا لمن رآه وسمع به، إن شاء الله، والسلام». حدثني عبد الله بن صالح عن سلام بن مسكين قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي وأهل البصرة فنهاهم عن القبالة (¬١) والصّرف دراهم بدراهم إلا مثلا بمثل، ولبس الحرير والتماثيل وعن الأوعية الأربعة: الدّباء والنّقير والحنتم والمزفّت (¬٢). المدائني عن عمرو بن ميمون أنّ عمر كتب إلى عدي - وكان عدي كتب إليه في الرجل يفلس بالمال العظيم، إنه قد كان بعض الفقهاء يرى بيعه-: «قد فهمت كتابك في أمر المفلس فلا يباعنّ حرّ، وإن فلّس». المدائني قال: كتب عمر إلى عدي: «إنّ رجالا يولون نساءهم الطلاق: فيجعلون أمر نسائهم في أيديهنّ، وإن الله لم يجعل للنساء منالطلاق شيئا، فأيّما رجل جعل أمر امرأته بيدها فاختارت نفسها فواحدة وهو أملك بها، وإن ردّت الأمر إليه فليس بشيء». حدثني عمر بن شبّه عن هارون بن معروف عن ضمرة بن ربيعة عن علي بن أبي حملة قال: رأيت يزيد بن المهلب يطاف به في عسكر عمر بن عبد العزيز في محمل وإلى جنبه رجل من الحرس، وهو يقول: ارفع رأسك يا فاسق. وقال المدائني: حبس عمر يزيد بن المهلب بما كتب به إلى سليمان بن عبد الملك، وحبس عدي إخوة يزيد بالبصرة. المدائني عن أبي جزي عن داود بن أبي هند قال: كتب بعض عمال عمر إليه في غلام ابن احدى عشرة سنة افتضّ جارية ابنة تسع، فكتب عمر إليه: «إنّ الحدود والنّكال لا يكون إلا لمن بلغ الحلم وعلم ماذا له في الإسلام، وماذا عليه. والسلام». وكتب عمر في مسلم أسر فتنصّر: «أن تزوّج امرأته، وتكون في عدّتها من حين يبلغها تنصّره، ولا يتوارثان، وإن مات هي في عدتها». وكتب عمر: «إنه لا قطع على المختلس ولكنه لا يرثي له من طول حبس». وكتب عمر إلى بعض عماله: «اجلد القاذف حرا كان أو عبدا ثمانين إذا افتريا، فانّ الله يقول: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً)﴾ (¬١) ولم يسمّ عبدا ولا حرّا».وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «إنّه بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما نكحت عليه امرأة من صداق فهو لها أو عدّة لأهلها قبل أن تنكح فهو لها، وما كان من حباء لأهلها بعد أن تنكح فهو لهم». المدائني عن شيخ من أهل الجزيرة قال: كتب عمر إلى بعض عماله: «أما بعد فلا يغلبنّك جهل الجاهل بك على علمك بنفسك، فإن من الناس ناسا غرّهم الستر وفتنهم حسن الثناء، فأعاذنا الله وإيّاك من أن نكون مغرورين بستر الله مفتونين بمدح الناس، والسلام». حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي عن سليمان بن حبيب قال: شتم رجل رجلا فادعى شهادة قوم غيب أنّ ما قال كما قال، فلم يشهدوا له، فقال عمر لسليمان: يا سليمان اضرب وفرّق فلا يقع سوط على سوط. المدائني قال: كتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: «إنه لا يقتل رجل شتم رجلا إلا أن يكون نبيّا». المدائني قال: دخل أبو مجلز لاحق بن حميد على عمر بن عبد العزيز فلما أخبر بمكانه قال: إني لم أعرفك. قال: فهلا يا أمير المؤمنين إذ لم تعرفني أنكرتني فسألت عني. حدثني هشام بن عمار قال: قال عمر بن عبد العزيز: إنّ من الغرّة بالله أن يصرّ العبد على المعصية، ويتمنى على الله المغفرة. المدائني عن أبي عبد الرحمن التميمي عن عبد الله بن يزيد بن جابر قال: قال رجاء بن حيوة: قال لي سليمان بن عبد الملك في مرضه: إلى من ترى أن أعهد، وله بنون رجال قد بلغوا، أمهاتهم أمهات أولاد، فهملا يطمعون في الخلافة، وأولاد من المهائر صغار، قلت: يا أمير المؤمنين قد سمعتك تقول ما ورث خليفة ميراثا أفضل من ولي عهد صالح يعمل في الرعية بالعدل بعده. وخرجت فقام إليّ عبد الملك بن أرطاة فقال لي: إلى من عهد أمير المؤمنين؟ قلت: لم يعهد بعد وقد شاورني. قال: هل لك في رجل إن ولي الناس لم ير منه خلل ولا زيغ إن شاء الله؟ قلت: من هو؟ قال: عمر بن عبد العزيز المرضيّ المأمون. قلت: كنت أريده وقد قوّى رأيي وعزمي قولك فيه، فدخلت فأشرت به على سليمان فعهد إليه. فلما مات واستخلف عمر، خطب الناس فقال: أيها الناس. والله ما سألت الله هذا الأمر في سرّ ولا علانية، ولا دسست فيه بكلمة، ولا خطوت فيه خطوة فإن شئتم فبيعتكم مردودة عليكم. فقال هشام بعد ذلك: لقد ندمت يوم قال بيعتكم مردودة عليكم إذ لم أقل: نعم فأقلناها. فبلغ قوله عمر فقال: لو أن الأحول فعل لفعلت، فكان أول ما قضى به ردّه فدك إلى ما كانت عليه على عهد رسول الله ﷺ. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: حدثني عوانة قال: مات سليمان واستخلف عمر بن عبد العزيز فخطب الناس فقال: والله ما أردتها ولا تمنيتها، ولا سعيت لها فاتقوا الله وأعطوا الحق من أنفسكم وردّوا المظالم فإني والله ما أصبحت وبي موجدة على أحد من أهل القبلة، إلاّ على ذي سرف حتى يردّه الله إلى قصد، ثم نزل وقد فرشوا له، فترك الفرش وجلس ناحية.وكتب إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول، وأذن للناس بالقفول. المدائني: قالوا: كتب عمر إلى سالم بن عبد الله بن عمر أن يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب، فكتب إليه: إنّ عمر كان في غير زمانك ورجالك فإن قدرت أن تعمل في زمانك عمل عمر كنت أفضل منه. المدائني عن غياث بن ابراهيم قال: قاد الناس الخيل إلى سليمان بن عبد الملك فمات قبل أن يجريها فاستحيا عمر من الناس فأجرى الخيل التي جمعت، ثم أعطى الناس ولم يخيّب أحدا، ثم لم يجر فرسا حتى مات. المدائني عن ابن جعدبة قال: ارتد ابن وابصة وأتى الروم، فبعث عمر في فداء من بأيدي الروم من المسلمين رجلا، فمر في طريق من طرقهم فسمع رجلا يغنّي بشعر ابن دارة: وكائن بالبلاط (¬١) … إلى المصلّى إلى أحد إلى ما حاز ريم (¬٢) إلى الجمّاء (¬٣) … من خدّ أسيل نقيّ اللون ليس به كلوم يلومك في تذكّرها رجال … ولو بهم كما بك لم يلوموا فدخل عليه ودعاه إلى الإسلام فأبى. ويقال بل أسلم ورجع إلى المدينة. فروى جويرية بن أسماء عن بعض أصحابه أنه رأى جنازة ابن وابصة بالمدينة (¬٤).المدائني قال: قال أبو عاصم: خناصرة من قنّسرين، وبها مرض عمر ومات بدير سمعان من أرض حمص. وبين خناصرة ودير سمعان ثلاثون أو أربعون ميلا وهو على تخوم قنسرين. قالوا: واشترى عمر موضع قبره من نصراني بدير سمعان بأربعين درهما وهو مريض، فقال النصراني: وتعطيني قميصك، فأعطاه إياه. وعند قبر عمر زيتون. المدائني عن ابن جعدبة قال: كان ليث بن أبي رقية، واسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير كاتبين لعمر بن عبد العزيز فدخلا عليه يوما فقال: يا معشر العلوج أما يستطيع أحدكم إذا غدا أن يسرح لحيته؟. المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر عن أبيه قال: كان من خاصة عمر: ميمون بن مهران، ورجاء بن حيوة، ورياح الباهلي. وكان دون هؤلاء عنده: عون بن عبد الله بن عتبة، ومحمد بن الزّبير الحنظلي. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: خرج بلال بن أبي بردة، وأخوه عبد الله إلى عمر، يختصمان إليه في الأذان في مسجدهم فارتاب بهما فدسّ إليهما من عرض عليهما ولاية العراق على أن يجعلا له جعلا فقال له بلال: أعطيك مائة ألف درهم، وقال أخوه: أعطيك أكثر من مائة ألف درهم. فأخبر عمر بما بذلا، فقال لهما: الحقا بمصركما. وكتب إلى عبد الحميد: «لا تولّ بلالا الشرّ، ولا أحدا من ولد أبي موسى شيئا». ويقال إنه كتب: «بليل الشر - صغّره-».المدائني عن عبد الله بن أبي بكر قال: لما دفن عمر بن عبد العزيز قام غليم أو جويرية من أهله وقد سوّد ذراعيه فقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)﴾ (¬١) فما بقي أحد حضر إلا بكى. المدائني عن علي بن مجاهد قال: كتب عمر بن عبد العزيز: «اقطعوا رؤوس التصاوير، ولا تدعون المعلمين يحملون الصبيان إذا حذقوا» (¬٢). حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف قال: قال المنصور أمير المؤمنين: ما ردّ أحد علينا حقنا إلاّ عمر بن عبد العزيز. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: دخل عنبسة بن سعيد على عمر فقال: يا أمير المؤمنين كان من قبلك من الخلفاء يصلون أرحامنا ويعرفون حقنا، وإنك قد أمسكت عنا فإما أن تصنع بنا ما كانوا يصنعون وإما أن تأذن لنا في اللحاق بأهلنا فنشاهدهم ونصلح من شأنهم. فقال عمر: أما من كان من قبلنا فقد كانوا يفعلون ما ذكرت، وما كان ذلك لهم، وأما ما سألت من الانصراف فهو إليك. فولّى عنبسة فدعاه فظنّ أنه قد بدا لعمر فيما كلّمه به فقال: اذكر الموت فإنك لا تذكره في حال سعة إلاّ ضاقت عليك ولا تذكره في حال ضيق إلاّ اتسعت لك. المدائني قال: قال عمر لابنه: لا تحقرنّ أحدا، فلعل بعض من تزدريه عينك أقرب إلى الله وسيلة منك.أبو الحسن المدائني عن أبي بحر الاصبهاني عن أبي سيّار قال: اشتريت لعمر بن عبد العزيز ثوبين من خزّ السّوس، ذكر أهل السوس أنهم لم يعملوا مثلها لأحد، فقال لي: ما أخشنهما فلما استخلف اشتريت له ثوب كتّان بستّة عشر درهما فقال: ما ألينه، فقلت في ذلك فقال: قلت ما قلت يومئذ وأنا في نفسي صادق، وقلت هذا وأنا في نفسي صادق. وروي أن بلال بن أبي بردة قدم وعليه عمامة سوداء وكان من أطول الناس صلاة فقيل لعمر: ما رأينا أطول من صلاة بلال فلو استعنت به فإنه من أهل بيت لهم قدم في الإسلام، فقال لكاتبه: اعلم لي علمه، فأتاه فقال: ان أمير المؤمنين ذكرك للعراق فما تجعل لي؟ قال: مثلي لا يكلم بهذا. قال: والله لأصرفنّ عنك الولاية إن لم ترضني. قال: فلك مائة ألف درهم، قال: فاكتب لي رقعة بخطك فإني لا آمن الغدر، فكتب له رقعة وأشهد عليها خاصته. ثم أتى الكاتب عمر بالرقعة فنخس به عمر من الشام، وكتب إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن: «لا تولّين أحدا من آل أبي موسى الاشعري شيئا من العمل، ولا سيما بليل». وحدثني عبد الله بن غياث عن أبي المقدام القرشي عن محمد بن كعب القرظي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فجعلت أنظر إليه فقال: ما نظرك إليّ؟ قلت: أعجب لما حال من لونك ونحل من جسمك. فقال: فكيف لو رأيتني يا محمد بعد ثالثة في قبري وقد سالت حدقتاي على وجنتيّ - أو قال خدّي - ورأيت جلدي قد امتلأ صديدا ودودا وقد انشقّ بطني فبدا ما فيه كنت لي أشد إنكارا، حدّثني حديثا سمعتك تحدثه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ. قال: قلت قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «إنّأشرف المجالس ما استقبل به القبلة. اقتلوا الحيّة والعقرب، ولو كنتم في صلاتكم. ومن نظر في كتاب أخيه المسلم بغير إذنه فكأنما ينظر في النار، وإنما تتجالسون بالأمانة، ومن سرّه أن يكون أكرم الناس فليتّق الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يديه، ألا أنبئكم بشر الناس: من أكل وحده وجلد عبده، ومنع رفده. ألا أنبئكم بشرّ من ذلكم: من لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا. ألا أنبئكم بشرّ من ذلك: من يبغض الناس ويبغضونه، ألا أنبئكم بشر من ذلك: الذي يخاف شرّه ولا يرجى خيره، إنّ عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل لا تعلّموا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم». قالوا: وأتى رجل نصراني عمر بن عبد العزيز فتظلّم من هشام وادعى أنّ في يده ضيعة، فقال: يا هشام قم مع خصمك. قال: بل أوكّل وكيلا بخصومته. قال: لا. فقام فجلس بين يديه، فجعل هشام ينتهر خصمه فقال له عمر: يا أحول عندي تنتهره؟. إن عدت عاقبتك. فادّعى النصراني فقال هشام: ضيعتي وقطيعة أقطعنيها عبد الملك ومعي سجل من الوليد وسليمان. فقال عمر لابنه عبد الملك: يا بني انظر في سجلاته وأمره. فنظر فقال: أرى أمر النصراني قويا، وحجته عالية، وحقّ الله أولى ما أوثر. فقال عمر: أحرق سجلاته. فأحرقها، وردّ على الرجل ضيعته. فلما ولي هشام استؤذن في أخذ الضيعة من يد النصراني فقال: لا تردّوا حكما حكم به عمر.المدائني عن أبي يعقوب قال: أجاز عمر بن عبد العزيز عبد الحميد بن عبد الرحمن بعشرة آلاف درهم. قالوا: وكتب عمر إلى سليمان بن أبي كريمة: «إنّ أحقّ العباد بإجلال الله وخشيته من ابتلاه بمثل ما ابتلاني به، ولا أحد أشد حسابا ولا أهون على الله مني إن عصيته، فقد ضاق بما أنا فيه ذرعي، فادع الله لي في غزاتك، فإنك بعرض خير وإجابة. حدثني روح بن عبد المؤمن، ثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن محمد بن الزبير الحنظلي قال: نظر عمر إلى رجل يكتب على الأرض: بسم الله الرحمن الرحيم. فنهاه وقال: لا تعد. المدائني عن ادريس بن قادم عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر: إني وضعت الوليد بن عبد الملك في حفرته ثم نظرت فإذا وجهه أسود، فإذا متّ فاكشف عن وجهي. ففعلت فرأيت وجهه أحسن مما كان في أيام تنعّمه ﵁. المدائني عن عبد الله بن سلم وغيره قال: دخل ناس من بني أمية على عمّة لعمر فكلموها في أن تأتي عمر فتسأله أن يجري عليهم ما كان جاريا لهم من الأرزاق، ويقال بل أرادت كلامه في أرزاقها، فلما صارت إليه ظنّ ما جاءت له فقال لها: إني قد ظننت ظنّا فاسمعي ما أصف لك من حالي. إن الله بعث محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، فبلّغ رسالات ربه، ثم اختار له ما عنده، فقبضه إليه والناس على منهاج واضح مستقيم، فولي ولاة بعده سلكوا سبيله واهتدوا بهديه، وكان الطريق واحدا، ثم ولي بعد ذلك أقوام اشتقّوا من تلك الطريق طرقا مختلفة وانتهى الأمر إليّ وقد كادت أعلام تلك الطريق النهجة تدرس فأردت إقامة تلك الأعلام، فضجّ من ذلك منأخذ يمينا وشمالا، وثقل عليهم أن يرجعوا عن طريقهم التي سلكوها وسألوني اتباعهم، وفي اتباعهم النار، فما ترين؟ قالت: أرى أنهم أحقّ أن يتّبعوك. ثم قال: حاجتك؟ قالت: ما أنا بذاكرة بعد ما سمعت شيئا. المدائني عن مسلمة أن عمر بن عبد العزيز قال لعبد الملك ابنه: يا بنيّ إنّ الشباب عون على مساوئ الأخلاق، فاذكر فضل الله علينا واغتنم فراغ نفسك، وإيّاك والغفلة عن أمر معادك، فإن الله قد أحسن إلينا في اللطيف والجليل من أمرنا. المدائني عن عمر بن مجاشع أنّ مسلمة بن عبد الملك دخل على عمر فدعا عمر بالغداء فأتي بخلّ وزيت فأكلا، ثم قال: يا أبا سعيد هل تشتهي شيئا أو كنت تأكل شيئا لو أتيت به؟ قال: لا. قال: فأرى ما في يديك من الدنيا لا تقدر على أن تصيب منه من المطعم والمشرب إلا بقدر ما يطيق بدنك فعلام يهلك من أهلك نفسه؟ أبو الحسن المدائني: أن عمر بن عبد العزيز قال: ما أحبّ أن يهوّن عليّ الموت لأنه آخر ما أؤجر عليه. قال: وقال عمر: لا يكون الرجل تقيا حتى يسلم الناس من لسانه ويده. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال عمر: ما كان الحجاج صاحب دين ولا دنيا، لأن صاحب الدين من لم يسفك الدماء ولم ينتهك المحارم. ثم قدم العراق والخراج كثير دارّ فما زال بالخرق والاعتداء حتى صار إلى خمسة وعشرين ألف ألف درهم.حدثني هشام بن عمار عن سعيد المرّيّ قال: وعظ عمر بن عبد العزيز رجل فقال: «إنك أدركت من الحق رسما قد عفا، وأمرا قد أدبر، فأنت لا ترى شيئا واضحا فتتبعه، فكأنك في بحر تضطرب أمواجه، فاعتصم بحبل الله، واستعن بالله، وعليك بالعدل الذي به تدمغ الباطل وتزهقه». المدائني قال: أتي عمر بقوم على شراب وفسق، ومعهم شيخ مسنّ، فلما رآه عمر حسبه شاهدا فدعاه فقال له: هات بماذا تشهد؟ فقال: إني أصلحك الله مبتلى. فاسترجع عمر وأجلسه مع القوم. قال: وجاؤوا إلى عمر برجل شتم عثمان فقال له: لم شتمته؟ قال: لأني أبغضه. قال: أو كلما أبغضت رجلا شتمته؟ قال: نعم. فضربه عشرين سوطا. المدائني قال: دخل محمد بن الزّبير الحنظلي على عمر بن عبد العزيز فدعا له بغداء فلما وضعت المائدة بين يديه قال عمر: إذا ما مات ميت من تميم … فسرّك أن يعيش فجيء بزاد المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر عن أبيه قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن عليّ، وعثمان وأمر الجمل وصفّين فقال: «تلك دماء كفّ الله عنها يدي، فأنا أكره أن أغمس بها لساني». حدثني هشام بن عمار عن ابن واقد قال: بلغ صاحب الروم موت عمر بن عبد العزيز فقال: ليس العجب من الرهبان والعبّاد الذين تعذّرت الدنيا عليهم إنما العجب ممن رفض الدنيا وهو يملكها. المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قال عبد الملك بن عمر لعمر: ما يمنعك من إنفاذ رأيك في ردّ المظالم؟ قال: إني أروض الناس رياضةالصعب، فإن أبقاني الله أنفذت رأيي، وإن عجّلت بي منيتي، فقد علم الله أني أخاف إنّ بادهت الناس بما أريد أن يلجّوا ويلجئوني إلى السيف، ولا خير في أمر لا يأتي إلا بالسيف. حدثني هشام بن عمار قال: عزم عمر بن عبد العزيز على أخذ ما في أيدي بني أمية من حقوق الناس، وردّه على أهله، فاجتمعوا إليه فكلموه، فقال: إنكم أعطيتم في هذه الدنيا حظا فلا تنسوا حظكم من الله، وإني لأحسب شطر أموال أمة محمد في أيديكم ظلما، والله ما تركت في يد واحد منكم حقا لمسلم ولا معاهد إلا رددته. المدائني عن المقدمي أن عمر قال لابنه حين استحثه في رد المظالم: أي بني إنّ نفسي مطيّتي، فإن لم أرفق بها لم تبلغني، إنّ الحقحقة في السير قلّما تورد إلى خير. وقال هشام: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك - ورأى عليه حلّة يمينة: يا أبا سعيد إنّ أفضل الإقتصاد ما كان بعد الجدّة، وأفضل اللين ما كان في الولاية، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة. المدائني أن رجلا أتى عمر من مصر فقال له: يا أمير المؤمنين إن عبد العزيز أخذ أرضي ظلما، فقال: وأين أرضك يا عبد الله؟ قال: حلوان. قال: أعرفها ولي شركاء، وهذا الحاكم بيننا. فمشى عمر إلى القاضي فقضى عليه، فقال عمر: قد أنفقنا عليها. قال القاضي: ذلك بما نلتم من غلّتها، فقد نلتم منها بمثل نفقتكم. فقال: لو حكمت بغير ذلك ما ولّيت لي أمرا أبدا، وأمر بردّها.المدائني عن إدريس بن قادم قال: قال عمر لميمون بن مهران - ويكنى أبا أيوب، وكان مهران مكاتبا لبني نصر بن معاوية، وكان ميمون مملوكا لامرأة من الأزد من ثمالة يقال لها أم أيمن فأعتقته بالكوفة، ثم تحوّل إلى الجزيرة في أيام الجماجم-: يا أبا أيوب كيف لي بأعوان أثق بهم وآمنهم؟! قال: يا أمير المؤمنين لا تشغل قلبك بهذا فإنك سوق، وإنما يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيه، فإذا عرف الناس أنه لا ينفق عندك إلا الصحيح لم يأتك إلاّ الصحيح. المدائني قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا تعدم من الأحمق خلّتين: كثرة التلفّت وسرعة الإجابة. وكتب عمر إلى عدي: «أما بعد فلا تسر سيرة الحجاج، فإنه كان بلاء وافق من قوم خطايا». قالوا: وكان عمر بن عبد العزيز يتحدث أول الليل، ويسل عن أمور الناس، ويصلي آخره ويقول: إن محادثة الرجال تلقيح لألبابها. وحدثني أبو عبد الرحمن الجعفي مشدانة عن عبد الله بن المبارك قال: قال زياد بن أبي زياد مولى ابن أبي ربيعة: دخلت على عمر بن عبد العزيز فترجّل لي عن صدر المجلس ثم قال: إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلا، فلا تأخذ عليه شرف المجلس. حدثني محمد بن مصفّى قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز خطر بيده خطرة ثم بكى فقيل له: ما أبكاك؟ قال: ذكرت النار فأشفقت من أن تغلّ يدي في الآخرة.المدائني قال: حمل إلى عمر مسك فأمر ببيعه، فلما أخرج أخذ عمر بأنفه وقال: هذا للمسلمين وإنما ينتفع بريحه، ولا حاجة لي في الانتفاع بشيء من حق المسلمين. قالوا: وسابق عمر الخيل بالمدينة، وكان فيها فرس لمحمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وفرس لرجل جعديّ فتقدم فرس الجعدي، فجعل يرتجز ويقول: غاية مجد نصبت يا من لها … نحن حويناها وكنّا أهلها لو ترسل الطّير لجئنا قبلها فلم ينشب أن سبقه فرس ابن طلحة فقال عمر: سبقك والله ابن السّباق إلى الخيرات. المدائني عن مسلمة بن محارب وغيره قالوا: بعث عدي بن أرطاة إلى عمر رسولا من بني تميم بقتل الخوارج الذين خرجوا في مسجد الحرورية فقتلوا، وبهم سمّي مسجد الحرورية، فقال للتميمي: ممن أنت؟ قال: من بني تميم. قال: جفاء كثير. قال: وخير كثير. فقال عمر: وخير لعمري كثير. ثم قال عمر: من أين خرج هؤلاء؟ قالوا: قدموا من البحرين. قال: إنّ لهم هناك لسنخا (¬١). قال: ودخل عبد الملك بن أرطاة على عمر فقال: يا أبا خالد جزاك الله عني جزاءك، فقد جعلتني غرضا للحتوف، ودريئة للبلايا. فقال:يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن الله إن علم منك الاجتهاد في النيّة، والقسم بالسّويّة، والعدل في الرعية، شكر سعيك، وولي أمرك. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال: دخل ميمون بن مهران على عمر وهو محزون فقال: ما بك يا أمير المؤمنين؟ قال: إني قلّدت أمرا عظيما ولم أشاور فيه قبل وقوعه، ولم أطلبه، فقد تفرّق عليّ أمري حتى وددت أنّ أمي لم تلدني. المدائني عن ابن جعدبة قال: قال عمر بن عبد العزيز لزياد، وكان عبدا لآل عياش بن أبي ربيعة، فطلبه عمر فأعتقوه، فقدم عليه فقال له: يا زياد ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)﴾ (¬١) قال: يا أمير المؤمنين إني لا أخاف عليك أن تخاف، إنما أخاف عليك ألا تخاف. إنّ آدم أخرج من الجنة بذنب واحد فصيح به في الأمم وذكر في الكتب، فقال الله: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ (¬٢) فالنّجاء النجاء يا عمر. وقد روي هذا عن غيره. قالوا: وأتى عمر رجل فقال: يا أمير المؤمنين جاءت بي الحاجة، ونزعت بي إليك الفاقة، فانتهيت منك إلى الغاية، والله سائلك عن مقامي على عيال قد أعييتهم وأعيوني. فقال: كيف أعييتهم؟ قال: أعييتهم أن أكسبهم غنى، وأعيوني أن يموتوا. فألحق له عياله وأعطاه نفقته. ويقال ألحق له شطر عياله. المدائني عن رجل عن الشرقي قال: قدم رجل من البصرة على عمر فشكا إليه عدي بن أرطاة فقال: غرّني بعمامته السوداء، قد كتبت إليه: منجاءك ببينة على حقّ هو له فسلّمه إليه وقد عنّاك إليّ. فكتب إليه بما سأله، وأعطاه نفقة من بيت المال وأعطاه دريهمات من ماله فقال: اشتر بها لحما. المدائني عن فرات بن السّائب عن ميمون قال: قال عمر لمسلمة: كفّني إذا متّ بدينار من عطائي فإن ربي إن كان راضيا عني فسيبدلني خيرا منه. قال: وسأل عمر بن عبد العزيز اسماعيل بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري حوائج فقال: ألم آمركم أن تلحقوا بأمصاركم، لست قاضيا لك حاجة حتى تلحق بمصرك، ودفع عنه، فقال: والله ما كنا ندفع هذا المدفع عن محمد ﷺ. فوجم عمر ساعة وتغرغرت عينه، ثم قضى حوائجه. المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: قال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك: يا بنيّ التمس الرفعة بالتواضع، والشرف بالتقوى وإيّاك والخيلاء، ولا تحقرنّ أحدا فإنك لا تدري لعل بعض من تزدريه عينك أكرم على الله منك، ولا تنس نصيبك من الله ونصيب الناس منك. قال: ومات عبد الملك وهو ابن تسع عشرة سنة. حدثني هشام بن عمار قال: بكى عمر بن عبد العزيز فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت انصراف أقوام كانوا يتقلّبون في النّعم السابغة، والفضل العظيم في الدنيا إلى النار لا ينالهم الله برحمة منه أبدا. المدائني عن أيوب عن خالد بن عجلان قال: كان عند فاطمة بنت عبد الملك جوهر فقال لها: من أين صار إليك؟. قالت: أعطانيه أمير المؤمنين - تعني أباها - فقال: إما أن تردّيه إلى بيت المال، وإما أن تأذني في فراقك - وكانت امرأته - فإني أكره أن أكون أنا وأنت في بيت وهو عندك.قالت: لا بل أختارك على أضعافه، قال: فضعيه في بيت المال. فلما ولي يزيد بن عبد الملك قال لها: إن شئت رددته عليك، وإن شئت أعطيتك قيمته. قالت: أطيب به نفسا في حياته ثم أرجع فيه بعد وفاته، لا حاجة لي فيه، فقسمه يزيد بين ولده، وأهله. قالوا: وكان عمر بن عبد العزيز يتلو كثيرا وهو جالس للناس: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ. ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ)﴾ (¬١) يبكي. المدائني عن يزيد بن قحيف قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كان يتمثل كثيرا بقول الشاعر: تسرّ بما يبلى وتشغل بالهوى … كما غرّ باللذّات في النوم حالم نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والرّدى لك لازم ولست إلى الأمر الرشيد بمرعو … كذلك في الدنيا تعيش البهائم المدائني عن مسلمة بن عثمان القرشي قال: بلغني أن عمر لما ولي الخلافة نظر إلى ما كان له من عبيد وإماء، ورقيق، ومتاع، ولباس، وعطر، وغير ذلك فأمر به فبيع فبلغ ثمنه ثلاثة وعشرين ألف دينار، فجعل ذلك في السّبيل. المدائني عن أبي اسماعيل الهمداني عن أبيه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز وقد ركب يوما وقد بدت ساقه أو ركبته من ضيق أسفل قميصه. المدائني عن بشر بن عبد الله قال: مشى رجال من بني مروان إلى عمر بن عبد العزيز حين أسرع في بيت المال بما ردّ من المظالم فقالوا: يا أميرالمؤمنين إنك تردّ أمرا وليه غيرك فأمضاه فدعهم وما عملوا، واستقبل أمرك. فقال: والله لوددت أنه لم يبق مظلمة إلاّ رددتها ثم خرجت نفسي. المدائني عن عمر بن مجاشع قال: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص بن أبي أحيحة على عمر بن عبد العزيز فسأله حوائج، وبين يديه سراج، يكاد يطفأ مرة ثم يضيء مرة، وفي ناحية الدار كتّاب يكتبون وبين أيديهم شمع، فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت بشمعة فوضعت بين يديك. قال: ذاك للمسلمين تكتب به حوائجهم، وهذا لي وهو يجزيني. ثم قال لعنبسة: يا أبا خالد ألك حاجة؟. فسأله معونة وزيادة في عطائه فقال: يا عنبسة إن كنت غارما قضينا عنك، وإن كنت محتاجا أعطيناك ما يقيمك ويصلحك، انظر من أين جمعت مالك فإن كان حراما فارفضه وانظر لنفسك قبل يوم يتمنى فيه المفرط الرجعة. المدائني عن شيخ من قريش قال: كان حميد الأمجي يشرب الخمر وكان منزله أمج (¬١) فقيل فيه: حميد الذي أمج داره … أخو الخمر ذي الشّيبة الأصلع أتاه المشيب على شربها … وكان كريما فلم ينزع فقدم على عمر فلما رآه قال: حميد الذي أمج داره قال: يا أمير المؤمنين كذب علي. قال: فاستغفر الله.حدثنا القاسم بن سلام عن مروان بن معاوية عن توبة بن سالم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: «أما بعد: فارفع سوطك عن الناس، وكفى بثلاثين سوطا تضربها الرجل نكالا، إلاّ في حدّ». حدثني داود بن عبد الحميد عن أبيه قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز أو احتاج إلى عسل، فقيل له ابعث رجلا على البريد إلى قرية كذا ليأتيك به فقال: ما كان الله ليراني اشغل جناح المسلمين أو قال جناحا من أجنحة المسلمين في شهوة أشتهيها. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: كتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامله على الكوفة: «أما بعد فقد بلغني أنّ من قبلك يسبّون الحجاج، فانْهم عن ذلك، فإنه بلغني أن المظلوم يدعو على الظالم، فيكون المظلوم ظالما والظالم مظلوما». حدثني بكر بن الهيثم، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان عن طلحة بن يحيى قال: كان عمر بن عبد العزيز ولّى الكوفة الزهري، فبلغه عنه شيء فنخس به وتثقّله حتى ردّه إلى المدينة، ولم يستعمله وولى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفة». حدثني عمر بن شبة عن عفان، ثنا عمر بن علي قال: سمعت أبا سعيد مولى ثقيف قال: أول كتاب قرأه عبد الحميد من عمر كتاب فيه سطران. قالوا: وكتب عمر إلى عبد الحميد: «أما بعد: فلا أعلمنّ ما جعلت على أهل السجون قيودا ثقالا تمنعهم من الصلاة قياما، وذكرت أن قبلكقوما فسّاقا إن تركوا أفسدوا البلاد، وإن حبسوا استراح الناس من معرّتهم وبوائقهم، فإن كان أمر هؤلاء القوم ظاهرا فاحبسهم في السجون، وأجر على كل امرئ منهم في كل شهر خمسة دراهم وكساء وقميصا في الشتاء وإزارا ورداء في الصيف». المدائني عن أبي المليح الرّقي عن ميمون بن مهران قال: دخلت على عمر وهو متغيظ على عبد الحميد فقلت: ما له يا أمير المؤمنين؟. قال: بلغني أنه قال: لا أظفر بشاهد زور إلاّ قطعت لسانه، قلت: يا أمير المؤمنين إنه لا يتم على ذلك إنما يهيب الناس، فقال: انظروا إلى هذا الشيخ، إن خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوء. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن عبد الأعلى بن عبد الحميد عن أبي الزناد قال: كتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر بن عبد العزيز إنه فضل عندنا من المال شيء كثير بعد العطاء. فكتب إليه عمر: «انظر من كان عليه دين في غير سرف فاقض عنه، ومن تزوج فلم يجد ما ينقد فانقد عنه». ففعل، ثم كتب إليه يخبره أن قد فضل بعد ذلك مال كثير أيضا، فكتب عمر إليه: «أن قوّ به ضعفة أهل الذمة، فإنا لا نريدهم لسنة ولا لسنتين». المدائني قال: كتب عمر إلى بعض عماله إنّ البريد جناح المسلمين، وبه نفاذ أمور السلطان، وتعجّل ما يحتاجون إلى معرفته من الأخبار، فأحسن تعهده والقيام عليه وإدرار أرزاق قوّامه وأعوانه ولتجد (¬١) له علوفته وينظر في مصلحته إن شاء الله، والسلام».حدثني العباس النّرسي، ثنا يزيد بن زريع، ثنا فضيل أبو معاذ أن أهل بيت من أهل الري من أهل العهد لحقوا بالديلم، فأغارت خيل المسلمين على الديلم فأصابت أهل ذلك البيت، فكتب الحارث بن عبّاد إلى عبد الحميد في أمورهم إلى عمر فكتب إليه: إجمع من قبلك من أهل الرأي فإذا اتفقوا على شيء فامضه. فجاء عبد الله بن ذكوان أبو الزناد إلى حلقة في المسجد فيها الشعبي والحكم بن عتيبة فقال: إنكم ستدعون إلى كذا، فاتفق رأيهم على أن الأبوين وما استفادا من ولد ومال بالديلم في سهام المسلمين، وما أدخلا الديلم من ولد صغير فليس عليه شيء، فأمضى عمر رأيهم على ما اتفقوا عليه. حدثني أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد الله بن المبارك، ثنا يوسف بن المهاجر أن الأصبهبذ صاحب طبرستان أهدى إلى عبد الحميد حين قدم الكوفة هدية من زعفران وطيالسة وورق وأشباه ذلك فقبلها وعزلها وكتب فيها إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر: «إن كان الأصبهبذ عوّدك الهدية بالجزيرة فاقبل هديته، وإلا فإنها هديته لولايتك عليه فارددها، فإن أبى قبولها فبعها وأدخل قيمتها بيت المال، واحتسبها من خراجه، إن شاء الله». حدثنا عفان، أنبأنا شعبة عن حمّاد قال: سألني عبد الحميد عن دية النصراني واليهودي والمجوسي فقلت: قال ابراهيم مثل دية المسلم، فكتب إلى عمر فقال: النصف من دية المسلم. وقال حماد: قول عمر أحبّ إلي.حدثني عمر بن شبه عن أبي نعيم، ثنا سفيان عن حمّاد قال: سألني عبد الحميد عن بيع الاجام (¬١) فقلت: كان ابراهيم يكرهه. فكتب إلى عمر فقال عمر: لا بأس به كنا نسميها الحبس. قال سفيان يعني السمك. حدثني عبد الله بن معاذ بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن حمّاد قال: سألني عبد الحميد عن النصراني تسلم امرأته فقلت: قال ابراهيم: هما على نكاحهما، فكتب الى عمر، فكتب عمر: يفرّق بينهما. فقال حماد: وقول عمر أحبّ إليّ. وروى عن خصيف قال: كتب عبد الحميد إلى عمر بن عبد العزيز في نصرانية أسلمت وزوجها نصراني كيف يصنع بالولد؟ فكتب أن فرّق بينها وبين زوجها وألحق الولد بها. حدثنا عبد الواحد بن غياث عن أبي عوانة عن بيان عن عامر قال: سألني عبد الحميد عن الخيار فقلت: قال عبد الله بن مسعود: إن اختارت نفسها فواحدة، وإن اختارت زوجها فلا شيء. وقال علي ﵇: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة وهو أحق بها، وقال زيد بن ثابت: ان اختارت زوجها فواحدة وإن اختارت نفسها فثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فكتب إلى عمر بذلك، فاختار قول عبد الله بن مسعود. قالوا: وسيّر الوليد بن عبد الملك الأحوص الشاعر إلى دهلك (¬٢) فلما استخلف عمر كتب إليه:كيف ترى للنوم طعما ولذة … وخالك أمسى موثقا بالحبائل فمن يك أمسى سائلا عن شماتة … ليشمت بي أو شامتا غير سائل فقد عجمت منّي الحوادث ماجدا … صبورا على عضّات تلك البلابل (¬١) فبعث عمر إلى عراك الغفاري، وكان الذي شهد عليه، فقال: ما ترى في هذا البائس فقد كتب بما ترى؟ فقال عراك: مكانه خير له، فلما ولي يزيد أقدم الأحوص وسيّر عراكا، فقال الأحوص: الآن استقرّ الملك في مستقرّه … وعاد لعرف أمره المتنكّر طريد تلافاه يزيد برحمة … فلم يمس من نعمائه يتعذّر (¬٢) أي يتعذر - يعني يزيد-. قالوا: وكتب عبد الحميد إلى عمر: «إني وجدت الموالي يتزوجون إلى العرب، والعرب إلى الموالي». فكتب إليه: «إني نظرت فيما ذكرت فلم أجد أحدا من العرب يتزوج الى الموالي إلا الطمع الطبع، ولم أجد أحدا من الموالي يتزوج الى العرب إلا الأشر البطر، ولا أحرّم حلالا، ولا أحل حراما، والسلام». وروي إنه كتب، أمض فإن الله قد أحلّه. المدائني: ان محمد بن الوليد بن عتبة بن أبي شعبان خطب إلى عمر فقال عمر رادّا عليه: الحمد لله ذي العزّ والكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء، أما بعد: فقد أحسن بك ظنا من أودعك كريمته، واختارك ولم يختر عليك. قد زوجتك على ما جاء في كتاب الله: ﴿إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)﴾ (¬٣).عمر بن شبه عن يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبي الزناد قال: كنت مع عبد الحميد بالكوفة فقضى باليمين مع الشاهد، فأنكر ذلك ناس من أهل الكوفة، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز في ذلك فكتب إليه أن أقض بها، وقال: وقد شهد عندي رجل من كبرائهم أنّه شهد شريحا قضى بها. قالوا: وكتب عمر بن عبد العزيز: «لا يحملنّ الخمر من رستاق إلى رستاق». قالوا: وكتب عبد الحميد إلى عمر بن عبد العزيز: «إنّ يزيد بن المهلب دعا موسى بن الوجيه، ودعا بالسياط، وقال: إن طلقت امرأتك وإلاّ قتلتك»، فكتب: «إن يزيد ظلم نفسه، وأما موسى فقد جاز طلاقه». وروي عن أبي هلال الراسبي قال، ثنا يونس: أن مرتدّا ارتدّ بالكوفة في أيام عمر بن عبد العزيز فشاور عامله عبد الحميد الناس فقالوا: «اقتله فكتب إلى عمر فيه، فكتب إليه: «إن اضرب عليه الجزية، ثم خلّ عنه». قالوا: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد: «لا تقض بالجوار، ولا تدع صورة على باب إلاّ كسرتها». حدثني عمر بن شبه عن سريج بن النعمان عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: خرجت حرورية في العراق في خلافة عمر بن عبد العزيز وأنا مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد، فكتب عمر إلى عبد الحميد: «أن ادعهم مرتين أو ثلاثا، فإن رجعوا، وإلا فقاتلهم، فإن الله لم يجعل لهم سلفا يحتجون بهم علينا».فبعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمهم الخوارج، فلما بلغ ذلك عمر بعث مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام، وكتب إلى عبد الحميد: «قد بلغني فعل جيشك جيش السوء - قال ابن أبي الزناد فسموا جيش السوء إلى اليوم - وقد بعثت إليهم مسلمة بن عبد الملك فخلّ بينه وبينهم». فلم ينشب أن أظفره الله بهم. وحدثت عن سويد بن سعيد عن بقيّة بن الوليد عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران أنّ حرورية دخلوا على عمر فقالوا: السلام عليك يا إنسان فقال: وعليكم السلام، فقالوا: لا حكم إلاّ الله. قال: نعم لا حكم إلاّ لله. حدثنا عمر بن شبة، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا إسحاق أبو النّصر قال: أخذ معي فلس بهرج (¬١) زمن الحجاج فضربني ابن أبي مسلم وحبسني، فتكلم فيّ الحواري بن زياد فأخذوا مني ألفا وتركوني، فلما استخلف عمر أتيته فأخبرته فبكى وقال: ألف درهم في فلس بهرج، وكتب إلى عبد الحميد: إن كان الأمر كما ذكر فأعطه ألف درهم، قال فأتيته فإذا سياط موضوعة فقلت في نفسي أتيت أمير المؤمنين فلم أر سياطا. قال: فأعطاني ألفا وكتب لي عملا وأعطاني نفقة. وروي عن الصّلت بن بهرام قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول حين شكونا إليه عبد الحميد عامله: لقد عجلتم عليّ، لعلكم ترون أنكم ترون عدلا. والله لا ترون عدلا أبدا.قالوا: وقع بين امرأة من أهل المدائن وبين عريفها مشاجرة فأسقط اسمها من الديوان، فأتت عمر بن عبد العزيز فكتب بيده إلى عبد الحميد بأن يفكّ عن اسمها ويعيده، ويخدمها خادما، وأمر لها بخمسمائة درهم وكراها، فقدمت على عبد الحميد وقد مات عمر فأوصلت إليه الكتاب فعرف خطه، فبكى ثم قال: والله لأنفذنّ ما فيه. ولما مات عمر ﵁ أحبّ عبد الحميد أن يتقرب إلى يزيد بن عبد الملك فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمحاربة شوذب الخارجي. فقال الخوارج: ما فعل هذا إلا وقد مات الرجل الصالح، وأقرّ يزيد بن عبد الملك عبد الحميد على الكوفة، حتى خلع يزيد بن المهلّب ووجه إليه يزيد مسلمة. المدائني عن عيسى بن يزيد قال: كتب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى سليمان بن عبد الملك: إن الشمع الذي كنت اخرج به إلى الصلاة في وقت العشاء والصبح قد نفد، وكذلك القراطيس التي كنت أكتب فيها، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بشمع وقراطيس، وأن يلحقني بشرف العطاء بالحجاز. فوصل الكتاب إلى عمر وقد مات سليمان فكتب إليه: «أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان في الشمع وقد عهدتك تخرج في الليلة المطيرة الشديدة الظلمة إلى المسجد بلا شمع، وأنت يومئذ خير منك اليوم، وكتبت تسأل إلحاقك بشرف العطاء بالحجاز، وقد عهدتك وأنت لا تحب الأثرة، وأنت يومئذ خير منك اليوم، وقد كتبت إلى صاحب مصر آمره أن يحمل إليك القراطيس على ما كان يحمل، فألطف القلم، واجمع الحوائج العدّة فيكتاب واحد، ولا تطنب في الإملاء، فلا حاجة لنا في كثرة الكلام والسلام». قالوا: تزوج رجل من بني فرّاص - كانت أخته عند عدي - امرأة من الحدان كان لها موضع من قومها، فطلّقها وهو يشرب، ثم جحد فأتت إياس بن معاوية بشاهد فعدّله، وجاءت بعبد لها وقد أعتقته فعدّل، فانتزعها إياس من الفراصي، فأمر عدي بها فردّت على الفراصي. وأراد عدي أن يقدم على إياس بمشورة وكيع بن أبي سود، فقال له داود بن أبي هند: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ)﴾ (¬١). فهرب إياس إلى عمر بن عبد العزيز، وولى عدي الحسن بن أبي الحسن القضاء، وكتب عدي إلى عمر يعلمه ذلك فكتب إليه عمر: «الحسن أهل لما ولّيته، ولكن ما أنت والقضاء؟ فرّق بين الرجل والمرأة، فرّق الله بين أعضائك». المدائني قال: كتب عمر إلى عماله: إنه بلغني أنّ نساء ذوات سعة يخرجن عند موت الميت ناشرات شعورهم ينحن، وهذا فعل أهل الجاهلية، وإنّ الله لم يرخص للنساء في وضع خمرهنّ مذ أمرهنّ بضربها على جيوبهنّ، فتقدم في هذه النياحة تقدما شديدا، وقد كانت هذه الأعاجم تلهو بأشياء زيّنها الشيطان لهم، فازجر من قبلك من المسلمين عن ذلك، فلعمري لقد آن لهم أن يتركوه مع قراءة كتاب الله، وانه عن ذلك الباطل واللهو من الغناء وما أشبهه، فمن لم ينته فنكّل به غير معتد ولا مسرف، إن شاء الله، والسلام».المدائني قال: كتب عمر إلى عدي في كتابه: «إن الله جعل لأهل الخير أعوانا عليه، ولأهل الشر أصحابا مزينين له، وقد نهيتك عن كاتبك فلم أرك متحاشيا لذلك ولا زاجرا له عن ظلم الرعية وانتقاص حقوقهم، وإنك حين تفعل ذلك يا عدي لمغترّ بي تارك حظك من الله، فاطرد عنك هذا الشائن، ولا تشركه في أمانتك، وأخرجه عن المصر، فإني لو أشركت أحدا من حزب الشيطان في أمانتي لاستعنت بابن أبي مسلم (¬١)، فاكفني نفسك يا عدي، ولا تحملني على مكروهك، إن شاء الله، والسلام». قالوا: وكتب عمر إلى عماله: «أن انظروا من كان في أسواقكم من باعة اللحم من أهل الذمة فليؤخذوا بأن لا يذبحوا ذبيحة إلاّ ذكروا اسم الله عليها، وأن لا تكسر ولا تنخع حتى تموت، ولتترك متشحطة مذبوحة ومنحورة، ولا ينفخوا في اللحم فإنه من الغش، والسلام». المدائني عن ابن جعدبة قال: كتب عمر إلى أبي بكر بن حزم: «أما بعد فإنّ الطالبين الذين نجحوا، والتجار الذين ربحوا، هم الذين اشتروا الباقي الذين يدوم بالفاني المذموم، فاغتبطوا ببيعتهم، واحمدوا عاقبة أمرهم، فاعمل لنفسك وبدنك صحيح، وأنت مريح، قبل أن تنقضي أيامك وينزل بك حمامك فإن العيش الذي أنت فيه ظلّ يتقلص ويزول». وكتب إلى عبد الحميد: «أما بعد فإنه من ابتلى بأمر الناس فقد عظمت بليّته، نسأل الله عافيته وحسن معونته، فكن لمن وليت أمره ناصحا وعليهم شفيقا حدبا، واملك نفسك عند الهوى والغضب واكفف يدكولسانك عن الأموال والأعراض والأبشار، واستر ما استطعت من عورات الناس إلا شيئا أبداه الله لا يصلح ستره، فإن سبق منك هوى أو غضب فاستغفر ربك وراجع أمرك، نسأل الله تعالى أن يصلح لنا أعمالنا ويكفينا أمورنا، وما نرجع إليه بعد الموت، والسلام». المدائني عن فرات بن السائب عن ميمون بن مهران قال: كتب عمر إلى الجرّاح بن عبد الله: «إنّ ولاة السلطان بعرض مكاره وبلاء إلاّ من وقى الله وأعان، فاتّق الله حق تقاته، واذكر موقفك بين يديه، وإذا حضرك خصم جاهل فرأيت منه رعة سيئة فارفق به وسدده وبصرّه، وخذ له الحق غير متجانف على خصمه، وإن أتى رجل ذنبا يستحق به العقوبة فلا تعاقبه بغضب تجده في نفسك، ولكن لما أتى وجنى، جعلنا الله وإياك ممن ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً) ١،﴾ أو من المتقين الذين لهم العاقبة، والسلام». المدائني قال: كتب عمر إلى عدي بن أرطاة، بلغني أن عمالك بفارس يخرصون (¬٢) الثمار ثم يقوّمونها على أهلها بسعر فوق سعر الناس الذي يتباعون به، ثم يأخذون ذلك ورقا، وإن طوائف من الأكراد يأخذون العشر من السابلة والمارة في الطرق. ولو علمت أنك أمرت بذلك أو رضيته ما ناظرتك ولأتاك مني ما تكره. وقد بعثت بشر بن صفوان وعبد الله بن عجلان للنظر في ذلك، وردّ الثمن الذي أخذ من الناس إلى ما باع أهل الأرض فيغلاتهم، فلا تعرض لهم فيما وجهتهم له من ذلك، وأحسن معونتهم عليه، إن شاء الله، والسلام». حدثني هدبة بن خالد، ثنا حمّاد بن سلمة عن يونس بن عبيد أن رجلا من الأنصار أتى عمر بن عبد العزيز فقال: أنا فلان بن فلان، قتل جدي فلان يوم أحد. وجعل يذكر مناقب سلفه، فنظر عمر إلى عنبسة بن سعيد فقال: هذه والله المناقب لا يوم مسكن، ويوم الجماجم، ويوم مرج راهط. تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبوالا المدائني قال: كتب عمر إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: «أما بعد فليكن سعيك في الدنيا للآخرة فليس لك إلا ما قدّمت، واعلم أن مقطّعات الأمور أمامك، وأن الله غير مدخل جنته إلاّ من رضي عنه، وإنك لا تزداد من حسنة ولا تستعتب من سيّئة بعد الموت». قالوا: وكتب عمر إلى عمال الثغور: «أما بعد: فلا تشتروا للأمراء من حظ العامة من المغنم شيئا، وأمروا القسّام أن يجزئوا ما أفاء الله عليكم من السبي والغنيمة خمسة أخماس ثم ليقرعوا عليها بخمسة أسهم، لله الخمس وأربعة للعامة الذي قاتلوا عليها، فحيث وقع سهم الخمس فليحرر ثم يخلى بين الناس وأنصبائهم، والسلام». المدائني عن حباب بن موسى قال: قال عمر بن عبد العزيز: نشأت على بغض عليّ لا أعرف غيره، وكان أبي يخطب فإذا ذكر عليا نال منه فلجلج، فقلت: يا أبه إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر عليّ عرفت منك تقصيرا، قال: أفطنت لذلك؟ قلت: نعم. قال: يا بنيّ إن الذين من حولنا لو نعلمهم من حال عليّ ما نعلم تفرقوا عنا.حدثني منصور بن أبي مزاحم عن شعيب بن صفوان قال: كتب عمر بن عبد العزيز: «أما بعد فإنه يجب على المسلمين أن يضعوا من أهل الشرك والكفر ما وضع الله منهم، وأن ينزلوهم بمنزلتهم التي أنزلهم الله بها من الذلّ والصّغار، ولا يشركوهم في أمانتهم ولا يسلطوهم على أهل الإسلام فتجري عليهم أحكامهم ويستخدموهم بالطمع فيما عندهم، وينزلوا بهم حاجاتهم فيغشونهم ويحرمونهم، فلا يبق أحد ممن قبلك على غير الإسلام على شيء إلا عزلته واستبدلت به رجلا من المسلمين ترضى دينه وأمانته وعفافه، وخذهم بشدّ المناطق، وركوب الأكف، وحلق أوساط رؤوسهم، وأطع الله واتّقه، فإنه لا حرز لك ولا منعة إن عصيته والسلام». وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد: فقد أتاني كتابك تذكر أنك لما قدمت البصرة جعلت سفيان بن فرقد حاجبا وتقدمت إليه ألا يرزأ أحدا شيئا، فبلغك عنه أمر تكرهه فأتاك بخمسين دينارا ذكر أنه أعطاه إياها رجل، فقبضتها وعزلتها في بيت المال إلى أن يأتيك أمري، وليس بيت المال بموضع للرشاء فاردد ذلك الذهب إلى صاحبه الذي أخذ منه فإن ابن فرقد يعرفه، إن شاء الله، والسلام». وكتب عمر إلى عدي: «إنّ بعض من ورد علينا أخبرني عن ناحية من نواحي فارس خرابا، فأسهرني ذلك وغمّني، فتعهّد أهل عملك بالكتب والرسل، واجتهد في عمارة البلاد بالعدل والرفق وترك الاستقصاء، واعلم إنما يلتمس إصلاح قوم آثروا سيّئا واجتهدوا في فساد ما تحت أيديهم حتى بلغ الأمر ما بلغ، وليس بكثير على الله جل ثناؤه أن يجعل في عمارة سنة ما يعدلخراب سنين مضت قبلها فيجبره بها، فإن الله يبلغ من تضعيفه لمن يشاء أكثر من ذلك، ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) ١،﴾ والسلام». قال: وكتب عمر إلى أبي بكر بن محمد: «ذكرت أن ناسا من بني أسد وفزارة تلاحوا، فرمي فراس الأسدي بحجر فأصاب ركبته، ثم تفرقوا، ومكث سنة وجعا من رميته فاصطلحوا على مائتين من الإبل وإنه لا صلح إلا ما يجوز في الإسلام، فأنفذ الصلح بينهم على مائة من الإبل فليس بدم صاحبهم عن ذلك مذهب، ولولا السّنة لم أبال ما أعطاهم بنو فزارة من أموالهم، والسلام». المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال عمر بن عبد العزيز: لم أر رجلا كان أعلم بأمر الدنيا من عبد الملك، ولا رجلا كان أغضب للدنيا ولا اشتدت غلبة الدنيا عليه مثل الوليد، ولا رجلا آكل للدنيا من سليمان، وهذه الدنيا تريد أن آكلها وتأكلني، والله لا أفعل. المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر عن أبيه قال: شتم رجل معاوية عند عمر بن عبد العزيز، فأمر بضربه ثلاثة أسواط. المدائني عن بشر بن عبد الله قال: دخل عبد الملك بن عمر على أبيه فقال: يا أبه ما يؤمنك أن يأتيك أمر الله بياتا وأنت نائم، فقال: يا بني إنّ نفسي مطيتي وإن لم أرحها لم تحملني، وإني لأحتسب من الأجر في العدل ما أرجو أن لا يقصر بي عن الأجر في ترك النوم.وقال عمر لميمون: لأن أبقى لهذا المال حتى أسلكه سبيله أحبّ إليّ من أن أتركه لولدي ميراثا، لا أحاسب بشيء منه. المدائني عن المبارك بن فضالة قال: كتب عمر بن عبد العزيز: «إنّ من كان عليه دين له وفاء به فليقض من ماله، ومن لم يكن عنده فلينظره غرماؤه، فإنما وضعوا أموالهم عنده على أن يصادفوا مالا أو عدما». وروى الهيثم بن عدي عن عدي قال: كتب عمر إلى عبد الحميد: «كتبت تذكر أنك وجدت في بيت المال سبعة آلاف درهم مما أخذ ممن كان يختلف بالخمور، ولا حاجة لي في خبيث، فإن وجدت له أهلا فاردده عليهم، والسلام». المدائني قال: كتب إلى عمر صديق له من النساك: «إلى العبد المبتلى بأمور المسلمين من أخيه فلان، أما بعد: فإنك ممتحن بما ولّيت ومجزى بما عملت، فأصلح نيّتك وتوقّ على دينك فإنك بعرض خير وشر، فإن اتّبعت الخير سعدت، وإن ملت إلى الشر غويت، وكان يقال من تقلّد شيئا من أمور المسلمين فإنما فتح له باب إلى الجنة، وباب إلى النار، فأيّهما اختار فهو والجه، عصم الله دينك ووفّر من الأجر حظك ووفقك للخير ووفقه لك». فكتب إليه عمر: «فهمت كتابك يا أخي، وقد عظمت عليّ البليّة، فاسأل الله العون والكفاية، لا تخلني رحمك الله من كتبك بالنصيحة، فإنك تقضي بها حق المودة، والسلام». المدائني عن المسيّب بن شريك قال: قدم على عمر بشير من الصائفة فقال له: إن شئت زدناك في عطائك، وإن شئت ألحقنا لك عيّلا. فقال: كلاهما وتمرا، فقال عمر: إنك لبطّال وليس لبطال عندنا شيء.المدائني: أن عمر كتب إلى محمد بن عروة السّعدي عامله على اليمن: «أن أخرج من بيت المال قبلك مائة ألف درهم للغارمين ولا تعط منها من كان دينه في سرف وتبذير، واعط من تزوج أو ابتاع ذا رحم فأعتقه أو تاجرا أتى على ما في يديه، وأخرج مائة ألف درهم لأبناء السبيل، ومر رهطا من ذوي الدين والحسبة والنية الحسنة أن يقعدوا بها على طريق الحاج فلا يدعوا منقطعا به منهم ولا محسورا إلا أعانوه، ولا مرملا إلا زودوه، ولا راجلا إلاّ حملوه، ولا عاريا إلاّ كسوه إن شاء الله، فإنّ سبيل الحاج خير السبل». وقال كثير يرثي عمر بن عبد العزيز ﵀: أقول لما أتاني ثمّ مهلكه … لا يبعدنّ قوام الأهل والدّين قد غادروا في ضريح اللّحد منجدلا … بدير سمعان (¬١) قسطاس الموازين (¬٢) وقال الجمحي: ثلاثة ما رأت عيني لهم شبها … يضمّ أعظمهم في المسجد الحجر وأنت تتبعهم لم تأل مجتهدا … سقيا لها سبلا بالعدل تفتقر فإن قصرت عن العليا التي بلغوا … وأنت تطلبها واغتالك القدر فما بلغت التي من دون ما بلغوا … ففتّ في ذاك من تثنى له السّير لو كنت أملك للأقدار تروية … تأتي رواحا وتبيتا وتبتكر دفعت عن عمر الخيرات مصرعه … بدير سمعان لكن تغلب المرر (¬٣)قالوا: وكان عمر بن عبد العزيز أمر أن يخرج الفرزدق من مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وذلك إنه كان ينشد فيه الهجاء، ويتبذّى فقال فيه الشاعر: نفاك الأغرّ ابن عبد العزيز … ومثلك ينفى عن المسجد فلقي الفرزدق مخنثا فقال له: ما فعلت عمتنا؟ فقال: نفاها الأغرّ ابن عبد العزيز. المدائني قال: تزوج عبد الرحمن بن عمرو بن سهل بن عمرو من بني عامر بن لؤي بنتا لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فكانا أحسن زوج بالمدينة، فكلّمته يوما وقد مرض فأعرض عنها فقالت: يا حبيبي مالك أعرضت عني؟ قال: أموت وتتزوجين بعدي. قالت: فإني لا أفعل إن - وأعوذ بالله - حدث بك حدث بل أنا المتقدمة قبلك، فخطبها عمر بن عبد العزيز فتزوجته، فدخل عليها ابن قارظ الكناني فقال لها: مثلك ما قال القائل: تبدّلت بعد الخيزران جريدة … وبعد ثياب الخزّ أحلام نائم فقالت: ما ذاك مثلي، ولكنه ما قال أرطاة بن سميّة: ما كنت إلا والها ذات عولة … على شجوها بعد الحنين المرجّع متى لم تجده تنصرف لطياتها … من الأرض أو ترجع لأنف ومرجع فأفحمته. وكانت ابنتها من عبد الرحمن عند الحجاج بن يوسف فقال لها: مات أبوك فجزعت، فقال: لم تجزعين وقد تزوجت أمك عمر بن عبد العزيز؟ وحدثني الحسين بن علي الحرمازي، ثنا العتبي قال: سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يمدح فاطمة بنت الحسين، ويقال فاطمة بنت عبد الملكامرأته فقال: ما تعرف من الشرّ شيئا. فقال عمر: معرفتها بالشر جنّبتها إياه. وقال سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز وهما بطريق مكة، وأراد أن يذكر له شيئا، فسأله: هل علينا من عين؟ قال: نعم عليك من الله عين بصيرة وأذن سميعة. قال العتبي: قرأ قارئ عند عمر بن عبد العزيز آية فلحن، فقال مسلمة: لحن والله يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أو ما شغلك معناها عن لحنه. حدثني عمر بن شبة، ثنا أبو عاصم، أنبأ عثمان بن خالد بن دينار عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: لا تأتينّ سلطانا وإن أمرته بمعروف، ولا تخلونّ بامرأة وإن قرأت عليها القرآن، ولا تصحبنّ عاقّا فإنه لن يصلك، وقد عقّ والديه. المدائني عن عيسى بن يزيد قال: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قيل له: اكتب إلى يزيد وأوصه بالأمّة فقال: وبماذا أوصيه، إني لأعلم أنه من بني مروان. ثم كتب إليه: «أما بعد: فاتّق الله يا يزيد الصّرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام». حدثني عباس عن أبيه عن عوانة قال: أنشد عمر بن عبد العزيز قول الأحوص بن محمد الأنصاري:سيبقى لها في مضمر القلب والحشا … سريرة حبّ يوم تبلى السّرائر (¬١) فبكى عمر وقال: ويحه ما أغفله عن قول الله ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾. ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ)﴾ (¬٢). وقالوا: كان على شرطة عمر روح بن يزيد بن يستر السكسكي. حدثني عمرو بن محمد عن الحجاج الرصافي عن أشياخهم قال: عزّى رجل عمر بن عبد العزيز عن ابنه عبد الملك فقال: تعزّ أمير المؤمنين فإنّه … لما قد ترى يغذى الصغير ويولد هل ابنك إلاّ من سلالة آدم … وكلّ له حوض المنيّة مورد قالوا: ومرض عمر بن عبد العزيز، فقيل له: لو تداويت. فقال: لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربي. وحدثني محمد بن خالد الطحان عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: «أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ، وحديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه، فإني قد خفت دروس العلم، وذهاب أهله». قال الواقدي: قال عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة. وحدثني عمرو بن محمد عن الحجاج قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز في صحته عسلا يؤتى به من قرية على فراسخ، فقيل له: توجّه رسولا علىدابّة من دواب البريد ليأتيك به، فقال: معاذ الله، لا يراني الله شاغلا جناحا من أجنحة المسلمين في شهوة اشتهيتها. حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن عمر أنه قال لمحمد بن كعب: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن فيك جرأة، وجبنا، وكيسا، وعجزا، فداو بعض ما فيك ببعض، وعليك بأهل الدين والعقل فإنهم يكفونك أنفسهم ويعينونك على غيرهم، وإيّاك ومن مودته لك بقدر حاجته إليك فإذا انقطعت حاجته ذهبت مودته. وإذا اصطنعت صنيعة فأحسن ربّها وغذاءها. فقال عمر: أحسن الله جزاءك. وحدثني هشام بن عمار قال: بلغني أن رجلا تكلم عند عمر بن عبد العزيز فرفع صوته فقال عمر: بحسب الرجل أن يسمع جليسه، لو أدرك شيء خيرا بشدّة صوت لأدركته الحمير. حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن حماد بن عمرو قال: سمع عمر بن عبد العزيز باكية في جنازة أبيها وهي تقول: يا أبتاه، كان يقصر المجلس إذا أتاه. فقال: ما أحسن ما وصفت أباها. هشام عن بقية قال: تزوج رجل يقال له سليمان بن عثمة امرأتين فقال بعض الشعراء: ليهن ابن عثمان ما عنده … فلست وإن حسدوا حاسدا مهاتان لونهما واحد … يذيقانه ثغبا باردا فبورك فيه وفي أهله … وفي ماله ونما صاعدا فشكاه إلى عمر فقال: ما أرى هجاء، ولكنه شهره، فأدّبه.وكتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: «اعلم أن كل ذي عادة مقتض ما سننت له». حدثني محمد بن سعد عن محمد بن عمر الواقدي عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يقوم قال: إذا شئتم. وكان مالك يفعل ذلك، وكان قبيصة إذا أراد أن يقوم يتناول نعله. حدثني داود بن عبد الحميد قال: كان مشايخنا يحدثون أن عمر بن عبد العزيز كان صديقا لعدي بن أرطاة قبل الخلافة، وكان يقول: ما رأيت أشبه بمن مضى في مذهبه وعفافه من عدي. فلما استخلف ولاه البصرة. حدثنا عفان، ثنا أبو هلال قال: كان عدي يخطب فإذا خطب جلس في الخطبة الأولى، ثم يقوم فيخطب الثانية حتى إذا فرغ مدّ يده يدعو. قالوا: وحفر عدي نهره، وخرج الناس ينظرون إليه، والحسن يمشي خلف حمار عدي، فالتفت عدي فرآه فنزل عن الحمار، وحمل عليه الحسن، وجعل يمشي بحيث كان الحسن يمشي من الحمار، والحسن راكب. قالوا: وكتب عمر إلى عدي: «أن يجري على من كبرت سنه، وضعفت قوته، وذهبت مكاسبه من أهل الذمة، من بيت مال المسلمين، وقال إن عمر بن الخطاب رأى شيخا من أهل الذمة يقوم على أبواب الناس يسألهم فقال: ما أنصفناك. أخذنا منك الخراج شابا، فلما كبرت سنك خذلناك. فأجرى عليه قوته من بيت المال».المدائني قال: عاد عدي وكيع بن أبي سود فقال له عدي: كيف تجدك؟ قال: وثّابا على العتب، أكالا للعصب، قال: فما بلغ عدي منزله حتى نعي له. قال أبو عبيدة: وبعث عدي إليه رجلا يعوده فقال له: الأمير يقرئك السلام. فقال: أنا والله الأمير ولكني مظلوم، ثم قال: يقول لك كيف تجدك؟ قال: أجدني قفّازا على العتب فلم يبلغ الرسول حتى سمع الواعية عليه. وروي عن أبي شور القليبي قال: أشرف عدي على وكيع من دار الإمارة وهو مريض في داره فقال وكيع لبنيه: ارفعوا صدري. فقال له عدي: أبا مطرف كيف تجدك؟ قال: صالحا من رجل يجد أرواح طعامك ولا يأتيه منه شيء. قال: وكيف تراك لو رأيت منه شيئا؟. قال: أكون قفازا على العتب غشوما. فقال عدي: أطيلوا الحائط بيني وبينه فلا أراه ولا يراني. وأتى وكيع الحسن فقام فناوله نعليه فقيل له: أتقوم إلى وكيع مع جفائه؟ فقال: بلغني أن في جسده كذا وكذا طعنة وضربة في سبيل الله، وأنا أكرمه لذلك. وقالوا: أرسل عدي إلى محمد بن سيرين رجلا وقال له: قل له عن نفسك إني رأيت أني حلبت ناقة فامتككتها حتى حلبتها دما. فقال ابن سيرين: لم تر أنت هذه الرؤيا، وإنما رآها عدي فارجع إليه فقل له: اتق الله فإنك قد جاوزت في حلبك وجبايتك ما أحلّ الله لك إلى ما حرّمه عليك.قالوا: ولما قدم عدي البصرة قال لإياس بن معاوية بن قرّة المزني: أنت من أهل البلد وأعلم به مني فدلني على قوم من القراء استعملهم. فقال: إن القراء ضربان: ضرب يقرأون لله فلا حاجة لهم في عملك، وضرب يقرأون للدنيا، فإذا استعملتهم أمكنتهم مما أرادوا. قال: فأشر عليّ بقوم من أهل البيوتات، فإنهم عسى أن يستحيوا لأحسابهم ويرعوا على أنفسهم ويتصنعوا لطول الولاية. ثم شاور مالك بن دينار فقال له: أما أهل الدين فقد استغنوا عنك بما عندهم، وأما أهل الدنيا فمنهم تهرب. قال: فمن بقي؟ قال: عليك بأهل الشرف فإنهم يحامون على قديمهم، ويربون حديثهم. قال أبو داود الطيالسي: حدثني من سمع عديا يخطب على منبر البصرة وهو يقول: ما أنا وهذه الشهادات، ما أنا وهذه الخصومات. فتحت لكم بابي وأجلست فيكم إياسا ولا أراكم تزدادون إلا كثرة، لقد كنت أرى القاضي من قضاة المسلمين وما عنده أحد، ولقد أتيت شريحا فقلت: يا أبا أمية أين أنت؟. قال: بينك وبين الحائط. قلت: إني تزوجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين. قلت: ولدت غلاما. قال: ليهنك الفارس. قلت: وشرطت لها دارها ثم بدا لي أن أحولها إلى الشام. قال: أنت أحقّ بأهلك. قلت: فاقض. قال: قد فعلت. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن صالح بن حسان قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته وذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هناك شرفا وفضلا ونسكا واحتمالا.الواقدي قال: كان من سراة الموالي أبو كثير مولى أسلم، وهو من سبي فارس، وكان يقال له زاد الرّكب. فبعث معه عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى عمر بن عبد العزيز فنسيها في دار عبد العزيز ومضى فأتى عبد العزيز بالألف، فلما قدم أبو كثير المدينة دفع إلى عمر ألف دينار من ماله، واكتتب منه البراءة، فلما قدم مصر أتى به عبد العزيز وكان تاجرا يتجر إلى مصر فقال له: ما فعلت الألف دينار؟ قال: دفعتها إلى عمر وأحضر البراءة، فقال: كيف دفعتها وهي عندنا؟ قال: نسيتها ولم أدر أين هي فكرهت أن أسرّ عدوا فأشمته، أو أكبت صديقا فأغمّه، وخفت أن لا أصدّق، وعليّ فضل من الله فاحتملتها. فقال عبد العزيز: ألك حاجة؟. قال: نعم، توضع عني العشور إذا دخلت مصر بتجارتي. فقال: نعم. ووضعها عنه. وكان عبد العزيز يقول: من آمن من ابن أبي كثير؟! ودفع إليه الألف دينار. حدثني ابن القتات عن شيخ من الشاميين قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: قيدوا العلم بالكتاب وقيدوا النّعم بالشكر. حدثني داود بن عبد الحميد حدثني أبي عن جدي أن عمر بن عبد العزيز أتي بسكران فقال: ألقوا رداءه في أردية فألقي. وقال: انظروا فإن لم يعرفه ولم يخلّصه من الأردية فحدّوه.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    روا سيّئا واجتهدوا في فساد ما تحت أيديهم حتى بلغ الأمر ما بلغ، وليس بكثير على الله جل ثناؤه أن يجعل في عمارة سنة ما يعدلخراب سنين مضت قبلها فيجبره بها، فإن الله يبلغ من تضعيفه لمن يشاء أكثر من ذلك، ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) ١،﴾ والسلام». قال: وكتب عمر إلى أبي بكر بن محمد: «ذكرت أن ناسا من بني أسد وفزارة تلاحوا، ف

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    ينشدك فيه. قال: يا غلام أدخل جريرا. فأدخل إليه وعون جالس فأنشد جرير عمر:أأذكر الجهد والبلوى التي شملت … أم أكتفي بالذي نبّئت من خبر كم بالمواسم من شعثاء أرملة … ومن يتيم ضعيف الصوت والنّظر ممّن ترجّى له من بعد والده … كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر (¬١) فبكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته، وأمر بصدقات تفرّق على الفقراء في النواحي فقال جرير: هذي ال

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    ل: قيدوا العلم بالكتاب وقيدوا النّعم بالشكر. حدثني داود بن عبد الحميد حدثني أبي عن جدي أن عمر بن عبد العزيز أتي بسكران فقال: ألقوا رداءه في أردية فألقي. وقال: انظروا فإن لم يعرفه ولم يخلّصه من الأردية فحدّوه

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    مل له: «أما بعد فإن الله أكرم بالإسلام أهله وشرّفهم وأعزّهم، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فلا تولّينّ أمور واحد من المسلمين أحدا من أهل ذمتهم وخراجهم فتنبسط عليهم أيديهم وألسنتهم فتذلّهم بعد أن أعزّهم الله، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله، وتعرّضهم لكيدهم والاستطالة عليهم مع ما لا يؤمن من غشهم إياهم، فإن الله يقول

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • SaduqSaduq

    ب عمر إلى العمال: «أما بعد: فإنه كان في الناس من أهل هذا الشراب أمر ساءت فيه رعيتهم حتى بلغت بهم إصابة الدم الحرام، والمال الحرام، والفرج الحرام، وهم يقولون: شربنا شرابا لا بأس به، وإنّ شرابا حمل على هذه المحارم لعظيم البلاء كثير الإثم، وقد جعل الله المندوحة والسعة في أشربة ليس في الأنفس منها حاكة (¬٢)، ولا ريب الماء الفرات واللبن العذب والعسل الم

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبا حفص

    'Umar bin ‘Abdul-‘Aziz عمر بن عبد العزيز (¬١): ويكنى أبا حفص، وأمه أم عاصم (¬٢) بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، خطبها عبد العزيز من أبويها وحملت إليه، فولد

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Nisba

    البصري

    هدية فأثابته وكسته. ومرت حفصة فأهدى لها فأغفلته فقال: ليس حفصة من رجال أم عاصم. وحكى بعض البصريين أن حفصة لم تحظ عنده كحظوة أم عاصم فقال: ليست حفصة من رجال أم عاصم، والأول أثبت.وقال الك

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Place Marker

    البصري

    هدية فأثابته وكسته. ومرت حفصة فأهدى لها فأغفلته فقال: ليس حفصة من رجال أم عاصم. وحكى بعض البصريين أن حفصة لم تحظ عنده كحظوة أم عاصم فقال: ليست حفصة من رجال أم عاصم، والأول أثبت.وقال الك

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
253825
Book record
shamela-9773
Source record
336649
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
'Umar bin ‘Abdul-‘Aziz — shamela-9773 · Hadith Research Library