page 2452, entry [461]Open original source
وأما بشر بن مروان فكان يكنى أبا مروان وشهد المرج فقتل خالد بن حصين الكلابي ومعه عمرو بن سعيد، فقال الشاعر يرثيه: ثوى خالد بالمرج غير ملوّم … ولا برم عام الرياح الصوارد لعمري لقد أرداه بشر لحينه … وعمرو فقد نالا كريم المشاهد هلاّ بني العاصي ذكرتم بلاءه … وما شاكر المعروف يوما كجاحد براهط إذ عبد العزيز معفّر … لدى مسند منكم وآخر ساجد فلا صلح أو تزقو لمروان هامة … عليه بأيدينا بواء لخالد وكان خالد صرع عبد العزيز يوم المرج ثم استبقاه، وهو من بني (أبي) بكر بن كلاب. وكان بشر منقطعا إلى عبد العزيز قبل ولاية عبد الملك الخلافة، فلما ولي الخلافة استجفاه بشر فقال: أتجعل صالح الغنوي دوني … ورحلي منك في أقصى الرحال سيغنيني الذي أغناك عنّي … ويفرج كربتي ويربّ مالي إذا أبلغتني وحملت رحلي … إلى عبد العزيز فما أبالي فولاه عبد الملك الكوفة، ثم أضاف إليه البصرة، فكتب إلى عبد العزيز: غنينا فأغنانا غنانا وعاقنا … مآكل عمّا عندكم ومشاربفكتب إليه عبد العزيز: هلاّ كتبت بأحسن من هذا، وهو قول عبد العزيز بن زرارة الكلابي: فأصبحت قد ودّعت نجدا وأهله … وما عهد نجد عندنا بذميم فقال بشر: صدق أبو الأصبغ رعاه الله فما عهده بذميم. وكان بشر ليّن الولاية، سهل الحجاب، طلق الوجه كريما، وكان صاحب شراب ينادم عليه. وقال كثيّر يمدح بشرا: أبا مروان أنت فتى قريش … وكهلهم إذا عدوّا الكهولا (¬١) وقال الأخطل: إذا أتيت أبا مروان تسأله … وجدته حاضنيه المجد والحسب ترى إليه رفاق الناس سائلة … من كلّ أوب على أبوابه عصب لا يبلغ الناس أقصى وادييه ولا … يعطي جواد كما يعطي ولا يهب (¬٢) وقال أيضا: إنّي دعاني إلى بشر فواضله … والخير قد علم الأقوام متّبع يا بشر لو لم أكن منكم بمنزلة … ألقى عليّ يديه الأزلم الجذع أنتم خيار قريش عند نسبتها … وأهل بطحائها الاثرون والفرع (¬٣)وقال أيضا: إذا وزن الأقوام لم تلق فيهم … كبشر ولا ميزان بشر يعادله أغرّ عليه التاج لا متعبّس … ولا زبرج الدنيا عن الحقّ شاغله إذا انفرج الأبواب عنه رأيته … كصدر اليماني أخلصته صياقله (¬١) قال الهيثم بن عديّ: وكان الفرزدق هجا خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وأميّة أخاه، فطلبه خالد وهو يتقلّد البصرة قبل بشر فآلى أن يقتله إن ظفر به، ووضع عليه الأرصاد فكان منطمرا لا يظهر، فلما قدم بشر البصرة استبطأه فبلغه أنه وجد عليه ثم إن بني تميم وجهوا معه من أبلغه البصرة فقال: لو أنّني كنت ذا نفسين إن هلكت … إحداهما بقيت أخرى لمن غبرا إذا لجئت على ما كان من حذر … وما رأيت حذارا يغلب القدرا كلّ امرئ آمن للموت آمنه … بشر بن مروان والمذعور من ذعرا تغدو الرياح وتمسي وهي فاترة … وأنت ذو نائل يمسي وما فترا (¬٢) في قصيدة، فحباه بشر وأكرمه وحمله على فرس رائع وكساه، وكان الفرزدق إذا حمل حمالة أدّاها بشر عنه، وإذا سأل حاجة قضيت له في نفسه ومن شفع له، ويدخل دار بشر فيدعو بشهوته من الطعام فيؤتى بها، حتى قيل إنّه نادم بشرا.وقال جرير أو غيره يذكر لين حجابه: بعيد مراد الطرف لم يثن طرفه … حذار الغواشي باب دار ولا ستر ولو شاء بشر حلّ من دون بابه … طماطم سود أو صقالبة حمر ولكنّ بشرا سهّل الباب للّتي … يكون له في غبّها الحمد والأجر (¬١) أبو الحسن المدائني، قال: اقحط الناس في أيّام بشر فاستسقوا وهو معهم فمطروا فقال سراقة بن مرداس البارقي بالكوفة: دعا الرحمن بشر فاستجابا … لدعوته فأسقانا السحابا وكان دعاء بشر صوب غيث … يعاش به ويحيي من أصابا ومرّ بشر بعد استسقائه بسراقة وقد دخل الماء داره فقال: ما هذا يا سراقة؟ قال: قد نرى أيّها الأمير هذا ولم ترفع يديك بالدعاء، فلو رفعتهما لجاءنا الطوفان فضحك بشر. وقال أعشى بني شيبان: رأينا ما خلا أخويه بشرا … من الفتيان سيّد عبد شمس وسيد من سواهم من قريش … فيصبّح خيرهم أبدا ويمسي إذا خلّى أخوك إلى أخيه … خلافته لسعد غير نحس فأنت الثالث الموصى إليه … وصيّة حازم في غير لبس وله يقول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي: ركبت من المقطّم في جمادى … إلى بشر بن مروان البريدا فلو أعطاك بشر ألف ألف … رأى حقّا عليه أن يزيداوقال أعشى بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان: لعمري لقد أمست معدّا وأصبحت … تحبّك يا بشر بن مروان كلّها تمنى وترجو أن تكون خليفة … وترجوك للدنيا وللدين جلّها في أبيات. وقال هشام بن محمد الكلبي: قام بشر بن مروان على المنبر فقام عبد الرحمن بن أرطاة بن شراحيل الجعفي، فقال له وقد تكلّم بشيء: اتق الله فإنك ميت ومحاسب، فأمر به فضرب أسواطا مات منها. قالوا: وأمر بشر بن مروان سراقة البارقي بهجاء جرير فهجاه سراقة، ويقال: بل هجاه مبتدئا فقال جرير: يا بشر حقّ لوجهك التبشير … هلاّ غضبت لنا وأنت أمير قد كان حقا أن تقول لبارق … يا آل بارق فيم سبّ جرير أسراق إنّك قد كسبت لبارق … أمرا مطالعه عليك وعور لا يدخلون عليك إنّ دخولهم … رجس وإنّ خروجهم تطهير تعطى النساء مهورهنّ سياقة … ونساء بارق ما لهنّ مهور (¬١) فلما سمع قوله قد كان حقّا أن تقول لبارق … يا آل بارق فيم سبّ جرير قال: أخزاه الله أما وجد وكيلا غيري. وحدثني محمد بن الأعرابيّ قال: لقي سراقة جريرا فقال له جرير: من أنت؟ قال: بعض من أخزاه الله على يدك، قال: أيّهم أنت؟ قال:سراقة، قال: البارقي؟ قال: نعم، فقال: والله لو ظننت بك ما رأيت منك لعفوت عن زلّتك. قال: وولّى بشر شرطته بالكوفة عكرمة بن ربعيّ من بني تيم الله بن ثعلبة. وقال هشام ابن الكلبي: بعث بشر بن مروان إلى موسى بن طلحة بمال وأمره أن يقسمه بين قرّاء أهل الكوفة، فأمّا مرّة الهمداني فلم يقبل من المال شيئا وما في بيته ما يساوي عشرة دراهم، وردّ أبو رزين العقيلي ما بعث به إليه، وامتنع منه، وقبل عمرو بن ميمون الأودي ما بعث به إليه، وقبل أبو جحيفة السوائي واسمه وهب بن عبد الله. حدثنا خلف بن هشام حدثنا هشيم بن حضين قال: أوّل من أحدث الأذان في العيدين بالكوفة بشر بن مروان، فلما سمع الناس ذلك أنكروه واستشرفوا له، وجعلوا يرفعون رؤوسهم تعجّبا. عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمارة بن رويبة الثقفي: أنّه رأى بشر بن مروان في يوم جمعة يرفع يده للدعاء، وهو على المنبر، فقال: انظروا إلى هذا الفاسق لقد رأيت رسول الله ﷺ، وما يزيد على هذا، وأشار بإصبعه السبّابة. المدائني، قال: عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة، وضمّها الى بشر بن مروان، وبعث إليه بعهده عليها، فجمع له العراقكلّه، وقد كان شرب التياذريطوس (¬١)، فلم يزل بالبصرة عليلا، ولما قدم ولّى المهلّب قتال الأزارقة. قال: وقدم الأخطل البصرة عليه وقد حمل ديات عن قومه، فأتى بني سدوس وفيهم سويد بن منجوف، ورجل من بني أسعد بن همّام فسألهم، فقال له الأسعدي: ألست القائل: إذا ما قلت قد صالحت بكرا … أبى الأضغان والنسب البعيد وأيّام لنا ولهم طوال … يعضّ الهام فيهنّ الحديد (¬٢) لا لعمر الله لا نرفدك ولا نعينك وإنّك منّا للهوان لأهل فقال: متى آت الأراقم لا يضرني … نتيت الأسعديّ وما يقول فإن تمنع سدوس درهميها … فإنّ الريح طيبة قبول وإنّ بني أميّة ألبستني … ظلال كرامة ليست تزول سيحملها أبو مروان بشر … فذاك لكلّ مثقلة حمول ويكفيني التي استكفيت منها … بفعل لا يمنّ ولا يحول (¬٣) فقال له بشر: يا أبا مالك وكم حمالتك؟ قال: خمسون ألفا، فأمر له بها، وقال أنا أحقّ برفدك من بني سدوس وبني أسعد. ولبشر يقول أعشى بني أبي ربيعة يا سيد الناس من عجم ومن عرب … وأفضل الناس في دين وفي حسبقالوا: وكان بشر صاحب شراب، فدخل البصرة بين الحكم بن المنذر بن الجارود ورجل آخر كان مدمنا للشراب، فعلم الناس أنّه لا يدع الشراب فلم يزالا نديميه حتى مات. وكان بشر يقول الشعر فلما اشتدّت علّته قال لعبد الملك: إذا متّ يا خير البريّة لم تجد … أخا لك يغني عنك مثل غنائيا يواسيك في الضرّاء واليسر جهده … إذا لم تجد عند الحفاظ مواسيا شريجان لوني من سواد وحمرة … تبدّلته من واضح كان صافيا وكم من رسول قد أتاني بعثته … إليّ ورسل يكتمونك ما بيا وحدثني الأثرم عن أبي عبيدة قال: كان بشر إذا سكر يقول خضّبوا يديّ، ويقول ائتوني برأس عبيد الله بن أبي بكرة، فلما بلغت أبيات بشر هذه ابن أبي بكرة قال: مالك بن الريب كان أشعر منه حين يقول: لعمري لئن غالت خراسان هامتي … لقد كنت عن بابي خراسان نائيا ولم يكترث لموته بل كان هيّنا عليه، ويقال: إنّ عبد الملك قال ذلك حدثنا روح بن عبد المؤمن حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن إبراهيم عن شريح: أنّه حبس رجلا في السجن، فأرسل إليه بشر أن أخرجه فقال: السجن سجنك والبوّاب عاملك، وأمّا أنا فإنّي رأيت في الحقّ أن أحبسه. وحدثنا عن سعيد عن الحكم عن خيثمة عن عبد الله بن شهاب قال: شهدت بشر بن مروان وأتاه رجل وامرأة في خلع فأبى أن يجيزه، فقال عبد الله بن شهاب: شهدت عمر بن الخطّاب وأتاه رجل وامرأة في خلع فأجازه، وقال: إنّما طلقك بمالك.المدائني، قال: بينا بشر، وخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وخالد بن عتّاب بن ورقاء، وعكرمة بن ربعي في شربهم. أمرت امرأة بشر وصيفة لها أن تخبرهم أنّ الشراب قد نفد، فجعل بشر يقول: اسقي ابن ربعي قعيبا واحدا … وخالدا من بعده وخالدا أما ترين الليل ليلا باردا … ولا تقولنّ لشيء نافدا حدثنا العمري عن الهيثم بن عديّ، عن مجالد، عن الشعبي قال: كانت إليّ مظالم بشر بن مروان، فأتيته يوما لأمر فإذا أعين مولاه جالس، وكان حاجبه وصاحب حرسه فقلت: أبا عمر استأذن لي عليه، فقال: إنّ الأمير لا يؤتى بالعشي، فقلت: أنّه امر لا بدّ من ذكره له. فأعلمه مكاني في رقعة رفعها إليه، فأذن لي فدخلت فإذا هو جالس على فرش صفر وعن يمينه وشماله وخلفه مرافق، وعلى رأسه إكليل ريحان، وعنده عكرمة بن ربعيّ، وخالد بن عتّاب بن ورقاء فقال: يا شعبي لو غيرك من الناس ما أذنت له، فقلت: إنّ عندي لك خلالا ثلاثا: الستر لما يجب أن يستر، والشكر لما تولي، والدخول معك فيما يحلّ ويجمل، ثم التفتّ فإذا حنين بن بلوع العبادي (¬١) المغنّي جالس على كرسيّ، وعليه قباء حشك شوي (¬٢) وقد لاث رأسه بمنديل مصريّ فتغنى، فقلت: يا حنين أرخ من البم (¬٣)، واشدد من الزير (¬٤)، فقال بشر: وما يدريك ما هذا؟ قلت: ظننت أنّ الأمر هناكووجدته في نفسي، قال: فهو والله هناك، ثم قال: من يلومني على الشعبي، قم يا نافع فأعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا، قال الشعبي: فلا أظنّ أحدا انصرف إلى أهله بمثل ما انصرفت به أعطيت ما أعطيت، ولم أدخل معهم في شيء ممّا هم فيه. وحدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن كناسة قال: لما قدم بشر بن مروان الكوفة قال لأبي بردة بن أبي موسى: إنّي أكره أن أبيت ليلة عزبا فهل من امرأة أتزوجها؟ قال: نعم هند بنت أسماء بن خارجة، قال: فاخطبها عليّ، قال: فقال لأبيها: إني أتيتك خاطبا لهند، قال: على نفسك، فإنّك كفء كريم؟ قال: لا بل على من هو خير لها منّي، الأمير بشر بن مروان، فقالت هند: زوّجه فأرسل إلى رجلين فأشدهما أنّه قد زوّجها بشرا، قال: ودخل بها فأقام عندها ثلاثا وأرسل إليها بمائة ألف درهم منها خمسون ألفا صداقها وخمسون ألفا صلة، ثم قعد عنها أيّاما فقالت: ما له؟ قالوا: إنّه يصيب الشراب، وأنت لا تشربين، فأرسلت إلى مولى لها بالسليحون (¬١) فحمل إليها شرابا جيّدا، وأمرت فعمل له سمك وجعل في محسي، ثم أرسلت إليه ليكن غداؤك عندي فأتاها فتغدّى فاستطاب غداءه ثم قال: لهذا ما يصلحه، فدعت بالشراب فوجده أجود من شرابه، فقال بقيت واحدة، فقالت: ما هي؟ قال: من يحادثنا، فأرسلت إلى أخويها: مالك بن أسماء، وعيينة فنادماه، فحظيت عنده وولدت له عبد الملك بن بشر.قالوا: وكانت لحجّار بن أبجر العجلي منزلة من بشر، فبينا هو جالس على سريره إذ دخل المتوكّل الليثي عليه فأنشده أبياتا فيها: تجرّم لي بشر غداة أتيته … فقلت له يا بشّر ما ذا التجرّم فقال بشر: ويلك لو صرت إلى ذلك لضربت عنقك، فقال: أصلح الله الأمير هذا كلام تسقط منه الحبالى، فقال حجّار: أو حبلى أنت يا متوكّل، فقال: ما إيّاك اخاطب، ولا عليك أدلّ، فقال حجّار: والله لو سألتني بمثل هذا الشعر درهما ما أعطيتك إيّاه، ولا رأيتك له أهلا، فقال: صدقت والله لو أتاك عيسى بن مريم فطلب مثل ذلك لمنعته إيّاه، فلما خرج حجّار قال له بشر: ويلك يا متوكّل كيف جئت بعيسى بن مريم من بين الأنبياء؟ قال: لأنّ أباه كان نصرانيّا، وهو يرقّ للنصرانيّة، فضحك بشر وقال: أتراه فطن لما أردت؟ قال: نعم والله وما أقامه إلاّ ذلك. حدثني عليّ بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى قال: قال بشر بن مروان لسراقة: أجرير أشعر أم الفرزدق؟ قال: الفرزدق، قال: فقل في ذلك أبياتا فقال: أبلغ تميما غثّها وسمينها … والحكم يقصد مرّة ويجور أنّ الفرزدق برّزت آباؤه … عفوا وغودر في الغبار جرير ما كنت أوّل مقرف عثرت به … أعراقه إنّ اللئيم عثور ذهب الفرزدق بالفضائل والعلى … وابن المراغة مفحم محسور فكتبها بشر، وبعث بها إلى جرير مع رسول، وقال: لا تبرح حتى ينقضها فذلك حين يقول جرير:يا بشر حقّ لوجهك التبشير … هلاّ غضبت لنا وأنت أمير قد كان حقا أن تقول لبارق … يا آل بارق فيم سبّ جرير أسراق إنّك قد كسبت لبارق … أمرا مطالعه عليك وعور تعطى النساء مهورهنّ سياقة … ونساء بارق ما لهنّ مهور لا يدخلنّ عليك أنّ دخولهم … رجس وإنّ خروجهم تطهير إنّ الكريمة تنصر الكرم ابنها … وابن اللئيمة للّئام نصور فلما قرئت القصيدة على بشر قال: أما وجد ابن المراغة رسولا غيري وقال جرير: يا ربّ قائلة تقول وقائل … أسراق إنّك قد غويت سراقا إنّ الذين عووا عواءك قد لقوا … منّي صواعق تقطع الأعناقا ولقد هممت بأن أدمّر بارقا … فحفظت فيهم عمّنا إسحاقا (¬١) قالوا: وجعل جرير يوما ينشد، وسراقة يقول: أحسنت والله، فقال له: يا فتى من أنت؟ قال بعض من أخزى الله على يدك، قال: وأيّهم أنت؟ قال: سراقة البارقي، قال: لو علمت أنّك على ما شاهدت لعفوت عنك. وقال ابن قيس الرقيّات في بشر بن مروان: يا بشر يا بن الجعفريّة ما … خلق الإله يديك للبخل جاءت به عجز مقابلة … ما هنّ من جرم ولا عكل فقال له بشر: احتكم، قال: أعطني عشرين ألف درهم، قال: قبحك الله لك عشرون وعشرون، وعشرون وعشرون، فأعطاه مائة ألفدرهم، وقد قال قوم: إن هذا الشعر لابن الزبير الأسدي، وقيل: لأعشى بني أبي ربيعة، وفيها أنت ابن الأشياخ الذين لهم … في بطن مكّة عزّة الأصل (¬١) وقال ابن الزبير: كأنّ بني أميّة حول بشر … نجوم وسطها قمر منير هو الفرع المقدّم في قريش … إذا أخذت مآخذها الأمور فأمر له بخمسة آلاف درهم. وكان بشر يغري بين الشعراء، قالوا: أنشد أعشى بني أبي ربيعة بشرا: أمست أميّة بعد اثنين قد علموا … لو يوزنون ببشر كلّهم غلبوا فقال ما صنعت شيئا فقال: وجدنا ما خلا أخويه بشرا … من الأحياء سادة عبد شمس وجدتك أمس خير بني معدّ … وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الخير ضعفا … كذاك تزيد سادة عبد شمس فقال ما صنعت شيئا فقال: مكثت زمانا ثالثا ثمّ لم يزل … بك الجري حتّى كنت أنت المصليّا (¬٢) قال: نعم، قال: إن شئت جعلتك سابقا؟ قال: أمّا هذا فلا، وأعطاه عشره آلاف درهم وكساه.حدثني عمر بن شبّة قال: أعوز بشر بن غالب حتى لزم بيته فأتت امرأته عكرمة بن ربعيّ فقالت: هل أنت مسلفي خمسمائة درهم، فدفعها إليها وبعث رسولا ليعلم اين صارت، فلما عرف الذي له استسلفت الخمس المائة الدرهم أخذ ألف دينار وقرع على بشر بن غالب الأسدي بابه ليلا وقال: هذه ألف دينار فاقبضها، وقال إن تيسّر رددت وإن تعذّر فهو لك، قال ومن أنت؟ قال: إذا قبضت المال أخبرتك فلما قبضه قال: أنا عكرمة بن ربعيّ جابر عثرات الكرام، فدخل بشر بيته مهموما فقالت له امرأته: مالك؟ فأخبرها خبر عكرمة وما صنع وقال: لا أزال متضائلا حتى أردّ ماله أو أكافيه، قالت: فمنه والله أخذت الخمس المائة، فلما قدم بشر بن مروان الكوفة أرسل إلى بشر بن غالب الأسدي يسأله أن يلي شرطته، وكان إذا ولّى رجلا شرطته أمر له بمائة ألف درهم، فقال: لست أضبط أمر الشرطة ولا أقوم به ولكنّي أشير عليك برجل؟ قال: ومن هو؟ قال: عكرمة بن ربعي فولاه شرطته وأمر له بمائة ألف درهم. قال المدائني: كان أيمن بن خريم بن فاتك عند عبد العزيز بن مروان بمصر، فدخل عليه نصيب فأنشده مديحا امتدحه به فقال لأيمن: نصيب أشعر منك، قال: لا والله ولكنّك ظرف ملول، فقال: أتقول إنني ملول وأنا أؤاكلك مذ كذا وكذا، وكان بأيمن بياض في يده فغضب، ولحق ببشر بن مروان وقال: ركبت من المقطّم في جمادى … إلى بشر بن مروان البريدا فلو أعطاك بشر ألف ألف … رأى حقا عليه أن يزيدا فأمر له بمائة ألف درهم.قال: ومرّ به نصيب بالكوفة فقال له: إنّي تركت غديرا ناضبا وأتيت بحرا زاخرا. وكان بشر لا يؤاكل أيمن واشتهى يوما لبنا وقال للحاجب اخرج فانظر لي من يأكل معي، فخرج فأدخل أيمن بن خريم فلما رآه بشر ساءه، فقال: إنّي اشتهيت البارحة لبنا فهيّئ لي، وأصبحت أنوي الصوم فأتيت باللبن فلما وضع بين يديّ ذكرت أني صائم وليس أحد بأحقّ بأكله منك، فدونكه فلم يلبث أن صفّره وكان يغيّر بياض يده بالزعفران. حدثني الحسن الورّاق عن هشام ابن الكلبي قال: كانوا يقولون إنّ دية الضرطة أربعون درهما وقطيفة، فأتي بشر بن مروان بتراس فأمر جلساءه بغمزها، فغمز رجل من بني هلال ترسا منها فضرط، فضحكوا منه فغضب بشر وقال: وكم دية الضرطة؟ قالوا: أربعون درهما وقطيفة، فأمر للهلاليّ بأربعين ألفا وأربعين قطيفة خز، فقال الشاعر: أيضرط ضارط من غمز ترس … فيعطيه الأمير لها بدورا فيا لك ضرطة عادت بخير … ويا لك ضرطة أغنت فقيرا فودّ القوم أن ضرطوا جميعا … فنالوا من عطيّته عشيرا أيقبل ضارطا ألفا بألف … ليرخص أصلح الله الأميرا فلما أنشد الشعر قال: لا حاجة لنا في ضراطه، وأمر له بأربعة آلاف درهم وهذا الثبت، وقوم يزعمون: أنّ الضارط كان عند خالد القسري. المدائني، قال: دخل الأخطل على بشر وعنده الراعي عبيد بن حصين فقال بشر: أأنت أشعر أم هذا؟ قال: أنا أشعر منه وأكرم، فقال للراعي: ما تقول؟ قال: أمّا شعره فلا أدري، وأمّا قوله أكرم فإن كان فيأمّهاته من ولدت مثل الأمير فقد صدق، فلما خرج الأخطل من عند بشر قال له رجل: ويلك أتقول لخال الأمير أنا اكرم منه؟ قال: إنّ أبانسطوس الخمّار وضع في جمجمتي، أكؤسا لا والله ما أعقل معها ما أقول، وللأخطل في بشر شعر. وقال الكلبي: كان ممّن ينادم بشرا بالبصرة الهذيل بن عمران بن الفضيل التميمي ثم الحنظلي. قال: ولم يزل بشر على الكوفة حتى ضمّت إليه البصرة سنة أربع وسبعين، فانحدر إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث المخزومي، فكان عليها حتى مات بشر بالبصرة، وولي الحجاج العراق. وقال مالك بن دينار: لما مات بشر ودفن مات أسود فدفن إلى جانبه فتبعنا جنازته ودفن عند قبر بشر بن مروان، فلما أتت عليه أيام مررت فلم أعرف قبر هذا من قبر هذا، فذكرت قول الشاعر: وسواء قبر مثر ومقلّ وقال المدائني: كان مقام بشر بالبصرة شهرين، ويقال: أربعة اشهر، وكان شرب التياذريطوس فأمرضه حتى هلك، وكان أوّل أمير بالبصرة مات بها، ودفن بشر إلى جانب قبر سلم بن زياد ومشى الفرزدق في جنازته ومعه فرس كان حمله عليه، وهو يقوده حتى إذا فرغ من دفنه عقر الفرس على القبر وأنشأ يقول: أقول لمحبوك السراة معاود … سباق الجياد قد أمرّ على شزر ألست شحيحا إن ركبتك بعده … ليوم رهان أو غدوت معي تجري حلفت له لا أركب الدهر بعده … صحيح النسا حتى يكوس على القبروقال الفرزدق يرثيه: أعينيّ إلاّ تسعداني ألمكما … فما بعد بشر من عزاء ولا صبر فلو أنّ قوما دافعوا الموت بعده … بشيء لدافعت المنيّة عن بشر ولكن فجعنا والرزيئة مثله … بأبيض ميمون النقيبة والأمر فإلاّ تكن هند بكته فقد بكت … عليه الثريّا في كواكبها الزهر أغرّ أبو العاصي أبوه كأنّما … تفرّجت الأبواب عن قمر بدر على ملك كاد النجوم لفقده … تدهدى وتلكّ الراسيات من الصخر سيأتي أمير المؤمنين مصابه … وعبد العزيز للإمارة في مصر بأنّ أبا مروان بشرا أخاهما … ثوى غير متبوع بعجز ولا غدر (¬١) في قصيدة. ولما احتضر بشر استخلف خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص على البصرة فكان عليها بعد وفاة بشر حتى ولي الحجّاج العراق، فولّى الحكم بن أيوب، ويقال: وجّه ابن أبي بكرة، حتى قبض العمل من خالد ثم ولّى الحكم بعده. وقال أبو اليقظان: قدم بشر البصرة فأقام بها ستة أشهر ويقال أربعة أشهر، فشرب التياذريطوس فاشتد وجعه، ويقال: شربه بالكوفة ثم شخص إلى البصرة فأمرضه السعب (¬٢) فمات بالبصرة بعد أشهر.قال: ولما قدم بشر جعل يسأل عن الأشعار والشعراء وكان جوادا. وقال ابن الكلبي وغيره: كتب ابن الزبير بعد مقتل مصعب بن الزبير إلى أهل العراق يدعوهم إلى طاعته مع رجل من الأنصار، فنزل الرجل على نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، وكان نعيم يذمّ بشرا وينسبه إلى الفسق والأفن، ويقرّظ ابن الزبير، ويدعو إلى طاعته سرّا، ويقال: إنّه كان مع الأنصاريّ كتاب إلى نعيم، فعلم حوشب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني بخبر الأنصاري ونعيم، فسعى بنعيم إلى بشر فقتل الأنصاري وقتل نعيما، وقال بعضهم: سعى بنعيم يزيد بن الحارث، وذلك وهم لأنّ يزيد قتل بالريّ حين لقيته الخوارج، وقال بعضهم: إنّ الأنصاريّ لما قتل جعل نعيم يذكر ابن الزبير بخير ويذكر بشرا بشرّ، فسعى به يزيد فدعا به بشر فقتله صبرا، وأنّه لم ينزل على نعيم ولا كان معه كتاب، والله أعلم. قالوا: وكان بشر بن مروان يطعم خاصّته وحرسه، ولا يطعم العامّة، وكذلك كان مصعب بن الزبير قبله.