page 2203, entry [419]Open original source
مقتل عمرو بن سعيد بن العاص قال أبو مخنف في روايته وغيره. كان عمرو بن سعيد أشد الناس في أمر مروان حتى ولي الخلافة، وقاتل معه الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط، فلما مات مروان وبويع عبد الملك بالخلافة بلغه أن مصعب بن الزبير بن العوام يريد الجزيرة متوجهاً من العراق، فسار عبد الملك حتى شارف الفرات ومعه عمرو بن سعيد الأشدق، فقال له عمرو: إنك تشخص إلى العراق فقد كان أبوك أوعدني (¬٢) أن يوليني الأمر بعده، وعلى ذلك قمت بشأنه وحاربت معه، فاجعل لي الأمر بعدك،فلم يجبه عبد الملك بشيء مما يسره، فانصرف عن عبد الملك وقصد إلى دمشق حتى دخلها وقال: إن مروان كان ولاني عهده ولذلك قمت بنصره وصنعت ما أنتم عالمون به، فبايعه عبد الملك بن يزيد بن أسد بن كرز - وهو أبو خالد بن عبد الله البجلي ثم القسري - ثم بايعه وجوه أهل دمشق ومالوا إليه لسخائه وجود كفه، وألقى على سور دمشق المسوح والخشب والكرابيس والفرش المحشوة وتهيأ للحصار واستعد له، وبلغ عبد الملك خبره فانكفأ راجعاً يغذ السير ويجد فيه حتى أتى دمشق، وقد أغلق عمرو أبوابها وجعل على شرطه عبد الله بن يزيد، فحاصره عبد الملك ولم يزل يراسله ويمنيه ويعده، وضمن له أن يوليه بيت المال والديوان ويجعل له ولاية الأمر بعده مقدماً على عبد العزيز، وكتب بينه وبينه بما شرطه له كتاباً، فخرج عمرو إليه وهو في عسكره وكان نازلاً في قصر بالمعسكر وأصحابه حوله، فلما دخل عليه بسطه ووانسه ثم قال: يا أبا أمية إني حلفت أن أجعل في عنقك سلسة وأوثقك بجامعة ثم لا بأس عليك، فأوثق وجعل السلسلة في عنقه، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين أخرجني إلى الناس لأقوم فيهم بما تحب وأقول ما تريد، وإنما التمس أن يخرجه من عنده فيخلصه أصحابه وكانوا مطيفين بالقصر، فقال عبد الملك: هيهات أمكراً في السلسلة أبا أمية، ثم قال عبد الملك لبشر بن مروان: قم فاقتله، فأبى، وقال لعبد العزيز: اقتله، فأبى، فأسمعهما وشتمهما وعجزهما، ثم قال لأبي الزعيزعة البربري مولاه: خذه اليك فاقتله، فجره بالسلسلة فقال: ارفق ارفق، وأصاب فمه الأرض وخديه، فقال: فمي فمي فقال عبد الملك: اللهم اخزه فما أحمقه يسأل الرفق ويشكو فمه وهو يُجرّ للقتل، ثم قال لأبي الزعيزعة: لاأنصرفن من الصلاة إلا وقد كفيتنيه، فقتلهأبو الزعيزعة قبل انصرافه، ذبحه ذبحاً، فلما انصرف عبد الملك من صلاته أمر برأسه فاحتز ورمى به إلى أصحابه الذين حضروا باب القصر، ومعهم يحيى بن سعيد أخوه، فشدٌ يحيى على الوليد بن عبد الملك وهو قائم على باب القصر بالسيف، فلما رآه أدبر فضرب به أليته، فبادر الوليد فدخل، وأمن عبد الملك الناس أسودهم وأبيضهم ولم يعرض ليحيى في ذلك الوقت ولا لغيره، ودعا الناس إلى العطاء، ولحق يحيى بن سعيد بمصعب بن الزبير فصار معه، فلما رآه مصعب قال: يا يحيى أفلت العير وانحص الذنب، قال: إنه لبهلبه (¬١). وحدثني هشام بن عمار الدمشقي أنبأنا صدقة بن خالد القرشي عن خالد بن دهقان قال: كان عمرو بن سعيد في عسكر عبد الملك وقد فصل من دمشق وهو يريد العراق فقال له: إن أباك وعدني أن يجعل لي الأمر بعده فبايع لك ولعبد العزيز إن كان بعدك، فاجعل لي العهد بعدك، فقال له: يالطيم الشيطان أو أنت تصلح للخلافة: أنت ذو كبر وجبن وسرف وعجب وإفك ظاهرٍ، لا ولا كرامة ولا نعمة عين، فانخزل عنه وأتى دمشق ودعا إلى نفسه، وكان سخياً، فبويع وأغلق أبواب المدينة واستعد للحصار، فرجع عبد الملك وترك وجهه ذلك، فحاصره وجعل يرسل إليه ويعده ويرفق به ويحلف له ليولنيه عهده، فقبل ذلك وسكن إليه وخرج إلى عبد الملك، فيقال إنه دخل عليه وهو في قصر كان في عسكره وأصحابه مطيفون به فقتله من يومه.قال صدقة، وقال غير خالد بن دهقان: أنه فتح أبواب دمشق لعبد الملك فدخلها ونزل في دار الخلافة، وكان عمرو يركب إليه أياماً، ثم إنه جعل في عنقه جامعةً فقال له: يا أمير المؤمنين أنشدك الله أن تخرجني إلى الناس في هذه الجامعة فيروني، وإنما أراد أن يريه كراهته للخروج، يغريه ذلك بإخراجه فيخلصه أصحابه، فقال أمكراً في الجامعة أبا أمية؟ ثم أمر أبا الزعيزعة بقتله فقتله، وجعل يحيى بن سعيد أخوه ومن كان على باب القصر من أصحابه يقولون: يا أبا أمية ما خبرك؟ أسمعنا كلامك؛ فأمر عبد الملك برأسه فاحتز ورمي به إليهم فسكنوا، ووثب أصحاب عمرو على بيت المال بدمشق فانتهبوه، فلم يعرض لهم عبد الملك فيه حتى إذا استقام الأمر أخذهم به فارتجعه وفضل مائة ألف درهم. قال هشام: وسمعت بعض مشايخنا يحدث أن عبد الملك خرج إلى الصلاة وأمر أبا الزعيزعة أن يقتله قبل انصرافه من الصلاة، فلما ابتدأ عبد الملك صلاته ضج أصحاب عمرو فقالوا: أخرجوه إلينا، فوضع عبد الملك يده على أنفه كأنه قد رعف ثم انسل فدخل القصر، وأمر برأس عمرو فاحتز وألقاه إلى أصحابه فسكنوا. وحدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم حدثني رجل من ولد سعيد بن العاص قال: خرج عبد الملك إلى صلاة العصر، وأقبل يحيى بن سعيد في خلق ينادون: يا أبا امية أين أنت؟ اخرج إلينا، أسمعنا كلامك، فراع ذلك عبد الملك فقال: ما أحسبني على طهر للصلاة، ودخل القصر كأنه يريد الطهور، وإذا عمرو مقتول، فأمر برأسه فألقي إلى اصحابه والناس، ثم وضع لهم المال ودعاهم إلى العطاء فسكتوا.المدائني عن عليّ بن مجاهد بن عبد الأعْلىَ بن ميمون بن مِهْران قال: لما صالح عمرو بن سعيد عبد الملك دخل عبد الملك دمشق فأقام بها وعمرو يدخل عليه مُكرَماً، فدخل عليه ذات يوم فكلّمه بكلام شديد، فأغلظ له عمرو وقال: إني لأحقّ بالخلافة منك فإن شئتَ فافْسَخ الصلح وأَعِد الحرب، فأمر به فجعلت في عنقه سلسلة وأُوثق بجامعة من فضّة، ثم قال لعبد العزيز بن مروان: قم فاضرب عنقه فأَبى، فقال لأبي الزعيزعة مولاه: لا أرجعنّ من الصلاة إلا وقد قتَلته وأرحتني منه، فخرج إلى صلاة العصر فلما أنصرف وجد أبا الزعيزعة قد ضرب عنقه، فأمر برأسه فألقي إلى أصحابه وكانوا مجتمعين يطلبونه ومعهم يحيى بن سعيد أخوه. وقال هشام بن عمّار: سمعت من يذكر أن أبا الزعيزعة أدخل سيفه في ظهر عمرو حتى أخرجه من بطنه ثم جذبه ففاضت نفسُه. وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عَديّ عن ابن عياّش الهمذاني وأبي جنّاب قالا: قال قبيصة بن ذؤيب الخزاعيّ: كنت عند عبد الملك بن مروان أنا وحسّان بن مالك بن بَحْدَل الكلبي وولده وإخواته وأبو الزعيزعة مولاه فجاء الآذان فأستأذن لعمرو بن سعيد، فأذن له وجعل يقول: إحْذَرْ عدَوَّكَ أن يكونَ صُدَيَّقاً … وإذا هَمَمتَّ بفتِلِهِ فتمكن أدنيته مني ليسكن روعه … فأصول صولة حازمٍ مستمكن غضباً ومحميةً لديني إنه … ليس المسيءْ سبيله كالمحسنِ ثم التفت إلي وإلى حسان فقال إن شئتما فقوما، فلما نهضنا وقد أقبل عمرو قال عبد الملك وهو يتضاحك: يا حسان أنت أطول من قبيصة، ثمخرجنا فقال حسان: هو والله قاتله، إن عبد الملك رجلٌ ليس في منطقه فضل، إنما مازحنا ليؤنسه ثم يثب به. قال: وسلم عمرو ثم جلس مع عبد الملك على سريره فحادثه ساعة ثم أقبل أبو الزعيزعة فأخذ السيف عن عاتقه فقال: يا أمير المؤمنين أيؤْخذ سيفي؟ فضحك عبد الملك ثم قال: أوتَطْمع لا أبا لغيرك أن تقعدَ معي بسيفِ بعد الذي كان منك؟ فأطرق عمرو ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية إنّي كنت أعطيت الله عهداً إن ملأت عيني منك مستمكناً أن أجمع يديك إلى عنقك ثم أثقلك حديداً، فقال عبد العزيز بن مروان: ثم تصنع ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: ثم أطلقه وما عسيت أن أصنع بأبي أمية؟ قم يا أبا الزعيزعة فأت بجامعة وقيدٍ، فأتى بهما وكانا قد أعدا له فصيرهما في عنقه ورجليه، فقال عمرو: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيهما على رؤوس الناس، فقال: أو مكراً يا أبا أمية، لعمري ما أخرجك فيهما ولا أخرجهما منك إلا صعداً، ثم جذبه أبو الزعيزعة جذبةً سقط منها على وجهه فأصابت قائمة السرير تثنيته فانكسرت، فقال: يا عبد الملك نشدتك الله أن يدعوك كسر عظمٍ مني إلى أن تركبني بأشد منه، فقال: يا أبا أمية لو علمت أن العرب والعجم يبقون هملاً ويصلح أمر قريش فقط لفديتك بدم النواظر، ولكنه والله ما اجتمع فحلان في هجمةٍ قط إلا قتل أحدهما صاحبه، قم يا عبد العزيز فاضرب عنقه؛ وخرج عبد الملك لصلاة العصر وإذا يحيى بن سعيد قد وافى في ألفٍ من مواليه من أهل حمص، فلما أحس به عبد الملك أمسك أنفه بيده كالرعيف وقدم ابن أم الحكم الثقفي وكان خلفه، فصلى ابن أم الحكم بالناس، ودخل عبد الملك القصر فقال لعبد العزيز: ما صنعت؟ قال: يا أميرالمؤمنين ناشدني الله والرحم فكرهت قتله، فقال: أخزى الله أمك البوالة على عقبيها فإنكّ لم تشبه غيرها - وكانت أمه ليلى بنت زبان بن الأصبغ الكلبي - أدنه يا غلام، فأضجع له ثم ذبحه بيده بالسيف ذبحاً وهو يقول: يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي … أضربك حيث تقول الهامة (¬١) اسْقوني قال: وانقضت الصلاة وخرج يحيى بن سعيد إلى الباب في مواليه وأصحابه، فكثر ضجيجهم وجعلوا يقولون: أسمعنا صوتك يا أبا أمية، فخرج إليهم الوليد بن عبد الملك في موالي عبد الملك وغيرهم فناوشوهم فأصابته ضربة على أليته وذلك الصحيح - ويقال على رأسه - فأخذه ابن أرقم فأدخله بيتا وأجاف عليه الباب، ودخل عبد الرحمن بن أم الحكم من باب المسجد فقال لعبد الملك: أيها الرحل ما صنعت فقد جل الخطب؟ قال: قتلته، قال: أصاب الله بك الخير والرشد، فأخذ ابن أم الحكم الرأس فرمى به إلى أصحاب الأشدق فانكسروا حين يئسوا منه، وأمر عبد الملك ببيت المال ففتح ونادى في الناس أن احضروا أعطياتكم، فأقبل الناس وتركوا ما كانوا فيه. ووضع لعبد الملك سرير فخرج فجلس عليه وهو يقول: اين الوليد والله لئن كانوا أصابوه لقد أدركوا ثأرهم، فأخبر بمكانه وأنه لم يصب فأمسك، وأمر عبد الملك فنودي: من أتى بيحيى بن سعيد أو بأحد من ولد سعيد فله ألف دينار فأخذوا جميعاً من ساعتهم فأمر بإشخاصهم إلى الكوفة فصار يحيى مع مصعب بن الزبير.المدائني عن سحيم بن حفص قال: انتدب قوم يقاتلون عن عمرو بن سعيد فبعث إليهم عبد الملك قوماً فقاتلوهم وعليهم خالد بن الحكم بن أبي العاص. قالوا: وقال عوانة بن الحكم: كان عبد الملك يتمثل قبل قتل عمرو. يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي … أضربك حتى تقول الهامة اسقوني وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه عن أبي صالح ابن عباس أنه بلغه قتل عبد الملك عمراً الأشدق فقال: أيها الناس إن عبد الملك قتل ابن عمه وابن عمته بعد أن آمنه فلا تأمنوه ولا تصدقوه. قالوا: وكان ابن الحنفية قد شخص يريد عبد الملك بن مروان، فلما بلغه قتله عمراَ بعد الذي أعطاه من المواثيق استوحش فانصرف إلى الحجاز. وقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص، ويقال بشر بن مروان: أعيني جودا بالدموع على عمرو … عشية شددنا الخلافة بالغدر كأنَّ بني مروان إذ يقتلونه … بغاثٌ من الطير اجتمعن على صقر فرحنا وراح الشامتون بنعشه … كأن على أكتافها فلق الصخر لَحا الله دنيا تدخل النار أهلها … وتهتك ما دون المحارمِ من سترِ وما كان عمروٌ عاجزا غير أنه … أتته المنايا بغتة وهو لا يدري وقال يحيى بن سعيد أخو الأشدق: غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل … ومثلكم يبني البيوت على الغدر وددت وبيت الله أني فديته … وعبد العزيز يوم يضرب في الخمر وكان مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ضرب عبد العزيز في شراب، ويقال بل حدة عمرو بن سعيد.وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن أشياخه قال: بايع عبد الملك أهل الشام والجزيرة، إلا زفر بن الحارث الكلابي فإنه غلب على قرقيسسياء وتحصن بها، فخرج إليه عبد الملك وخلف بعقبه عمراً الأشدق، فغلب على دمشق وأغلق أبوابها وأعطى أهلها عطايا كثيرة، فرجع عبد الملك حين أتاه الخبر، فأغلق عمرو أبواب المدينة وتحصن، فقال له عبد الملك: إنك إذا أفسدت أمر أهل بيتك، وأطمعت فيهم عدوهم، وفيما صنعت قوةٌ لابن الزبير، أرجع إلى بيعتك وطاعتك فإني اجعل لك العهد وأنفذ كل ما أعطيت من الأموال، فرضي وفتح الأبواب ودخل عبد الملك المدينة، ومع عمرو خمسمائة رجل ينزلون حيث نزل، فقال عبد الملك لحاجبه: ويحك أتستطيع إذا جاء عمرو بن سعيد أن تغلق الباب دون أصحابه؟ قال: نعم، قال: فافعل؛ وكان عمرو عظيم الكبر لا يرى لأحد عليه فضلاً ولا يلتفت إذا مشى، فلما جاء فتح له الحاجب، وأعوانه بالباب دون أصحاب عمرو، ومضى وهو لا يلتفت وهو يظن أن أصحابه قد دخلوا معه كعادتهم، فعاتبه عبد الملك طويلاً وكان قد أوصى أبا الزعيزعة صاحب شرطه أن يضرب عنقه، فكلمه عبد الملك فأغلظ له، قال لعبد الملك: أتستطيل عليّ كأنك ترى أن لك عليّ فضلاً، إن شئت نقضت العهد بيني وبينك ثم نصبت لك الحرب، فقال عبد الملك: فقد شئت، فقال عمرو: قد فعلت، ثم قال عبد الملك: يا أبا الزعيزعة شأنك به، فنظر عمرو فإذا ليس أصحابه في الدار، فسقط في يده، فدنا من عبد الملك فقال: وما يدنيك مني؟ قال: أستعطفك بما بين الرحم والقرابة، فقال لأبي الزعيزعة: إيه، فقتله أبو الزعيزعة فقال عبد الملك: ارموا برأسه إلى أصحابه، فلما رأوهتفرقوا وخطب عبد الملك فذكر عمراً وشقاقه وما جنى بعقوقه ومروقه وادعائه ما ليس له حتى قتله، وأنشد: أدنيته مني ليسكن نفره … وأصول صولة حازمٍ مستمكنِ غضباً ومحميةً لديني إنه … ليس المسيء سبيله كالمحسنِ وكان عبد الملك إذا توعد رجلاً قال: إن جامعة عمرو عندي، والله لا يدخل فيها عنق رجل فيخرج منها إلا صعداً؛ وقال هذه المقالة في خطبته بالكوفة.