page 2153, entry [406]Open original source
خبر عبيد الله بن زياد بعد موت يزيد بن معاوية ومقتل مسعود بن عمر قال هشام ابن الكلبي في إسناده: أتى عبيد الله بن زياد خبرُ وفاة يزيد بن معاوية وهو بالبصرة، وخليفته على الكوفة عمرو بن حُريث المخزومي، فقال لأهل البصرة: إن شئتم فبايعوني بالإمرة حتى تنظروا ما يصنع الناس وتروا رأي من رواءكم، فبايعه أهل البصرة على ذلك، ووجّه عبيد الله من البصرة عامر بن مسمع من بني قيس بن ثعلبة وسعد بن القرحاء ليعلما أهل الكوفة ما كان من أهل البصرة ويسألاهم البيعة لابن زياد على الإمرة حتى يصطلح الناس على إمام، فجمع عمرو بن حريث الناس وعرض ذلك عليهم، وأمر عامر بن مسمع أن يتكلم فتكلم ودعاهم إلى البيعة لعبيد الله وقال: إنما الكوفة والبصرة شيء واحد فليكن أمرنا وأمركم مجتمعاً، وقام سعد بن القرحاء فقال نحواً من ذلك، فقام يزيد بن الحارث بن رُويم الشيباني فحصبهما، ثم حصبهما الناس وقالوا: أنحن نبايع لابن مرجانة! لا ولا كرامةً، فشرُف بذلك يزيد بالمصر وارتفع، فرجع الرجلان إلى البصرة فأخبرا الناس الخبر فقال أهل البصرة: أيخلعه أهل الكوفة ونبايعه نحن؟هذا ما لا يكون! فوثب الناس به وكان عبيد الله يقول: ما نزلت بزياد نازلة فاستجار فيها إلا بالأزد، فاستجار بمسعود بن عمرو الأزدي من ولد معن بن مالك بن فهر (¬١) بن غنم بن دوس، وكان مسعود يُدعى القمر لجماله، وهو جد الوجناء الحبلي فيما يقال، فأجار ابن زياد ومنعه، فمكث ابن زياد بالبصرة أربعين ليلة بعد موت يزيد، ثم خرج إلى الشام، واستخلف مسعوداً على البصرة، ووجّه معه مسعود مَن شخَصَ به إلى مأمنه من الشام؛ فقالت بنو تميم وقيس: لا نرضى ولا نولي علينا إلا رجلا ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: استخلفني عبيد الله ولا أدع ذلك أبداً، وخرج في قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعت بنو تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا له: إن الأزد قد دخلت المسجد، فقال الأحنف: وإن دخلوه فمه، إنما هو لكم ولهم وأنتم تدخلونه أيضاً، ثم قالوا: إن مسعوداً قد دخل القصر وصعد المنبر، وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا بنهر الأساورة حين مضى عبيد الله إلى الشام، فزعموا أن الأحنف بعث إلى أولئك الخوارج: إن الرجل الذي دخل القصر عدو لنا ولكم، فما يمنعكم أن تبدأوا به؟ فجاءت عصابة من الخوارج حتى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه، فضربه علج فارسي يقال له مسلم، وكان مسلم هذا دخل البصرة فأسلم وصار مع الخوارج، فضرب مسعوداً فقتله وخرج، فجال بعض الناس في بعض وقالوا: قتل مسعود، قتله الخوارج، فخرج الأزد إلى تلك الخوارج فقاتلوهم، فقتلوا منهم وطردوا من بقي وأخرجوهم عن البصرة، ودفنوا مسعود بن عمرو، وجاء ناس منالناس إلى الأزد فقالوا: أتعلمون أن قيساً من بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعوداً؟ فبقيت الأزد تسأل عن ذلك، فإذا قوم يقولون ويتحدثون بما كان من رسالة الأحنف، فاجتمعت الأزد عند ذلك إلى زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي فرأسته عليها، ثم ازدلفوا إلى بني تميم وخرج مع الأزد مالك بن مسمع في بكر بن وائل، وأتت بنو تميم الأحنف فقالوا له: قد جاء القوم فأخرج، فجعل يتمكث حتى جاءته امرأة من بني تميم من قومه فقالت: يا أحنف اجلس على هذا، وأشارت إليه بإصبعها الإبهام، أي إنما أنت امرأة، فقال: استك أحق به، فما سمعت من الأحنف قط كلمة أرفث منها؛ ويقال إنها جاءته بمجمر فقال: استك أولى بالمجمر، ثم دعا الأحنف برايته فقال: اللهم أنصرها ولا تذلها، اللهم احقن دماءنا وأصلح ذات بيننا، وكانت قيس مع بني تميم، فسار الأحنف وسار بين يديه ابن أخته إياس بن قتادة بن أوفى من بني عيد شمس بن سعد، فالتقى القوم فاقتتلوا أشد قتال فقتل بينهم قتلى كثيرة، فقالت بنو تميم: الله الله يا معشر الأزد في دمائنا ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن أو من شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بقتل مسعود بينة فاختاروا أفضل رجل منا فاقتلوه به، وإن لم تكن بينة فنحن نحلف لكم بالله أنا ما قتلنا ولا أمرنا، وإن الخوارج أعتمدت صاحبكم من قبل أنفسهم، وأنا لا نعرف قاتله، وإن كرهتم ذلك فنحن ندي صاحبكم مائة ألف درهم، فاصطلحوا، وأتاهم الأحنف في وجوه مضر إلى منزل زياد بن عمرو العتكي فقال لهم: يا معشر الأزد أنتم جيراننا في الدار وإخواننا عند القتال، وقد أتيناكم في رحالكم لنطفئ حسيكتكم (¬١) ونسلّسخيمتكم، ولكم الحكم، فعولوا على أموالنا فإنا لا يتعاظمنا منها شيءٌ يكون فيه صلاح ذات بيننا، ولأنتم أحب إلينا من تميم الكوفة، فقالوا: تدون صاحبنا عشر دياتٍ، فقال: هي لكم، وأنصرف الناس وقد أصطلحوا. لا يتعاظمنا منها شيءٌ يكون فيه صلاح ذات بيننا، ولأنتم أحب إلينا من تميم الكوفة، فقالوا: تدون صاحبنا عشر دياتٍ، فقال: هي لكم، وأنصرف الناس وقد أصطلحوا. وقال هشام أبن الكلبي عن أبيه: إنهم قتلوا مسعوداً وهم يظنون أنه عبيد الله بن زياد فاقتتلوا، ثم إن إياس بن قتادة حمل الديات التي ودوه إياها وهي عشر؛ قال: وكان الأزد تقاتل وهي تقول: إياس لا نرضى به … أحنف لا ننطى به قال: وقتل مسعود وهو ابن ثمانين سنة؛ قال، وقال الهيثم بن الأسود النخعي أبو العُريان بن الهيثم بن الأسود: علا النعي لمسعودٍ فقلت لهم … نعم اليمانيُّ تنعى أيها الناعي وفى ثمانين لا يسطيعه أحد … حتى دعاه لرأس العدة الداعي آوى ابن حربٍ وقد سدت مذاهبه … وأوسع السرب منه أي إيساع وقال عبيد الله بن الحر الجعفي: مازلت أرجو الأزد حتى رأيتها … تقاصرُ من بنيانها المتطاولِ ومقتل مسعود فلم يثأروا به … وصارت سيوف الأزد مثل المناجلِ وما خير عقلٍ أورث الأزد ذلةً … يسب بها أحياؤهم في المحافلِ قالوا: وكان يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ الحميري قد قدم من كرمان حين مضى ابن زياد إلى الشام فقال: أعبيد هلا كنت أول فارسٍ … يوم الهياج دعا لحينك داع أسلمت أمك والرماح شوارعٌ … يا ليتني لك ليلة الأفزاعلأبن الزبير غداة يجمع أمره … أولى بغاية كل يوم وقاع وأحق بالصبر الجميل من امرئٍ … كَزٍّ أناملُهُ قصير الباع (¬١) وقال ابن الكلبي في إسناده عن أبي مخنف وغيره: لما أصطلح الناس وتفرقوا جعلوا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلي بهم، ارتضوا به، ثم إن ابن الزبير ولى البصرة القباع، وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وإنما سمي القباع لأن أهل البصرة أتوه بمكيال لهم فقال: ما هذا القباع، والقباع الأجوف، وله يقول أبو الأسود الديلي: أبا بكرٍ جزاك الله خيراً … أرحنا من قباع بني المغيره (¬٢) وأبو بكر عبد الله بن الزبير: قال: واجتمع أهل الكوفة على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي وكان يلقب دحروجة الجُعل لقصره، وفيه يقول عبد الله بن همام السلولي: يا بن الزبير أمير المؤمنين ألم … يبلغك ما فعل العمال بالعملِ باعوا التجار طعام الأرضِ واقتسموا … صلب الخراجِ شحاحاً قسمة النفلِ وقدموا لك شيخاً خائناً خذلاً … مهما يقل لك شيخٌ كاذبٌ يقل وقيل طالبُ حقٍّ ذو مزابنة (¬٣) … جلد القوى ليس بالواني ولا الوكلِ أشدد يديك بزيدٍ إن ظفرت به … واشف الأرامل من دحروجة الجعلِيريد مرثد بن شراحيل كان أساء في البيع، وزيد مولى عتاب بن ورقاء الرياحي كان خازنه، فمكث عامر ستة أشهر ثم عزله ابن الزبير وولى عبد الله بن يزيد الخطمي. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي أن مسعوداً آوى ابن زياد، ثم وجه معه رجلاً في جماعة فأبلغه مأمنه من الشام، وكان ابن زياد صير مسعوداً خليفته، فصعد مسعود المنبر وجعل يخطب، فبايعه قوم يهوون هوى بني أمية، فلم يزل كذلك إلى الليل، ثم أنصرف وقد تفرق الناس عنه، وبقي في جميعة، فلما صار في بنو تميم شدت عليه الخوارج فقتله، فاتهم بني تميم، وجعل قوم يقولون: إن الأحنف دسهم وجعلها زبيرية، يعني أنه دس للزبير (¬١) حتى قتل. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في روايته: عاد ابن زياد عبد الله بن نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي ثم خرج من عنده فلقيه حمران مولاه، وكان قد وجهه إلى يزيد، فأسر إليه موت يزيد وأختلاف أهل الشام، فأمر عبيد الله فنودي الصلاة جامعة، ثم خطب فنعى يزيد وحض الناس على الطاعة وقال: أختاروا لأنفسكم فماسحوه، ثم بدا لهم في بيعته وجعلوا يمسحون أيديهم منها بالحيطان؛ وكان في سجنه نافع بن الأزرق الحنفي، ونجدة بن عامر الحنفي، وعبد الله بن إباض، وعبيدة بن هلال العنزي، وعمرو القنا بن عميرة من بني ملادس بن عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانوا غضبوا للبيت فقاتلوا مع أبن الزبير وهم لا يرون نصره،ولكنهم أحتسبوا في جهاد أهل الشام. ثم إنهم قدموا البصرة فالتقطهم ابن زياد وحبسهم، فيقال إنه كان في سجنه من الخوارج مائة وأربعون. وقال أبو عبيدة: لما هرب ابن زياد إلى الأزد أقام أهل البصرة ببّة؛ وكان هربه إلى الشام بعد قتل مسعود. قال أبو عبيدة في بعض روايته: لما كان موت يزيد بن معاوية وإظهار ابن زياد إياه بالبصرة، خرج سلمة بن ذؤيب الرياحي الفقيه وهو على فرس له شهباء وقد لبس سلاحه ومعه لواءٌ، فدعا الناس إلى بيعة ابن الزبير وطاعته وقال: عليكم بالعائذ بالبيت الحرام، وابن حواري رسول الله ﷺ، فبايعه جماعة يسيرة، وبلغ بان زياد ذلك فخطب الناس فاقتص أول أمره وأمر أبيه بالبصرة، وعدد بلاءه عنه أهلها ثم قال: بايعتموني ثم مسحتم أيديكم بالحيطان وقلتم ما قلتم، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعوكم إلى الخلاف إرادة أن يُفرق جماعتكم ليضرب بعضكم جباه بعضٍ؛ وكان الذي أخبر ابن زياد بأمر سلمة بن ذؤيب عبد الرحمن بن أبي بكرة، ويكنى أبا الحرّ، فقال الأحنف بن قيس والناس: نحن نجيئك بسلمة فأتوا سلمة فإذا معه جمع كثيف قد سافر إليه وإذا الفتق قد اتسع، فامتنع عليهم، فلما رأوا ذلك قعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه، فقال: والله لقد لبسنا الخزّ حتى اجمته جلودنا فما نبالي أن نعقبها الحديد أياماً، والله لو اجتمعتم على قرن عنز لتكسروه ما كسرتموه؛ ودعا البخارية ومن كان من أصحاب السلطان إلى المحاربة معه، فلم يجيبوه واعتلوا عليه، فانغمس في الأزد في بيت مسعود. قال: وكان في بيت مال ابن زياد نحو ثمانية آلاف ألف درهم، فقال للناس حين خطب: هذا فيئكم فخذوا أرزاقكم وأرزاق عيالاتكموذرِّيتكم، وأمر الكتاب بتحصيل الناس وتقرير ما لهم، فلما رأى قعود الناس عنه وظهور أمر سلمة كف عن ذلك، وأمر بنقل المال حين هرب فهو يتردد في آل زياد، وقال له إخوته: والله ما من خليفةٍ تقاتل عنه، ولا تأمن أن يُدال عليك فتعطب وتهلك وتذهب أموالنا، وقال له عبد الله أخوه وهو ابن مرجانة، والله لئن قاتلت القوم لأقتلن نفسي بسيفي هذا؛ فلما رأى عبيد الله ذلك أرسل إلى الحارث بن قيس بن صهبان الجهضمي فسأله أن يسأل مسعوداً أن يُجيره، فسأله ذلك فأباه، فقال له الحارث: يامعشر الأزرد إنكم أجرتم زياداً فبقي لكم شرف ذلك وذكره وفخره، فقال مسعود: أترى أن نُعادي أهل مصرنا في عبيد الله وقد أبليناه في أبيه ما أبليناه فلم يكافنا ولم يشكر، ماكنت أحب أن يكون هذا رأيك، فقال: قد بايعته فيمن بايع ولن يُعاديك أحدٌ على الوفاء له؛ فلما أبى مسعود إجازة ابن زياد أتى الحارث إلى أم بسطام امرأة مسعود وهي ابنة عمه فقال لها: إني دعوتُ مسعوداً إلى مكرمةٍ فأباها، وأنا أدعوك إلى أن تسودي نساء قومك أبداً، وكلمها في إجارة ابن زياد، فأجارته، ويقال إنه أعطاها مائة ألف درهم كانت مع ابن زياد، فأدخلته حجلتها وألبسته ثوباً لزوجها، فلما جاء مسعود أعلمته ذلك، فغضب وأخذ برأسها، حتى خرج عبيد الله والحارث فحجزوا بينهما، وقال له عبيد الله: أجارتني عليك وألبستني ثوبك وأكلتُ من طعامك وقد التف عليّ منزلك، وتلطف والحارث له حتى رضي، فلم يزل في منزل مسعود، ثم شخص إلى الشام؛ وقال أبو عبيدة: وآل زياد ينكرون أن يكون ابن زياد شخص قبل قتل مسعود، وأن يكون مسعود بعث معه من بذرقهُ.وقال يزيد بن ربيعة بن مفرغ شعراً ذكر فيه فرار ابن زياد من دار الإمارة إلى الأزد، ثم إلى الشام بعد مقتل مسعود وخذلانه اياه، وذكر هربه عن أمه وامرأته هند الفزراية: أقرَّ لعيني أنه عقَّ أمَّهُ … دعته فولاها آستهُ وهو يهربُ وقال عليك التاس (¬١) كوني سبيةً … كما كنت أو موتي فللموت أقرب وقد هتف هند به ما أمرتني … أبن لي وخبرني إلي أين أذهب فقال أريد الأزد في عقر دارهم … وبكراً فيما لي عنهم متجنب بما قدمت كفاك مالك مهرب … من القوم يوماً والدماء تصبب ولو كنت صلبَ العود أو ذا حفيظة … كررت على هندٍ وهندٌ تسحب وغادرت مسعوداً رهينة حتفه … يمج نجيع الجوف وهو ملحب ولو لم يفت ركضاً حثيثاً لحلقت … بأشلائه من الجو عنقاء مغرب (¬٢) وقال أيضاً: قدمت مسعوداً ليصلى حرها … ووألت (¬٣) لما أن نعاه الناعي أفلا كررت وراءه متشزباً … لما أصيب، دعا لحتفك داع وترك أمك والرماح شوارع … يا ليتني لك ليلة الأفزاع ليس الكريم بمن يفارق أمه … وبناته بالمنزل الجعجاع وخذلت مسعوداً وطرت مولياً … مثل الظليم أثرته بالقاع (¬٤)وقال أبو عبيدة: فهذا دليل على أنه إنما هرب إلى الشام بعد مسعود وأنه حين قُتل مسعود كان بالمصر (¬١) فلم يبرح. قال أبو عبيدة: ولما هرب ابن زياد بقي الناس بغير أمير فلما لم يكن لهم أميرا ارتضوا بنعمان بن صبهان الراسبي، وقيس بن الهيثم يختاران لهم، فكان رأيُ قيس في عبد الله بن الأسود الزهري، ورأى النعمان بن صبهان في ببة، وقال النعمان: هو هاشمي وابن أخت القوم الملك فيهم، لأن أم بببة هند بنت أبي سفيان، وكان النعمان شيعياً شهد مع عليّ صفين، وأقبلوا ببة فنزل دار الإمارة؛ قال أبو عبيدة: وكان ذلك رضا جميع الناس الأزد فقولهم باطل، قال الفرزدق: وبايعت أقواماً وفيت بعهدهم … وببة قد بايعته غير نادمِ (¬٢) وقوم يرونه: وهو نائمُ. قال أبو الحسن المدائني: جعل ببة على شرطته هميمان بن عدي - ويقال النعمان بن صبهان، وهميان بن عدي أثبت - فأتى هميان دار فيل مولى زياد، وهي في بني سليم، فأمر بتفريغهما لينزلها رجل قدم على ببة من المدينة، وكان فيل قد هرب وأقفل أبواب داره، فمنعت بنو سليم هميان بن عدي ما أراد حتى قاتلوه، واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز، فأرسل بخاريته ومواليه في السلاح حتى طردوا هميان بن عدي، وعدل عبدالملك من الغد إلى دار الإمارة ليسلم على ببة، فلقيه على الباب رجلٌ من قيس بن ثعلبة فقال: أنت المعين علينا بالأمس، ورفع يده فلطمه، فضرب رجل من البخارية يد القيسي فأطارها، ويقال بل ضربه ضربةً شلت منها يده، وغضب ابن عامر فرجع، وغضبت له مضر واجتمعت، وأتت بكرُ بن وائل أشيم بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل ومعه مالك بن مسمع، ثم إن القوم تحاجزوا وانصرفت بكر والمضرية، وتحالف بكر والأزد، فقال حارثة بن بدر الغداني: نزعنا وأمرنا وبكر بن وائل … تجر خُصاها تبتغي من تحالفُ وما بات بكريٌّ من الدهر ليلةً … فيصبح إلا وهو للذلِّ عارفُ وقال أبو عُبيدة حدثني زهير بن هنيد عن عمرو بن عيسى قال: كان مالك بن مسمع في المسجد، فبينا هو قاعد، وفي الحلقة رجل من ولد عبد الله بن عامر بن كريز، إذ نازع القرشي فأغلظ له القرشي، فلطم رجلٌ من بكر القرشي، فتهايج من ثم من مضر وربيعة، وكثرتهم ربيعة ممن في المسجد، فنادى رجلٌ يال تميم، فوثب قومٌ من بني ضبة على رماح حرس المسجد وترستهم، ثم شدوا على الربعين فهزموهم، وبلغ ذلك أشيم بن شقيق بن ثور، وهو يومئذ رئيس بكر بن وائل، فأقبل إلى المسجد فقال: لا يجدن ربعي مضرياً الا قتله، فبلغ ذلك مالك بنم مسمع فأقبل متفضلاً (¬١) فسكن الناس حتى كف بعضهم عن بعضٍ، وسأل مالك أن يجدد الحلف بين الأزد وربيعة.حدثنا المدائني: أن الأحنف قال لمالك بن مسمع حين تحالفوا: أحلف في الإسلام؟! قال: حالفتُ على الزط والسيابجة، فقال: معاذ الله، قال: يا أبا بحر كانت نعمة سبقناك إليها فقال الأحنف: والله ماأردتها ولتحلبنها دماً عبيطاً، لقد حالفت قوماً إن اتبعتهم استذلوك، وإن خالفتهم عزوك وقهروك. وقال المدائني في بعض روايته: لما جددوا الحلف وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع فزعت تميم إلى الأحنف فعقد عمامته على قناة ودفعها إلى سلمة بن ذؤيب الرياحي، فأقبل وبين يديه الأساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب، فاستنزلوه فقتلوه، فجعلوا يحكمون فقيل إن الخوارج قتله؛ وزعمت الأزد أن الأزارفة قتلوه بأمر الأحنف، فكانت الفتنة، وسفر بينهم بن عبيد الله بن معمر، وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام حتى رضيت الأزد من دم مسعود بعشر دياتٍ، ولزم ببة بيته وكان متديناً، وكان القاضي في هذه الفتنة هشام بن هبيرة. وكتب ابن الزبير إلى عمر بن عبيد الله بعهده على البصرة فوافاه وهو متوجه يريد العمرة، فكتب عمر بن عبيد الله إلى أخيه عبيد الله بن عبيد الله بن معمر أن يصلي بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر بن عبيد الله؛ قال أبو الحسن: ولما لزم ببة بيته كتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير بذلك، فكتب إلى أنس بن مالك يسأله أن يصلي بهم، فصلى بهم أربعين يوماً. وقال أبو عُبيدة: لما جددوا الحلف في الفتنة قالت الأزد: لا نرضى حتى يكون الرئيس منّا، وقال مسعود لعبيد الله سر معناحتى ننزلك الدار، وبعث عبيد الله غلماناً له على خيل مع مسعود، وأتى بكرسي فجلس على باب مسعود، وقدم مسعود مالك بن مسمع في ربيعة فأخذوا سكة المدينة، فامتلأ المربد رماحاً، وجاء مسعود حتى علا المنبر وببة في دار الإمارة، وقيل له: إن ربيعة واليمن قد ساروا وسيهيج بين الناس شر فو أصلحت بينهم وركبت مع بني تميم إليهم، فقال: أبعدهم الله والله لا أفسد نفسي بصلاحهم، وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول: لأنكحن ببةجارية في قبةتمشط رأس لعبة فلما لم يحل أحد بين مسعود وبين صعود المنبر، خرج مالك بن مسمع في كتيبه حتى علا الجبان، وأتى دور بني تميم فدخل بني العدوية، فجعل يحرق دورهم، وذلك أن رجلاً من بني ضبة كان لاحى رجلاً من بني يشكر فقتله الضبي، فبينا هو كذلك إذ أتاه قتل مسعود. قال: وأتت بنو تميم الأحنف فقالوا يا أبا بحر أنت سيدنا وقد اجتمعت الأزد، وربيعة، فقال: سيدكم الشيطان، فقيل: قد أتو الرحبة، فقال: لستم بأحق بها منهم، ثم قالوا: قد دخلوا المسجد، فقال: لستم بأحق بالمسجد منهم، فقال سلمة بن ذؤيب: يا معشر مضر إنما هذا كبش منجرٌ في أذنيه لا خير لكم عنده، فندب بني تميم فانتدب منهم خمسمائة، وتلقاه رأس الأساورة يومئذ في بعض الطريق وهو في أربعمائة من الرماة، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا: إياكم. وأتت الأحنف امرأة بمجمر فقالت: مالك وللرئاسة، تجمر، فقال: آست المرأة أحق بالمجمر، فعتبت عليه؛ وتحول الأحنف في تلك الأيام من داره إلى بني عامر بن عبيدة، وأتوه فقالوا: إن عبلة بنت ناجية الرياحي، وهي أختمطر، وأمرأة قد سبناه وأخذت خلا خيلهما من أسواقهما، وقتل المقعد الذي كان على باب المسجد والصباغ الذي في طريقك، وحرق مالك بن مسمع دور بني العدوية، فقال: ثبنوا ذلك، فثبتوه، فطلب عبّاد بن الحصين فلم يوجد، فدعا بعبس بن طلق - ويقال طليق - السعدي ثم انتزع مِعْجرأ (¬١) في رأسه ثم جثا على ركبتيه وعقده في رمح ثم دفعه إليه ثم قال: ما إن أرى فخراً ولا حياءَ … إذا اتخذت معجري لواءَ ثم قال لعبس: سر، فلما ولى قال: اللهم لأ تخزها اليوم فإنك لم تخزها فيما مضى، فسار عبس وصاحب النظارة هاجت زبراءُ، وزبراءُ أمةٌ للأحنف - أرادوه بذلك وقال الأحنف: يابني تميم إن شر الناس من لم يستحي من الفرار، ثم جاء عباد في ستين راكباً، فأبى أن يسير تحت لواء عبس، ولقوا القوم فاققتلوا، ورمى الأساورة بألفي نشابة في رشق واحد فتلقوهم برماحهم، فرماهم الأساورة بألفي نشابة في رشق آخر، فأجلوا عن أفواه السكك وأقاموا على أبواب المسجد، فاقتتلوا، ورماهم الأساورة فقلعوهم عن الأبواب، ودخلت تميم المسجد فاقتتلوا فيه ومسعود على المنبر مسعود وكان الحكم بن مخرمة العبدي قد ثبط قومه وقال: أتقتلون إخوتكم مع الأزد؟ فردهم، وذلك عند باب المسجد، قال إسحاق بن سويد العدوي: فأتوا مسعوداً وهو على المنبر واستنزلوه وقتلوه، وذلك في شعبانسنة أربعٍ وستين، فانهزم القوم وهرب أشيم بن شقيق فطعنه رجل طعناً فتنحى، فقال الفرزدق. لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا … وأخطأ الباب إذ نيراننا تقدُ إذاً لصاحب مسعوداً وصاحبهُ … وقد تماءت له الأعفاج والكبدُ (¬١) قال: فبينا ابن زياد ينتظر ما يكون من مسعود أُتي فقيل: قد صعد المنبر، فتهيأ للركوب، فبينا هو كذلك إذ قيل قد قُتل، فاغترز في ركابه ولحق بالشام مسعود وذلك في أول شعبان سنة أربعٍ وستين، قال: وقوم يقولون أنه شخص في شوال، وكان مقتل مسعود في شوال، والأول أصح، وكان نزوله دار مسعود في جمادى الآخرة سنة أربعٍ وستين. وقال المدائني: مات الحارث بن معاوية أيام مسعود فقال الأحنف: رحمك الله أبا المؤرق فارقتنا أحوج ما كنا إليك. أبو الحسن المدائني عن عامر بن حفص مسعود قال: خرج ابن زياد من البصرة هارباً الى الشام في قوم وفوا له، فقال ذات ليلة: إنه قد ثقل عليّ ركوب الإبل فوطئوا لي على ذات حافر مسعود فألقيت له قطيفة على حمار فركبه وإن رجليه لتخدّان الأرض، فقال بعض من كان معه ورآه قد سكت سكتة طويلة: هذا عبيد الله بن زياد أمير العراق بالأمس نائماً على حمار لو سقط عنه أعنته، ثم دنا منه فقال: أنائم أنت؟ فقال ابن زياد: لا، قال: فما هذه السكتة؟ قال: كنت أحدث نفسي، قال له: أنا أخبرك بما فكرت فيه، قل، قال: قلت ليتني لم أقتل حسيناً، وليتني لم أكنبنيت البيضاء (¬١)، وليتني لم أكن استعملت الدهاقين، وليتني لم أقتل من قتلت، فقال ابن زياد: والله ما نطقت بصوابٍ ولا سكت عن خطأ، أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي فاخترت قتله على أن يقتلني، وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي فأرسل إلي يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيت فلأهلي وإلا فإني لا آسى عليها، وأما استعمالي الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة وزاذانفروخ رفعا عليّ عند معاوية فخيرني معاوية بين الضمان والعزل فكرهت العزل، وكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج فأقدمت عليه أو غرت صدور عشيرته، أو أغرمته فحملت على عطاء قومه أضررت بهم، وإن تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالحبابة وأوفى بالأمانة وأهون عليّ مطالبة، وأما قتلي من قتلت فما علمت بعد قولي كلمة الإخلاص عملاً أقرب إلى الله من قبلي من قتلت من الخوارج، ولكني حدثت نفسي فقلت: ليتني قاتلت أهل البصرة فإنهم بايعوني طائعين ثم نكثوا، ولقد أردت ذلك ولكن بني زياد أتوني فقالوا: إنك إن قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحداً إلا قتلوه، وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره وخلطائه، فلم أقاتل، وقلت: ليتني أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم، فأما إذ فأتت هاتان فليتني أقدم الشام ولم يبرموا شيئاً فأكون معهم فيما يبرمون، قال: وبينا هو يسير إذ عرض له فارس بيده رمح، فقال: لا وألت إن وألت، فقال: أوما هو خير لك، ألف دينار، فركن إليها، فشددنا عليهفأخذناه، فقال له ابن زياد: لا تُرعٍ فكان دليلنا حتى وردنا الشام، فقال الرجل: عهدنا بابن زياد يأكل في كل يومٍ أكلاتٍ أولها عناق أو جدي يتخير له، فكان يأكل وهو يريد الشام أقل مما يأكله أحدنا ويقول: الأكل مع الأمر والسرور. وقال أبو عُبيدة قال يونس بن حبيب: فاقتلوا مسعوداً وهرب ابن زيادٍ إلى الشام أقبلت فعمة ابنة مسعود وقد ركبت دابة موكفة، وولت وجهها قبل ذنبها، وسدلت شعرها وتجلببت مسحها ومعها نادبة تقول: مسعود من يقتل بك … احنف لا نعطي بك ثم أتت مالكاً وهو واقف في سكة المربد وقد رجع من تحريق دور بني العدوية فقال: ارجعي، فقالت: لا أو أوتى برأس الأحنف، فأتوها برأس من رؤوس القتلى ضخمٍ فأزمت بأنفه عضاً وغمست أطراف كميها في دم لغاديده (¬١) ثم انصرفت إلى رحلها، فتزوجت بعد. قال: وأتى دار مالكٍ قومٌ من مضر وحرقوا عليه، فقال غطفان بن أنيف الكعبي في ذلك: كيف ترانا وترى الأميرا … بصرحةِ المربد إذ أبيرا نقودُ فيه جحفلاً جرورا … أكثر جمعاً حلقاً مسمورا وصارماً ذا هيبةٍ مأثورا … فقد قد الجازر الجزورا لما رجا مسعود التأميرا … وأصبح ابن مسمعٍ محصورا وقد شببنا حوله السعيراولما هرب عبيد الله طلب فأعجز طلبته، فانتهب ما وجد له، فقال واقد بن خليفة السعدي: يارب جبارٍ شديدٍ كلبه … قد صار فينا تاجه وسلبه لو لم ينج ابن زياد هربه … منا للاقى شر يومٍ يشعبه وقاد مسعوداً شقاءٌ يأدبه … في عارضٍ أرعن ضاحٍ كؤبه وقال جرير بن عطية: ويوم عُبيدة الله خضنا برايةٍ … وزافرةٍ تمت إلينا تميمها (¬١) وقال سؤر الذئب السعدي: نحن نهطنا (¬٢) الأزد يوم المسجد … والحي من بكرٍ ويوم المربد بكل عراصِ (¬٣) المهز مذود … مُحربٍ وصارمٍ لم ينأد كأنهم من مقعصٍ ومقصد … وداحض بالرجل منه واليد من السواري وطريق المسجد … أعجاز نخل النيط والمسند إذ خرَّ مسعودٌ ولم يوسَّدِ وقال جرير أيضاً: سائل ذوي يمن إذا لا قيتهم … والأزد إذ ندبوا مسعودا لاقاهم عشون ألف مدجج … متسربلين دلامصاً وحديدا فلغادروا مسعودهم متجدلاً … قد أودعوه جنادلاً وصعيدا (¬٤)قال أبو عُبيدة: وقال قوم: مسعود من عيادة صديقٍ له، فلما كان بموضع من بني تميم عرض له خارجي فقتله وذلك بُهْت وباطل، وقال قوم: لما صعد مسعود المنبر وأغفل الناسُ الخوارجَ خرجوا من السجن ودخلوا المسجد لا يلقون أحداً إلّا قتلوه حتى قتلوا مسعوداً في المسجد في اثني عشر من قومه ثم ظهروا إلى الأهواز، وأقبل قوم من بني مِنْقَر فاحتملوا مسعوداً إلى دورهم ثم مثلوا به، وذلك باطل أيضاً. وقال أبو عبيدة: لما قُتل مسعود وَلَّت الأزد رئاستها زياد بن عمرو بن الأشرف العَتَكي، ثم خرجوا من الغَدِ، وخرجت ربيعة وعليها مالك بن مِسْمَع يطلبون بدماء مَن أصيب منهم، وعبّوا عبد القيس وأَلفافها من أهل هَجَر وعليهم الحَكَم بن مُخَرَّبة مَيْسَرَةً، وعبّوا بكراً وألفافها من عَنَزَةً والنَمر وعليهم مالك بن مِسْمَع مَيْمَنَةً، وعلى الأزد زياد بن عمرو، وهم القلب، وخرجت مُضر وعليها الأحنف بن قيس، وقد عبّأ بني سعد وألفافهم من الأساورة والاندعان وضَبّة وعدياً وعبد مناة وعليهم قبيصة بن حريث بن عمرو بن ضرار الضبَيّ، وعلى الآخرين من بني سعد والأساورة عَبْس بن طَلْق الصَريمي - ويقال طليق فجعلهم بإِزاء الأزد، وعبّأ قيس عَيْلان وعليهم قيس بن بن الهَيثم السُلَمي فجعلهم بإزاء الأزد، وعبد القيس، وعبّأ بني عمرو بن تميم وعليهم عَبَّاد بن الحُصين الحنظلي ومعهم بنو حنظلة بن مالك وأَلفافُها من بني العَمَّ والزُطّ والسَيابجَة، وعلى جماعتهم سَلَمة بن ذُؤَيْب الرِياحي، وجعلهم بإِزاء بكر، وفي ذلك يقول الشاعر من بني عمرو أو بني حنظلة:سَيَكْفيك عَبْسٌ أخو كَهْمِسٍ … مُقارَعَةَ الأَزْدِ بالمرْبَدِ وتَكْفيك قَيْسٌ وَأَلْفافُها … لُكَيْزَ بْنَ أَقْصَى وما عَدَّدوا وَنَكْفيكَ بَكْرًا وألفافها … بِضَرْبٍ بَشيبُ لَهُ الأْمْرَدُ فاقتتلوا ثم إنّ عمر بن عبيد الله بن مَعْمر، وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مَشَيا للصلح فيما بينهم حتى التقى الأحنفُ ومالكٌ والعُمَرانِ في الصلح، فجعل الأحنف يَخفّ عند المُراوضة وجعل مالكٌ يَثْقُل، فقال القُرَشيّان: يا أبا بَحْر، مالك تَّخِفُ وقد ذهب حلمك في الناس، ومالكٌ يَرْزُنُ؟ فقال: إنّه يرجع إلى قوم لا يخالفونه إذا قال، وأنا أرجع إلى قوم يتأَبَّون عليّ، فلم يَّتفق بينهم صلح؛ وأجتمعت ربيعة واليمن فكتبوا قتلاهم فلما بلغوا دَّية مسعود كتبوها عشر ديات لأنه كان مُثِّل به، فقال الأحنف لا نَزيدُ على دية رجل من المسلمين فاضطربوا بالأَيْدي والنعِال، ثم عادوا للقتال فاقتتلوا أيامّاً، ثم إنّ عُمَر وعمر أتيا الأحنفَ فعظمّا أمرَ الإسلام وحرمته وحقّ الجوار وقالا: إنّما أنتم إخوان وأصهار ويدٌ على العدوّ، فقال الأحنف: انطلقا فاعقدا على ما أحببتما وأبعدا عني العار، فأتيا ربيعة واليمن، فلما دنوا رماهما السفهاء فركضا حتى وقفا حيث لا ينالهما النَبْل والنُشَاب، وصبّ عبَس بأمر الأحنف عليهم الخيل فأجلت عن قتلى، فقال أهل الحجى منهم: رَمَيتم رجلَين مَشَيا في الصلح بينكم؛ ثم إنهم اجتمعوا على الرضا بما حكم به عمر وعمر، فحمل عمر بن عبيد الله تسع ديات، ويقال حملاها بينهما وقالا: قد لج الأحنف وأبى إلا ديةً وإنما سألنا أن نحكم عليه ونحن أولى بأن نحمل هذا الشيء، قال: ويقال إن بني تميم قالوا: نحن نحملها، وقال عبد الله بن حكيم بن زياد بنحوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم: أنا في أيديكم رهينة بهذه الديات، فقبلا ذلك، فقال الفرزدق (¬١): ومِنّا الذي أَعْطَى يَدَيْهِ رَهينَةً … لِعارَيْ نِزارٍ قَبلَ ضربِ الجَماجمِ كَفَى كُلَّ أَمَّ ما تخافُ على ابْنها … وهْنَّ قيامٌ رافِعاتُ المَعاصمِ عَشيَّةَ سالَ المرْبدان كلاهما … عجاجة موتٍ بالسيوفِ الصوارمِ رأونا أحق أبني نزارٍ وغيرها … بإصلاحِ صدعٍ بينهم متفاقمِ حقنا دماء المسلمين فأصبحت … لنا نعمةٌ يثُنى بها في المواسمِ المدائني عن محمد بن حفص الباهلي عن هلال بن أحوز قال: أتى الغضبان بن القبعثري الأحنف فقال: يا أبا بحر أتيتك في أمر عليك فيه قضاءٌ، قال: أيصلحني وإياك؟ قال: نعم قال: فلا قضاه الله عليّ فيما يصلحنا، فما هو؟ قال: أختاروا واحدة من ثلاث، إن شئتم فاخرجوا من المصر فلا يبقى فيه مضري وتهدر هذه الدماء، وإن شئتم فدوا قتلاناى ولا ندي قتلاكم وتدون مسعوداً عشر ديات، أو الحرب، فقال الأحنف: لا حول ولا قوة إلا بالله لقد سمتمونا خطة الذليل، أما خروجنا عن المصر فإنا لا ندع مهاجرنا ومراكزنا وفيء الله علينا فيه فنتعرب بعد الهجرة، وأما الحرب فلسنا بأجزع فيها منكم، وأما أن ندي قتلاكم ونلغي قتلانا فليس ذلك في صلاحنا، وأما مسعود فرجل مسلم ديته دية رجل من المسلمين، ثم قال الأحنف: في ربيعة عجب شديد.المدائني في إسناده قال: لم توادعوا ورضوا بالديات خطب الأحنف فقال: يا معشر الأزد وربيعة إنكم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الصهر، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، ولأزد البصرة أحب إلي من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلي من تميم الشام، فإذا استشرت شأفتكم، وحميت جمرتكم، وأبت حسائك صدوركم أن تلين، ففي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم، أرضيتم بحمل هذه الديات - يعني ديات الأزد - من أعطيتنا من بيت المال؟ قالوا: رضينا، فضمنها والقيام بها إياس بن قتادة بن أوفى، وأما من رهط الأحنف، وعرض ذلك على غيره من وجود تميم فأباه، وقالت الأزد وربيعة لإياس: قد رضينا بك لأنك رجل شريف مسلم ورع، فقام بذلك، ثم رجع إلى منزله فقال قومه: طلت دماؤنا وحملت دماء الأزد وربيعة فحملها لهم، وكان إياس ناسكاً فقال لبني اتميم: قد وهبت لكم شبيبتي فهبوا لي شيبتي، وأقام يؤذن في مسجده حتى مات، فقال الحسن البصري: علم والله أن القبر يأكل السمن ولا يأكل الإيمان. قال أبو عُبيدة: وحمل القرشيان أو أحدهما تسع ديات أرضوا بها الأزد من دم مسعود، وقال القلاخ في أرجوزته: ثم بعثنا لهم إياسا … حمال أثقالٍ بها قنعاسا (¬١) وقال عمرو بن دراك العبدي: قتلنا يقتلى الأزد مثنى وضوعفت … ديات وأهدرنا دماء تميمِ بعشر دياتٍ لأبن عمرو توفيت … عياناً ولم تجعل ضمان نجومِ نزلتم على حكم الأغر ابن مسمعٍ … على حكمِ طلابِ التراثِ غشومِقال أبو عُبيدة: وكان هذا وببة ملازمٌ لمنزله لا يعين أحداً ولا يدخل في شيء، والناس على الرضا به، وكان متديناً، وكانت هذه الهزاهز ثمانية أشهر أو تسعة أشهر. وقال أبو الحسن المدائني: خرج نافع بن الأزرق في أيام ببة حتى أتى الأهواز، وخافه الناس، فانتدب مسلم بن عبيس بن كريز لقتاله، فعقد له ببة فسار إلى نافع، فقتل مسلم بدولاب من الأهواز، واختلط أمر الناس، فأخذ ببة نعله فلبسها وصار إلى منزله - وكان متديناً - وقال: لست أحب إصلاحكم بفساد نفسي وديني. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن حبيب بن الشهيد عن الحسن قال: جاء مسعود وعليه قباء ديباج وحوله قومه حتى صعد المنبر فخطب وهم يقولون الشمس. وقال أبو عُبيدة حدثنا سلام عن الحسن قال: أقبل مسعود من هنا، وأشار إلى منزل الأزد، في أمثال الطير معلماً عليه قباء ديباج أصفر معين بسواد يأمر بالسنة. وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا محمد بن أبي عيينة حدثني شهرك قال: شهدت عبيد الله بن زياد حين جاء موت يزيد بن معاوية فقام خطيباَ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة أتسبوني فو الله لتجدن مهاجر أبي ومولدي وداري فيكم وبينكم، ولقد وليتكم وما أحصي في ديوان مقاتلتكم إلا أربعون ألفاً، ولا في ديوان عيالاتكم إلا سبعون ألفاً، ولقد أحصي ألي اليوم في ديوانكم ثمانون ألف مقاتلٍ، وفي ديوان عيالاتكم مائة وعشرون ألفا، وما تركت لكم ظنيناًأخافه عليكم إلا وهو في سجنكم، وإن أمير المؤمنين قد توفي، وولى عهده من بعده معاوية بن يزيد ابنه، وإنكم اليوم أكثر الناس عدداً وأعرضهم فيئاً، وأغناهم عن الناس، فاختاروا لأنفسكم رجلاً ترضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول من يرضى ويبايع ويعين بنصيحته وماله، فإذا أجتمع أهل الشام على رجل يرضونه لدينهم دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، ولا نعلم أحداً أقوى عليها منك فهلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في ذلك فاختاروا لأنفسكم، فلما كرروا عليه القول بسط يده ودعاهم إلى بيعته فبايعوه، ثم انصرفوا وهم يقولون: أيظن أبن مرجانة أننا ننقاد له في الجماعة والفرقة، كذب والله؛ ثم وثبوا به. حدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد قال: بايعوا عبيد الله بن زياد ثم قالوا: أخرج لنا إخواننا. وكانت السجون مملوءة من الخوارج، فقال: لا تفعلوا فإنهم يفسدون عليكم، فقالوا: لا بد من إخراجهم، فجعلوا يخرجون ويبايعونه فما تتامَّ آخرهم حتى جعلوا يغلظون له. حدثني أبو خثيمة زهير بن حرب حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي عن مصعب بن يزيد قال: لما مات يزيد بن معاوية نعاه ابن زياد وقال: اختاروا لأنفسكم، قالوا: قد رضينا بك، ثم خرجوا فجعلوا يمسحون أيديهم بجدر دار الإمارة ويقولون: هذه بيعة ابن مرجانة، واجترأ الناس عليه حتى جعلوا يأخذون دوابه من مربطه.حدثني أحمد بن إبراهيم وخَلَفَ بن سالم قالا حدثنا وهب بن جرير حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سُمَير أنّ شَقيق بن ثَوْر، ومالك بن مِسْمَع، وحَضين بن المنذر أتوا ابن زياد وهو في دار الإمارة ليلاً، قبل أن يتحوّل إلى مسعود بن عمرو، فأقاموا عنده عامّة ليله ثم خرجوا ومعهم بغل موقر مالاً، فقال رجل من بني سدوس: خوفتهم بأن أنادي أن فلاناً وفلاناً قد اجتمعوا في دمائكم، فأعطوه خمسمائة درهم. وحدثني أبو خَثْيَمة وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا القاسم بن الفضل الحُدّاني قال: أخرج ابن زياد الحَروريّة من السجن حين طُلب إليه، فخرجوا مع نافع بن الأزرق فعسكروا بالمرْبَد، فلما رأى ذلك ابن زياد خافهم على نفسه، فعرض نفسه على أشراف أهل البصرة فكرهوا وأبو أن يقبلوه، فأرسل إلى الحارث بن قيس، فمضى به إلى منزل مسعود. وحدثني أبو خثيمة وأحمد بن إبراهيم قالا حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد عن الحارث بن قيس قال، قال ابن زياد: إني لأعرف سُوء رأيٍ كان في قومك، ولكنهم قوم كرام كان بلاؤهم عند أبي جميلاً، فرققت له فأردفته على بغلي ليلاً، وأخذت به على بني سليم، فقال: من هؤلاء قلت: بن سليم، قال: سلمنا إن شاء الله، ثم مررنا ببني ناجية ومعهم السلاح، وكان الناس يومئذ يتحارسون فقال رجل منهم: هذا والله ابن مرجانة خلف الحارث بن قيس فرماه بسهم وقع في كْور عمامته، فقال: يا أبا محمد من هؤلاء؟قلت: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية فقال: نَجوتُ إن شاء الله. قال وهب: وحدثني القاسم بن الفضل الحداني بنحو هذا الحديث وزاد فيه: ومرننا ببني طاحية فوثبوا علينا وتشبثوا بنا حتى أفتدينا منهم بشيء. وحدثني أبو خيثمة وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد عن الحارث بن قيس قال: قال لي ابن زياد: إنك قد أحسنت وأجملت، فهل أنت صانع ما أشير به عليك؟ قد عرفت منزلة مسعود بن عمرو وشَرَفه وسنه وطاعة قومه له، فهل لك في أن تذهب بي إليه فأكون في داره فهي في وسط الأزد؟ قال: فانطلقت به فما شعر مسعود بشيء حتى دخلنا عليه وهو جالس يوقد له بقصب على لبنةٍ، وهو يعالج خفيه حتى خلع أحدهما وبقي الآخر، فلما نظر في وجوهنا عرفنا فقال: إنه كان يتعوذ من طارق السوء وإنكما لمن طارق السوء، قال الحارث: فقلنا أتخرج رَجُلاً قد دخل إليك متعوذاً بك؟ قال: فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود وامرأته خيرة بنت خفاف بن عمرو، ثم ركب مسعود من تَحْتِ ليلته ومَعه الحارث وجماعة من قومه فطافوا في الأزد وهم في مجالسهم فقالوا: إن ابن زياد قد فقد ولا نأمن أن تلطخوا به، فأصبحوا في السلاح، فأصبحت الأزد في السلاح، وفقد الناس ابن زياد فقالوا: أيْن توجه؟ وما هو في الأزد؛ فقالت عجوز من بني عقيل: اندحس والله في أجمة أبيه - يعني الأزد - لأن أباه كان فيهم أيّام دار ابن الحَضْرمَي.قال وهب فقال جرير بن حازم: أقبلت الحرورية إلى الأزد فخرجوا إليهم فقاتلوهم حتى نفوهم، ومرج أمرُ الناس. وحدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير حدثنا غسان بن مضرعن سعيد بن يزيد ابن زياد قال لمسعود في بعض الليالي: أبعث إلي رجلاً من الأزد نستشيره، فبعث إلى رجل منهم يقال له حدش الأعور، فجاء يجر ملحفته، فقال له مسعود: هذا ابن زياد وقد بعث إليك يستشيرك، فقال لابن زياد: والله ما أتيتنا لمعروفٍ صنعته إلينا، ولقد كنت تقضينا وتهيننا وتذمنا وتقع فينا لم ترض حتى جئتنا لتهريق دمائنا، ثم أقبل على مسعود فقال له: أيها الشيخ الأحمق ادفن هذا ولا تره أحداً من الناس حتى تدسه فينطلق فيكون كطائر وقع ثم طار، فقال ابن زياد: أين كنا عن مثل هذا الرأي قبل اليوم؟ فأخرجه في نحو من ستين أو سبعين من الأزد معه. حدثنا أبو خيثمة حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن خريت عن خيرة بنت خفاف قالت: كان ابن زياد يقبل عليّ فيشكو بثه وهو في حجلتي، فإذا أتته امرأته هند بنت أسماء الفزارية ضاحكها وحثها وذهب عنه الهم حتى كأنه لم يصبه شيء، وكان أرفق الناس كفاً، رقعت يوماً ثوباً لي فقال: ما أرى رفقاً، وأخذه فعالجه فإذا أرفق الناس. حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن خريت قال: بعث مسعود مع ابن زياد مائة عليهم فروة بن عمر حتى قدموا به الشام. وحدثني أبو خيثمة حدثنا وهب عن أبيه عن الزبير بن خريت قال: أقام ابن زياد عند مسعود نحواً من ثلاثة أشهر.وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد أن أهل البصرة اجتمعوا فقلدوا أمرهم النعمان بن صهبان الأزدي ثم الراسبي، ورجلاً من مضر، ليختارا لهم رجلاً يولونه عليهم، فقالوا: من رضيتماه لنا فقد رضينا به، قال وهب: وقال غير أبي لبيد: إن الرجل قيس بن الهيثم السلمي، قال: وكان رأي المضري في بني أمية، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان للمضري: ما أرى أحداً أولى بهذا الأمر من فلان، يعني رجلاً من بني أمية، قال: أوذاك رأيك؟ قال: نعم قال: فقد قلدتك أمري ورضيت بمن رضيت به، ثم خرجا إلى الناس فقالوا لهما: ماصنعتما؟ فقال المضري: رضيت بمن رضي به النعمان فمن سمى فأنا راضٍ به، فقال الناس للنعمان: ماتقول؟ فقال الذي سميت فقال: إنه لهو، فرضي الناس ببة وبايعوه. قال وهب: فحدثني ابن أبي عيينة عن سبرة بن النحف قال: بايعوا عبد الله بن الحارث، وغدت الأزد مع مسعود للبيعة. وحدثني خلف بن سالم المخزومي حدثنا وهب بن جرير حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد عن إبراهيم بن عبد الله قال: سارت الأزد وربيعة حتى أتوا المسجد، وصعد مسعود بن عمرو المنبر، ثم خرج وخرجنا فإذا بمسعود على بغلته وقد ازدحم الناس عليه حتى سقط، وأقبل ابن الأزرق من قبل بني سليم في نحو من أربعين يحكمون، فقصدوا له فضربوه بأسيافهم حتى قلوه، قال خلف: قال وهب: فكان يقال إن الأحنف بعث إلى الخوارج فحرضهم عليه.وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن القاسم بن الفضل الحداني قال: لما بايعوا عبد الله بن الحارث انطلقت الأزد مع مسعود للبيعة، ووقفت بكر بن وائل بالمربد، فلما كان الغد أراد بنو بكر أن ينطلقوا للبيعة فأتاهم ناس من قومهم حرورية فقالوا: لا تنطلقوا فإنا نخاف عليكم الحرورية إلا أن ينطلق معكم الأزد، فكلمت ربيعة مسعوداً في ذلك، فقال له عبد الله بن حوذان: ألا تسير معهم؟ قال: قد بايعنا أمس ووقفوا بالمربد فدعهم فلينطلقوا ونقف لهم بالمربد، فإن أتاهم شيء أعناهم وأغثناهم، فقالوا لمسعود: لابد من أن تسير معنا، فقال له ابن حوذان: والله لئن ذهبت لا ترجع، والله لا أسير معك، فإنا لم نخرج أمس حتى ظننا أنك لا ترجع، فسار مسعود معهم، وتخلف ابن حوذان، وناس من الأزد، فلما كان مسعود بالرحبة ازدحم الناس عليه فلم يشعر حتى أتاه قوم من الحرورية فقتلوه، وهرب الناس. حدثني أحمد بن إبراهيم حدثني وهب بن جرير عن أبيه عن مصعب بن يزيد قال: كان مسعود يدعو إلى بني أمية وقد بايعه قوم، وكانت الخوارج قد ظهرت بالبصرة وكانت تطلبه، فقتله قوم منهم وقد انصرف من المسجد، فلما انصرف الأزد وجدته في بني منقر وقد مثل به، فرميت به بنو تميم، فاقتتلوا ثم اصطلحوا، واجتمع أهل البصرة على عبد الله بن الحارث ببة، فبايعوه، ثم إنه كثر الشر والقتال فاعتزلهم. حدثنا خلف بن سالم حدثنا وهب بن جرير عن محمد بن أبي عيينة قال: حدثت أن مسعوداً لما قتل اجترته بنو منقر إلى دور بني إبراهيم فأصبح وقد مثل به وأصبحت بنو تميم ترمى بقتله.حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب أخبرني القاسم بن الفضل الحداني عن اشياخه قالوا: لما قتل مسعود جعلت الأزد زياد بن عمرو العتكي رئيساً عليهم، والمهلب بن أبي صفرة يومئذٍ غائب، فلما قدم أتاه زياد فقال له: اني قد كفيتك أمر قومك ما غبت، فأما إذ شهدت فشأنك بهم، وجاءت الأزد فدخلت على المهلب فقال لهم: ألجأتم هذا العبد وناويتم أهل بلدكم، فغضب الأزد وقالت: إنما سيدنا من غضب لغضبنا ورضي لرضانا، ثم انطلقوا فشق ذلك على المهلب ومضى إلى ابن الزبير وأظهر أنه كاتبه في القدوم عليه واجتمعت تميم إلى الأحنف فقالوا: إن الأزد قد اجتمعت علينا ولا بد أن تلي أمرنا فقال: لا إلا أن تجعلوا الأمر إليّ فما امضيته قبلتموه وأمضيتموه، اتهمتم بقتل مسعود ولم تنتفلوا من دمه، فولوا أمرهم فسار بهم إلى المربد، واجتمعت الأزد وبكر بن وائل فاقتتلوا ثم توافقوا، فبعث الأحنف إلى زياد بن عمرو أن هلم فرسوا بيننا صلحاً، وبعثوا بالغضبان بن القبعثرى الشيباني فأتى الأحنف فقال: تدي قتلانا فندعهم وأما قتلاهم فنديهم، وأما دية مسعود فكدية رجل مسلم. وحدثني أحمد بن إبراهيم وأبو خيثمة زهير بن حرب قالا: حدثنا وهب بن جرير أنبأنا حماد بن زيد أنبأنا خالد الحذاء عن المثنى بن عفان قال: رأيت الأحنف يطوف في المسجد على الحلق وهو يقول: إنكم تلقون عدوكم غداً فاصبروا فإنهم يألمون كما تألمون. وحدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب حدثنا محمد بن أبي عيينة قال: حدثت أن الأحنف قال: يامعشر الأزد اتقوا الله فإنا والله ما نحن قتلنامسعوداً إنما قتله الخوارج، قالوا: فإنا وجدناه عندكم في دوركم وما نطلب به إلا من وجدناه عنده قتيلاً وفي داره، قال الأحنف: فما الذي يرضيكم؟ قالوا: واحدة من ثلاث، ترحلون فتلحقون بباديتكم وتخلون بيننا وبين المصر، أو تقيمون الحرب بيننا وبينكم حتى تكون الدار لنا أو لكم، أو تدون مسعوداً عشر ديات وتهدرون قتلاكم وتدون قتلانا، فقال الأحنف: أما هذه فقد قبلناها، واما الأُخريان فلا، فدعا لها أناساً من قومه فأبوا أن يحملوها، فدعا لها إياس بن قتادة فتحملها وأداها كلها من عطائه وأعطيات قومه وأمواله، فقال الفرزدق: ومنا الذي أعطى يديه رهينة … لغار نزارٍ يوم ضرب الجماجمِ كفى كل يوم أم ما تخاف على ابنها … وهن قيامٌ رافعاتُ المعاصمِ قال: وكان الأحنف قام في قومه يحرضهم على الأزد في الليلة التي اقتتلوا في صبيحتها فكان ذلك مما تعلق به عليه. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب عن القاسم بن الفضل الحداني عن أشياخه قالوا: لم يزالوا في أمرهم وقد أبوا أن يدوا مسعوداً إلا دية رجلٍ من المسلمين حتى قدم القباع وهو الحارث بن عبد الله المخزومي، أميراً من قبل عبد الله بن الزبير، فأخبر بأن الأحنف كره أن يحمل دية مسعود مائة ألف، فقال: قد تحملتها من بيت المال، فقالت له الأزد: فمن يقوم لنا بذلك؟ فدعا الأحنف إياس بن قتادة وهو ابن اخته فاصطلح الناس وودوا قتلى الأزد وهدروا قتلاهم، وأعطى القباع - وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة - مائة ألف درهم من بيت المال فقام بذلك إياس بن قتادة.وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن الزبير قال: وليهم عبد الله بن الحارث ببة أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز فقال الناس قد أكل الناس بعضاً، تؤخذ المرأة من الطريق فتفضح فما يمنعها أحد، قال: فتريدون ماذا؟ قالوا: تشهر سيفك وتبسط يدك، فقال: ما كنت لأصلح أمركم بفساد أمري؛ ثم انتقل ولحق بأهله وأمر الناس عليهم عبيد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي أخا عمر بن عبيد الله. وحدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن صعب بن يزيد أن الطاعون الجارف وقع بالبصرة وعبيد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي عليها، فماتت أمه فما وجدوا من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حفرتها، وهو الأمير يومئذٍ. وقال هشام بن الكلبي: صلى بهم ببة أشهراً ثم أمروا عليهم عمر بن عبيد الله فاستخلف أخاه. قالوا: وكان من موالي آل أبي سفيان بن حرب عبد الله بن هرمز مولى عنبسة وكان على ديوان الجند زمن الحجاج ثم ولده من بعده، وله يقول القائل: أعوذ بالله الأحد … من هرمزٍ وما ولدْ وكان قدرهم بالبصرة عظيماً وكان لهم يسار، وعبد الله بن دراج مولى معاوية ولاه خراج الكوفة مع معونتها وكان قدم مكة أيام ابن الزبير فقتله، فقال ابن الزبير الشاعر:أيها العائذ في مكة كم … من دمٍ تسفكه من غير دم أيد عائذةٌ معصمةٌ … ويدٌ تقتل من جاء الحرمْ