Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 253672

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 2128, entry [394]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

page 2128, entry [394]Open original source
وأما عبيد الله بن زياد: فكان يكنى أبا حفص، وكان جميلا أرقط، ولاّه معاوية خراسان، ثم ولي بعد أبيه البصرة، وولاّه الكوفة بعد ابن أمّ الحكم، وهو قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵉، وقد كتبنا خبره وخبر الحسن في أخبار آل أبي طالب؛ وأخرجه أهل البصرة حين مات يزيد فصار إلى الشأم، ثم قتل بالخازر وهو نهر بالموصل بالقرب من الزاب، فقال فيه ابن مفرّغ الحميري: إن الذي عاش ختّارا بذمته … ومات عبدا قتيل الله بالزاب (¬١) وكان يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرّغ الحميري صديقا لسعيد بن عثمان بن عفّان فسأله أن يخرج معه إلى خراسان حين ولاّه إيّاها معاوية فلم يفعل، وصحب عبّاد بن زياد، وقد ولي سجستان، فجفاه ولم ير منهما يحبّ فهجاه، فأمر عبّاد غرماءه أن يستعدوا عليه ففعلوا فباع غلاما له يقال له برد كان ربّاه وجارية له يقال لها أراكة وقضى غرماءه ثمنها وقال: لهفي على الأمر الذي … كانت عواقبه ندامة تركي سعيدا ذا الندى … والبيت يعمد بالدعامة وصحبت عبد بني علا … ج تلك أشراط القيامة وشريت بردا ليتني … من بعد برد كنت هامه [يا] هامة تدعو الصدى … بين المشقّر واليمامة (¬١) ثم هرب فكتب عبّاد الى عبيد الله اخيه بهجاء ابن المفرّغ، فألفاه الكتاب وهو عند معاوية وافدا عليه، فاستأذن معاوية في قتله فقال: لا ولكن ما دون القتل، فأتى ابن مفرّغ البصرة، فاستخفى عند المنذر بن الجارود العبدي، وكانت ابنته عند عبيد الله بن زياد، فلما قدم عبيد الله البصرة طلب يزيد بن المفرّغ وجعل يستدل عليه حتى قيل له هو عند المنذر، فبعث إلى المنذر من أتاه به والمنذر لا يعلم، فكّلمه المنذر فيه فلم يجبه ابن زياد، وأخذ ابن المفرّغ فقيّده وحبسه، ثم دعا به فحمل على جمل عود (¬٢)، ويقال: على حمار، وقرن به خنزيرة وسقاه مسهلا وأمر أن يطاف به في الأسواف والمحالّ وجعلت الخنزيرة تصيح من شدة وثاقها فيقول ابن المفرّغ: ضجّت سميّة لمّا مسّها القرنوأقبل يسلح في ثيابه، ويقال: إنّه ضربه مع هذا بالسياط، ورآه رجل من الفرس فقال ابن شبست؟ فقال ابن مفرّغ: آب است نبيذ است، عصارات زبيب است، سميّة روسبي است، وفي ذلك يقول: يغسل الماء ما صنعت وشعري … راسخ في العظام منك البوالي (¬١) وذكر بعضهم: أنّ شعرا قيل في معاوية نسب إلى ابن مفرّغ فاحتمل عليه غيظا وهو: ألا أبلغ معاوية بن حرب … مغلغلة من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عفّ … وترضى أن يقال أبوك زان فأقسم أنّ رحمك من زياد … كرحم الفيل من ولد الأتان (¬٢) وبعضهم يقول أنّ الشعر لابن قتّة. ثم إن وجوه أهل الشام كلّموا معاوية في أمر ابن مفرغ، لليمانية، وقالوا: شاعرنا وقد تعدّى عليه ابن زياد وفضحه، وخرج طلحة الطّلحات في أمره إلى معاوية، فكتب معاوية بإطلاقه، فأطلقه ابن زياد وعاتبه فقال له ابن مفرّغ: إنّي أحبّ أن أنزل كرمان لئلاّ تبلغ عنّي شيئا، فكتب له إلى عامله على كرمان بصلة، وأمره ان يقطعه بها قطيعة ففعل، ولم يزل بكرمان حتى هرب ابن زياد إلى الشام من البصرة فقدم البصرة. وحدثني أبو عدنان الأعور عن أبي زيد الأنصاري قال: كتب عبّاد بن زياد إلى أخيه عبيد الله بشعر لابن مفرغ يقول فيه:إذا أودى معاوية ابن حرب … فبشّر شعب قعبك بانصداع شهدت بأنّ أمّك لم تباشر … أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمر فيه لبس … على وجل شديد وارتياع (¬١) فأنشده عبيد الله معاوية وكان قد وفد إليه، واستأذنه في قتل ابن مفرغ، فقال: أمّا القتل فلا ولكن أدّبه. وقدم ابن مفرّغ البصرة هاربا من عبّاد بن زياد، فاستجار الأحنف فقال: إنّي لا أجير على ابن سميّة، فإن شئت كفيتك شعراء بني تميم فقال: ذلك مالا أبالي ألاّ أكفاه، فأتى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فوعده أن يكلّم فيه ابن زياد، ووعده عمرو بن عبيد الله بن معمر مثل ذلك، ثم أتى المنذر بن الجارود فأجاره، وكانت ابنته بحريّة عند ابن زياد، فلما قدم عبيد الله البصرة دسّ إليه من أتاه به، فسقاه دواء سلّحه في ثيابه وهو على حمار يطاف به فقال ابن مفرغ: تركت قريشا أن أجاور فيهم … وجاورت عبد القيس أهل المشقّر أناسا أجاروني فكان جوارهم … أعاصير من فسو العراق المبذّر فأصبح جاري نائما متبسّطا … ولا يمنع الجيران غير المشمّر (¬٢) وقال أيضا: أصبحت لا من بني بكر فتنصرني … بكر العراق ولم تغضب لنا مضر ولم تكلّم قريش في حليفهم … إذ غاب ناصره بالشام واحتضروا (¬٣)وكلّمت اليمانية معاوية في أمره فأرسل رسولا إلى عبيد الله وأمره بحمل ابن مفرّغ معه، وكان قد أشخصه إلى أخيه عبّاد وهو بسجستان، فردّ وأتي به معاوية فقال في طريقه: فما إن لعبّاد عليك إمارة … نجوت وهذا تحملين طليق لعمري لقد نجّاك من هوّة الردى … إمام وحبل للأمير وثيق سأشكر ما أوليت من فضل نعمة … ومثلي بشكر المنعمين حقيق (¬١) فلما دخل على معاوية بكى وقال: ركب منّي ما لم يركب من مسلم على غير حدث ولا جرم، فقال ألست القائل: ألا أبلغ معاوية بن حرب … مغلغلة من الرجل اليماني وأنشده أشعارا بلغته عنه، فحلف أنّه لم يقلها فقال: اذهب فقد عفوت عنك وانظر أيّ بلد تحبّ أن تسكنه فاسكنه، فنزل الموصل ثم ارتاح للبصرة فقدمها ودخل على عبيد الله بن زياد فآمنه. قالوا: ولم يزل عبيد الله على البصرة حتى مات معاوية فأقرّه يزيد بن معاوية على ما ولاه أبوه. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي عن موسى بن إسماعيل عن عبد الحميد بن عبد الله عن ثابت البناني قال: كنت عند الحسن فقام سائل ضرير البصر فقال: تصدّقوا على من لا قائد له يقوده ولا بصر يهديه، فقال الحسن: ذاك صاحب هذه الدار - يعني عبيد الله بن زياد - ما كان له من حشمه قائد يقوده إلى خير ولا يشير به عليه ولا كان له بصر يبصر به فينفعه.قالوا: وكان عبيد الله بن زياد أوّل من طلب المثالب وعني بجمعها ليعارض الناس بمثل ما يقولون فيه. أبو الحسن المدائني، قال: كان ابن زياد يقول حبّذا الإمارة لولا قعقعة البريد والتشزّن (¬١) للخطب. وقال الهيثم بن عديّ: قال عبيد الله للاحنف: أيّ الشراب أطيب؟ قال: الخمر، قال: كيف علمت ذلك؟ قال: إنّي رأيت من استحلّها لا يتعدّاها، ومن حرمها يتناولها فعلمت أنها أطيبه، فضحك عبيد الله وقال: صدقت. قال: وكان ابن زياد يغري بين الشعراء فقال يوما لحارثة بن بدر الغداني أهج أنس بن زنيم فقال أعفني فلم يعفه فقال: وحدّثت عن أنس أنّه … قليل الأمانة خوّانها بصير بما ضرّ منه الصديق … وشرّ الأخلاء عورانها فقال أنس: أتتني رسالة مستكره … فكان جوابي غفرانها وقال المدائني عن مسلمة: ولّى ابن زياد جزء بن معاوية عمّ الأحنف الفرات فاختان مائة ألف درهم، وعرف الأحنف ذلك فأخبر به ابن زياد فقال له عبيد الله: هات خاتمك فأخذه منه وبعث به إلى أهله مع رسل له: هذا خاتم جزء وابعثوا بالمال الذي قدم به، فبعثوا بالمائة الألف مع رسل ابنزياد، فقال جزء للأحنف: لا جزاك الله عن الرحم خيرا، فقال الأحنف: وأنت فلا جزاك الله عن الأمانة خيرا، ويقال: إنّ زيادا فعل هذا. وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن أبي زبيد عن أبي حصين قال: بلغ يزيد بن معاوية أنّ الحسين ﵇ يريد الخروج إلى الكوفة فغمّه ذلك وساءه فأرسل إلى سرجون مولاهم وكان كاتبه وأنيسه فأستشاره فيمن يولّيه الكوفة فأشار بعبيد الله بن زياد، فقال: إنّه لا خير عنده، قال: أرأيت لو كان معاوية حيّا فأشار عليك به أكنت تولّيه؟ قال: نعم، قال: فهذا عهد معاوية إليه بخاتمه وقد كان وّلاه فلم يمنعني أن أعلمك ذلك إلا معرفتي ببغضك له، فأنفذه إليه وعزل النعمان بن بشير، وكتب إليه: أمّا بعد فإنّ الممدوح مسبوب يوما، وإنّ المسبوب ممدوح يوما، وقد سمي بك يوما إلى غاية أنت فيها كما قال الأوّل: رفعت فجاوزت السحاب وفوقه … فما لك إلا مرقب الشمس مقعد حدثني عمر بن شبّة حدثنا موسى بن اسماعيل وحدثني يوسف بن موسى القطّان قالا: حدثني حكّام عن عمرو بن معروف عن ليث عن مجاهد قال: قال عليّ ﵇ وهو بالكوفة: كيف أنتم إذا أتاكم أهل بيت نبيّكم يحمل قوّيهم ضعيفهم؟ فقالوا: نفعل ونفعل، فحرّك رأسه ثم قال: توردون، ثم تعرّدون (¬١)، ثم تطلبون البراءة ولا براءة لكم. وحدثني صديق لي عن يوسف بن موسى أنّ في حديثه: وتعينون عليه شرّ أهل زمانه في نسبه وسيرته.حدثنا عمر بن شبّة حدثنا محمد بن حاتم حدثنا القاسم بن مالك حدثنا مسعر بن كدام عن معبد بن خالد قال: قال لنا مروان: صلّوا مع ابن زياد واجعلوا صلاتكم معه سبحة. حدثني يوسف بن موسى حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: أوّل من جهر بالمعوّذتين في الصلاة عبيد الله ابن مرجانة. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا أبو داود حدثنا المسعودي عن عليّ بن مدرك قال: أتي ابن زياد بابن مكعبر فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه، فقال علقمة سمعت ابن مسعود يقول: أعصى الناس قتله اهل الإيمان. قالوا: وبنى ابن زياد مسجد الكوفة ووهى بعض ما بنى فبناه يوسف بن عمر. قالوا: وتزوّج عبيد الله بن زياد هندا بنت أسماء بن خارجة الفزاري، فعاب ذلك على أسماء محمد بن عطارد، ومحمد بن الأشعث بن قيس، فتزوّج أمّ النعمان ابنة محمد بن الأشعث، وزوّج أخاه عثمان بن زياد ابنة محمد بن عمير، وزوّج أخاه عبد الله بن زياد ابنة عمرو بن حريث المخزومي، فقال ابن الزّبير الأسدي: لقد أنكحت خوف الهزل عبدا … وصهر العبد أدنى للهزال ويقال إنّ عقبة الأسدي تقلّد سيفا ليفتك بهند فلم يمكنه ذلك فقال: أردت بها أمرا قضى الله غيره … وليس لأمر حمّه الله مدفع وأقسم لو عاينتها لكسوتها … بتوكا إذا عضّ الضريبة يقطعوقال أيضا: جزاك الله يا أسماء خيرا … كما أرضيت فيشلة (¬١) الأمير بفرج قد يفوح المسك منه … عظيم مثل كركرة البعير وذي حبك كأنّ الجمر فيه … يشبّه حرّه لهب السعير وقال الهيثم بن عديّ: أرسل ابن زياد مولى له إلى أسماء قبل ولاية ابن زياد الكوفة وهو بالبصرة يخطب عليه ابنته فزوّجه إيّاها، فقال له عمرو بن حريث: أزوّجته ولا سلطان له عليك؟ فلمّا قدم الكوفة زوّج أخاه ابنة عمرو بن حريث، قال: وقال عبيد الله بن زياد لجرير بن عبد الله البجلي زوّجني ابنتك قال: قد زوّجتها من عمرو بن حريث، قال: أكذاك يا عمرو؟ قال: نعم، فلما خرجا زوّجه إيّاها. المدائني عن جرير بن حازم عن الحسن وعن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم، قالا: ما رأينا أحدا شرّا من ابن زياد: وقال الأعمش: كان مملوءا شرّا ونغلا. المدائني، قال: هجا عبد الله بن همّام عمرو بن نافع - مولى بني أميّة - وكان يتولى ديوان الكوفة لزياد - فلما ولي عبيد الله وشي به إليه فطلبه فهرب إلى يزيد بن معاوية، ومدح عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان واستجار به في شعر يقول فيه: أراك إذا أجرت على أمير … وثيق عرى الأمانة والجوار فإنّي لا أبثّك بثّ فقري … ولكنّي أحاذر من طمار أعوذ من العقوبة يا بن حرب … ومعقد ما عقدت من الإزاروكان ابن زياد إذا غضب على رجل ألقاه من فوق قصر الكوفة، وطمار كلّ مرتفع. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ قال: اذن ابن زياد إذنا عامّا فدخل الناس عليه فزحم غسّان بن نباتة - أخو الأصبغ بن نباتة المجاشعي - عمرو بن الزبير فلما استقرّ بهم المجلس، رفع عمرو يده فلطم لبيد بن عطارد بن حاجب بن زرارة، فغضبت له بنو تميم، وكلّم الناس لبيدا فقال: لا أطلبها أبدا، وبلغ الخبر أهل الكوفة فقال عبد الله بن الزبير الأسدي. فلا يصرم الله اليمين التي علت … على البغض والشحناء أنف لبيد فآب بنو ولد أستها بمضاعف … من اللطم لا يحصونه بعديد نمت بك أعراق الزبير وهاشم … وعرق نمى من خالد بن سعيد أمّ عمرو أمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص أبي أحيحة، وأمّ الزبير صفيّة بنت عبد المطّلب بن هاشم، فقال مسكين الدارمي وهو [ابن] عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس: معاذ الله أن تلفى ركابي … سراعا إذ وردن على ضمير طوال الدّهر أو يرضى لبيد … وكان الضيف محقوقا بخير ستلطم منذرا أو وجه عمرو … ولو دخلا بيثرب في است عير فإن تك لطمة أدركتموها … فلمّا تدركوا بدم الزبير (¬١) وكان المنذر وافدا على عبيد الله بن زياد حين ولي الكوفة، وكان صديقا له فرصده رجال من بني تميم منهم نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، ورجل من بني ظاعنة إخوة تميم، وهم حلفاء لبني عبد الله بن دارم، وثالث معهم، وجاء المنذر يوم جمعة يريد المسجد فلطمه أحدهم، ثم الثاني، ثمالثالث، فدخل المنذر على عبيد الله فقال له: ما أتيتك حتى ظننت أنّ الجدران ستلطمني، فأرسل ابن زياد إلى محمد بن عمير، ولم يكن فيمن لطمه، إلا أنّه قد أمرهم بذلك، فحبسه في السجن، وأخذ نعيما وأصحابه فضربهم بالسياط، وقال بعضهم: إنّه قطع أيديهم. وقال ابن الأعرابي قال المفضّل الضبّي: لما قدم منذر بن الزبير على ابن زياد بعد لطم عمرو لبيدا، لطم محمد بن عمير منذرا، فأخذه ابن زياد فضربه وجاءت بنو أسد بن خزيمة فجعلت تلطم بني تميم، فيقال: إنّه لم يبق من بني تميم أحد يظهر إلا لطم، فقال الشاعر: ونحن لطمنا منذرا يوم جمعة … إذا نهلت منّا الأكفّ نعيدها لطمناه حتّى أسبلت بدمائها … خياشيم كانت مستكنّا فصيدها رأى منذر دفّاع موج عرمرم … وكثرة أيد لم يجد من يذودها فقل لبني العوّام ينهوا سفيههم … عن الجهل لا تنكأ بلطم خدودها وقد روى بعضهم أنّ عمر بن سعد بن أبي وقّاص نازع ابن أمّ الحكم عند معاوية، فأجابه لبيد عن ابن أمّ الحكم، وكان ابن أمّ الحكم مائلا إلى بني حنظلة، فقام معاوية فدخل إلى أهله، فقال عمر بن سعد: يا معاشر قريش أما أحد يكفيني هذا الكلب التميمي؟ فقال عمرو بن الزبير لغلام له: ائت صاحب العمامة الحمراء فاكسر أنفه، ففعل الغلام، فصاح لبيد: يا أمير المؤمنين أيفعل بي هذا في مجلسك؟ فخرج معاوية وأمر بضرب الغلام، فقال لبيد: ما يقنعني هذا، فقال: أيضربك الغلام وأضرب عمرا؟ لست بفاعل، وبلغ ذلك بني تميم ففعلوا بعد ذلك ما فعلوا والله أعلم.وقال المدائني: حبس ابن زياد عبد الله بن الحارث بن نوفل وأراد قتله لإحنة كانت في صدور آل زياد عليه، وبلغ خبره خالاته بنات أبي سفيان، لأنّ أمّه هند بنت أبي سفيان، فكلّمن يزيد فيه وقلن: إنّا لا نأمن عليه، فوجّه يزيد رسولا وكتب معه إلى ابن زياد بتخلية سبيله، وكتب للرسول منشورا، فانطلق الرسول إلى عبيد الله فأخرجه، وكان مع المختار في محبس واحد حين حبس ابن زياد المختار. قالوا: وكان زياد يطعم الناس بالغداة والعشيّ، إلا يوم الجمعة فإنّه كان يعشّي ولا يغدّي، وكان لا يردّ عن طعامه أحد، وكان يتمجّع (¬١) عنده بالغداة اللبن من حضره، وكان لعبيد الله بن زياد طعام لخاصّته وحرسه ولم يكن له طعام للعامّة، وكان عبيد الله أكولا يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جبنة بعسل توضع بين يديه بعد فراغه من الطعام، وكان يأكل جديا أو عناقا (¬٢) يتخيّر له في كلّ يوم فيأتي عليه، ومرّ بالطفّ فقال له رجل من بني أسد: أتتغدّى أصلح الله الأمير؟ فأكل عنده عشر بطّات وزبيلا من عنب، ثم عاد وأكل عشر بطّأت أخر وزبيلا من عنب وجديا. وحدثنا المدائني عن عبد الله بن سلم وعن عامر بن فائد قالا: قال الحسن: قدم علينا عبيد الله بن زياد فقدم شابّا مترفا فاسقا يأكل في اليوم خمس أكلات، وإن فاتته أكلة ظلّ لها صريعا يتّكئ على شماله ويأكل بيمينه،حتى إذا غلبت عليه الكظّة (¬١) قال: أبغوني حاطوما (¬٢)، ثكلتك أمّك إنّما تحطم دينك. وقال ابن الكلبي وغيره: حلف ابن زياد ليقتلنّ المختار بن أبي عبيد، فسمع ذلك أسماء بن خارجة، وعروة بن المغيرة، فدخلا عليه فأخبراه بذلك، وقالا: أوصنا في مالك واحفظ لسانك، فقال: كذب والله ابن مرجانة الزانية، والله لأقتلّنه ولأضعنّ رجلي على خدّه، فقال أسماء: يا أبا اسحاق قد كانت تبلغنا عنك أشياء فأمّا إذ سمعنا منك هذا القول فما فيك مستمتع، ثم نهضا متعجّبين من قوله مستحمقين له، وبكرا إلى ابن زياد فإذا زائدة بن قدامة الثقفي قد دخل عليه بكتاب من يزيد بن معاوية يعلمه فيه أنّ عبد الله بن عمر كتب إليه فيه، ويعزم عليه أن يخلّي سبيله، فقال لزائدة: يا بن جمانة أيّ الرجلين: الكذّاب الذي في محبسي أم الخارج بغير إذني (¬٣)؟ ثم أمر به فوجئت عنقه وقال: انطلقوا به إلى الحبس، فقام إليه مسلم بن عمرو الباهلي فطلب فيه حتى أخرجه من الحبس وقال للمختار: يا كذّاب قد أجّلتك ثلاثا فلا تساكنّي، ففكّت قيوده بالعذيب. وقال عقيبة الأسدي، وهو عقيبة بن هبيرة بن فروة بن عمرو بن عبيد بن أسعد بن جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد:لبس ابن زياد كساء الخزّ منكرة … لكن كساء زياد كان من صوف نجار فهر مبين في توسّمهم … لكن نجار زياد غير معروف لستم قريشا ولكن أنتم نبط … صهب اللحى والنواصي صهبة الليف فكان عبيد الله بن زياد يذكر هذا الشعر ثم يقول: كذب ابن الفاعلة. حدثني الحرمازي قال: كان سعيد بن شدّاد اليربوعي معلّما، وكان ابن زياد يستملحه ويدعو به كثيرا، فابطأت عليه صلته، وقال ابن زياد يوما: ما أحوجني إلى وصفاء، فعمد إلى صبية في كتّابه فألبسهم الثياب وأتاه بهم وقال: هؤلاء وصفاء، فاشتراهم منه، فلمّا أمسوا جعلوا يبكون ويطلبون منازلهم، فأطلقهم ابن زياد وقال لسعيد: ما حملك على هذا؟ قال: إبطاء صلتي، فضحك وسوّغه أثمان الصبيان وزاده. قالوا: ولم يزل ابن زياد على العراقين حتى مات يزيد بن معاوية، وهو يومئذ بالبصرة، وعلى الكوفة من قبله عمرو بن حريث، ومات أبو ليلى بعد أبيه بيسير، فأخرج أهل الكوفة عمرا، وتراضوا بعامر بن مسعود الجمحي، وهو دحروجة الجعل وكان قصيرا (¬١). قالوا: ولما طلب ابن زياد الخوارج تضمّن عبيد الله بن أبي بكرة بعروة بن أديّة فهرب، فقال له ابن زياد: ائتني به وإلا قتلتك، فطلبه أشدّ الطلب وجعل فيه جعلا، فوجد في سرب في دار لبعض بني سفيان، فقرأ عبيد الله قصّته: «إنّا وجدنا عروة يشرب في دار» فضحك عبيد الله وقال:كذبتم ليته كان يشرب، فقال له بعض من حضره: انّما وجد بسرب. فلما أدخل عروة عليه قال: جهزّت عليّ أخاك، فقال: والله لقد أردته على المقام فأبى، ولقد كنت ضنينا وبحياته كثيرا، قال: أفأنت على دينه؟ قال: كلّنا نعبد ربّا واحدا، قال: فما قولك فيّ؟ قال: أوّلك لزنية وآخرك لدعوة، قال: لأمثلنّ بك، قال: اختر لنفسك من القصاص ما أحببت، فأمر به فقطعوا يديه ورجليه، فقال: كيف ترى؟ قال: أراك أفسدت علي دنياي وأفسدت عليك آخرتك، وما أحبّ أنّ الذي نالني نال غيري، فأمر به أن يصلب في داره، فسقط عن الجذع فقال: لا حكم إلا الله ﴿وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (¬١)، فصلب، وسأل ابن زياد رجلا كان يخدم عروة عنه فقال: لم أفرش له بليل مذ صحبته ولم أعدّ له طعاما بنهار. وتغيّب رجل من بني حنيفة فقتل ابن زياد كفيله. وقال الرهين بن سهم المرادي: [يا] نفس قد طال في الدنيا مراوغتي … لا تأمني لصروف الدهر تنغيصا فأسأل الله بيع النفس محتسبا … حتّى ألاقي في الفردوس حرقوصا وابن المنيح ومرداسا وإخوته … إذ فارقوا زهرة الدنيا مخاميصا تخال صفّهم في كلّ معترك … للموت سورا من البنيان مرصوصا (¬٢) وحدثنا أبو خيثمة وأحمد بن إبراهيم الدورقي عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن عيسى بن عاصم قال: خرج ابن زياد في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل جمع الناس وفيهم عروة بن أديّة، فأقبل عروة على ابن زيادفقال: خمس كنّ في الأمم قبلنا قد أصبحن فينا، قال الله: ﴿أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (¬١) وخلّتان أخريان ذكرهما لا أحفظهما، فظنّ ابن زياد أنّه لم يقل له هذا القول إلا وهو في جماعة من أصحابه، فقام فانصرف وترك رهانه، فقيل لعروة: ما صنعت؟ والله ليقتلنّك، فتوارى عروة وطلبه ابن زياد فخرج إلى الكوفة، فأخذه ابن أبي بكرة وكتب إلى ابن زياد: إنّي أخذت عروة بن أدّيّة بسرب فظنّ ابن زياد أنّه كتب: «وجدته يشرب» فلما أتي به أمر فقطعت يداه ورجلاه، ثم قال: كيف ترى؟ قال: أفسدت دنياي وأفسدت عليك آخرتك، ثم بعث برأسه إلى ابنته، فجاءت وجثّته مطروحة بين يدي ابن زياد، فقال لها: أنت على دينه؟ قالت: وكيف لا أكون على دينه وما رأيت قطّ خيرا منه، فأمر بها فقتلت مع أبيها. وأنشدني أبو الكردي الإباضي لعمران بن حطّان أو سعيد بن مسجوح: لقد زاد الحياة إليّ بغضا … وحبّا للخروج أبو بلال وعروة بعده سقيا ورعيا … لعروة ذي الفضائل والمعالي أخاف أن أموت على فراشي … وأرجو الفتك تحت ذرى العوالي ولو أنّي وثقت بأنّ حتفي … كحتف أبي بلال لم أبال (¬٢)
Parsing and provenance details
Local passage ID
253672
Book record
shamela-9773
Source record
336496
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain