Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

خروج الحسين بن علي من مكة إلى الكوفة

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 1239, entry [265]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: خروج الحسين بن علي من مكة إلى الكوفة
page 1239, entry [265]Open original source
خروج الحسين بن علي من مكة إلى الكوفة قالوا: ولما كتب أهل الكوفة إلى الحسين بما كتبوا به فاستخفّوه للشخوص، جاءه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي بمكة فقال له: بلغني أنك تريد العراق وأنا مشفق عليك من مسيرك لأنك تأتي بلدا فيه عماله وامراؤه ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحبّ إليه ممن يقاتلك معه، فقال له: قد نصحت ويقضي الله. وأتاه عبد الله بن عباس فقال له: يا بن عم إن الناس قد أرجفوا بأنك سائر إلى العراق فقال: نعم. قال ابن عباس، فإني أعيذك بالله من ذلك، أتذهب رحمك الله إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم، فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم وان كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله يجبون خراج بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب والقتال، فلا آمن من أن يغرّوك ويكذبوك ويستنفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك؟ قال الحسين: فاني أستخير الله وأنظر.ثم عاد ابن عباس إليه فقال: يا بن عم إني أتصبّر فلا أصبر، إني أتخوف عليك الهلاك إن أهل العراق قوم غدر، فأقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن أرادك أهل العراق وأحبوا نصرك فاكتب إليهم أن ينفوا عدوهم ثم صر إليهم، وإلا فإن في اليمن جبالا وشعابا وحصونا ليس بشيء من العراق مثلها، واليمن أرض طويلة عريضة ولأبيك بها شيعة فأتها ثم أبثث دعاتك وكتبك يأتك الناس. فقال له الحسين: يا بن عم، أنت الناصح الشفيق ولكني قد أزمعت المسير ونويته، فقال ابن عباس: فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وأصبيتك فو الله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه ينظرن إليه. ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال له: قرّت عينك يا بن الزبير بشخوص الحسين عنك، وتخليته إياك والحجاز، ثم قال: يا لك من قبّرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقري وروي أن ابن عباس خرج من عند حسين وهو يقول: واحسيناه أنعي حسينا لمن سمع. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا شبابة بن سوار عن رجل - قال: أحسبه يحيى بن اسماعيل بن سالم الأزدي - عن الشعبي قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة قال له ابن عمر حين أراد توديعه: أطعني وأقم ولا تخرج فو الله ما زواها الله عنكم إلا وهو يريد بكم خيرا. فلما ودعه قال: استودعك الله من قتيل. وحدثني غير أحمد بن إبراهيم عن شبابه عن يحيى بن اسماعيل عنالشعبي ان ابن عمر كان بمكة فقدم المدينة، فأخبر بخروج الحسين فلحقه على مسيرة ثلاث ليال من المدينة فقال له: أين تريد؟ قال: العراق، قال: لا تأتهم، لأنك بضعة من رسول الله، والله لا يليها منكم أحد أبدا، وما صرفها الله عنكم الا للذي هو خير لكم. فقال: هذه بيعتهم وكتبهم، فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: استودعك الله من قتيل والسّلام. وحدثني الحسين بن علي عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش قال: كتب الأحنف إلى الحسين وبلغه أنه على الخروج ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (¬١). قالوا: وعرض ابن الزبير على الحسين أن يقيم بمكة فيبايعه ويبايعه الناس، وإنما أراد بذلك أن لا يتّهمه وأن يعذر في القول - فقال الحسين: لأن أقتل خارجا من مكة بشبر أحبّ إلي من أن أقتل فيها، ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل خارجا منها بشبر. قالوا: واعترضت الحسين رسل عمرو بن سعيد الأشدق وعليهم أخوه يحيى بن سعيد بن العاصي بن أبي أحيحة، فقالوا له: انصرف إلى أين تذهب، فأبى عليهم. وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط، ثم ان حسينا وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا، ومضى الحسين على وجهه فنادوه: يا حسين ألا تتقي الله، أتخرج من الجماعة؟ قالوا: ولقي الحسين بالتنعيم (¬٢) عيرا قد أقبل بها من اليمن بعث بهابجير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن، وعلى العير ورس وحلل، ورسله فيها ينطلقون إلى يزيد، فأخذها الحسين فانطلق بها معه وقال لأصحاب الإبل: لا أكرهكم من أحبّ أن يمضي معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنّا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض. فأوفى من فارقه حقه بالتنعيم، وأعطى من مضى معه وكساهم، فيقال إنه لم يبلغ كربلاء منهم الا ثلاثة نفر، فزادهم عشرة دنانير عشرة دنانير، وأعطاهم جملا جملا، وصرفهم. ولما صار الحسين إلى الصفاح (¬١) لقيه الفرزدق ابن غالب الشاعر فسأله عن أمر الناس وراءه فقال له الفرزدق: الخبير سألت، إن قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء من السماء، والله يفعل ما يشاء، فقال الحسين: صدقت. وحدثني إسحاق الفروي أبو موسى عن سفيان بن عيينة عن لبطة بن الفرزدق عن أبيه قال: لقيني الحسين وهو خارج من مكة في جماعة عليهم يلامق (¬٢) الديباج فقال: ما وراءك؟ قلت: أنت أحب الناس إلى الناس، والسيوف مع بني أمية، والقضاء من السماء. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق قال: أخبرني أبي قال: لقيت الحسين فقلت له: القلوب معك والسيوفمع بني أمية، وإذا في لسانه ثقل من برسام (¬١) كان عرض له بالعراق. حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن الخرّيت قال: سمعت الفرزدق قال: لقيت الحسين بذات عرق (¬٢) وهو يريد الكوفة، فقال لي: ما ترى أهل الكوفة صانعين، فإن معي جملا من كتبهم. قلت: يخذلونك فلا تذهب فإنك تأتي قوما قلوبهم معك وأيديهم عليك. فلم يطعني. قالوا: ولحق الحسين عون بن عبد الله بن جعدة بن هبيرة بذات عرق بكتاب من أبيه يسأله فيه الرجوع، ويذكر ما يخاف عليه من مسيره، فلم يعجبه. وبلغ ابن الحنفية شخوص الحسين وهو يتوضأ فبكى حتى سمع وقع دموعه في الطست. وحدثنا عباس بن هشام بن الكلبي، ثنا معاوية بن الحارث عن شمر أبي عمرو عن عروة بن عبد الله الجعفي قال: كان عبد الله بن يسار - ويسار هو أبو عقب - قدم علينا فقال: ان حسينا قادم فانصروه وجعل يحض على القتال معه، وكان يقول: يقتلني رجل يقال له عبيد الله. فتطلبّه ابن زياد فتوارى وتزوج امرأة من مراد، فأتاه عبيد الله بن الحر فاستخرجه ثم أتى به السبخة فقتله. قالوا: ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين إلى الكوفة بعث الحصين بن تميم بن أسامة التميمي، ثم أحد بني جشيش بن مالك بنحنظلة، صاحب شرطه، حتى نزل القادسية ونظم الخيل بينها وبين خفان (¬١)، وبينها وبين القطقطانة (¬٢) إلى لعلع (¬٣). وكتب الحسين حين بلغ الحاجر (¬٤) مع قيس بن مسهر الصيداوي من بني أسد إلى أهل الكوفة: «أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملأكم على نصرنا، والطلب بحقنا فأثابكم الله على ذلك أعظم الأجر، فاكمشوا أمركم، وجدوا فيه فإني قادم عليكم في أيامي إن شاء الله، والسّلام». وقد كان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل ببضع وعشرين ليلة: «أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، ان جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تنظر في كتابي». فلما صار قيس بن مسهر بالقادسية أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى ابن زياد فأمره ان يصعد القصر فيلعن عليا ويكذب الحسين على القصر، فلما رقيه قال: أيها الناس، إن الحسين بن علي خير خلق الله وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه وانصروه، ثم لعن زيادا وابنه واستغفر الله لعلي، فأمر ابن زياد فرمي به من فوق القصر فتقطع ومات ﵀. قالوا: وكان زهير بن القين البجلي بمكة، وكان عثمانيا، فانصرف من مكة متعجلا، فضمّه الطريق وحسينا فكان يسايره ولا ينازله، ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين إليه في إتيانه فأمرته امرأته ديلمبنت عمرو أن يأتيه فأبى، فقالت: سبحان الله أيبعث إليك ابن بنت رسول الله فلا تأتيه؟ فلما صار إليه ثم انصرف إلى رحله قال لامرأته: أنت طالق، فالحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلاّ خيرا، ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، وصار مع الحسين. ولقي الحسين ومن معه رجل يقال له بكر بن المعنقة بن رود فأخبرهم بمقتل مسلم بن عقيل وهانئ، وقال: رأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق، فطلب إلى الحسين في الانصراف، فوثب بنو عقيل فقالوا: والله لا ننصرف حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا. فقال حسين: ما خير في العيش بعد هؤلاء، فعلم أنه قد عزم رأيه على المسير، فقال له عبد الله بن سليم، والمدري بن الشّمعل الأسديان: خار الله لك، فقال: رحمكما الله. ثم سار إلى زبالة (¬١) وقد اسكثر من الماء، وكان كلما مر بماء اتّبعه منه قوم، وبعث الحسين أخاه من الرضاعة وهو عبد الله بن يقطر إلى مسلم قبل أن يعلم أنه قتل، فأخذه الحصين بن تميم وبعث به إلى ابن زياد، فأمر أن يعلى به القصر ليلعن الحسين وينسبه وأباه إلى الكذب، فلما علا القصر قال: اني رسول الحسين ابن بنت رسول الله اليكم لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي وابن الدعي لعنه الله، فأمر به فألقي من فوق القصر إلى الأرض فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل فذبحه، فقيل له: ويحك ما صنعت؟ فقال: أحببت أن أريحه. فلما بلغ الحسين قتلابن يقطر خطب فقال: أيها الناس قد خذلتنا شيعتنا وقتل مسلم وهانئ وقيس بن مسهر ويقطر، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف. فتفرق الناس الذين صحبوه أيدي سبأ، فأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من الحجاز. وأقبل الحسين حين نزل أشراف فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء فأكثروا ثم سار من أشراف فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار، فما كان بأسرع من أن طلعت عليهم هوادي الخيل (¬١) فلما رأوها من بعيد حسبوها نخلا ثم تبينوها، فأمر الحسين بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي حتى وقف الحر وخيله مقابلي الحسين وذلك في حر الظهيرة، فقال الحسين لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم ورشفوا الخيل ترشيفا ففعلوا. وكان مجيء الحر إليه من القادسية، قدّمه الحصين بن تميم بين يديه في ألف، فلم يزل مواقفا للحسين، وصلى الحسين فصلى خلفه، ثم قال للحر وأصحابه، إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن ذلك أرضى لله، وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم وقدمت به عليّ رسلكم انصرفت عنكم، فقال له: والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكرها، فأخرج الحسين خرجين مملوءين صحفا فنشرها بين أيديهم فقال الحر: فإنا ليس من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إن نحن لقيناك أن لا نقاتلك وأن نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد. فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك.ثم قال لأصحابه قوموا فاركبوا فركبت النساء، ثم أراد الانصراف وأمر به أصحابه فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين ذلك، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك، ما تريد؟ فقال الحر: والله لو غيرك يقولها ما تركت ذكر أمه. ولكنه والله مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما أقدر عليه، فقال الحسين: فما تريد؟ قال: أريد أن أقدمك على عبيد الله بن زياد، قال: فإني والله لا أتبعك، فقال الحر: وأنا والله لا أدعك. فلما ترادّا الكلام قال له الحر: لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن أقدم بك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا حتى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أحببت ذلك، أو إلى ابن زياد إن شئت، فلعل الله أن يرزقني العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك. فتياسر الحسين إلى طريق العذيب (¬١) والقادسية وبينه حينئذ وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا، ثم إن الحسين سار في أصحابه، والحر بن يزيد يسايره. وخطب الحسين ﵇ فقال: إن هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، فأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأنا أحق من غيّر، وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم فإن تتمّوا عليّ بيعتكم تصيبوا رشدكم، ووبخهم بما فعلوا بأبيه وأخيه قبله، فقام زهير بن القين فقال: والله لو كنا في الدنيا مخلدين لآثرنا فراقها في نصرتك ومواساتك. فدعا له الحسين بخير.وأقبل الحر بن يزيد يقول: يا حسين أذكرك الله في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتقاتلنّ ولئن قوتلت لتهلكنّ، فقال الحسين: أبا لموت تخوفني؟ أقول كما قال أخو الأوس: سأمضي فما بالموت عار على الفتى … إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه … وفارق مثبورا وخالف مجرما فإن عشت لم أذمم وإن مت لم ألم … كفى لك ذلا أن تعيش وترغما فلما سمع ذلك الحر بن يزيد تنحى بأصحابه في ناحية عذيب الهجانات وهي التي كانت هجائن النعمان بن المنذر ترعى بها، وإذا هم بأربعة نفر مقبلين من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل، وكان الأربعة النفر: نافع بن هلال المرادي، وعمرو بن خالد الصيداوي (¬١) وسعد مولاه ومجمع بن عبد الله العائذي (¬٢) من مذحج. فقال الحر: إن هؤلاء القوم ليسوا ممن أقبل معك فأنا حابسهم أو رادّهم. فقال الحسين: إذا أمنعهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد جعلت لي ألا تعرض لي حتى يأتيك كتاب ابن زياد. فكف عنهم. وسألهم الحسين عن الناس فقالوا: أما الأشراف فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ليستمال ودهم وتستنزل نصائحهم فهم عليك ألب واحد، وما كتبوا إليك إلا ليجعلوك سوقا وكسبا، وأما سائر الناس بعد فأفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك. وكان الطرمّاح بن عدي دليل هؤلاء النفر فأخذ بهم على الغريين ثمظعن بهم في الجوف، وخرج بهم على البيضة إلى عذيب الهجانات، وكان يقول وهو يسير: يا ناقتي لا تذعري من زجري … وشمّري قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر … حتى تجلّي بكريم النّجر أتى به الله بخير أمر … ثمّت أبقاه بقاء الدهر فدنا الطرماح بن عدي من الحسين فقال له: والله إني لأنظر فما أرى معك كبير أحد، ولو لم يقاتلك غير هؤلاء الذين أراهم ملازمين لك مع الحر لكان ذلك بلاء. فكيف وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة مملوءا رجالا فسألت عنهم فقيل: عرضوا ليوجهوا إلى الحسين، أو قال ليسرحوا، فنشدتك الله إن قدرت أن لا تتقدم إليهم شبرا إلاّ فعلت، وعرض عليه أن ينزله أجأ أو سلمى أحد جبلي طئ، فجزاه خيرا ثم ودعه ومضى إلى أهله، ثم أقبل يريده فبلغه مقتله، فانصرف. وحدثنا سعدويه، ثنا عباد بن العوام، حدثني حضين، حدثني هلال بن إساف قال: أمر زياد فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة فلا يترك أحد يلج ولا يخرج، فانطلق الحسين يسير نحو طريق الشام يريد يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول فنزل كربلاء. وكان فيمن بعث إليه، عمر بن سعد بن أبي وقاص، وشمر بن ذي الجوشن، وحصين بن نمير، فناشدهم الحسين أن يسيّروه إلى يزيد فيضع يده في يده فأبوا إلاّ حكم ابن زياد، وكان ابن زياد ممن بعث إليه الحر بن يزيد الحنظلي فقال: ألا تقبلون ما يسألكم من إتيان يزيد، فو الله لو سألكم هذا الترك والديلم ما كان ينبغي أن تمنعوهم إياه، فضرب الحر وجه فرسه وصارمع الحسين، فلما دنا منه سلم عليه وعلى أصحابه وقاتل أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل. قالوا: ومضى الحسين إلى قصر ابن مقاتل (¬١) فنزل به فإذا هو بفسطاط مضروب فسأل عن صاحبه فقيل له: عبيد الله بن الحر الجعفي، فبعث إليه رسولا يدعوه فقال للرسول: إني والله ما خرجت من الكوفة إلاّ كراهة أن يدخلها الحسين وأنابها، فإن قاتلته كان ذلك عند الله عظيما، وإن كنت معه كنت أول قتيل في غير غناء عنه، و والله لا أراه ولا يراني. فانتعل الحسين وأتاه فدعاه إلى الخروج معه وأعاد عليه القول الذي قاله لرسوله فقال الحسين: فإذا امتنعت من نصرتي فلا تظاهر عليّ، فقال: أما هذا فكن آمنا منه. ثم إنه أظهر الندم على تركه نصرة الحسين وقال في ذلك شعرا سنكتبه في موضعه إن شاء الله تعالى. وكان أنس بن الحارث الكاهلي سمع مقالة الحسين لابن الحر، وكان قدم من الكوفة بمثل ما قدم له ابن الحر، فلما خرج من عند ابن الحر سلم على الحسين وقال له: والله ما أخرجني من الكوفة إلا ما أخرج هذا من كراهة قتالك أو القتال معك ولكن الله قذف في قلبي نصرتك وشجعني على المسير معك، فقال له الحسين، فاخرج معنا راشدا محفوظا. وأقبل الحسين حتى دخل رحله فخفق برأسه خفقة فرأى في منامه قائلا يقول: القوم يسرون والمنايا تسري إليهم. ثم سار فلم يزل يتياسر حتىصار إلى نينوى (¬١) فإذا راكب قد أقبل على نجيب له من الكوفة، فلما انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد ولم يسلم على الحسين، ثم رفع الحر كتابا من ابن زياد فيه: «أما بعد فجعجع (¬٢) بحسين حيث يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ولا تنزله إلا في العراء في غير حصن وعلى غير ماء». فقال الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله وقرأه وأخذهم بالنزول فأنزلهم في غير قرية وعلى غير ماء، وسألوه أن ينزلوا بنينوى والغاضرية (¬٣) فأبى ذلك عليهم، فأشار عليه زهير بن القين بن الحارث البجلي أن يقاتلهم فقال: هؤلاء أيسر علينا فنقاتلهم حتى ننحاز إلى بعض هذه القرى التي على الفرات، فلم يفعل، ونزل وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة إحدى وستين. فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف، وكان عبيد الله بن زياد أراد توجيه عمر بن سعد إلى دستبى (¬٤) لأن الديلم كانوا خرجوا إليها وغلبوا عليها فولاه الري ودسبتى فعسكر للخروج إليها بحمام أعين (¬٥)، فلما ورد أمر الحسين على ابن زياد أمره أن يسير إلى الحسين، فإذا فرغ منه سار إلى عمله فاستعفاه عمر من قتال الحسين فقال: نعم أعفيك على أن ترد عهدنا على الري ودستبى، فقال له: أنظرني يومي هذا. فجاءه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن أخته فقالله: يا خال إن سرت إلى الحسين أثمت بربك وقطعت رحمك فو الله لأن تخرج من دنياك ومالك خير من أن تلقى الله بدم الحسين. ثم أتى عمر بن سعد ابن زياد فقال: إما أن تخرج إلى الحسين بجندنا وإما أن تدفع إلينا عهدنا، فألح عليه في الاستعفاء، وألح ابن زياد بمثل مقالته، فشخص عمر بن سعد إلى الحسين في أربعة آلاف حتى نزل بإزائه، ثم بعث إليه يسأله عن سبب مجيئه فقال: كتب إليّ أهل الكوفة في القدوم فأما إذ كرهوني فإني أنصرف. وكان رسول عمر إليه قرة بن قيس الحنظلي فقال له حبيب بن مظهر: ويحك يا قرة، أترجع إلى القوم الظالمين؟ فقال: أصير إلى صاحبي بالجواب ثم أرى رأيي. وكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بقول الحسين فقال ابن زياد: الآن إذ علقت مخالبنا به … يرجو النجاة ولات حين أوان وكتب إلى عمر: إعرض على الحسين أن يبايع يزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا. فلم يفعله. قالوا: ولما سرح ابن زياد عمر بن سعد من حمام أعين، أمر الناس فعسكروا بالنخيلة (¬١)، وأمر أن لا يتخلف أحد منهم، وصعد المنبر فقرظ معاوية وذكر إحسانه وإدراره الأعطيات، وعنايته بأمور الثغور، وذكر اجتماع الألفة به وعلى يده، وقال: إن يزيد ابنه المتقيل (¬٢) له، السالك لمناهجه المحتذي لمثاله، وقد زادكم مائة مائة في أعطيتكم، فلا يبقين رجل منالعرفاء والمناكب والتجار والسكان إلاّ خرج فعسكر معي، فأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفا عن العسكر برئت منه الذمة. ثم خرج ابن زياد فعسكر وبعث إلى الحصين بن تميم، وكان بالقادسية في أربعة آلاف فقدم النخيلة في جميع من معه، ثم دعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي، ومحمد بن الأشعث بن قيس، والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمن المنقري، وأسماء بن خارجة الفزاري، وقال: طوفوا في الناس فمروهم بالطاعة والاستقامة وخوّفوهم عواقب الأمور والفتنة والمعصية، وحثّوهم على العسكرة. فخرجوا فعذروا وداروا بالكوفة ثم لحقوا به غير كثير بن شهاب فإنه كان مبالغا يدور بالكوفة يأمر الناس بالجماعة ويحذرهم الفتنة والفرقة، ويخذل عن الحسين. وسرح ابن زياد أيضا حصين بن تميم في الأربعة الآلاف الذين كانوا معه إلى الحسين بعد شخوص عمر بن سعد بيوم أو يومين، ووجه أيضا إلى الحسين حجار بن أبجر العجلي في ألف، وتمارض شبث بن ربعي، فبعث إليه فدعاه وعزم عليه أن يشخص إلى الحسين في ألف ففعل. وكان الرجل يبعث في ألف فلا يصل إلاّ في ثلاثمائة أو أربعمائة وأقل من ذلك كراهة منهم لهذا الوجه. ووجه أيضا يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم في ألف أو أقل، ثم ان ابن زياد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث، وأمر القعقاع بن سويد بن عبد الرحمن بن بجير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل، فوجد رجلا من همدان قد قدم يطلب ميراثا له بالكوفة، فأتى به ابن زياد فقتله فلم يبق بالكوفة محتلم إلا خرج إلى العسكر بالنخيلة.ثم جعل ابن زياد يرسل العشرين والثلاثين والخمسين إلى المائة غدوة وضحوة ونصف النهار وعشية من النخيلة، يمدّ بهم عمر بن سعد، وكان يكره أن يكون هلاك الحسين على يده. فلم يكن شيء أحب إليه من أن يقع الصلح. ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلا يجوز أحد من العسكر مخافة لأن يلحق الحسين مغيثا له، ورتب المسالح حولها وجعل على حرس الكوفة والعسكر زحر بن قيس الجعفي، ورتب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلا مضمرة مقدحة فكان خبر ما قبله يأتيه في كل وقت. وهمّ عمار بن أبي سلامة الدالاني أن يفتك بعبيد الله بن زياد في عسكره بالنخيلة فلم يمكنه ذلك. فلطف حتى لحق بالحسين فقتل معه. وقال حبيب بن مظهر للحسين: إن ههنا حيا من بني أسد أعرابا ينزلون النهرين وليس بيننا وبينهم إلا روحه، أفتأذن لي في إتيانهم ودعائهم لعل الله أن يجر بهم إليك نفعا أو يدفع عنك مكروها، فإذن له في ذلك فأتاهم فقال لهم: إني أدعوكم إلى شرف الآخرة وفضلها وجسيم ثوابها، أنا أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم فقد أصبح مظلوما، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلما أتاهم خذلوه وعدوا عليه ليقتلوه، فخرج معهم منهم سبعون. وأتى عمر بن سعد رجل ممن هناك يقال له جبلة بن عمرو فأخبره خبرهم، فوجه أزرق بن الحارث الصيداوي في خيل فحالوا بينهم وبين الحسين، ورجع ابن مظهر إلى الحسين فأخبره الخبر فقال: الحمد لله كثيرا. وكان فراس بن جعدة بن هبيرة المخزومي مع الحسين وهو يرى أنه لا يخالف، فلما رأى الأمر وصعوبته هاله ذلك فأذن له الحسين في الانصراف فانصرف ليلا.وجاء كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد أن حل بين حسين وأصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم، فبعث خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يستقوا منه وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام، وناداه عبد الله بن حصن الأزدي: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا. فقال الحسين: اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا، فمات بالعطش، كان يشرب حتى يبغر (¬١) فما يروى فما زال ذاك دأبه حتى لفظ نفسه. فلما اشتد على الحسين العطش بعث العباس بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين بنت حزام من بني كلاب في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا، وبعث معهم بعشرين قربة فجاؤوا حتى دنوا من الشريعة، واستقدم أمامهم نافع بن هلال المرادي ثم الجملي، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي، وكان على منع الماء: من الرجل؟ قال: نافع بن هلال، قال: ما جاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأ تمونا (¬٢) عنه. قال: اشرب هنيئا. قال: أفأشرب والحسين عطشان ومن ترى من أصحابه؟ فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء. فأمر أصحابه باقتحام الماء ليملاؤا قربهم فثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس ونافع بن هلال فدفعوهم ثم انصرفوا إلى رحالهم وقد ملاؤا قربهم.ويقال إنهم حالوا بينهم وبين ملئها فانصرفوا بشيء يسير من الماء. ونادى المهاجر بن أوس التميمي: يا حسين ألا ترى إلى الماء يلوح كأنه بطون الحيّات، والله لا تذوقه أو تموت، فقال: إني لأرجو أن يوردنيه الله ويحلأكم عنه. ويقال أن عمرو بن الحجاج قال: يا حسين. إن هذا الفرات تلغ فيه الكلاب وتشرب منه الحمير والخنازير، والله لا تذوق منه جرعة حتى تذوق الحميم في نار جهنم. قال: وتواقف الحسين وعمر بن سعد خلوين فقال الحسين: اختاروا مني الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه أو أن أضع يدي في يد يزيد فهو ابن عمي ليرى رأيه فيّ، وإما ان تسيّروني إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلا من أهله لي ما له وعلي ما عليه. ويقال إنه لم يسله إلا أن يشخص إلى المدينة فقط. فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد بما سأل فأراد عبيد الله أن يجيبه إلى ذلك، فقال له شمر بن ذي الجوشن الكلابي ثم الضبابي: لا تقبلن منه إلا أن يضع يده في يدك فإنه إن لم يفعل ذلك كان أولى بالقوة والعز، وكنت أولى بالضعف والعجز فلا ترض إلا بنزوله على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كان ذلك لك وإن غفرت كنت أولى بما تفعله، لقد بلغني أن حسينا وعمر يجلسان ناحية من العسكر يتناجيان ويتحادثان عامة الليل، فقال ابن زياد: نعم ما رأيت فاخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على حسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا ابعث بهم إليّ سلما، وإنهم أبوا قاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطعه، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه. وكان كتابه إلى عمر: «أما بعد فإني لم أبعثك إلى حسين لتطاوله، وتمنيه بالسلامة وتكون له عندي شافعا، فانظر إن نزل حسين وأصحابه على الحكم فابعث بهم إليّ سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، وإن قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره لنذر نذرته وقول قلته، فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم، فإن فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر وأمر الناس، فإنا قد أمرناه فيك بأمرنا والسّلام». فلما أوصل شمر الكتاب إليه قال عمر: يا أبرص ويلك لا قرّب الله دارك ولا سهّل محلّتك، وقبّحك وقبحّ ما قدمت له، والله إني لأظنك ثنيته عن قبول ما كتبت به إليه. فقال شمر: أتمضي لأمر الأمير وإلا فخلّ بيني وبين العسكر وأمر الناس، فقال عمر: لا ولا كرامة، ولكني أتولى الأمر. قال: فدونك. فجعل عمر شمرا على الرجال ونهض بالناس عشية الجمعة، ووقف شمر فقال: أين بنو اختنا؟ يعني: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان بني علي بن أبي طالب، وأمهم أم البنين بنت حزام بن ربيعة الكلابي الشاعر، فخرجوا إليه، فقال: لكم الأمان، فقالوا: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن بنت رسول الله لا أمان له؟ ثم إن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وابشري، فركب في الناس وزحف نحو الحسين وأصحابه بعد صلاة العصر والحسين جالس أمامبيته محتبيا بسيفه، فقال العباس بن علي: يا أخي، أتاك القوم، فنهض فقال: يا عباس اركب، بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما بدا لكم وما تريدون؟ فأتاهم العباس في عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظهر، فسألوهم عن أمرهم فقالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم. فانصرف العباس وحده راجعا فأخبر الحسين بقولهم، وقال لهم حبيب بن مظهر. والله لبئس القوم عند الله قوم قتلوا ذرية نبيهم وعترته، وعبّاد أهل المصر. فقال له عزرة بن قيس: انك لتزكي نفسك. وقال عزرة لزهير بن القين: كنت عندنا عثمانيا فما بالك؟ فقال: والله ما كتبت إلى الحسين ولا أرسلت إليه رسولا ولكن الطريق جمعني وإياه فلما رأيته ذكرت به رسول الله ﷺ وعرفت ما تقدم عليه من غدركم ونكثكم وميلكم إلى الدنيا، فرأيت أن أنصره وأكون في حزبه حفظا لما ضيعتم من حق رسول الله. فبعث الحسين إليهم يسألهم أن ينصرفوا عنه عشيتّهم حتى ينظر في أمره، وإنما أراد أن يوصي أهله ويتقدم إليهم فيما يريد. فأقبل عمر بن سعد على الناس فقال: ما ترون؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله. لو كان هؤلاء من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي أن تجيبهم إليها. وقال له قيس بن الأشعث بن قيس، أجبهم إلى ما سألوا فلعمريلنصحبنك بالقتال غدا، فقال: والله لو أعلم أنهم يفعلوا ما أخّرتهم، فانصرفوا عنه تلك العشية. وعرض الحسين على أهله ومن معه أن يتفرقوا ويجعلوا الليل جملا، وقال: إنما يطلبونني وقد وجدوني، وما كانت كتب من كتب إليّ فيما أظن إلا مكيدة لي وتقرّبا إلى ابن معاوية بي، فقالوا: قبح الله العيش بعدك. وقال مسلم بن عوسجة الأسدي: أنخليك ولم نعذر إلى الله فيك في أداء حقك، لا والله حتى أكسر رمحي في صدورهم، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن سلاحي معي لقذفتهم بالحجارة دونك. وقال له سعيد بن عبد الله الحنفي نحو ذلك، فتكلم أصحابه بشبيه بهذا الكلام، وكان مع الحسين حويّ مولى أبي ذر الغفاري فجعل يعالج سيفه ويصلحه ويقول: يا دهر أفّ لك من خليل … كم لك بالإشراق والأصيل من طالب وصاحب قتيل … والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل … وكل حيّ سالك سبيل ورددها حتى حفظت وسمعتها زينب بنت علي فنهضت إليه تجر ثوبها وهي تقول: وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم، ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي، وثمال (¬١) الباقي، فقال الحسين: يا أخيّة، لا يذهبنّ حلمك الشيطان. قالت: أتغتصب نفسك اغتصابا، ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وهو يعزيها ويصبرها، ثم أمر أصحابه أن يقرّبوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا بعض الأطناب في بعض، وأن يقفوا بينالبيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت وراءهم وعن أيمانهم وشمائلهم، وقد حفّت بهم البيوت إلا الوجه الذي يأتيهم عدوهم منه. ولما جنّ الليل على الحسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويسبحون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون.
Parsing and provenance details
Local passage ID
253548
Book record
shamela-9773
Source record
336372
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
خروج الحسين بن علي من مكة إلى الكوفة — shamela-9773 · Hadith Research Library