page 1070, entry [224]Open original source
أمر عبد الله بن عامر الحضرمي في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ قالوا: لما قتل محمد بن أبي بكر معاوية بن حديج من قبل عمرو بن العاص وظهر معاوية على مصر، وذلك بعد الجمل وصفين والحكمين؛ بعث معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة وقال له: إن جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم يودّون أن يأتيهم من يجمعهم وينظم أمرهم وينهض بهم في الطلب بثارهم ودم إمامهم، فتودد الأزد؛ فإنّ الأزد كلها سلمك، ودع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم لأنهم ترابية كلهم. وكتب إلى عمرو بن العاص: إني نظرت في أمر البصرة، فوجدت جلّ أهلها لنا أولياء، ولعلي وشيعته أعداء، وقد أوقع بهم الوقعة التي قد علمت، فأحقاد تلك ثابتة في صدورهم، والغلّ بها غير مزايل لقلوبهم، وقد أطفأ الله بقتل ابن أبي بكر وفتح مصر نيرانا كانت بها الآفاق مشتعلة مشبوبة مستعرّة، ورفع بذلك رؤوس أنصارنا وأشياعنا حيث كانوا من البلاد، وقد رأيت أن أبعث إلى أهل البصرة عبد الله بن عامر الحضرمي فينزل البصرة ويتودّد إلى الأزد،وينعى دم عثمان، ويذكرهم وقعة علي فإنها أتت على صالحيهم من إخوتهم وآبائهم وأبنائهم. فكتب إليه عمرو: إنه لم يكن منك مذ نهضنا في هذه الحرب؛ وانتضينا لها ونابذنا أهلها رأي هو أضرّ لعدوك، وأسرّ لوليك من رأيك هذا الذي ألهمته، ووفقت له، فأمضه يا أمير المؤمنين مسددا؛ فإنك توجه الصليب الأريب النصيح غير الظنين. فلما جاءه كتاب عمرو؛ سرح ابن الحضرمي إلى البصرة، وأوصاه أن ينزل في مضر، ويحذر ربيعة، ويتودد إلى الأزد. فسار حتى قدم البصرة ونزل في بني تميم، فأتاه العثمانية مسلمين عليه معظمين له مسرورين به، فخطبهم فقال: إن إمامكم إمام الهدى قتله علي بن أبي طالب ظلما فطلبتم بدمه وقاتلتم من قتله، فجزاكم الله من أهل مصر خيرا. فقام إليه الضحاك بن قيس بن عبد الله الهلالي - وكان عبد الله بن عباس ولاه شرطته أيام ولايته - وقال: قبحّ الله ما جئتنا به وما تدعونا إليه أتيتنا والله بمثل ما أتانا به طلحة والزبير، وإنهما جاءآنا وقد بايعنا عليا وبايعاه، واستقامت أمورنا فحملانا على الفرقة حتى ضرب بعضنا بعضا، ونحن الآن مجتمعون على بيعة هذا الرجل أيضا، وقد أقال العثرة وعفا عن المسيء، فتأمرنا الآن أن ننتضي أسيافنا ثم نضرب بها بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا، والله ليوم من أيام عليّ مع النبي ﷺ خير من معاوية وآل معاوية. ثم قام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك: أسكت فلستبأهل أن تتكلم في أمور العامة، ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال: نحن أنصارك ويدك، القول قولك. ثم أمر ابن الحضرمي بقراءة كتاب كان معه من معاوية يذكرهم فيه آثار عثمان فيهم وحبّه العافية لهم وسدّه لثغورهم واعطاءه إياهم حقوقهم، ويصف حاله وقتل من قتله مسلما محرما صائما بغير دم انتهكه، ويدعوهم إلى الطلب بدمه ويضمن لهم أن يعمل فيهم بالسنة، ويعطيهم عطاءين في كل سنة، ولا يحمل عنهم فضلا من فيئهم أبدا. فلما فرغ من قراءة الكتاب قام الأحنف بن قيس وقال: لا ناقتي في هذا ولا جمل واعتزل القوم. وقام عمرو بن مرحوم العبدي فقال: أيها الناس الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة، وتصيبكم القارعة. وقد كانت جماعة من العثمانية كتبوا إلى معاوية يهنونه بفتح مصر، وقتل محمد بن أبي بكر، ويسألونه أن يوجه إلى البصرة رجلا يطلب بدم عثمان ليسمعوا له ويطيعوا، فيقال: إن ذلك حدا معاوية على توجيه ابن الحضرمي. وكان عباس بن صحار العبدي مخالفا لقومه في حب علي، فلما دعا ابن الحضرمي الناس إلى بيعة معاوية والطلب بدم عثمان قام إليه فقال: إني والذي له أسعى، وإياه أخشى لننصرنك بأيدينا وألسنتنا. فقال له المثنى بن مخربة العبدي: والله لئن لم ترجع إلى المكان الذي جئت منه لنجاهدنك بأسيافنا ونبالنا وأسنّة رماحنا، فلا يغرّنك قول هذا - يعني عباس بن صحار - أترانا ندع طاعة ابن عم نبينا وندخل في طاعة حزبمن الأحزاب. ثم أقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان العبدي فقال: يا صبرة أنت ناب من أنياب العرب، وأحد الطلبة بدم عثمان فانصرني. فقال: لو نزلت في داري لنصرتك. قالوا: وكثرت غاشية ابن الحضرمي وأتباعه فهال ذلك زياد بن أبي سفيان ورعّبه وراعه - وكان عبد الله بن عباس حين شخص إلى مكة مغاضبا لعليّ خلفّه على البصرة، فلم ينزعه علي، وكان يكاتبه عن ابن عباس على انه خليفته، ثم كاتبه عليّ دون ابن عباس - فكاتب زياد عليا، فلما رأى زياد ما صار إليه أمر ابن الحضرمي؛ بعث إلى مالك بن مسمع وغيره من وجوه أهل البصرة فدعاهم إلى نصرته فلم يبعدوا ولم يحققوا، وقال ابن مسمع: لن نسلمك، فبعث زياد إلى صبرة بن شيمان فاستجار به فقال له: إن تحملت حتى تنزل في داري أجرتك وحميتك، ففعل وانتقل إلى دار صبرة في الحدّان ليلا وحمل معه ما كان في بيت المال من المال ويقال: إن أبا الأسود الدولي أشار على زياد بالبعث إلى صبرة والاستجارة به، ولم يقلّد ابن عباس أبا الأسود شيئا من البصرة حين شخص، لأنه كان كتب فيه إلى عليّ، وكتب زياد بالخبر إلى علي عن نفسه، وقال بعضهم: كتب به إلى علي عن ابن عباس، وقيل بل كان ابن عباس عند علي وكتب به زياد إلى ابن عباس فأنهاه إلى عليّ، ومن قال هذا قال: إن ابن عباس قد كان قدم على عليّ بعد مقتل ابن أبي بكر، ثم عاد إلى البصرة، وليس ذلك بثبت. قالوا: وأشار العثمانية على ابن الحضرمي بنزول دار الإمارة حين خلاها زياد، فلما تهيأ لذلك ودعا أصحابه لنزولها ركبت الأزد؛ وقالوا:والله لا ينزلها. وركب الأحنف بن قيس فقال لأصحاب ابن الحضرمي: لستم والله أحق بالقصر من القوم. فأمسكوا. وكان نزول ابن الحضرمي في بني تميم في دار سنبيل، وبعض البصريين يقول: صنبيل. قالوا: واتخذ صبرة بن شيمان لزياد في مسجدهم - وهو مسجد الحدّان - منبرا وسريرا فصلى بهم زياد الجمعة، وغلب ابن الحضرميّ على مايليه، وخطب زياد فأثنى على الأزد وحضّهم على نصرته، وقال: قد أصبح دمي فيكم مضمونا وصرت عندكم أمانة مؤداة، وقد رأينا فعلكم يوم الجمل، فاصبروا مع الحق كصبركم على الباطل، فإنكم حيّ لا تخمدون على نجدة، ولا تغدرون بغدر وختر. وقام أبو صفرة - ولم يكن شهد الجمل - فقال: يا قوم إنكم كنتم أمس على عليّ فكونوا اليوم له، واعلموا أن ردّكم جوار جاركم عليه ذل، وخذلانكم إياه عار، وأنتم قوم عادتكم الصبر، وغايتكم الوفاء. وقوم يزعمون أن المتكلم بهذا الكلام غير أبي صفرة، وأن أبا صفرة كان توجه مع ابن عباس إلى صفين فمات في الطريق. قالوا: وقام صبرة فقال: يا قوم هبوا لنا أنفسكم وامنعوا جاركم. وبعث تميم إلى الأزد: أن أخرجوا صاحبكم ونخرج صاحبنا فنبلغ كل واحد منهما مأمنه، ثم يكون لنا أمير ولكم أمير حتى تتفق الناس على إمام. فأبت الأزد ذلك وقالوا: قد أجرنا زيادا ولن نخذ له ولا نسلمه ولا نصير إلى شيء دون إرادته. فكتب زياد إلى عليّ بخبر بني تميم، فلما وصل إليه كتابه دعا أعين بنضبيعة المجاشعي، فقال له: يا أعين أما بلغك ميل قومك مع ابن الحضرمي على عاملي ونصرتهم له التماسا لشقاقي ومشايعة للقاسطين عليّ، قال: فابعثني إليه أكفك إياه. فبعث به وكتب معه إلى زياد يعلمه أنه وجهه ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فإن تفرقوا عنه وخذلوه وإلا نهض إلى ابن الحضرمي بمن أطاعه وتبعه منهم ومن غيرهم فحاكمه إلى الله وحده لا شريك له وحاربه. فلما قدم أعين بن ضبيعة البصرة، اجتمع إليه وجوه قومه فوعظهم، ثم خرج بجماعة منهم فلقيت جماعة من أصحاب ابن الحضرميّ فناوشوهم، ثم تحاجزوا، ورجع أعين إلى منزله وتبعه عشرة، يظن الناس أنهم خوارج - وكانوا من قيس - فلما آوى إلى فراشه بكعوه (¬١) بأسيافهم على الفراش، فخرج عريانا يعدو فلحقوه فقتلوه بالطريق. وأراد زياد محاربة ابن الحضرمي حين أصيب أعين بن ضبيعة فأرسلت تميم إلى الأزد: إنا والله ما أردنا بجاركم مكروها فعلام تريدون المكروه بجارنا؟ فكفوا وأمسكوا. وكتب زياد إلى علي: أن أعين بن ضبيعة قدم علينا بجدّ ومناصحة وصدق يقين، فجمع إليه من أطاعه ونهض بهم - وفسرّ له خبر وقعته؛ ثم قال:- وإن قوما من هذه الحرورية المارقة البريئة من الله ورسوله اتبعوه، فلما آوى إلى فراشه أصابوه. حدثني علي بن الأثرم، عن معمر بن المثنى قال: دسّ ابن الحضرمي إلى أعين بن ضبيعة النفر الذين قتلوه.ويقال: إنه كان معهم متنكرا فطرقوه ليلا، فجعل يقول - حين ضربوه - يا تميم ولا تميم، يا حنظلة ولا حنظلة، يا مجاشع ولا مجاشع، وحمل إلى الأزد؛ فدفن هناك فقبره في الأزد. قالوا: ولما أتى عليا كتاب زياد؛ بمقتل أعين بن ضبيعة، دعا جارية بن قدامة التميمي - وكان قبله أشخصه ابن عباس إليه لمحاربة أهل النهروان، فلم ينصرف إلى البصرة - فقال له: إن قومك بدّلوا ونكثوا ونقضوا بيعتي، ومن العجب أن تمنع الأزد عاملي وتشاقني مضر؛ وتنابذني؟ فقال: يا أمير المؤمنين ابعثني فبعثه. فلما قدم البصرة بدأ بزياد؛ فسلم عليه، فحذره زياد ما لقي صاحبه، فخرج جارية فقام في الأزد فجزاهم الخير، وقال: عرفتم الحق إذ جهله غيركم وحفظتموه إذ ضيعوه، وقرأ كتابا كتبه عليّ إلى أهل البصرة معه يوبخهم فيه أشدّ التوبيخ، ويعنفهم أشد التعنيف، ويتوعدهم بالمسير إليهم إن ألجأوه إلى ذلك حتى يوقع بهم وقعة تكون وقعة يوم الجمل عندها لقعه ببعره (¬١). وكان صبرة حاضرا لقراءة الكتاب فقال: سمعا وطاعة، نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم سلم. وقام أبو صفرة فقال لزياد: والله لو أدركت الجمل ما قاتل قومي عليا، وهو يوم بيوم، وأمر بأمر، والله إلى الجزاء بالحسنى أسرع منه إلى المكافاة بالسوء، والتوبة مع الحوبة والعفو مع الندم. وقال صبرة - أو غيره-: إنا والله نخاف من حرب عليّ في الآخرة؛أعظم مما نخاف من حرب معاوية في الدنيا. فلما أصبحوا سارت الأزد بزياد بن أبي سفيان - وكان يومئذ ينتسب إلى عبيد - وسار جارية بمن قدم معه ومن سارع إليه من بني تميم؛ ودلفوا إلى ابن الحضرمي، وعلى خيل ابن الحضرمي عبد الله بن خازم السّلمي فاقتتلوا ساعة، وأقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع جارية، فما لبثوا: ابن الحضرمي وأصحابه أن هزموهم واضطروهم إلى دار سنبيل السعدي فحصروهم فيها يومهم، وكان في الدار مع ابن الحضرمي عبد الله بن خازم، فجاءت أمه - وكانت اسمها عجلى وكانت حبشية - فنادته فأشرف عليها، فأخرجت ثدييها وقالت: أسألك بدريهما لما نزلت. فأبى، فقالت: والله لتنزلن أو لأتعرنّ فأهوت بيدها إلى ثيابها، فلما رآها نزل فمضت به إلى منزلها. ويقال: إنها حسرت قناعها فإذا شعرها أبيض، ثم قالت: لئن لم تنزل لأتعرّن. قالوا: وأحاط جارية بن قدامة بالدار الحطب والنار فقالت الأزد: لسنا من النار في شيء، وهم قومك وأنت أعلم. فحرقها فهلك فيها ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمن بن عمير، وسمي جارية محرّقا. فلما هلك ابن الحضرمي قالت الأزد لزياد: أبقي علينا حق؟ قال: لا. قالوا: فبرئنا من جوارك؟ قال: نعم. فانصرفوا إلى رحالهم، واستقام لزياد أمره ونزل القصر وحول إليه بيت المال، وكتب بالفتح إلى علي مع ظبيان بن عمارة: «أما بعد فإن العبد الصالح جارية بن قدامة قدم من عندك فيمن أنهدت معه؛ فناهض جمع ابن الحضرمي ففضه ثم اضطر ابنالحضرمي إلى دار من دور البصرة في عدة من أصحابه، فمنهم من حرق بالنار، ومنهم من ألقي عليه جدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه سوى من قتل بالسيف، فبعدا لمن عصى وغوى، والسّلام». وحدثني أبو الحسن المدائني قال: كانت دار سنبيل - ويقال: صنبيل - قصرا قديما للفرس في الجاهلية، وحوله خندق. وحدثني العقوي الدلال عن أبي اليقظان، عن أشياخه قالوا: اقتتل أصحاب ابن الحضرمي وأصحاب علي عند الجسر قتالا شديدا، فانهزم أصحاب ابن الحضرمي حتى دخلوا قصر سنبيل، فطلب ابن الحضرمي الأمان من جارية بن قدامة فلم يؤمنه، وطلب الأمان من زياد فلم يجبه إليه، وكان معه عبد الله بن خازم، فنادته أمه لينزل فأبى فكشفت رأسها كأنه ثغامة (¬١)، وثديين كأنهما دلوان، وأرادت التعري فنزل حين رأى ذلك، وأحرق جارية الدار فاحترق ابن الحضرمي، وذراع بن بدر الغّداني أخو حارثة بن بدر الغداني وسبعون رجلا، ورجع زياد إلى إمرته. وحدثني علي بن المغيرة الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: قدم جارية بن قدامة من عند علي في ألف - أو ألف وخمسمائة - فلما بلغ ذلك ابن الحضرمي أعدّ طعاما وشرابا للحصار، ورمّ حصنا كان لفارس في الجاهلية على نشز، وكان معاوية قد وعده أن يبعث إليه بالامداد، فلما اقتتل وجارية بن قدامة عند الجسر، انهزم حتى دخل الحصن، وهو يومئذ لرجل يقال له: صنبيل، فحصره فيه، وكان معه عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت السّلمي - وأمه حبشية يقال لها: عجلى - فكشفت رأسها وثدييها وأرادت أنتتعرى، فلما رأى ذلك من شأنها نزل، فوهن أمر ابن الحضرمي في نفسه، وطلب الأمان فلم يعطه، وأمر جارية بجمع الحطب حول الدار، فنقل ما بلغ أعلى الحيطان ثم أشعل فيه النّار وأعان ذلك بالهدم، فاحترق ابن الحضرمي، ومن كان معه، وعاد زياد إلى دار الإمارة، فقال بعض الأزد - وقال المدائني: قالها العرندس-: أجرنا زيادا وقد أصفقت … عليه تميم وخاف العطب فلما رأوا أننا دونه … وقد خام عنه جميع العرب عوى الحضرمي عواء الكلاب … وبصبص من خوفنا بالذنب ومن كانت الأزد أنصاره … أصاب بنصرتهم ما طلب رددنا زيادا إلى داره … ودار تميم رماد ذهب وقال أبو الاسود الدولي: أبي الله إلا أن للأزد فضلها … وأنهم أوتاد كل بلاد أجاروا زيادا حين أسلم نفسه … إليهم وكان الرأي رأي زياد فأصبح في الحدّان والأزد دونه … بسمر كأشطان الجرور حداد له منبر يرقاه في كل جمعة … وآلة ملك شرطة ومناد (¬١) وحثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا قرة بن خالد السدوسي، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: لما كان يوم الدار - يعني دار ابن الحضرمي - أشرفوا على ابن أبي بكرة فجعلوا يسبّونه، فقال لهم جارية بن قدامة: لا تؤذوا أبا بكرة ولا تقولوا لهإلا خيرا، قال: فأخبرتني أمي أن أبا بكرة قال: لو دخلوا إلىّ ما بهشت (¬١) إليهم بقضيب. وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن الزبير الحنظلي يحدث قال: لما قدم ابن الحضرمي وقدم جارية بن قدامة البصرة نزل ابن الحضرمي دار الحداني في جانب دار أبي بكرة؛ فأتاه أصحاب علي فأحاطوا بالدار، وكان في الدار، رجل قد سماه فأتته أمه - وكان يقال لها: عجلى وكانت حبشية راعية - فقالت لابنها: إن أنت نزلت وإلا ألقيت قناعي. قال: فالقت قناعها فإذا شعرها مثل الثغامة (¬٢) فلم ينزل فقالت: إن نزلت وإلا ألقيت ردائي فألقت رداءها فلم ينزل، فقالت: إن نزلت وإلا ألقيت قميصي فلم ينزل، فألقت قميصها وكانت في إزار - فقالت: إن نزلت وإلا ألقيت إزاري. فنزل، وجاء أصحاب علي فأحاطوا بالدار وحرقوها بمن فيها. وحدثنا خلف بن سالم، حدثنا وهب، عن أبيه، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: بعث معاوية عبد الله بن عامر الحضرمي - وكان ابن خالة عثمان، أمه أم طلحة بنت كريز - إلى البصرة، وكان جارية بن قدامة قدم على معاوية فقال له: ابعث معي رجلا، فإن لك بالبصرة شيعة، فبعث معه ابن الحضرمي، فلما قدم ابن الحضرمي البصرة أتته الأزد فقالوا: انتقل إلى دورنا لنمنعك فإنا نخاف أن يغدر بك بنو سعد. فقال: أخرجوا زيادا فإني غير جامعة في قوم. وكان زياد عاملا لابنعباس بفارس فأصاب مالا فلجأ إلى الأزد فألجأه صبرة بن شيمان الحدّاني وأنزل معه فأبوا أن يخرجوه، وأبى ابن الحضرمي أن ينتقل إليهم إلا بإخراج زياد، وأنزله جارية في دار في مربعة الأحنف، وأتاه ناس فيهم عبد الله بن خازم، ثم تركه جارية فسار إليه أصحاب علي وأحاطوا بداره وقالوا: من خرج عنه فهو آمن. فخرج ناس من الناس، ولم يخرج ابن خازم فأتته أمه - وكانت حبشية راعية اسمها عجلى - فنادته فأشرف عليها فقالت: انزل، فألقت درعها وقامت في إزار، وقالت: لتنزلنّ أو لألقينّ إزاري فأفضحك؟ فنزل واشتعلت النيران في دار ابن الحضرمي التي كان عليها، فاحترق هو ومن معه فيها، فقال ابن أبي العرندس: رددنا زيادا إلى داره … وجار تميم دخانا ذهب لحى الله قوما شووا جارهم … ولم يدفعوا عنه حرّ اللهب والثبت: إنّ جارية لم يأت معاوية، والخبر هو الأول. (١) - في هامش الأصل: بلغ العرض بالأصل الثالث، ولله الحمد.