page 912, entry [206]Open original source
خبر الجمل: حدثني أحمد بن إبراهيم، وخلف بن سالم، قالا: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس بن يزيد الايلي: عن الزهري قال: صار طلحة والزبير إلى مكة وابن عامر بها بحرّ الدنيا قد قدم من البصرة، وبها يعلى بن منية - وهي أمّه وأبوه أميّة تميمي - ومعه مال كثير قدم به من اليمن، وزيادة على أربعمائة بعير، فاجتمعوا عند عائشة فأداروا الرأي فقالوا: نسير إلى المدينة فنقاتل عليا. فقال بعضهم: ليست لكم بأهل المدينة طاقة، قالوا: فنسير إلى الشام فيه الرجال والأموال وأهل الشام شيعة لعثمان؛ فنطلب بدمه ونجد على ذلك أعوانا وأنصارا ومشايعين. فقال قائل منهم: هناك معاوية وهو والي الشام والمطاع به، ولن تنالوا ما تريدون، وهو أولى منكم بما تحاولون لأنه ابن عم الرجل. فقال بعضهم: نسير إلى العراق، فلطلحة بالكوفة شيعة، وللزبير بالبصرة من يهواه ويميل إليه،فاجتمعوا على المسير إلى البصرة، وأشار عبد الله بن عامر عليهم بذلك وأعطاهم مالا كثيرا قوّاهم به، وأعطاهم يعلى بن منية التميمي مالا كثيرا وإبلا، فخرجوا في تسعمائة (¬١) رجل من أهل المدينة، ومكة، ولحقهم الناس حتى كانوا ثلاثة آلاف رجل. فبلغ عليا مسيرهم، ويقال: إن أم الفضل بنت الحارث بن حزن كتبت به إلى عليّ، فأمّر عليّ سهل بن حنيف الأنصاري (¬٢) وشخص حتى نزل ذاقار. حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف: أن طلحة والزبير استأذنا عليا في العمرة، فقال: لعلكما تريدان الشام أو العراق؟ فقالا: اللهم غفرا إنما نوينا العمرة. فأذن لهما فخرجا مسرعين وجعلا يقولان: لا والله ما لعليّ في أعناقنا بيعة، وما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف. فبلغ ذلك عليا فقال: أخذهما (¬٣) الله إلى أقصى دار وأحرّ نار. وولىّ علي عثمان بن حنيف الأنصاري البصرة، فوجد بها خليفة عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن عبد شمس، وهو ابن عامر الحضرمي حليف بني عبد شمس، فحبسه وضبط البصرة. وحدثني خلف بن سالم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا ابن جعدبه، عن صالح بن كيسان قال: قدم طلحة والزبير على عائشة فأجمعوا على الخروج إلى البصرة للطلببدم عثمان، وكان يعلى بن منية قد قدم من اليمن فحملهم على أربعمائة بعير، فيها «عسكر» جمل عائشة الذي ركبته. وحدثني روح بن عبد المؤمن، عن وهب بن جرير، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان. وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف في اسناده - فسقت حديثهما ورددت من بعضه على بعض-: قالوا: قدم طلحة والزبير على عائشة فدعواها إلى الخروج، فقالت: أتأمراني أن أقاتل؟ فقالا: لا ولكن تعلمين الناس أن عثمان قتل مظلوما، وتدعيهم إلى أن يجعلوا الأمر شورى بين المسلمين، فيكونوا على الحالة التي تركهم عليها عمر بن الخطاب وتصلحين بينهم. وكان بمكة سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، ومروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وعبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، والمغيرة بن شعبة الثقفي قد شخصوا من المدينة، فأجمعوا على فراق علي والطلب بدم عثمان والمغيرة يحرض الناس ويدعوهم إلى الطلب بدمه، ثم صار إلى الطائف معتزلا للفريقين جميعا. فجعلت عائشة تقول: إن عثمان قتل مظلوما وأنا أدعوكم إلى الطلب بدمه وإعادة الأمر شورى. وكانت أم سلمة بنت أبي أمية بمكة، فكانت تقول: أيها الناس آمركم بتقوى الله، وأن كنتم تابعتم عليا فارضوا به فو الله ما أعرف في زمانكم خيرا منه.وسار طلحة والزبير وعائشة فيمن اجتمع إليهم من الناس فخرجوا في ثلاثة آلاف، منهم من أهل المدينة ومكة تسعمائة. وسمعت عائشة في طريقها نباح كلاب فقالت: ما يقال لهذا الماء الذي نحن به؟ قالوا: الحوأب. فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ردّوني ردّوني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول وعنده نساؤه: «أيتّكن ينبحها كلاب الحوأب» (¬١) وعزمت على الرجوع فأتاها عبد الله بن الزبير فقال: كذب من زعم أن هذا الماء الحوأب، وجاء بخمسين من بني عامر فشهدوا وحلفوا على صدق عبد الله. وكان مروان بن الحكم مؤذنّهم فقال: من أدعو للصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: ادع أبا عبد الله. وقال محمد بن طلحة: ادع أبا محمد. فقالت عائشة: ما لنا ولك يا مروان أتريد أن تغري بين القوم وتحمل بعضهم على بعض؟ ليصلّ أكبرهما فصلّى الزبير. ولمّا قربت عائشة ومن معها من البصرة بعث إليهم عثمان بن حنيف عمران بن الحصين الخزاعي أبا نجيد، وأبا الأسود الديلي فلقياهم بحفر أبي موسى، فقالا لهم: فيما قدمتم؟ فقالوا: نطلب بدم عثمان وأن نجعل الأمر شورى فإنا غضبنا لكم من سوطه وعصاه أفلا نغضب له من السيف؟! وقالا لعائشة: أمرك الله أن تقرّي في بيتك فإنك حبيس رسول الله ﷺ وحليلته وحرمته. فقالت لأبي الأسود: قد بلغني عنك يا أبا الأسود ما تقول في. فانصرف عمران وأبو الأسود الى ابن حنيف وجعل أبو الأسود يقول:يا بن حنيف قد أتيت فانفر … وطاعن القوم وضارب واصبر وابرز لهم مستلئما وشمّر (¬١) … فقال عثمان: أي ورب الحرمين لأفعلن. ونادى عثمان [بن حنيف في الناس] فتسلّحوا، وأقبل طلحة والزبير وعائشة حتى دخلوا المربد مما يلي بني سليم، وجاء أهل البصرة مع عثمان ركبانا ومشاة، وخطب طلحة فقال: إن عثمان بن عفان كان من أهل السابقة والفضيلة من المهاجرين الأولين، وأحدث أحداثا نقمناها عليه فبايناه ونافرناه، ثم اعتب حين استعتبناه، فعدا عليه امرؤ ابتز هذه الأمة أمرها بغير رضى ولا مشورة فقتله، وساعده على ذلك رجال غير أبرار ولا أتقياء، فقتلوه بريئا تائبا مسلما فنحن ندعوكم إلى الطلب بدمه فإنّه الخليفة المظلوم. وتكلم الزبير بنحو من هذا الكلام، فاختلف الناس فقال قائلون: نطقا بالحقّ، وقال آخرون: كذبا ولهما كانا أشدّ الناس على عثمان وارتفعت الأصوات. وأتي بعائشة على جملها في هودجها فقالت: صه صه، فخطبت بلسان ذلق وصوت جهوري، فأسكت لها الناس فقالت: إن عثمان خليفتكم قتل مظلوما بعد أن تاب إلى ربّه وخرج من ذنبه، والله ما بلغ من فعله ما يستحلّ به دمه، فينبغي في الحق أن يؤخذ قتلته فيقتلوا به ويجعل الأمر شورى. فقال قائلون: صدقت. وقال آخرون: كذبت حتى تضاربوا بالنعالوتمايزوا فصاروا فرقتين: فرقة مع عائشة وأصحابها، وفرقة مع ابن حنيف، وكان على خيل ابن حنيف حكيم بن جبلة فجعل يحمل ويقول: خيلي إليّ أنها قريش … ليردينها نعيمها والطيش وتأهبوا للقتال فانتهوا إلى الزابوقة، وأصبح عثمان بن حنيف فزحف إليهم فقاتلهم أشدّ قتال، فكثرت بينهم القتلى وفشت فيهم الجراح. ثم إن الناس تداعوا إلى الصلح فكتبوا بينهم كتابا بالموادعة إلى قدوم علي على أن لا يعرض بعضهم لبعض في سوق ولا مشرعة، وان لعثمان بن حنيف دار الامارة وبيت المال والمسجد، وأن طلحة والزبير ينزلان ومن معهما حيث شاؤوا، ثم انصرف الناس وألقوا السلاح. وتناظر طلحة والزبير فقال طلحة: والله لئن قدم علي البصرة ليأخذن بأعناقنا، فعزما على تبييت ابن حنيف وهو لا يشعر، وواطآ أصحابهما على ذلك؛ حتى إذا كانت ليلة ريح وظلمة جاؤوا إلى ابن حنيف وهو يصلي بالناس العشاء الآخرة فأخذوه وأمروا به فوطئ وطئا شديدا، ونتفوا لحيته وشاربيه فقال لهما: إن سهلا حيّ بالمدينة والله لئن شاكني شوكة ليضعنّ السيف في بني أبيكما. يخاطب بذلك طلحة والزبير فكفّا عنه وحبساه. وبعثا عبد الله بن الزبير في جماعة إلى بيت المال وعليه قوم من السبايجة (¬١) يكونون أربعين، ويقال: أربعمائة فامتنعوا من تسليمه دون قدوم علي، فقتلوهم ورئيسهم أبا سلمة الزطي (¬٢) وكان عبدا صالحا. وأصبح الناس وعثمان بن حنيف محبوس، فتدافع طلحة والزبيرالصلاة وكانا بويعا أميرين غير خليفتين، وكان الزبير مقدما، ثم اتفقا على أن يصلّي هذا يوما وهذا يوما. وركب حكيم بن جبلة العبدي حتى انتهى إلى الزابوقة، وهو في ثلاثمائة، منهم من قومه سبعون، وتألف إخوة له: وهم الأشرف والحكيم والزعل، فسار إليهم طلحة والزبير فقالا: يا حكيم ما تريد؟ قال: أريد أن تحلّوا عثمان بن حنيف وتقرّوه في دار الإمارة وتسلموا إليه بيت المال، وأن ترجعا إلى قدوم علي. فأبوا ذلك واقتتلوا فجعل حكيم يقول: أضربهم باليابس … ضرب غلام عابس من الحياة آيس فضربت رجله فقطعت فحبا وأخذها فرمى بها ضاربه فصرعه وجعل يقول: يا نفس لا تراعي … إن قطعوا كراعي إن معي ذراعي وجعل يقول أيضا: ليس عليّ في الممات عار … والعار في الحرب هو الفرار والمجد أن لا يفضح الذمار فقتل حكيم في سبعين من قومه وقتل إخوته الثلاثة. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن الزبير بن الخرّيت: عن أبي لبيد قال: قال حكيم لامرأة من الأزد: لأعملنّ بقومك اليوم عملا يكونون به حديثا. فقالت: أظن قومي سيجعلونك حديثا. فضربهرجل من الحدّان يقال له: سحيم ضربة فبقي رأسه متعلقا وصار وجهه مقبلا على دبره. وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العقدي، عن الأسود بن شيبان: عن خالد بن سمير، قال: قالت: عائشة: لا تبايعوا الزبير على الخلافة ولكن على الإمرة في القتال، فإن ظفرتم رأيتم رأيكم. وقال أبو مخنف: خطب طلحة بن عبيد الله الناس بالزّابوقة فقال: يا أهل البصرة توبة بحوبة، إنما أردنا أن نستعتب عثمان ولم نرد قتله فغلب السفهاء الحكماء حتى قتلوه. فقال ناس لطلحة: يا أبا محمد قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا من ذمّه والتحريض على قتله. وحدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن النعمان بن راشد: عن الزهري قال: لما قدم طلحة والزّبير البصرة، أتاهما عبد الله بن حكيم التميمي بكتب كتبها طلحة إليهم يؤلّبهم فيها على عثمان، فقال له حكيم: أتعرف هذه الكتب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على التأليب عليه أمس والطلب بدمه اليوم؟ فقال: لم أجد في أمر عثمان شيئا إلا التوبة والطلب بدمه. قال الزهري: وبلغ عليا خبر حكيم بن جبلة، وعثمان بن حنيف، فأقبل في اثني عشر ألفا حتى قدم البصرة وجعل يقول:والهفتياه على ربيعة … ربيعة السامعة المطيعة نبئتها كانت بها الوقيعة (¬١) … وحدثني أبو خيثمة؛ وخلف بن سالم المخزومي، وأحمد بن إبراهيم، قالوا: حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة: عن صالح بن كيسان، قال: بلغ سهل بن حنيف - وهو وال على المدينة من قبل علي - ما كان من طلحة والزبير إلى أخيه عثمان وحبسهما إيّاه فكتب إليهما: «أعطي الله عهدا لئن ضررتموه بشيء ولم تخلّوا سبيله لأبلغن من أقرب الناس منكما مثل الذي صنعتم وتصنعون به». فخلوا سبيله حتى أتى عليا. قال: ووجّه عليّ من ذي قار إلى أهل الكوفة - لينهضوا إليه - عبد الله بن عباس وعمار بن ياسر، وكان عليها من قبل عليّ أبو موسى، وقد كان عليها من قبل عثمان، فكلّم الأشتر فيه عليا فأقرّه، فلما دعا ابن عباس وعمار النّاس إلى علي واستنفراهم لنصرته قام أبو موسي خطيبا فقال: «أيها الناس إنكم قد سلمتم من الفتنة إلى يومكم فتخلفوا عنها وأقيموا إلى أن يكون الناس جماعة فتدخلوا فيها». وجعل يثبّط الناس، فرجع عبد الله بن عباس وعمار إلى علي فأخبراه بذلك، فكتب إليه: «يا بن الحائك» وبعث الحسن بن علي ليندب الناس إليه، وأمره بعزل أبي موسى فعزله، وولىّ الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري فانتدب معه عشرة آلاف أو نحوهم فخرج بهم إلى إبيه. ثم سار علي ﵇ حتى نزل البصرة فقال: ما تقول الناس؟قالوا: يقولون: يالثارات عثمان. فرفع يده ثم قال: اللهم عليك بقتلة عثمان. وحدثني عمرو بن محمد حدثنا عبد الله بن إدريس بن حصين، عن عمر بن جاوان: عن الأحنف أن طلحة والزبير دعواه إلى الطلب بدم عثمان، فقال: لا أقاتل ابن عمّ رسول الله ومن أمر تماني ببيعته، ولا أقاتل أيضا طائفة فيها أم المؤمنين وحواري رسول الله، ولكن اختاروا مني إحدى ثلاث: إما أن تفتحوا لي الجسر فألحق بأرض الأعاجم، أو بمكة، أو أعبر فأكون قريبا. فأتمروا فرأوا أن يكون بالقرب وقالوا: نطأ صماخه. فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين، واعتزل معه ستة آلاف. ثم التقى القوم فكان أول من قتل طلحة وكعب بن سور، ولحق الزبير بسفوان فلقيه النعر المجاشعي فقال له: إليّ فأنت في ذمتي لا يوصل إليك. قال: فأقبل معه، فأتى الأحنف فقيل له: ذاك الزبير بسفوان فما تأمر؟ قال: جمع بين غارّين من المسلمين حتى ضرب بعضهم وجوه بعض بالسيوف ثم يلحق ببيته بالمدينة. فسمعه ابن جرموز، وفضالة ونفيع - أو نفيل - فركبوا في طلبة فقتلوه. وقال أبو مخنف في اسناده: لما بلغ عليا - وهو بالمدينة - شخوص طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة؛ استنفر الناس بالمدينة، ودعاهم إلى نصره فخفّت معه الأنصار وجعل الحجّاج بن غزية يقول: سيروا أبابيل وحثّوا السيرا … كي تلحقوا التيمي والزبيرا فخرج علي من المدينة في سبعمائة من الأنصار وورد الربذة، فقدم عليهالمثنى بن محرّبة العبدي؛ فأخبره بأمر طلحة والزبير وبقتل حكيم بن جبلة العبدي فيمن قتل من عبد القيس وغيرهم من ربيعة، فقال عليّ ﵇: يا لهف أمّاه على الربيعة … ربيعة السامعة المطيعة قد سبقتني بهم الوقيعة … دعا حكيم دعوة سميعة نال بها المنزلة الرفيعة (¬١) … وقال أبو اليقظان: هو المثنى بن بشير بن محرّبة واسم محربة مدرك بن حوط، وإنما حرّبه السلاح لكثرة لبسه إياه وقد وفد إلى النبي ﷺ. قال: وبعث عليّ من الربذة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري إلى أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري - وكان عامله على الكوفة، بكتاب منه يأمره فيه بدعاء الناس واستنفارهم إليه، فجعل أبو موسى يخذلهم ويأمرهم بالمقام عنه؛ ويحذّرهم الفتنة، ولم ينهض معه أحدا وتوعّد هاشما بالجيش (¬٢) فلما قدم على عليّ دعا عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر؛ فبعثهما إليه وأمرهما بعزله، وكتب إليه معهما كتابا ينسبه وأباه إلى الحياكة، فعزلاه وصيّرا مكانه قرظة بن كعب الانصاري. وارتحل علي بن أبي طالب حتى نزل بفيد، فأتته جماعة طيء، ووجّه ابنه الحسن بن عليّ وعمار بن ياسر إلى الكوفة لاستنفار أهلها، فلما قدما انصرف ابن عباس ومحمد بن أبي بكر الصديق، ويقال: بل أقاما حتى كان انصرافهم جميعا.وقال قوم: كان قيس بن سعد بن عبادة مع الحسن وعمار. والثبت أن عليا ولّى قيسا مصر - وهو بالمدينة - حين ولّى عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب اليمن، ثم إنه عزله عن مصر، وقدم المدينة وشخص هو وسهل بن حنيف إلى الكوفة؛ فشهدا صفين والنهروان معه، وانه لم يوجّه مع الحسن إلا عمار بن ياسر. وقال أبو مخنف وغيره: لما دعا الحسن وعمار أهل الكوفة إلى انجاد علي والنهوض إليه سارعوا إلى ذلك، فنفر مع الحسن عشرة آلاف على راياتهم، ويقال: اثنا عشر ألفا،- وكانوا يدعون في خلافة عثمان وعلي «أسباعا»، حتى كان زياد بن أبي سفيان فصيّرهم «أرباعا» - فكانت همدان وحمير سبعا عليهم سعيد بن قيس الهمداني - ويقال: بل أقام سعيد بالكوفة وكان على السبع غيره. وإقامته بالكوفة أثبت. وكانت مذحج والأشعريون سبعا عليهم زياد بن النضر الحارثي، إلا أن عدّي بن حاتم، كان على طيء مفردا، دون صاحب سبع مذحج والأشعرين. وكانت قيس عيلان وعبد القيس سبعا عليهم سعد بن مسعود، عم المختار بن أبي عبيد الثقفي. وكانت كندة وحضر موت وقضاعة ومهرة، سبعا عليهم حجر بن عدي الكندي. وكانت الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار سبعا عليهم مخنف بن سليم الأزدي. وكانت بكر بن وائل وتغلب، وسائر ربيعة - غير عبد القيس - سبعاعليهم وعلة بن محدوج الذهلي. وكانت قريش وكنانة وأسد، وتميم وضبّة والرباب ومزينة سبعا، عليهم معقل بن قيس الرياحي. فشهد هؤلاء الجمل وصفين والنهر وهم هكذا. حدثني عبد الله بن صالح، عن شريك، عن رجل عن أبي قبيصة عمرو بن قبيصة، عن طارق بن شهاب قال: قال الحسن بن علي لعليّ بالربذة وقد ركب راحلته وعليها رحل له رثّ: إني لأخشى أن تقتل بمضيعة. فقال: إليك عنّي فو الله ما وجدت إلا قتال القوم أو الكفر بما جاء به محمد - أو قال: بما أنزل على محمد ﷺ. وحدثني أبو قلابة الرقاشي، عن يزيد بن محمد العمي، عن يحيى بن عبد الحميد، عن شريك، عن أبيّ الصيرفي عن أبي قبيصة عمرو بن قبيصة، عن طارق بن شهاب بمثله، إلا أنه قال: أو الكفر بما أنزل على محمد. وقال أبو مخنف وغيره: سار الحسن بالناس من الكوفة إلى أبيه وعلى الكوفة قرظة بن كعب، فوافاه بذي قار، فخرج عليّ بالناس من ذي قار حتى نزل بالبصرة؛ فدعاهم إلى الجماعة ونهاهم عن الفرقة، وخرج إليه شيعته من أهل البصرة من ربيعة؛ وهم ثلاث آلاف، على بكر بن وائل شقيق بن ثور السدوسي، وعلى عبد القيس عمرو بن مرحوم العبدي. وانخزل مالك بن مسمع أحد بني قيس بن ثعلبة بن عكابة عن علي. وبايعت أفناء قيس من سليم وعامر، وباهلة وغني أصحاب الجمل، وبايعهم أيضا حنظلة وبنو عمرو بن تميم، وضبّة والرباب، وعليهم هلال بن وكيع بن بشر بن عمر بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم،وقتل يوم الجمل. وبايعهم الأزد ورئيسها صبرة بن شيمان الحدّاني فقال له كعب بن سور بن بكر: أطعني واعتزل بقومك وراء هذه النطفة، ودع هذين الغارين من مضر؛ وربيعة يقتتلان. فأبى وقال: أتأمرني أن أعتزل أم المؤمنين وأدع الطلب بدم عثمان، لا أفعل. وبعث الأحنف بن قيس إلى علي: إن شئت أتيتك فكنت معك، وإن شئت اعتزلت ببني سعد فكففت عنك ستة آلاف سيف - أو قال أربعة آلاف سيف؟ فاختار اعتزاله، فاعتزل بناحية وادي السباع. قال: وكان علي يقول: منيت بفارس العرب - يعني الزبير - وبأيسر العرب - يعني يعلى بن منية التميمي - وبفيّاض العرب - يعني طلحة - وبأطوع الناس في الناس - يعني عائشة. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، حدثني الجلد بن أيّوب عن أبيه عن جدّه قال: أتاني كعب بن سور فركبت معه فجعل يطوف في الأزد ويقول: ويحكم أطيعوني واقطعوا هذه النطفة فكونوا من ورائها وخلوا بين الغارين. فجعلوا يسبّونه ويقولون: نصراني صاحب عصا - وذلك لأنه كان في الجاهلية نصرانيا - فلما أعيوه رجع إلى منزله وأراد الخروج من البصرة، فبلغ عائشة الخبر وهي نازلة مسجد الحدّان أو عنده فجاءت على بعيرها فلم تزل به حتى أخرجته ومعه راية الأزد. قال وهب: وكان كعب قاضيا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب، ولاه القضاء بعد أبي مريم الحنفي وأقرّه عثمان بعد ذلك.وقال ابن الكلبي: أتاه سهم فقتله وفي عنقه مصحف. وقال أبو مخنف وغيره: أرسل عمران بن الحصين إلى بني عدي يأمرهم بالقعود عن الفريقين، وقال: لأن أرعى غنما عفرا في جبل حضن (¬١) أحب إليّ من أن أرمي في الفريقين بسهم. فقالوا: أتأمرنا أن نقعد عن ثقل رسول الله ﷺ وحرمته؟ لا نفعل. وقال الحارث بن حوط الليثي لعلي: أترى أن طلحة والزبير، وعائشة اجتمعوا على باطل؟ فقال علي: يا حار أنت ملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، وبإعمال الظن، إعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله. قالوا: وزحف علي بن أبي طالب بالناس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وعلى ميمنته مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وعلى ميسرته عمار بن ياسر العنسي وعلى الرجال أبو قتادة النعمان بن ربعي الأنصاري، وأعطى رايته ابنه محمدا - وهو ابن الحنفية - ثم واقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر، يدعوهم ويناشدهم ويقول لعائشة: إن الله أمرك أن تقري في بيتك فاتقي الله وارجعي، ويقول لطلحة والزبير: خبأتما نساءكما وأبرزتما زوجة رسول الله ﷺ واستفززتماها؟! فيقولان: إنما جئنا للطلب بدم عثمان، وأن ترد الأمر شورى. وكان ميمنة أصحاب الجمل الأزد؛ وعليهم صبرة بن شيمان، وعلى ميسرتهم تميم وضبة والرباب، وعليهم هلال بن وكيع بن بشر بن عمرو بن عدس.وأتي بالجمل فأبرز وعليه عائشة في هودجها وقد ألبست درعا، وضربت على هودجها صفائح الحديد. ويقال: إن الهودج ألبس دروعا. فخطبت عائشة الناس فقالت: إنا كنا نقمنا على عثمان ﵀ ضرب السيوط، وإمرة بني أمية وموقع السحابة المحماة، وانكم استعتبتموه فأعتبكم من ذلك كله، فلما مصتموه كما يماص الثوب الرحيض عدوتم عليه فركبتم منه الفقر الثلاث (¬١): سفك الدم الحرام في البلد الحرام في الشهر الحرام، وأيم الله لقد كان من أحصنكم فرجا وأتقاكم لله. وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، والحسين بن علي بن الأسود، قالا: حدثنا أبو اسامة حماد بن أسامة، حدّثنا مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن عمير: عن موسى بن طلحة، قال: خطبت عائشة فقالت: اسمعوا نحاجّكم عمّا جئنا له: إنا عتبنا - أو نقمنا - على عثمان في ثلاث: امرة الفتى، وموقع الغمامة، وضرب السيوط والعصا، حتى اذا مصتموه كما يماصّ الثوب الصابون عدوتم عليه الفقر الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، وان كان عثمان لمن أحصنهم فرجا وأوصلهم للرحم. وقال أبو مخنف وغيره: وأمر علي أصحابه أن لا يقاتلوا حتى يبدأوا، وأن لا يجهزوا على جريح ولا يمثلوا ولا يدخلوا دارا بغير اذن، ولا يشتموا أحدا، ولا يهيّجوا امرأة، ولا يأخذوا إلاّ ما في عسكرهم. ثم زحف الناس ودنا بعضهم من بعض. وأمر عليّ رجلا من عبدالقيس أن يرفع مصحفا، فرفعه وقام بين الصفين فقال: ادعوكم إلى ما فيه، أدعوكم الى ترك التفرق، وذكر نعمة الله عليكم في الألفة والجماعة، فرمي بالنبل حتى مات، ويقال: بل قطعت يده اليمنى فأخذ المصحف بيده اليسرى فقطعت، فأخذه بأسنانه فرمي حتى قتل، فقال علي: هذا وقت الضراب. وقال بعضهم: قطعت يده فأخذ المصحف بأسنانه وهو يقاتل باليد الباقية، فرمي حتى قتل، فقال عليّ: الآن طاب الضراب. وأخذ المصحف بعد قتل هذا الرجل ﵀ رجل من بني تميم يقال له: مسلم فدعاهم الى ما فيه فقتل فقالت أمه: يا رب إن مسلما دعاهم … يتلو كتاب الله لا يخشاهم فرملّوه رمّلت لحاهم قالوا: وسمع علي أصوات أصحاب الجمل وقد علت فقال: ما يقولون؟ قالوا: يدعون على قتلة عثمان ويلعنونهم. قال: نعم فلعن الله قتلة عثمان، فو الله ما قتله غيرهم وما يلعنون إلاّ أنفسهم، ولا يدعون إلاّ عليها. ثم قال عليّ لابن الحنفية - ومعه الراية-: أقدم، فزحف برايته نحو الجمل، وأمر على الأشتر أن يحمل فحمل وحمل الناس، فقتل هلال بن وكيع التميمي واشتدّ القتال، فضرب مخنف بن سليم على رأسه فسقط، وأخذ الراية منه الصقعب بن سليم أخوه فقتل، ثم أخذها عبد الله بن سليم فقتل. ثم أمر علي محمد بن الحنفية أن يحمل فحمل وحمل الناس فانهزم أهلالبصرة؛ وقتلوا قتلا ذريعا، وذلك عند المساء، فكانت الحرب من الظهر إلى غروب الشمس. وكان كعب بن سور ممسكا بزمام الجمل؛ فأتاه سهم فقتله، وتعاور الناس زمام الجمل فجعل كلما أخذه أحدهم قتل، واقتتل الناس حوله قتالا شديدا. وسمعت عبد الأعلى النرسي يقول: بلغني انه قطعت عليه سبعون يدا. وروي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنّه كان يقول: قتل ممن أخذ بزمام الجمل سبعون. وقال أبو مخنف وعوانة: أقبل رجل من بني ضبّة ومعه سيف وهو يخطر ويقول: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل … والموت أحلى عندنا من العسل ننعي ابن عفان بأطراف الأسل … ردّوا علينا شيخنا ثم بجل (¬١) وجعل هانئ بن خطاب الهمداني يقول: أبت سيوف مذحج وهمدان … بأن تردّ نعثلا كما كان خلقا جديدا بعد خلق الرحمن وحدثني خلف بن سالم، وأحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه عن ابن عون: عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت ابن يثربي يرتجز ويقول: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل … ننزل بالموت إذا الموت نزلوالقتل أحلى عندنا من العسل … ننعي ابن عفان بأطراف الأسل ردّوا علينا شيخنا ثم بجل وقال أبو مخنف وغيره: واقتتل مالك الأشتر وعبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين ثم تعانقا حتى خرّا إلى الأرض يعتركان؛ فحجز بينهما أصحابهما وكان عبد الله بن الزبير يقول حين اعتنقا: اقتلوني ومالكا. وكان الأشتر يقول: اقتلوني وعبد الله. فيقال: إن ابن الزبير لو قال: اقتلوني والأشتر. وإن الأشتر لو قال: اقتلوني وابن الزبير. لقتلا جميعا. وكان الأشتر يقول ما سرّني بإمساكه عن أن يقول الأشتر حمر النعم وسودها. وقيل لعائشة: هذا الأشتر يعارك عبد الله، فقالت: واثكل أسماء، ووهبت لمن بشّرها بسلامته مالا. وروي عن عاصم بن كليب أن المعانق للأشتر عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد؛ فجعل يقول: اقتلوني ومالكا، وجعل الأشتر يقول: اقتلوني وابن عتاب. والأول أشهر. وحدثت عن أبي بكر بن عياش، عن مغيرة عن إبراهيم بن علقمة انه قال: سألت الأشتر فقلت: أنت عاركت ابن الزبير؟ فقال: والله ما وثقت بقوتي حتى قمت له في الركابين ثم ضربته، وكيف أصارعه؟ إنما ذلك عبد الرحمن بن عتاب. وحدثني روح بن عبد المؤمن، عن أبي عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء قال: أخذ ابن الزبير بزمام الجمل فقالت عائشة: من أنت؟ قال: ابن أختك. قالت: واثكل أسماء، أقسمت عليك لما تنحيّت ففعل فأخذه بعضبني ضبّة فقتل. قالوا: وجاء محمد بن طلحة بن عبيد الله، وكان يدعى السجّاد فأخذ بزمام الجمل فحمل عليه رجل فقتله، فيقال: انه من أزد الكوفة يقال له: مكيسر. ويقال: بل حمل معاوية بن شداد العبسي. ويقال إن الذي حمل عليه عصام بن المقشعر النصري حمل عليه بالرمح فقال محمد: أذكرك «حميم» فطعنه برمحه فقتله وقال في ذلك: وأشعث قوّام طويل سهاده … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه … فخرّ صريعا لليدين وللفم يناشدني حميم والرمح دونه (¬١) … فهلا تلاحميم قبل التّقدم على غير شيء غير أن ليس تابعا … عليا ومن لا يتبع الحق يظلم قالوا: وجعل بعض بني ضبة يقول: نحن بنو ضبة لا نفر … حتى نرى جماجما تخرّ صبرا فما يصبر إلا الحرّ وقتل عمرو بن يثربي الضبّي ثلاثة من أصحاب علي: زيد بن صوحان العبدي ويكنى أبا عائشة، وعلباء بن الهيثم السدوسي من ربيعة، وهند بن عمرو بن جدارة الجملي من مراد، وهو الذي يقول: إني لمن أنكرني ابن يثربي … قاتل علباء وهند الجملي ثم ابن صوحان على دين علي وكان هند الجملي يقول وهو يقاتل حتى قتل: أضربهم جهدي بحد المنصل … والموت دون الجمل المجللإن تحملوا قدما علي أحمل وقتل يومئذ ثمامة بن المثنى بن حارثة الشيباني فقال الأعور الشني: ما قاتل الله أقواما هم قتلوا … يوم الخريبة علباء وحسّانا وابن المثنى أصاب السيف مقتله … وخير قرائهم زيد بن صوحانا وكانت وقعة الجمل بالخريبة، وحسان الذي ذكره: حسّان بن محدوج بن بشر بن خوط، كان معه لواء بكر بن وائل، فقتل فأخذه أخوه حذيفة بن محدوج فأصيب، ثم أخذه بعده عدة من الحوطيين فقتلوا حتى تحاموه. وبعضهم ينشد: «علباء وسيحانا» يعني سيحان بن صوحان. حدثني الواقدي، عن هشام بن بهرام، حدثنا وكيع، عن سفيان عن مخوّل بن راشد، عن العيزار بن حريث قال: قال زيد بن صوحان يوم الجمل: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا، وانزعوا الخفين وأرمسوني في الأرض رمسا فإني محاج أحاج. وقاتل طلحة بن عبيد الله يومئذ قتالا شديدا، فشدّ عليه جندب بن عبد الله الأزدي فلما أمكنه أن يطعنه تركه كراهة لأن يقتله. وقال الهيثم بن عدي: جعل جندب بن زهير يرتجز يومئذ ويقول: يا أمّنا أعق أمّ تعلم … والأم تغذو ولدها وترحم وجعل أيضا يرتجز - أو غيره - ويقول: قلنا لها وهي على مهواة … إن لنا سواك أمهات في مسجد الرسول ثاويات وشد رجل من الأزد على ابن الحنفية وهو يقول: يا معشر الأزد كروا.فضربه ابن الحنفية فقطع يده وقال: يا معشر الأزد: فروا. حدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي عن شيخ منهم قال: أخذ رجل منّا بخطام الجمل وهو يقول: نحن عدي نبتغي عليا … نحمل ماديا (¬١) ومشرفيا وبيضة وحلقا ملويا … نقتل من يخالف الوصيا