page 633, entry [157]Open original source
في الحمام - قالوا: واتخذ مسلم بن أبي بكرة حماما، ولم يكن بالبصرة غيره. فكان يستغله في كل جمعة ألف درهم وكرّي حنطة. فقال له أبوه: يا بنيّ نفقتك شبيه بنفقة أخويك، ولست في شيء من أمر السلطان، فما هذا؟ فأخبره خبر حمّامه. ثم إنّ سياه الأسواري، والمنجاب صاحب حمام منجاب، وريطة امرأة زياد سألوا أن يبتنوا حمامات، فأجيبوا إلى ذلك. - وحدثني المدائني، عن مسلمة وخلاد بن عبيدة، قالا: تذاكر قوم من وجوه أهل البصرة الجدا، الباردة والحارّة أيهما أطيب؟ وعبيد الله بن أبي بكرة حاضر، فسئل عن ذلك، فلم يدر ونظر فإذا هو قد اشتري له في سنة واحدة من الجدا بثمانين ألف درهم. فقال سويد بن منجوف: الكريم غرّ.-وقال الواقدي: نفيع أبو بكرة مولى النبي ﷺ، وكان رجلا صالحا ورعا. وولده يقولون: نفيع بن الحارث الثقفي. وكان أبو بكرة ينكر ذلك وقال لابنته، حين حضرته الوفاة، إندبيني - ابن مسروح الحبشي - ومات في ولاية زياد البصرة، وكان أخا لأمه سمية. - المدائني عن خلاد بن عبيدة، عن عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: كتب أبو بكرة إلى عبيد الله ابنه وهو على سجستان: لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «لا يحكمن حاكم بين اثنين وهو غضبان». - حدثني المدائني، عن خلاد بن عبيدة قال: لما قدم سلم بن زياد خراسان، وافق عمر بن عبيد الله بن معمر أميرا على البصرة من قبل عبد الله بن الزبير. فأتاه فأقعده معه. ثم استأذن عليه عبيد الله بن أبي بكرة، فقام إليه فحمله على دابته حتى أدخله فأجلسه معه. فغضب من ذلك سلم، فقال له عمر بن عبيد الله قدمت عليك خراسان فاستعملتني على كويرة ثم عزلتني عزلا قبيحا، وأتيت هذا بسجستان فاستخلفني عليها ثم أمر لي بما في بيت مالها. - وأم عبيد الله وعبد الرحمن ابني أبي بكرة هولة، من ولد الحرّ العجلي. - وقال زياد لخاصته من أهله: من أحبّ منكم الإذن مع العامة، أحسنت إذنه ولم يقربني في خاصتي، ومن أحبّ أذنت له في خاصتي ولم يقربني في العامة إلا لأمر يحدث. فاختار ابن أبي بكرة إذن العامة.-وحدثني المدائني قال: بعث الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة إلى عبد الملك يسأله أن يوليه خراسان وسجستان. فقال عبد الملك لعبيد الله: إن شئت جمعتهما لك. فقال: لا حاجة لي فيهما، لأني لا أخون رجلا بعثني في حاجته. فقال: ما كنت لأعزل أمية للحجاج ثم إنه ولى الحجاج خراسان وسجستان، فولى المهلب سجستان وولى ابن أبي بكرة خراسان. فغم ذلك المهلب. فلقي عبد الرحمن بن عبيد بن طارق السعدي، وكان على شرط الحجاج، فقال: إن عبيد الله بن أبي بكرة أعلم بسجستان قد وليها، وأنا أعلم بخراسان كنت بها مع الحكم بن عمرو الغفاري وغيره. فقال له: عليك بزذان فروخ بن بيرى فكلمه ليعينني. فتكلم عبد الرحمن بن عبيد، وأعانه زذان فروخ، فنقل المهلب إلى خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان. قال أبو الحسن المدائني: وسئل شيخ من أهل سجستان عن عمالهم، فقيل له: من كان أعظمهم في أعينكم، وأجلهم في صدوركم؟ فقال: عبد الرحمن بن سمرة، ثم عبيد الله بن أبي بكرة كان أحسنهم سياسة. وكان عباد بن زياد أضبطهم. وكان طلحة أسخاهم، ثم جاء ابن أبي بكرة فوهن وخار وأهلك جنده. وكان سلك مضيقا. فأخذ عليه فهلك جنده. - قالوا: ومات عبيد الله ببشت (¬١) كمدا لما أصابه ونال العدوّ منه. ويقال: اشتكى أذنه وكان موته منها في سنة ثمانين. قال مجاهد المنقرى يرثي عبيد الله بن أبي بكرة: إنّ الجواد إذا الرياح تناوحت … بالريح أصبح ما يثمر مالالو صاحب السّمحاء كعبا ذا الندى … أو حاتما كانا عليه عيالا أو طلحة الطلحات في عدّاته … أيام يطعم ما تهب شمالا يا أكرم الأمراء في سلطانه … وأقلهم كبرا خلقت ثمالا (¬١) قد طال ما سست الجنود فلم تكن … نزقا تسيء بهم ولا تنبالا قد فقت بالمصرين كل سميدع … وغلبت من نزل الحجاز فعالا والشأم لو قاسوا به سمحاءهم … لسبقت حلبتهم معا أميالا وقال الحجاج الجشمي: أبا حاتم في أيّ شيء جفوتني … وأنت غني عام ذاك أمير وأنت جواد تنهب الناس مالكم … لكل غني عندكم وفقير فكيف حرمنا ذاك منكم وأنتم … على من سوانا روضة وغدير أبا حاتم إنا سراة أناسنا … قديما نسدّي أمرهم وننير يقول رجال لا يضرك فقدهم … بلى إنّ فقد الصالحين يضير وقال واثلة السدوسي يهجوه: هل يذهبن عنك مسروحا وحلبته … ربط البراذين أو تشييدك الدورا إنّ الأساود لن تلقى عطاءهم … في الصالحات ولا في الخير مذكورا أولاد أسود نوبيّ له ذفر … لم يجعل الله في ألوانهم نورا وقال ابن مفرّغ: كان الجواد عبيد الله أكرمهم … في كل حق ينوب الناس مذكور حلو الشمائل لا تحصى مواهبه … قرم لقرم نماه المجد والخير يعطي الجزيل بلا منّ ولا نكد … ولا ينحّله خلف وتعذيرأعني أبا حاتم الفياض كان لنا … عضدا فأضحى جناحي وهو مكسور (¬١) قال: وكان سليم مولى عبيد الله يقول: ختمت خاتمي هذا على أربعين ألف ألف درهم، فما حال الحول وعندنا منه شيء، وكان عبد الملك، إذا ذكر ابن أبي بكرة، يقول: الأسود سيد أهل المشرق، وكان عبيد الله آدم شديد الأدمة، مفلج الثنايا، طوالا، أبرج (¬٢) العينين، ضخم الرأس، غليظ الوسط. - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن عوانة بن الحكم قال: خرج أبو بكرة إلى الكوفة ليكلم معاوية في أمر بني زياد حين أخذهم بسر بن أبي أرطاة فلما دخل عليه، قال: أزائر، أم نزعت بك حاجة يا أبا بكرة؟ فقال: لا أقول باطلا؛ ما جئت إلا في حاجة. قال: تشّفع يا أبا بكرة، وترى لذلك أهلا؛ فما حاجتك؟ قال: تؤمن زيادا وولده. قال: أما زياد فللمسلمين عنده مال، إذا أداه فهو آمن؛ وأما ولده فنخلي سبيلهم، وكتب إلى بسر في ذلك. فلما ودعه، قال: يا أبا بكرة، اعهد إلينا عهدا. فقال: نعم: أعهد إليك أن تنظر لنفسك وتعمل صالحا، فإنك قد تقلدت أمرا عظيما: خلافة الله في خلقه، فاتق الله، فإن لك غاية لن تعدوها، ومن ورائك طالب حثيث لن تفوته، فيوشك أن تبلغ بك المدى ويلحقك الطالب فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه وهو أعلم بك من نفسك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرن على رضاء الله شيئا. - وقال الهيثم بن عدي: دخل عبد الرحمن بن أبي بكرة على الحجاج،فقال له: ما أذهب أسنانك؟ قال: أكل الحارّ وشرب القارّ. قال فما طعامك؟ قال: النّقي بلحوم صغار المعز. قال: فما شرابك؟ قال: ما حلّ قليله وحرم كثيره. قال: فما الذي بقّى طرتك؟ قال: لم تأت عليّ ليلة إلا تمرخت فيها بالبنفسج من قرني إلى قدمي. قال: فما زال الحجاج يتمرخ حتى مات.