page 2892, entry [1321]Open original source
٢- شخصية ياقوت وأخلاقه: التقى ابن الشعار بياقوت في الموصل، وياقوت يومئذ في كهولته، وكان ياقوت صديقا لأخي ابن الشعار، وبينهما أنس تام «١» ؛ فنشأت بين ياقوت ومؤلف قلائد الجمان معرفة لم تتطور إلى صداقة لقصر المدة التي أقامها ياقوت في الموصل، ويصف ابن الشعار ياقوتا بأنه كان أشقر أحمر اللون أزرق العينين «٢» ولم يستوقفه من مظهره سوى ما ذكر؛ لكنه أسرع إلى ذكر بعض تصرفاته السلوكية، فذكر أنه كان ضنينا بما يجمعه، لا يحب إطلاع أحد على ما يؤلف، شديد الحرص عليه، لا يقدم لمخلوق فائدة البتة، وكان ربما سئل عن شيء، وهو به عارف، لم يجب عنه شحا وجفاء طبع. هكذا كانت شيمته مع الناس «٣» . وبخل ياقوت بما يؤلف قد أطنب هو نفسه في وصفه في مقدمة كتابه «معجم الأدباء» فهو هناك ينسب ضنّه به إلى ما قاساه في جمعه، وكثرة وقوفه على الأبواب في لقاء الأشخاص الذين يستمد منهم مادة كتابه، «فلا غرو أن أمنعه من ملتمسيه، وأحجبه عن الراغبين فيه» ويحس هو بأن هذا التصرف مستهجن، ويعاتب نفسه على هذا الفعل، ولكنه يتأسى بأناس مثل محمد بن عبد الملك التاريخي، حجبوا كتبهم وضنوا بها وهي دون كتابه بكثير، ويقول: «قد أقسمت أن لا أسمح بإعارته ما دام في مسودته لئلا يلحّ طالب بالتماسه ... فإذا هذّبته ونقحته وبيّضته فتمتع به ... » إذن فإن البخل لم يكن قاعدة عامة في طبع ياقوت، ولكنه لم يكن ليخرجكتابه إلى الناس قبل تبييضه وتنقيحه وتهذيبه. هكذا يبدو في بعض مراحل حديثه في كتابه، إلا أنك تجده في موضع آخر يقول: إن بعضهم التمس الكتاب لينسخه «فوجدت في نفسي شحا عليهم ... مع كوني غير راض لنفسي بذلك المنع، ولا حامد لها على ذلك الصنع، لكنها طبيعة عليها جبلت، وسجية إليها جبرت» «١» . ولعلّ ابن الشعار متأثر بما قاله ياقوت- في مناسبة معينة- عن نفسه. ومع ذلك فإن هذا الموصوف بالبخل لما اجتمع بابن المستوفي في إربل أطلعه- فيما نقدر- على مقدمة معجم الأدباء «٢» ، وأثبت الرجل أجزاء منها في تاريخ إربل. ويحاول ابن الشعار أن يؤكد ضنّ ياقوت بما يؤلف أو ينشىء، فيذكر أنه طلب منه شيئا من شعره، فجعل يماطله مدة من الزمان ثم سافر إلى الشام ولم يلتق الرجلان بعد ذلك، ومع هذا فإننا نجد ابن الشعار ينقل مقطعات كثيرة لياقوت، بعضها أنشدها ياقوت للمستوفي، وبعضها أنشدها لابن النجار «٣» ، ثم هو يتمم نسخة من معجم البلدان ويضعها في خزانة القاضي الأكرم، ويشهد ابن العديم في مواضع من بغية الطلب «٤» أنه رأى معجم البلدان وأفاد منه كما رأى معجم الأدباء، وإذا صحّ كل ذلك فمعناه أن ياقوتا لا يسوّي بضنّه بين جميع من يعرف، وإنما قد تستدعي الضنّ حالات نفسية ذاتية لدى ياقوت، أو حالات يجدها في من يطلب منه شعره أو مؤلفا من مؤلفاته. وقد كان يعرف أو يقدر أن الناس يقولون خلف ظهره: «إن هو إلا تصنيف رومي مملوك!!» وأنا وإن كنت أميل إلى ترجيح ضنه بكتبه لأن الرفض في هذه الحال يدلّ على قدر من الحرية في التصرف لدى امرىء مملوك، فإني أرجح أن الضنّ كان خاضعا لحالات نفسية معينة، وإلا فكيف يعمد هذا الرجل الضنين بمؤلفاته وما يملكه من كتب وأوراق فيوصي بها إلى وقف الزيدي ببغداد (وكان مسجد الزيدي بدرب دينار) ويعهد إلى الشيخ عز الدين ابن الأثير المؤرخ- وكان يومئذ بحلب- أن يسلمها إلى ناظر الوقف الشيخعبد العزيز بن دلف «١» . غير أن القفطي يتهم المؤرخ (ابن الأثير) بأنه تصرّف في الكتيبات والأوراق التي بخطّ ياقوت تصرفا غير مرضيّ، ولم يوصلها (بعد أن عاد إلى الموصل) إلى حيث أوصى صاحبها «بل فرّقها على جماعة أراد انتفاعه بهم وبها عندهم، ولم ينفعه الله بشيء من ذلك، ولم يتملّ منها بأمل ولا مال، وقطع الله أجله، بعد أن قطع من الانتفاع بتفرقتها أمله، فاكتسب خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وبلغني أن خبرها وصل إلى بغداد وأنهم طالبوه من هناك بتسييرها إلى محلّ وقفها، فسيّر بعضها وأعرض عن بعض، فنعوذ بالله من سوء القضاء والقدر» «٢» . لست أود أن أدافع عن ابن الأثير المؤرخ، ولا أن أرمي القفطي بالتزيد، أو بتسجيل سيئات الناس دون محاسنهم، إذ إني لا أعرف ما كان بين الرجلين من علاقة، كما أني لا أحب أن أقول إن المعاصرة هجنة، أو أن أقيس أخلاق الفرد على ما اكتسبه- بعد مرور القرون- من شهرة علمية، ولكن هذا لا يمنعني من أن أتساءل: ما الانتفاع الذي كان يرجوه ابن الأثير من تفريق كتب ياقوت وأوراقه؟. لقد ترك القفطي هذا الجانب غامضا، فنحن لا نعرف ماذا فرّق، وعلى من فرّقه، وقد كان قادرا على الانتفاع لو شاء من طرق أخرى، كالاتصال بالحكام في عصره، وتقديم الخدمات لهم، وهو قد ابتعد عن ذلك عامدا. ولكن حديث القفطي عن ابن الأثير يصلح أن يكون مدخلا لفهم موقفه من ياقوت، فقد كان الرجل (أي ياقوت) في نظره عسر الفهم، وكان في خلقه مكابرة (أية مكابرة تبرز من أول لقاء بين بائع كتب يرجو نفاق سلعته عند وزير رفيع المكانة كالقفطي؟!) وفي أول لقاء بين الرجلين تأمّل القفطي هذا الرومي فتوسّم فيه أمورا صدق حدسه فيها إذ علم أنه لا يصلح للعشرة. ترى ما هي تلك الأمور التي توسّمها فيه؟ وعندما احتاج ياقوت إلى من يؤويه ويعطف على حاله كان القفطي يرى في خلقه الطيش، ويدرك أن أخلاقه خلقة، ومخاريقه منخرقة، ويجد في دينه قاذورات،وتصرفا في سلوكه يوجب له الشتات (أي طرده عن حمى الوزير الكبير، لو أمن ذلك الوزير النقد الإجتماعي) . وقد استطاع الوزير أن يخفي مشاعره الحقيقة تجاه ياقوت حتى أن ياقوتا وصفه بأنه كان «طلق الوجه حلو البشاشة» «١» هذا إلى صفات أخرى فيه فقد كان «جمّ الفضل، كثير النبل، عظيم القدر، سمح الكف» قال ياقوت: «وكنت ألازم منزله، ويحضره أهل الفضل وأرباب العلم» «٢» وهو يرتفع في نظر نفسه حين يلقبه «الصاحب الوزير الأكرم» ويلحق بذكر اسمه الدعاء وهو في رسالته إليه «مالك الرق، ولي النعم» ، ولكن القفطي لا يحب أن ينزل إلى مستوى تاجر كتب، ولذلك فلا تجري كلمة «الصاحب» على طرف لسانه أو على سنّ قلمه، بينما نجد كمال الدين ابن العديم يقول: «وذكر صاحبنا ياقوت ... ونقلت من خط صديقنا ... وقرأت بخط صديقنا الفاضل» «٣» يقابل هذا عند القاضي الأكرم قوله: «ذكر لي ياقوت الرومي الناسخ- أخبرني ياقوت واسمه ياقوت الرومي مولى عسكر الحموي- ذكر لي ياقوت الحموي مولى عسكر الحموي التاجر- وقال لي ياقوت مولى عسكر الحموي» » . وقد توفي ياقوت وهو لا يدرك شيئا مما كان يسرّه القاضي الأكرم نحوه من كراهية وضغن واحتقار، ولا يعرف اللغة الاستعلائية التي يستعملها القاضي كلما ذكره أو تذكّره. وكان ذلك من رحمة الله به، إن إحساس القفطي بالرفعة وإمعان ياقوت في إبراز الدونية (مرغما أحيانا) هو المسؤول عن بقاء المسافة الفاصلة قائمة بين الرجلين. ولعل الصلة بين ياقوت والقفطي تعيدنا إلى الحديث عن الضنّ بالمؤلفات، فإن في معجم الأدباء إشارات إلى أن ياقوتا أفاد من كتاب في النحاة للقفطي، ولعل ذلك يشير إلى كتابه المعروف باسم «إنباه الرواة» ولكن الفوائد المستمدة من هذا الكتاب قليلة في معجم الأدباء، (والأدباء يشملون النحويين) فلو أن ياقوتا تمكّن من الاطلاع عليه أو على معظمه، لما اتضح ذلك البون بين الكتابين. ترى هل كان ذلك نتيجةحجب القفطي لكتابه، وضنه ببذله، أو لأنه تأخّر في جمع مواده، ففي بعض تراجمه أنه يكتبها بعد ست سنوات من وفاة ياقوت (أي سنة ٦٣٢) «١» .