Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 253270

الحموي، ياقوت - معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب · page 2873, entry [1320]

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب — الحموي، ياقوت

page 2873, entry [1320]Open original source
١- ترجمة ياقوت: إن الخمسة الأوائل في قائمة المصادر المذكورة آنفا، قد شاهدوا ياقوتا وعرفوه، على تفاوت بينهم في تلك المعرفة، وكان ابن النجار من بينهم صديقا له، ولهذا يمكن أن نفترض أن الترجمة التي وردت في المستفاد موجزة، لا تمثل تماما تلك الصداقة، وبخاصة إذا وضعت إزاء ترجمة ياقوت له «١» . وقد انفرد القفطي بايراد رسالة ياقوت إليه بعد هربه من التتار، وعنه نقلها ابن خلكان ثم نقل أكثرها اليافعي في مرآة الجنان واقتبس الذهبي عبارات منها في سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام، ولم يدرك ابن خلكان ياقوتا في الحياة، إذ أنه ورد حلب بعد شهرين ونيف من وفاته، وقد وجد الناس في تلك المدينة يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه، وتلك حقيقة يمكن أن تقارن بما يقوله القفطي فيه، وتعدل من بعض أحكامه، وقد اعتمد ابن خلكان في ترجمته على القفطي وتاريخ اربل وابن الشعار ولكنه لا يشير بشيء إلى ابن النجار. ومع أن المشاهدة قد خلّفت لدى كل من عرفه جملة من الانطباعات، فيبدو أن الروية التي اشتهرت عن أولية ياقوت إنما وضعها ياقوت نفسه، إذ لم يكتف بالحديث عنها إلى معارفه من بعد، بل أثبتها في كتابه معجم الأدباء «٢» ، ولكن هذه الترجمة الذاتية لم تصلنا بل ضاعت مع ما ضاع من ذلك الكتاب، وهو كثير، إذ يقول ياقوتإنه طفل رومي الجنس أسر صغيرا، وبيع في بغداد، وأطلق عليه من اشتراه (أو من باعه) اسم «ياقوت» أي اختار له اسما جميل الوقع على عادة العرب في اختيار أسماء محببة يدعون بها الأرقاء. ولما كان بمنزلة اليتيم الذي لا يعرف اسم أبيه، جعل «عبد الله» اسما لأبيه (أي أن أباه كان واحدا من عبيد الله) وذلك هو أكثر حال الأرقاء الذين كانوا يباعون صغارا مثل ياقوت بن عبد الله الموصلي معاصر ياقوت الحموي «١» ، وياقوت بن عبد الله الذي يميز بلقبه وكنيته «مهذب الدين أبو الدر» «٢» ، وغيرهما كثيرون «٣» . وقد كنت أظن أن هذه أمور لا تتطلب شرحا حتى وجدت من يقول: «وقد يرجح أن أباه (عبد الله الرومي) قد أسره الروم وعاش زمانا في بلدهم، حتى ولد له ياقوت في أرض الروم، ثم أسره العرب وهو طفل فعاد إلى وطن أبيه» «٤» . وكان عمر الطفل حين حمل إلى بغداد خمس سنين أو ست «٥» ، وكان الذي اشتراه ببغداد تاجرا حمويا يدعى عسكر بن أبي نصر بن إبراهيم «٦» ، وقد اكتسب ياقوت نسبة «الحموي» لأن سيده كان حمويا، وحين كبر لقّب «شهاب الدين» وتكنّى «أبا عبد الله» وفي مرحلة متأخرة سمّى نفسه «يعقوب» بدل «ياقوت» ، إلا أنّ اسم «ياقوت» ظلّ أغلب عليه «٧» . ولولا أن ياقوتا رسخ في أذهان بعض معاصريه أنه من مواليد عام ٥٧٤ أو ٥٧٥ لكان تعيين عام مولد طفل- في مثل وضعه- أمرا منوطا بالتخمين المطلق، ولكنالمنذري سمعه يذكر هذين العامين في ترجيح سنة مولده «١» . ومن الطبيعي ما دامت نسبة الرومي قد لصقت به أن يقول إنّه ولد ببلاد الروم، ولكن أي روم وأي بلد، فذلك ما لا يعرفه ياقوت نفسه. ويقف في وجه هذا التاريخ التقديري (لميلاده) - ولو على شكل مؤقت- ثلاثة أمور: الأول: قول على لسان ياقوت نفسه مفاده أنه لقي الخضر بن ثروان التومائي الضرير بمرو وسرخس ونيسابور في سنة أربع وأربعين وخمسمائة وجاء هذا التاريخ في معجم الأدباء ومعجم البلدان على السواء «٢» ، وهذا قبل مولد ياقوت بثلاثين عاما، إذا اعتمدنا التاريخ الذي ذكره. الثاني: قوله في ترجمة التومائي نفسه «وبلغتنا وفاته ببخارى سنة ثمانين وخمسمائة» ، وهذا يعني أن التومائي توفي وعمر ياقوت خمس سنوات أو أكثر قليلا، وأن ياقوتا كان قادرا على التجوال وأن تجواله حمله إلى بخارى، وعلى هذا لا بدّ أن نقدر وجود خطأ في التاريخين، وبعد البحث تبين لي أن هذا القول الذي جرت نسبته إلى ياقوت إنما ينقله ياقوت عن أبي سعد السمعاني «٣» ، وقد سقط صدر الاقتباس: «قال أبو سعد» ومن الغريب أن يسقط في المعجمين كليهما. الثالث: أنه لقي المجفجف الشاعر بحلب سنة ٥٨٠، وهذا أيضا من قبيل الخطأ السابق، فإنه لم يكن في عمر يسمح له بذلك، ولم يعرف حلب إلا سنة ٦٠٧ وما بعدها، ولكني لم أستطع أن أعرف الناقل الأصلي لهذا الخبر. إذن تظلّ إحدى السنتين اللتين ذكرهما ياقوت هي الأقرب إلى الواقع في تحديد مولده، وممّا يؤيد هذا الذي قدّره ياقوت أن أبا طالب الكرخي توفي سنة ٥٨٥، ويذكر ياقوت أنه أدرك زمانه ولكنه لم يره لصغر السن يومئذ، ولأنه كان في ذلك الزمان يشتغل بغير العلم «٤» .وبعد سنة أو أكثر قليلا من عام شرائه أدخله سيده إلى الكتّاب في بغداد، وكان عسكر أميّا لا يحسن الخط ولذلك كان بحاجة إلى من يعينه في تجارته بالمكاتبات، وربما في الشؤون الحسابية أيضا، ورجا أن يكون ياقوت هو من يحقق له هذا العون. ويبدو أن دخل عسكر من التجارة كان كبيرا، وعن هذا الطريق أصبح ثريا، وأوصله ثراؤه إلى أن تزوج بنت أحد الرؤساء ببغداد، ورزق منها بنين، كبروا وتابعوا حرفة أبيهم حيث نشأوا. وأقبل ياقوت في الكتّاب على التعلم، وشغف بالكتب شغفا لازمه طوال حياته، حتى أنه منذ سن السابعة في المكتب ما خلت يده من كتاب يستفيد منه أو يطالعه أو يكتب شيئا منه أو ينسخه «١» ، ولكن بدلا من أن يستخدمه سيده في متجره كاتبا أو حاسبا حوّله إلى تاجر متجول يسافر في ما لدى عسكر من بضائع برا وبحرا، فكانت غايته في البحر أن يصل إلى جزيرة كيش (فيس) في بحر عمان، وغايته في البر أن ينقل السلع الموكولة إليه إلى الشام ومصر. ويقول ابن الشعار: إنه دخل جزيرة كيش أربع مرات، وأنه دخل مصر عدة مرات، وأما دمشق فإنه تردد إليها مرات لا تكاد تحصى «٢» ، وبعض ذلك تمّ وهو ما يزال في حكم مولاه، فيأتمر بأمره وينفذ توجيهاته، ولكن ياقوتا نفسه يذكر أنه دخل كيش ثماني مرات. كان يركب السفينة إليها من البصرة، وكان في كل مرة يشهد المدّ والجزر هنالك «٣» . ولما كانت معرفته بجزيرة كيش معرفة مشاهدة متكررة فإنه يذكر أنها مدينة مليحة المنظر ذات بساتين وعمارات جيدة، وفيها مسكن صاحب عمان، وهو يملك أسطولا تجاريا ضخما، وكانت الجزيرة ملتقى التجار، وفيها عرف ياقوت جماعة من أهل الأدب والفضل «٤» ، وقد ذكر للقفطي في ما بعد أنه شاهد عند بعض أهلها كتابا جامعا يشتمل على ما اتفق لفظه واختلف معناه، وأنه وجده أجمع ما صنّف في هذا الصنف من المؤلفات، وسأل الرجل الذي كان الكتاب في حوزته عن مؤلفه، فلم يذكراسمه، ولهذا ترجم القفطي لمؤلف الكتاب باسم «الكيشي» اعتمادا على ما ذكره ياقوت «١» . وأول مرة يظهر فيها ياقوت وهو ما يزال يتجر لعسكر الحموي، العام ٥٩٤، أي كان عمره عشرين سنة أو أزيد قليلا، ولكن لا بد أن نفترض أنه كان ناشطا في الرحلات التجارية قبل ذلك بسنوات، أي بعد أن قضى فترة وهو يزاول التجارة المحلية مساعدا لعسكر. في ذلك العام ورد آمد، ولا ريب في أن أهدافه الأولى من ورودها كانت تجارية، ولكنه لما خالط بعض أهلها ووجدهم يلهجون بذكر علي بن الحسن بن عنتر المعروف بشميم الحلي، تاق إلى لقاء ذلك اللغوي الشاعر، فقصده إلى حيث يسكن في إحدى حجر مسجد الخضر، وكان الحلي حينئذ شيخا كبيرا قضيف الجسم وبين يديه «جامدان» مملوء كتبا من تصانيفه دون سواها؛ وبعد التسليم دار بينهما حوار يستحق أن ينقل على حاله «٢» (مع تعديل يسير) : ش (شميم) : من أين أنت؟. ي (ياقوت) : من بغداد، وقد جئت لأقتبس من علوم المولى شيئا. ش: أي علم تحب؟. ي: أحبّ علوم الأدب. ش: إن تصانيفي في الأدب كثيرة، وكلها من نتائج أفكاري، وكنت كلما رأيت الناس مجمعين على استحسان كتاب في الأدب أنشأت من جنسه ما يخمل التصنيف السابق. أبو تمام أنشأ حماسة، أما أنا فعملت حماسة من أشعاري. أبو نواس تميز في الخمر فعملت كتاب الخمريات من شعري. لو عاش أبو نواس لا ستحيى أن يذكر شعره في الخمر لو سمع خمرياتي. الناس أعجبوا بخطب ابن نباتة لذا صنفت كتاب الخطب، فليس للناس اليوم اشتغال إلا بخطبي. ليس أبو تمام سوى كلب ... وأبو نواس كلب آخر. اسمع خطبة كتابي في الخمريات ( ... ) واسمع أيضا بعض أشعاري في الخمر (ينشده) . ي: هذا شعر حسن.ش: ويلك! ما عندك غير الاستحسان. ي: ماذا أصنع- إذن- يا مولانا؟. ش: تصنع هكذا (يرقص ويصفق إلى أن يتعب) ثم يقول: لقد ابتليت ببهائم لا يفرقون بين الدر والبعر، والياقوت والحجر. ي: معذرة يا مولانا، إن رأيت أن تنشدني شيئا آخر. ش: قد صنعت كتابا في مدح صلاح الدين مبنيا على تجنيس كتجنيس البستي، اسمع (ينشده ... ) . ي: ما رأي مولانا في المعري. ش: كم تسيء الأدب يا هذا بين يدي؟! من ذلك الكلب الأعمى حتى يذكر بين يدي في مجلسي؟!. ي: ما أراك يا مولانا ترضى عن أحد ممن تقدّم. ش: كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني؟. ي: ما فيهم أحد قط جاء بما يرضيك؟. ش: لا أستثني إلا المتنبي في مديحه، وابن نباتة في خطبه، وابن الحريري في مقاماته. هؤلاء لم يقصروا. استمر الحوار غير المتكافىء بين الشيخ والفتى، وكان ذلك التصرف الشاذ من الشيخ، والتحقير للأوائل، ودوران اللسان بالشتائم، واستعمال لغة التعالي- كل تلك كانت حرية أن تؤثر في نفس ياقوت، ولكن يبدو أن ما سمعه عن الرجل قبل أن يلقاه قد جعله مهيأ النفس لتقبل ما يسمع على أنه مداعبة خشنة، لكنها طريفة، وأن الرجل مهووس يعاني «مرض العظمة» ، وأنه حقيق ألا يأخذه مأخذ الجدّ، ومن بعد أكد له ناس لقيهم أن الفصل الذي مثله أمامه الحلي لم يكن يختلف عن فصول أخرى تدلّ على انزياح عقله عن محوره. ولعله حمل بعض تخليطه على كبر السنّ وما يلابسه من خرف، ولو أن ياقوتا أحسّ بالصدمة من ذلك اللقاء لصرفه ذلك عن الأدب وعن لقاء الأدباء، ولكنه سيلقى كثيرين من العقلاء من بعد يؤكدون له أن الحلي لم يكن إلا شذوذا على قاعدة عريضة. ترى هل كان سعيه للقاء الحلّي يعني أنه كان قد قرر أنيؤرخ للأدباء؟ إن هذا الميل سيظل ينمو في نفسه مع الزمن حتى يجد تحقيقه في معجمين كبيرين. ومن بعد حين اتصل ياقوت بالقفطي حدثه أن الحلي حين عرف أنه (أي ياقوت) يتنقل في البلدان للتجارة قال له: قد أنست بفضلك وعقلك، ومعي في هذا الجمدان بين ثيابي ستة آلاف دينار مصرية (أو قال ثلاثة آلاف دينار مصرية، الشك من القفطي) وقد عزمت على أن أعطيك منها جزءا متوفرا تتجر به لتجد به مرفقا، ومتى غنيت أعدت إليّ رأس المال. ولكن ياقوتا اعتذر عن قبول هذا العرض «١» . استمر ياقوت يتجر لعسكر مولاه، بعد زيارته لآمد، مدة تقل عن سنتين، إذ أن جفوة حدثت بينهما سنة ٥٩٦، فاستغنى عسكر عن خدمته وأعتقه وأبعده عنه «٢» ، فأخذ يتعيش من النسخ بالأجرة، حتى أنه كتب بين سنتي (٥٩٦- ٦٠٣) أي خلال سبع سنوات ثلاثمائة مجلد. لهذا نقدّر أنه لم يغادر بغداد، وأخذ النسخ بيده إلى الاستقرار، وفي تلك الفترة ربطته المهنة الجديدة إلى محبّي الكتب، فصحب أبا سعد الحسن بن محمد (ابن صاحب التذكرة الحمدونية) «٣» وحمد صحبته، وكان أبو سعد مغرما بالكتب واقتنائها والمبالغين في تحصيلها وشرائها، وكان أقسى ما عاناه في حياته أنه حين بطل عن العمل كان يبيع بعضها وعيناه تذرفان، فيحاول ياقوت أن يعزيه بأن الدهر ذو دول، ولا ريب في أن ياقوتا كان يتعامل معه بالكتب نسخا وبيعا وشراء. من ذلك أن أبا سعد استنسخه بالأجرة كتابا في اللغة يسمى «المحيط» من تأليف الصاحب بن عباد كان في وقف بغداد، فجاء في سبعة مجلدات «٤» . وممن تعرّف إليهم في هذه الفترة الحسن بن أبي المعالي الحلّي المعروف بابن الباقلاني النحوي «٥» ، لقيه ببغداد سنة ٦٠٣، وكان آخر العهد به. وأقدّر أنه في سياق عمله في الكتب، اقترب كثيرا من الشيوخ، ودرس عليهم، وسوف أفرد مدخلا خاصالأهمّ شيوخه، وقد تجاهل القفطي أمر تحصيل ياقوت علميا فزعم أنه قرأ شيئا يسيرا من النحو واللغة، وأنه حصّل بالمطالعة فوائد اقتضاها فهمه العسر «١» ، وبخس الرجل حقه ولم ينصفه، وكأن القفطي يريد أن يقول إن ياقوتا لم يكن له شيوخ، وأنه كان في ثقافته عالة على الصحف وحدها، وأن هذه الصحف لم تعطه كلّ ما فيها لعسر في فهمه، فطعن في مستوى ثقافته وقلل من شأنها، وغمزه في قدرته على الإفادة مما يقرأ. لكن الجفوة بين عسكر وياقوت قد تولاها الزمن بالتخفيف ثم بالإزالة، ويقال في هذه المناسبة إن سيده عطف عليه واستعاده إلى خدمته، ولكنه لم يعد مولى فقد نال حريته قبل سبع سنوات، وإذن فقد عادت الرابطة بين الرجلين للمصلحة الاقتصادية المشتركة، وعاد ياقوت ينقل السلع بين كيش والشام ومصر، وحين رجع من سفرة إلى كيش (سنة ٦٠٦) وجد عسكرا قد توفي، فأعطى أولاده وزوجته نصيبهم من رأس مال وربح، على طريقة المراضاة «٢» ، وبقي له ما جعله رأس مال له، وكان تعوّده النسخ قد جعل الكتاب إحدى السلع الأثيرة لديه، فظلت التجارة هي مهنته المفضلة، ولكنه أصبح في حركاته شرقا وغربا «سيد نفسه» . وفي العام التالي لوفاة عسكر مولاه (أي سنة ٦٠٧) نجده يحمل سلعا إلى الشام وفيها كتب علمية، ومن أبرز تلك الكتب «صور الأقاليم للبلخي» نسخة رائقة مليحة الخط مصوّرة، وكان ياقوت يمنّي نفسه أن يبيعها من ملك يحب اقتناء الكتب الجميلة، ولا يهمه ثمنها مهما علا، ويمتد به الحلم فينظم أبياتا يمدح بها ذلك الملك المتخيّل، ولا ينسى أن يورد في أبياته ذكر العلاقة بين الملك الذي يحكم الأقاليم والأقاليم نفسها (انظر القطعة الشعرية رقم: ١٢) ولا ندري كيف اتصل خبر النسخة بالملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب يومئذ فأرسل من يشتريها منه، وبيعت النسخة من غير ربح، ويضيف ياقوت قوله: «وجرت لي فيها قصة طريفة أنزّه هذا السلطان عن ذكرها، فإنه وإن كان الحظ حرمني [جود كفّه] فإنه جواد عند غيري» «٣» .إذن فقد دخل ياقوت حلب (سنة ٦٠٧) وتعرّف- لأول مرة- إلى القاضي الأكرم علي بن يوسف القفطي، وزير صاحب حلب، يحفزه إلى لقائه حب الوزير للكتب واقتنائها وشيوع ذلك عنه بين الناس. غير أن القفطي يذكر أن أول اجتماع له بياقوت إنما تمّ سنة ٦٠٩ وأن الذي أحضره إلى مجلسه أبو علي الحسن بن محمد القيلوي، واطلع الوزير على ما جلبه ياقوت من كتب، وكانت قليلة العدد، فاشترى منها كتابين «١» ، ويمكننا أن نردّ هذا الاختلاف في تاريخ اللقاء إلى التصحيف الكثير بين (سبع) و (تسع) في المصادر، ولهذا فإن أحد التاريخين خطأ. والترجيح في مثل هذا الموقف غير ممكن. ولكن أحد التاريخين كان، ولا بدّ، بداية صلة استمرت حتى وفاة ياقوت. ولعلّ ياقوتا في هذه الزيارة نفسها لقي عددا من الأدباء الذين يترددون إلى مجلس القاضي الأكرم، ومنهم سليمان بن بنين، اجتمع به في عدة مجالس هنالك وأجازه برواية مصنفاته «٢» . ويعود القفطي فيذكر أن ثاني اجتماع له بياقوت إنما تمّ سنة ٦١٣» ؛ ولكن ياقوتا يذكر أنه عاد إلى حلب سنة ٦١١ (ويعود فرق السنتين إلى الظهور) ، وياقوت في هذه المرة أدقّ، إذ زيارته مرتبطة بذكريات يقينية، وخط سيره أوضح، وهو أدرى به من القفطي، ففي عام ٦١١ زار القاضي الأكرم في منزله، ودار الحديث بينهما عن الجوهري صاحب الصحاح وعن جودة تأليفه، وكان يشغل خاطريهما وهما يتجاذبان أطراف الحديث عدم الاهتداء إلى العام الذي ولد فيه الجوهري والعام الذي توفي فيه، بعد البحث الطويل. وقد سأل ياقوت عن هذين التاريخين الوافدين من نيسابور فلم يجد أحدا ينبئه بذلك، وافترق الرجلان، وعاد ياقوت في اليوم التالي إلى منزل القفطي فأخبره هذا أنه رأى في المنام من يقول له: مات إسماعيل الجوهري سنة ٣٨٦، ثم عثر ياقوت على نسخة من ديوان الأدب بخط الجوهري مكتوبة سنة ٣٨٣ ونسخة من الصحاح كتبها الجوهري نفسه سنة ٣٩٦، وهكذا وجدا في حالي المنام واليقظة تاريخا مقاربا لسنة وفاة الجوهري «٤» .ويسلك ياقوت خطا واضحا بعد ذلك وإن كان متعرجا، ففي العام التالي (٦١٢) «١» نراه في مصر حيث يجدد العهد بكثير ممن عرفهم في سفرات سابقة، فيزور صديقه المرهف بن أسامة بن منقذ في بيته ويبيعه بعض الكتب، وكان عمر المرهف يومئذ اثنين وتسعين عاما، وكان قد أقعد فلا يقدر على الحركة إلا أنه كان صحيح العقل والنظر، يقرأ الخط الدقيق، لكن في سمعه بعض ثقل، وهذا ما كان يفرض على ياقوت أن يقتصد في حديثه معه «٢» ، ولم يفقد المرهف حتى في تلك السنّ شغفه بالكتب. ولقي ياقوت أيضا الشريف أبا جعفر محمد بن عبد العزيز الإدريسي الحسني ونقل عنه خبر أستاذه الحسن بن الخطير وتاريخ وفاته «٣» . وفي جمادى الأولى من العام نفسه غادر مصر عائدا إلى دمشق فوصلها في جمادى الثانية، وعاد يشغله أمر العسكرين أبي أحمد وأبي هلال، مثلما كان ذهنه في العام الفائت مشغولا بالجوهري: ترى أين يجد ترجمة لكلّ منهما؟ ولقي في دمشق الحافظ إسماعيل بن عبد الله الأنماطي، فذكر له ما أملاه السلفي في الترجمة لهما، وأعاره تلك الأملية «٤» ، ومن الشام توجه إلى بغداد في العام نفسه، وهنالك لقي الأديب قوام الدين الهاشمي «٥» ، ومن بغداد عاد إلى دمشق وقعد في بعض أسواقها، وجرّه الجدال مع أحد المتعصبين لعلي إلى أن ذكر عليا بما لا يساغ، فثار الناس عليه في دمشق حتى كادوا يقتلونه، ونمي خبره إلى المعتمد الموصلي والى دمشق، فأرسل في طلبه «٦» ، فغادر دمشق هاربا ووجهته حلب. ويرى القفطي أن سبب انحرافه عن علي قد يعود إلى التأثر بآراء الخوارج «٧» ، ولكن الأصوب أن يقال إنّ الغلوّ في حبّ عليّ يولّد غلوّا في الجهة المضادة، وبخاصة إذا احتدم الجدال، ونسي كل واحد من المتجادلين حدوده؛ وهذا لم يحدث لياقوت وحده، بل حدث لغيره من الناس.وليس في مؤلفات ياقوت ما يدلّ على انحراف عن عليّ وقد ترجم له في معجم الأدباء لأنه يعده واضح النحو أو الموحي به إلى أبي الأسود الدؤلي. ومع أن ياقوتا عرف دمشق قبل هذه المرة وبعدها، وقضى فيها أوقاتا كثيرة، فإن حديثه عنها في معجم البلدان ينتمي في معظمه إلى الأخبار المنقولة من المصادر، وقلما نجد هنالك اعتمادا على المشاهدة، وقد لفت انتباهه في دمشق كثرة المياه، فقلّ أن تمر بحائط إلا والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، «وما رأيت بها مسجدا ولا مدرسة ولا خانقاها إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان ... » كذلك لفت انتباهه أن المساكن بها عزيزة لكثرة أهلها والساكنين بها وضيق بقعتها، وهو يحدثنا أن بها ربضا دون السور يحيط بأكثر البلد ويكون في مقدار البلد نفسه، تلك هي انطباعاته الذاتية عن دمشق، فأما سائر الحديث عنها وعن جامعها فهو مستمد من المصادر في أكثره «١» . وفي زياراته الكثيرة للمدينة تعرّف إلى عدد من علمائها. تعرّف إلى فتيان الشاغوري وكان له حلقة بجامع دمشق يقرىء فيها النحو، وقد كان حين رآه شيخا بلغ التسعين أو جاوزها «٢» وعرف فخر الدين ابن الساعاتي الطبيب الموسيقار صاحب الخط المنسوب الجيد، وحضر مجالسه غير مرة «٣» . أما مجلس شيخه أبي اليمن تاج الدين الكندي في دمشق فكان آثر المجالس إلى نفسه، وكانت قوة ذاكرة ذلك الشيخ محط إعجابه فهو يصف حفظه بقوله: «وفي كثرة ما صحبته، وحضرت مجلسه ما رأيت القارىء قرأ عليه كتابا من مروياته، وعلى الخصوص الأدبية واللغوية والنحوية ونحوها إلا وهو يسابق القارىء إلى ما يقرأه» «٤» . وقد عرف ياقوت مكانة العلم في شخص هذا الشيخ إذ كان يرى الملك المعظم عيسى، وهو يومئذ صاحب الشام، يقصد منزل الشيخ تاج الدين راجلا ليقرأ عليه النحو، ولا يكلفه مشقة الذهاب إليه. ورأى على باب شيخه من المماليك الأتراك مالا يكون إلا على باب ملك، ورأى له من الدور والبساتين ما لا يحصى «١» ، كان تاج الدين يجمع العلم والغنى، إذ كان في بعض مراحل حياته بدمشق وزيرا أو بمنزلة وزير ولذلك قال فيه ابن النجار: كان بهيا، وقورا أشبه بالوزراء من العلماء «٢» . بعد دمشق يتوجه ياقوت إلى حلب فيصلها في جمادى الآخرة من سنة ٦١٣، ولا ندري في أي سفراته إلى حلب (٦٠٧، ٦١١، ٦١٣) كان ينزل مدرسة الزجاجية (أو لعلّه فعل ذلك في حال استقراره النهائي فيها) ففي تلك المدرسة كان يقطن المعيد الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الأرجيشي، وكان رجلا قانعا باليسير من الرزق، فإذا زاده أهل البلد شيئا لم يقبله ويقول: في الواصل إليّ كفاية، وكان مقدار ما يصل إليه اثني عشر درهما «٣» . وفي حلب لقي سديد بن سعيد بن صالح الجبراني، وهو نحوي مقرىء كانت له حلقة في جامع حلب يقرىء بها العلم والقرآن، وسأله ياقوت عن مولده فأخبره «٤» . ويزور حاضر حلب، ويدق الباب على القاسم بن القاسم الواسطي «٥» ، فيخرج إليه الواسطي ويملي عليه عند باب داره أسماء تصانيفه الكثيرة، ويغادر حاضر حلب إلى الموصل فيلقى ياقوت بن عبد الله الرومي الأصل، وكان يومئذ قد بلغ من الكبر غاية، ويرى كتبا بخطه يتداولها الناس منها الصحاح والمقامات «٦» ، ويجتمع هنالك أيضا بابن الدهان البغدادي «٧» ، ويذكر القفطي أنه دخل اربل بعد الموصل ولكنه لم يحاول أن يدخل بغداد لأن خصمه في دمشق كان بغداديا «٨» ، ولكن دخوله اربل هذه المرة موضع شك لأن شرف الدين المستوفي لا يذكر شيئا من ذلك. وفي شوال من العام نفسه (٦١٣) وصل خوار من أعمال الريّ فوجدها قد غلبعليها الخراب «١» ، ولعله لم يطل الإقامة في منطقة الري إذ يصل في السنة نفسها إلى الشاذياخ التي كانت قد خلفت مدينة نيسابور فيستطيبها وتعجبه الإقامة فيها. ويقول في وصف هذه المرحلة من حياته: «وصادفت بها من الدهر غفلة، خرج بها عن عادته، واشتريت بها جارية تركية لا أرى أن الله تعالى خلق أحسن منها خلقا وخلقا، وصادفت من نفسي محلا كريما» «٢» . تلك ذروة غريبة الموقع في حياة ياقوت، فها هو على مشارف الأربعين، يقبل على الزواج، أي يختار الاستقرار، وهو رجل موكّل بفضاء الله يذرعه، لا يكفّ عن الترحال، والأغرب من كل ذلك أن يعرض الجارية للبيع بعد إذ حلت من نفسه ذلك المحلّ الكريم، دون أن يكون هناك سبب يحفزه إلى التخلي عنها، سوى أنه أبطرته النعمة فتحجج بضيق اليد، لكنه أساء التقدير، إذ لم يحسب أن تعلقه بها لا تهزمه الدعوى أو الخداع الذاتي، يقول: «فامتنع عليّ القرار، وجانبت المأكول والمشروب حتى أشرفت على البوار» ونصحه بعض معارفه أن يتصل بمالكها الجديد ليسترجعها، ولكن الذي اشتراها كان في سعة من الحال. ولم يكن بيعها ليضيف كثيرا إلى ثرائه، كما أنها حلّت من نفسه محلا يكاد يتجاوز ما بلغته لدى ياقوت نفسه، والغريب في تصرف ياقوت لا في أنه أحبها وحسب، بل في قوله واصفا محبتها هي له: «وكان لها إليّ ميل يضاعف ميلي إليها» «٣» . وقد لجأ ياقوت إلى الشعر يخفف به لوعته، ويتحسر على ما ضاع من يده، فنظم مقطوعة مطلعها «ألا هل ليالي الشاذياخ تؤوب» يقول فيها: أئن ومن أهواه يسمع أنّتي ... ويدعو غرامي وجده فيجيب وأبكي فيبكي مسعدا لي فيلتقي ... شهيق وأنفاس له ونحيب «٤» وصل ياقوت إلى مرو الشاهجان سنة ٦١٤، وألقى فيها عصا التسيار، كان يطلب ملجأ آمنا بعيدا عن عصبيات الشاميين وغيرهم فوجده، وكان يريد دواء لمشاعرهالمجرحة إثر نزوة حمقاء، فوجد في مرو ما ينسيه جميع رواسب الماضي، وجد قوما لطفاء ليني الجانب، فيهم دماثة وحسن عشرة فأحبهم، ونوى أن يقضي بقية عمره بينهم، وزاده محبة لمرو أنه وجدها أغنى المدن الإسلامية بخزائن الكتب، وفي خزائنها وجد كنوزا يستطيع أن يطالعها وينسخها، أي وجد فيها زاده الثقافي وزاده المعاشي، وهو يذكر أنه حين فارقها كانت تحتوي عشر خزائن: (١) الخزانة العزيزية، نسبة إلى عزيز الدين الزنجاني، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، وكانت مودعة في جامع مرو، وتسمّى أيضا «الخزانة الفقاعية» لأن الزنجاني واقفها كان مسؤولا عن تحضير شراب الفقاع للسلطان سنجر. (٢) الخزانة الكمالية (ولا يدري ياقوت إلى من تنسب) . (٣) خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور، ومحلها مدرسة باسمه، وقد رأى فيها أو في الخزانة الفقاعية كتابا في عدة مجلدات تصنيف «الغوري» وتأمّل الكتاب فوجده أجمع كتاب، كثير الألفاظ قليل الشواهد، وهو من الكتب التي انفردت بها خزائن مرو، إذ إنه لم يظهر له ذكر لا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر «١» . (٤) خزانة نظام الملك محمد بن إسحاق في مدرسته. (٥) و (٦) خزانتان للسمعانيين في بعض منازلهم، وقد شاهد في إحداهما نسخة كتاب بخط الأزهري، نسخها وأحضرها معه حين عاد إلى حلب وأطلع عليها القفطي «٢» . (٧) خزانة في المدرسة العميدية. (٨) خزانة لوزير يدعى مجد الملك. (٩) الخزانة الخاثونية في المدرسة الخاثونية. (١٠) الخزانة الضمرية في إحدى الخانقاهات بالمدينة. وكان ياقوت يستعير الكتب التي يحتاجها من هذه الخزائن دون رهن حتى ليبلغما يستعيره أحيانا مائتي مجلد، وهو يقرّ أن جلّ الفوائد التي تضمنها كتابه معجم البلدان وغيره من كتبه إنما كان مستمدا من تلك الخزائن «١» . وحققت له إقامته بمرو لقاء كثير من علمائها والوافدين إليها وتأكدت صلته بآل السمعاني، وخاصة بأبي المظفر عبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني، وكانت خزانتا السمعانيين مدخلا أوليا لتلك العلاقة. وعرض عليه أبو المظفر جزءا يشتمل على رسائل للحسن القطان، إلى الرشيد الوطواط، محشوة بالسب والثلب، تصريحا لا تعريضا، إذ إن القطان كان يتهم الوطواط بأنه سلبه كتبه، ولكنه لم يدوّن شيئا من رسائل القطان، وأدركه الندم حين احتاج إليها، واكتفى باقتباس أجوبة الوطواط على تلك الرسائل «٢» . وأثناء إقامته في مرو لم يكن يغادر المدينة إلا ليتعرف إلى بعض قراها، ولعل التعرف الجغرافي كان هدفه الأول من تلك الجولات، وإن كنّا لا نستبعد أن التجارة كانت حافزا آخر، فزار قرية جنوجرد (٦١٤) ووجدها كبيرة ذات أسواق وعمارات حسنة وجامع فسيح وكروم وبساتين «٣» . وكذلك رأى الجرجانية فوجدها مدينة عظيمة «٤» ، ورأى جيربخ فرآها حافلة بالدور العالية والمنازل النفيسة والأسواق الكبيرة «٥» ، ومن هذا الوصف ندرك أن كثيرا من قرى مرو كانت أشبه شيء بالمدن. أقام ياقوت في مرو قرابة ثلاث سنوات متتابعة (٦١٤- ٦١٦) وحين فارقها في العام الثالث ذاهبا إلى خوارزم كان ينوي العودة إليها، لأنه كان قد نوى منذ البداية أن لا يفارقها إلى الممات» ، لكن أحداثا كانت أقوى منه بكثير هي التي اضطرته إلى مغادرتها نهائيا. وأدهشته خوارزم بروعة عمرانها حتى أنه ما رأى ولاية أعمر منها، فقد وجد أنعمارتها متصلة وقراها متقاربة، وأكثر الضياع فيها مدن ذات أسواق وخيرات ودكاكين، وفي النادر أن تكون قرية لا سوق فيها، هذا مع كثرة الشجر وامتداد ظل الأمن، إلا أنه وجد الشتاء فيها قارس البرد جدا، حتى أن نهر جيحون- وعرضه ميل- يتجمد في الشتاء، وتمر فوق سطحه القوافل والعجلات التي تجرها البقر، وهي موقرة، في الذهاب والاياب، ويبقى النهر في حالة تجمد نحو شهرين «١» . وفي خوارزم لقي القاسم بن الحسين الخوارزمي، قصده إلى منزله فوجده شيخا بهي المنظر حسن الشيبة، سمينا عاجزا عن الحركة «٢» . وفي دخوله إلى منطقة خوارزم وقبل أن يصل ياقوت الجرجانية عاصمتها كان يجتاز جيحون في سفينة مع بعض المسافرين، فأخذ النهر بالتجمد وحصرت الثلوج السفينة، فقاسى من البرد آلاما شديدة، وأخذ يتوقع الهلاك هو ومن معه، وأخيرا قيض لهم أن يخرجوا إلى البرّ، وكانت أقرب مدينة إليهم أرثخشميثن، فساروا في الثلوج ولا دواب هنالك، فوصل إلى المدينة المذكورة بعد شدائد؛ ونزل في خان هنالك، وكتب على حائطه مقطوعة شعرية ركيكة الصياغة يصف فيها بعض ما قاساه، وفي المقطوعة يذم المدينة وأهلها ثم يعلق على ذلك بقوله: «وأما ذمي لذلك البلد وأهله فإنما كان نفثة مصدور، اقتضاها ذلك الحادث المذكور، وإلا فالبلد وأهله بالمدح أولى، وبالتقريظ أحق وأحرى» «٣» . كان خروج التتر لا جتياح ديار الإسلام، هولا عاما، كأنه الخطر الكوارثي الذي لا يمكن صدّه لا بالقوة ولا بالحيلة، لهذا يصبح مطلب كل فرد أن ينجو بنفسه، غير عابىء بما يصيب الآخرين، وذلك هو حال بني البشر يوم الحشر، فهرب ياقوت في مثل تلك الحال أمر طبيعي. وكانت عودة ياقوت هاربا نحو الغرب عن طريق بلاد الخزر، ومرّ بعدة مدن وصفها مسرعا إلا أنه (سنة ٦١٧) تلبث في أردبيل، وشاهد الغيضة التي يلجأ إليها أهل المدينة إذا دهمهم أمر، وهي الغيضة نفسها التي يقطعون منها الخشب ويصنعون منه قصاع الخلنج والصواني، ولا توجد قطعة منه خالية منعيب. وقد جلس عند صنّاعه وطلب أن يروه قطعة واحدة لا عيب فيها، فعرّفوه أن ذلك معدوم، إنما الخالي من العيب هو الذي يجلب من الري، وقد كان حين مرّ بالري في بعض أسفاره جلس إلى الصنّاع فيها فوجد السليم من القصاع كثيرا «١» . ثم غادر أردبيل إلى اربل فوصلها في العشر الوسطي من شهر رجب (سنة ٦١٧) «٢» ، ونزل عند شرف الدين المستوفي وربما أطلعه على ما نجز من كتابه «إرشاد الألباء» ، ثم توجّه إلى الموصل، ومنها كتب رسالته إلى القفطي بحلب، وهي الشاهد الأكمل على قدرته الأدبية النثرية، وبعد مقدمات في الثناء على القفطي والحديث عن ولاء ياقوت له، يتحدث عن مقامه بمرو، وإفادته من وفرة مكتباتها، ثم يعرج إلى التحدث عن خراسان: كيف كانت وكيف أصبحت، «إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتباب، وكانت لعمر الله بلادا ذات رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة ... وجملة أمرها أنها كانت أنموذج الجنة بلا مين، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ العين ... فكم كان فيها من حبر راقت حبره، ومن إمام توّجت جباه الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كل قطر مجلوبة» «٣» ، ثم يصف حاله في الموصل فيقول: «والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج مما حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجّي وقته ويمارس حرفته وبخته ... يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هي لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستمتاعه بها قليل، ثم الرحيل، ويركب سنن الطريق عساه يبلغ أمنيته من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقي عصا الترحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظلّ كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح» «٤» . ويضيف ياقوت إلى اسمه صفة جديدة- في صدر الرسالة- وهي «الأكرمي» أي أنه مملوك القاضي الأكرم، وهكذا يربط رقبته بحبل الرقّ ومن حوافز ذلك الضياعوالجوع وفقدان المأوى. وأقام ياقوت بالموصل مدة ثم رحل إلى سنجار ومن سنجار إلى حلب «١» ، ودخل على القاضي الأكرم في حالة يسوء منظرها، ووصف من أمره أمورا لا يسرّ مخبرها، وقال: قد ألقيت عصاي ببابك، وخيم أملي بجانب جنابك، فقال له القاضي الأكرم: أقاسمك العيش «٢» - عبارة غامضة إذ لا ندري ما معنى مقاسمة العيش بدقة، وقريب منها في الغموض قول القفطي بعد ذلك «فأقام مشاركا في المعلوم» «٣» ، وإذا صدقنا القفطي قلنا لعله قدم لياقوت بعض مال يعينه على شراء طعامه، وأباح له استعمال مكتبته فنسخ وباع، ولفّق من تلك الكتب مجموعات لم يكملها. ونراه سنة ٦١٨ ما يزال بحلب، وفيها يلقى القاسم بن أحمد اللورقي «٤» ، ويأخذ عنه ترجمته، وهو بحلب أيضا في السنة التالية (٦١٩) (أواخر ربيع الثاني «٥» وذي الحجة «٦» ) ، من العام نفسه. وكذلك هو في حلب (عام ٦٢٠) «٧» ، بل وفي كل عام حتى تاريخ وفاته. ولتردده إلى حلب وإقامته فيها وقربه من القفطي، وجولاته فيها وفي حاضرها وفي قراها، تحتل منطقة حلب في معجم البلدان مكانة واضحة المعالم لا تدانيها دمشق «وشاهدت من حلب وأعمالها ما استدللت على أن الله تعالى خصّها بالبركة وفضّلها على جميع البلاد» فعدّ أنواع الزراعة فيها وميزة مزروعاتها، وذكر أن فيها نيفا و ٨٢٠ قرية ملك لأهلها ليس للسلطان فيها إلا مقاطعات يسيرة ونحو نيف و ٢٠٠ قرية مشتركة بين الرعية والسلطان، وقد وقّفه على الجريدة بأسماء القرى وأسماء ملاكها القاضي الأكرم، وهي تقوم برزق ٥٠٠٠ فارس، وفيها من الطواشية المفاريد ما يزيد على ألف فارس يحصل للواحد منهم في العام ١٠٠٠٠- ١٥٠٠٠ درهم وفي أعمالها (٢١) قلعة يقام بذخائرها وأرزاق مستحفظيها ما لم يذكر في النفقات السابقة، ويصف ياقوت قلعةحلب، وما جدده فيها الملك الظاهر غازي «١» ، وفي وصفه حاضر حلب يقول: والذي شاهدناه نحن من حاضر حلب أنها محلة كبيرة بين بنائها وسور المدينة رمية سهم من جهة القبلة والغرب، وأكثر سكانها تركمان مستعربة من أولاد الأجناد، وبها جامع حسن مفرد تقام فيه الخطبة والجمعة والأسواق الكثيرة من كل ما يطلب، ولها وال يستقل بها «٢» . وقد حصر القفطي نشاط ياقوت أثناء الفترة الحلبية في الأمور التالية: (١) نسخ الكتب للبيع. (٢) تصنيف كتابين صغيرين في النحو، خلط فيهما الغث بالسمين، وقد نصحه القفطي بعدم نشر الكتابين وبيّن له مواضع الخطأ فيهما فما أصغى إلى نصحه. (٣) اشترى خاما وسافر به إلى مصر فربح ربحا قريبا، وعاد بمعمول مصر فأربح فيه أيضا. ولكن القفطي يصمت عن أشياء أخرى، إذ تمكن ياقوت عند عودته إلى حلب من العمل في المعجمين معا: معجم الأدباء ومعجم البلدان، والثاني منهما مطرز في المقدمة باسم ابن يوسف أي القفطي «علقت بحبل من حبال ابن يوسف ... » «٣» وقد انتهى منه في ٢٠ صفر ٦٢١ «٤» قال: «ثم اهديت هذه النسخة بخطي إلى خزانة مولانا الصاحب الكبير، العالم الجليل الخطير ... القاضي جمال الدين الأكرم» «٥» . ترى لماذا أغفل القاضي ذكر معجم البلدان ومعجم الأدباء وغيرهما من مؤلفات ياقوت؟ ألأنّ كتابه مقصور على النحاة ومؤلفاتهم في النحو واللغة؟ ولكن عند الاختبار يبدو أن هذا شيء واه لا ثبات له، فإنه حين ترجم لعلي بن الحسين الاصفهاني ذكر كتابه الأغاني وكتبه الأخرى التي لا تربطها علاقة بالنحو واللغة. إننا إذا أحسنّا الظن بالقفطيوبرّأناه من مشاعر الحسد والكراهية قلنا إن ترجمة ياقوت عنده ناقصة. وفي آخر سفرة لياقوت إلى مصر عاد إلى حلب ونزل بخان في ظاهرها، (وهنا يبدو لنا لم تكون عبارة «أقاسمك العيش» غامضة ومثلها «فأقام مشاركا في المعلوم» ) ، فقد مرض ومات في ذلك الخان ٢٠ رمضان سنة ٦٢٦/١٢ آب ١٢٢٩.
Parsing and provenance details
Local passage ID
253270
Book record
shamela-9788
Source record
340934
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain