page 1706, entry [776]Open original source
[٧٤٦] علي بن الحسين بن محمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو الفرج الأصبهاني العلامة النساب الأخباري الحفظة الجامع بين سعة الرواية والحذق في الدراية: لا أعلم لأحد أحسن من تصانيفه في فنّها وحسن استيعاب ما يتصدّى لجمعه، وكان مع ذلك شاعرا مجيدا، مات في رابع عشر ذي الحجة سنة ست وخمسين وثلاثمائة في خلافة المطيع لله ومولده سنة أربع وثمانين ومائتين. روى عن أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الانباري والفضل بن الحباب الجمحي وعلي بن سليمان الأخفش وإبراهيم نفطويه. وجدت على الهامش بخط المؤلف تجاه وفاته ما صورته: وفاته هذه فيها نظر وتفتقر إلى تأمّل لأنه ذكر في «كتاب أدب الغرباء» من تأليفه: حدثني صديق قال: قرأت على قصر معزّ الدولة بالشماسية: يقول فلان بن فلان الهروي: حضرت هذا الموضع في سماط معز الدولة، والدنيا عليه مقبلة وهيبة الملك عليه مشتملة، ثم عدت إليه في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فرأيت ما يعتبر به اللبيب يعني من الخراب. وذكر في موضع آخر من كتابه هذا قصة له مع صبيّ كان يحبه ذكرتها بعد هذا يذكر فيها موت معزّ الدولة وولاية ابنه بختيار، وكان ذلك في سنة ست وخمسين وثلاثمائة ويزعم في تلك الحكاية أنه كان في عصر شبابه، فلا أدري ما هذا الاختلاف. (آخر ما كان على الهامش) . وقال الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي في مقدمة ما انتخبه من كتاب الأغاني الذي ألفه أبو الفرج الأصبهاني إن أبا الفرج أهدى كتاب الأغاني إلىسيف الدولة ابن حمدان فأعطاه ألف دينار، وبلغ ذلك الصاحب أبا القاسم بن عباد فقال: لقد قصّر سيف الدولة وإنه يستأهل أضعافها، ووصف الكتاب فأطنب ثم قال: ولقد اشتملت خزائني على مائتين وستة آلاف مجلد ما منها ما هو سميري غيره ولا راقني منها سواه. قال: وقال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف كاتب عضد الدولة: لم يكن كتاب الأغاني يفارق عضد الدولة في سفره ولا حضره، وانه كان جليسه الذي يأنس إليه وخدينه الذي يرتاح نحوه. قال: وقال أبو محمد المهلبي: سألت أبا الفرج في كم جمعت هذا الكتاب؟ فقال في خمسين سنة، قال: وانه كتبه مرة واحدة في عمره، وهي النسخة التي أهداها إلى سيف الدولة. قال المؤلف: ولعمري إن هذا الكتاب لجليل القدر شائع الذكر، جمّ الفوائد عظيم العلم، جامع بين الجد البحت والهزل النحت، وقد تأملت هذا الكتاب وعنيت به وطالعته مرارا وكتبت منه نسخة بخطّي في عشر مجلدات، ونقلت منه إلى كتابي الموسوم ب «أخبار الشعراء» فأكثرت، وجمعت تراجمه فوجدته يعد بشيء ولا يفي به في غير موضع منه، كقوله في أخبار أبي العتاهية: «وقد طالت أخباره هاهنا وسنذكر خبره مع عتبة في موضع آخر» ولم يفعل. وقال في موضع آخر: «أخبار أبي نواس مع جنان إذ كانت سائر أخباره قد تقدّمت» ولم يتقدم شيء، إلى أشباه لذلك. والأصوات المائة هي تسع وتسعون، وما أظنّ إلا أن الكتاب قد سقط منه شيء أو يكون النسيان غلب عليه والله أعلم. قال المؤلف: وتصانيفه كثيرة، وهذا الذي يحضرني منها: كتاب الأغاني الكبير. كتاب مجرد الأغاني. كتاب التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها، لم أره وبودّي لو رأيته، ذكره هو في كتاب الأغاني. كتاب مقاتل الطالبيين. كتاب أخبار القيان. كتاب الاماء الشواعر. كتاب المماليك الشعراء. كتاب أدب الغرباء. كتاب الديارات. كتاب تفضيل ذي الحجة. كتاب الأخبار والنوادر. كتاب أدب السماع. كتاب أخبار الطفيليين. كتاب مجموع الأخبار والآثار. كتاب الخمارين والخمارات. كتاب الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار، وهي رسالة عملها فيهارون بن المنجم. كتاب دعوة التجار. كتاب أخبار جحظة البرمكي. كتاب جمهرة النسب. كتاب نسب بني عبد شمس. كتاب نسب بني شيبان. كتاب نسب المهالبة. كتاب نسب بني تغلب. كتاب الغلمان المغنين. كتاب مناجيب الخصيان، عمله للوزير المهلبي في خصيين مغنيين كانا له. وله بعد تصانيف جياد فيما بلغني كان يصنفها ويرسلها إلى المستولين على بلاد المغرب من بني أمية وكانوا يحسنون جائزته لم يعد منها إلى الشرق إلا القليل، والله أعلم. وحدث الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال «١» الصابىء في الكتاب الذي ألفه في «أخبار الوزير أبي محمد المهلبي» واسمه الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن زيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وزير معز الدولة بن بويه الديلمي قال: وكان أبو الفرج الأصفهاني صاحب «كتاب الأغاني» من ندماء الوزير أبي محمد الخصّيصين به، وكان وسخا قذرا لم يغسل له ثوبا منذ فصّله إلى أن قطّعه، وكان المهلبي شديد التقشّف عظيم التنطّس، وكان يحتمل له ذلك لموضعه من العلم. فقال فيه: كان أبو الفرج علي بن الحسين الاصفهاني، وكان أمويّ النسب، غزير الأدب عالي الرواية حسن الدراية، وله تصنيفات منها «كتاب الأغاني» وقد أورد فيه ما دلّ به على اتساع علمه وكثرة حفظه، وله شعر جيد، إلا أنه في الهجاء أجود وإن كان في غيره غير متأخر. وكان الناس على ذلك العهد يحذرون لسانه ويتقون هجاءه، ويصبرون في مجالسته ومعاشرته ومواكلته ومشاربته على كلّ صعب من أمره، لأنه كان وسخا في نفسه ثم في ثوبه وفعله حتى إنه لم يكن ينزع دراعة يقطعها إلا بعد بلائها وتقطيعها، ولا يعرف لشيء من ثيابه غسلا، ولا يطلب منه في مدة بقائه عوضا؛ فحدثني جدي، وسمعت هذا الخبر من غيره، لأنه متفاوض متعاود، أن أبا الفرج كان جالسا في بعض الأيام على مائدة أبي محمد المهلبي، فقدّمت سكباجة وافقت من أبي الفرج سعلة، فبدرت من فمه قطعة من بلغم فسقطت وسط الغضارة، فتقدم أبو محمد برفعها وقال: هاتوا من هذا اللون في غير هذه الصحفة ولم يبن في وجهه إنكار ولا استكراه، ولا داخل أبا الفرج في هذه الحال استحياء ولا انقباض؛ هذا إلى ما يجري هذا المجرى على مضيّ الأيام. وكانأبو محمد عزوف النفس بعيدا من الصبر على مثل هذه الأسباب، إلا أنه كان يتكلّف احتمالها لورودها من أبي الفرج، وكان من ظرفه في فعله ونظافته في مأكله أنه كان إذا أراد أكل شيء بملعقة كالأرز واللبن وأمثاله وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا، وكان يستعمله كثيرا، فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة، ثم يدفعها إلى غلام آخر قائم من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى، حتى ينال الكفاية، لئلّا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية، فلما كثر على المهلبي استمرار ما قدّمنا ذكره جعل له مائدتين إحداهما كبيرة عامّة وأخرى لطيفة خاصة وكان يواكله عليها من يدعوه إليها. قال مؤلف الكتاب: وقد ذكر مثل هذا عن أبي رياش أحمد بن إبراهيم اللغوي وقد ذكرناه في بابه. قال هلال: وعلى صنع أبي محمد بأبي الفرج ما كان يصنعه فما خلا من هجوه، قال فيه «١» : أبعين مفتقر إليك رأيتني ... بعد الغنى فرميت بي من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أمّلت للإحسان غير الخالق قال ابن الصابىء: وحدثني جدي أيضا قال: قصدت أنا وأبو علي الأنباري وأبو العلاء صاعد دار أبي الفرج لقضاء حقه وتعرّف خبره من شيء وجده، وموقعها على دجلة في المكان المتوسط بين درب سليمان ودرب دجلة وملاصقة لدار أبي الفتح البريدي، وصعد بعض غلماننا لإيذانه بحضورنا، فدقّ الباب دقا عنيفا حتى ضجر من الدقّ وضجرنا من الصبر، قال: وكان له سنّور أبيض يسميه يققا ومن رسمه إذا قرع الباب قارع أن يخرج ويصيح إلى أن يتبعه غلام أبي الفرج لفتح الباب، أو هو نفسه، فلم نر السنور في ذلك اليوم، فأنكرنا الأمر وازددنا تشوّقا إلى معرفة الخبر، فلما كان بعد أمد طويل صاح صائح أن «نعم» ، ثم خرج أبو الفرج ويده متلوثة بما ظنناه شيئا كان يأكله، فقلنا له: عققناك بأن قطعناك عما كان أهمّ من قصدنا إياك، فقال: لاوالله يا ساداتي ما كنت على ما تظنون، وإنما لحق يققا- يعني سنوره- قولنج فاحتجت إلى حقنه، فأنا مشغول بذلك، فلما سمعنا قوله ورأينا الفعل في يده ورد علينا أعظم مورد من أمره، لتناهيه في التذارة إلى ما لا غاية بعده، وقلنا: ما يجوز أن نصعد إلى عندك فنعوقك عن استتمام ما أنت فيه، وإنما جئناك لتعرّف خبرك، وقد بلغنا ما أردناه، وانصرفنا. قال: واختاره في كل شيء نديما «١» ، وكانت صحبته له قبل الوزارة وبعدها إلى أن فرقّ بينهما الموت. وكتب أبو الفرج إلى المهلبي يشكو الفأر ويصف الهرّ: يا لحدب الظهور قعص الرقاب ... لدقاق الأنياب والأذناب خلقت للفساد مذ خلق الخل ... ق وللعيث والأذى والخراب ناقبات في الأرض والسقف والحي ... طان نقبا أعيا على النّقّاب آكلات كلّ المآكل لا تأ ... منها شاربات كلّ الشراب آلفات قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القلوب قرض الثياب زال همي منهنّ أزرق ترك ... يّ السبالين أنمر الجلباب ليث غاب خلقا وخلقا فمن لا ... ح لعينيه خاله ليث غاب ناصب طرفه إزاء الزوايا ... وإزاء السقوف والأبواب ينتضي الظفر حين يظفر للصي ... د وإلا فظفره في قراب لا يري أخبثيه عينا ولا يع ... لم ما جنتّاه غير التراب قرطقوه وشنّفوه وحلّو ... هـ أخيرا وأولا بالخضاب فهو طورا يمشي بحلي عروس ... وهو طورا يخطو على عنّاب حبذا ذاك صاحبا هو في الصح ... بة أوفى من أكثر الأصحاب وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي في «كتاب نشوار المحاضرة» قال «٢» : ومن طريف أخبار العادات أني كنت أرى أبا الفرج علي بنالحسين الأصفهاني الكاتب نديم أبي محمد المهلبي صاحب الكتب المصنفة في الأغاني والقيان وغير ذلك دائما إذا ثقل الطعام في معدته، وكان أكولا نهما، يتناول خمسة دراهم فلفلا مدقوقا فلا تؤذيه ولا تدمعه، وأراه يأكل حمّصة واحدة أو يصطبغ بمرقة قدر فيها حمص فيشرى «١» بدنه كله من ذلك، وبعد ساعة أو ساعتين يفصد، وربما فصد لذلك دفعتين، وأسأله عن سبب ذلك فلا يكون عنده علم منه. وقال لي غير مرة: إنه لم يدع طبيبا حاذقا على مرور السنين إلا سأله عن سببه فلا يجد عنده علما ولا دواء. فلما كان قبل فالجه بسنوات ذهبت عنه العادة في الحمص فصار يأكله فلا يضرّه وبقيت عليه عادة الفلفل. ومن «كتاب الوزراء» لهلال بن المحسن «٢» : وحدث أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني قال: سكر الوزير أبو محمد المهلبي ليلة ولم يبق بحضرته من ندمائه غيري فقال لي: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سرّا فاهجني الساعة جهرا، فقلت: الله الله أيها الوزير فيّ، إن كنت قد مللتني انقطعت، وان كنت تؤثر قتلي فبالسيف إذا شئت. قال: دع ذا لا بدّ أن تهجوني. وكنت قد سكرت فقلت: أير بغل بلولب فقال في الحال مجيزا: في حر ام المهلّبي هات مصراعا آخر، فقلت: الطلاق لازم للأصفهاني إن زاد على هذا وان كان عنده زيادة. قرأت بخط أبي علي المحسن بن هلال الصابىء صاحب الشامة لأبي الفرج الأصفهاني يهجو أبا الحسن طازاد النصراني الكاتب: طازاد مشتقّ من الطيز ... فعدّ عن ذكر فتى الخوز كأن رجليه إذا ما مشى ... مخنّث يلعب بالشيز قرأت بخط هلال بن المظفر الكاتب الزنجاني، حدثني الأستاذ أبو المظفرعبد الغفار بن غنيمة قال: كان أبو الفرج الكاتب الأصبهاني صاحب «كتاب الأغاني» كاتبا لركن الدولة حظيا عنده محتشما لديه، وكان يتوقع من الرئيس أبي الفضل ابن العميد أن يكرمه ويبجله ويتوفر عليه في دخوله وخروجه، وعدم ذلك منه فقال: مالك موفور فما باله ... أكسبك التيه على المعدم ولم إذا جئت نهضنا وإن ... جئنا تطاولت ولم تتمم وإن خرجنا لم تقل مثل ما ... نقول: قدّم طرفه قدّم إن كنت ذا علم فمن ذا الذي ... مثل الذي تعلم لم يعلم ولست في الغارب من دولة ... ونحن من دونك في المنسم وقد ولينا وعزلنا كما ... أنت فلم نصغر ولم تعظم تكافأت أحوالنا كلّها ... فصل على الإنصاف أو فاصرم وقد روى أبو حيان في «كتاب الوزيرين» «١» من تصنيفه من خبر هذه الأبيات غير هذا وقد ذكرناها في أخبار ابن العميد من هذا الكتاب. قرأت في بعض المجاميع لأبي الفرج الأصبهاني: حضرتكم دهرا وفي الكم تحفة ... فما أذن البواب لي في لقائكم إذا كان هذا حالكم يوم أخذكم ... فما حالكم تالله يوم عطائكم قال ابن عبد الرحيم: حدثني أبو نصر الزجاج قال: كنت جالسا مع أبي الفرج الأصبهاني في دكان في سوق الوراقين، وكان أبو الحسن علي بن يوسف بن البقال الشاعر جالسا عند أبي الفرج ابن الخراز الوراق وهو ينشد أبيات إبراهيم بن العباس الصولي التي يقول فيها: رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت فلما بلغ إليه استحسنه وكرره، ورآه أبو الفرج فقال لي: قم إليه فقل له قدأسرفت في استحسان هذا البيت، وهو كذاك، فأين موضع الصنعة فيه؟ فقلت له ذاك، فقال: قوله «وكانت قذى عينيه» ، فعدت إليه وعرّفته، فقال: عد إليه فقل له: أخطأت، الصنعة في قوله «من حيث يخفى مكانها» . قال عبيد الله الفقير إليه مؤلف هذا الكتاب: وقد أصاب كلّ واحد منهما حاقّة الغرض، فإن الموضعين معا غاية في الحسن، وان كان ما ذهب إليه أبو الفرج أحسن. قال أبو الفرج في «كتاب الغرباء» «١» : وخرجت أنا وأبو الفتح أحمد بن إبراهيم بن علي بن عيسى ﵀ ماضيين إلى دير الثعالب في يوم ذكر أنه من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة للنزهة، ومشاهدة اجتماع النصارى هناك، والشرب على نهر يزدجرد الذي يجري على باب هذا الدير، ومعه جماعة من أولاد كتّاب النصارى من أحداثهم، وإذا بفتاة كأنها الدينار المنقوش تتمايل وتنثني كغصن الريحان في نسيم الشمال، فضربت بيدها إلى يد أبي الفتح وقالت: يا سيدي تعال اقرأ هذا الشعر المكتوب على حائط هذا الشاهد «٢» فمضينا معها وبنا من السرور بها وبظرفها وملاحة منطقها ما الله به عليم، فلما دخلنا البيت كشفت عن ذراع كأنه الفضة وأومأت إلى الموضع فإذا فيه مكتوب: خرجت يوم عيدها ... في ثياب الرواهب فتنت «٣» باختيالها ... كلّ جاء وذاهب لشقائي رأيتها ... يوم دير الثعالب تتهادى بنسوة ... كاعب في كواعب هي فيهم كأنها ال ... بدر بين الكواكب فقلت لها: أنت والله المقصودة بهذه الأبيات، ولم نشكّ أنها كتبت الأبيات، ولم نفارقها بقية يومنا، وقلت فيها «٤» هذه الأبيات وأنشدتها إياها ففرحت:مرّت بنا في الدير خمصانه ... ساحرة «١» الناظر فتّانه أبرزها الذكران «٢» من خدرها ... تعظّم الدير ورهبانه مرت بنا تخطر في مشيها ... كأنما قامتها بانه هبّت لنا ريح فمالت بها ... كما تثنّى غصن ريحانه فتيمت قلبي وهاجت له ... أحزانه قدما وأشجانه وحصلت بينها وبين أبي الفتح عشرة بعد ذلك، ثم خرج إلى الشام وتوفي بها ولا أعرف لها خبرا بعد ذلك. قال أبو الفرج «٣» : وكنت انحدرت إلى البصرة منذ سنيّات، فلما وردتها صعدت من الفيض إلى سكّة قريش أطلب منزلا أسكنه لأني كنت غريبا لا أعرف أحدا من أهلها إلا من كنت أسمع بذكره، فدلني رجل على خان فصرت إليه واستأجرت «٤» فيه بيتا، وأقمت بالبصرة أياما، ثم خرجت عنها طالبا حصن مهديّ «٥» ، وكتبت هذه الأبيات على حائط البيت الذي أسكنه: الحمد لله على ما أرى ... من ضيعتي «٦» من بين هذا الورى أصارني الدهر إلى حالة ... يعدم فيها الضيف عندي القرى بدّلت من بعد الغنى حاجة ... إلى كلاب يلبسون الفرا أصبح أدم السوق لي مأكلا ... وصار خبز البيت خبز الشرا وبعد ملكي منزلا مبهجا ... سكنت بيتا من بيوت الكرا فكيف ألفى لاهيا ضاحكا ... وكيف أحظى بلذيذ الكرى سبحان من يعلم ما خلفنا ... وبين أيدينا وتحت الثرىوالحمد لله على ما أرى ... وانقطع الخطب وزال المرا قال أبو الفرج «١» : وكنت في أيام الشبيبة والصبا آلف فتى من أولاد الجند في السنة التي توفي فيها معز الدولة وولي بختيار، وكانت لأبيه حال كبيرة ومنزلة من الدولة ورتبة، وكان الفتى في نهاية حسن الوجه وسلاسة الخلق وكرم الطبع ممن يحبّ الأدب ويميل إلى أهله، ولم يترك قريحته «٢» حتى عرف صدرا من العلم وجمع خزانة من الكتب حسنة، فمضت لي معه سير لو حفظت لكانت في كتاب مفرد من مكاتبات ومعاتبات وغير ذلك مما يطول شرحه؛ منها ما يشبه ما نحن فيه أنني جئته يوم جمعة غدوة فوجدته قد ركب إلى الحلبة، وكانت عادته أن يركب إليها في كلّ يوم ثلاثاء ويوم جمعة، فجلست على دكة على باب دار أبيه في موضع فسيح كان عمرها وفرشها، فكنا نجلس عليها للمحادثة إلى ارتفاع النهار ثم ندخل إذا أقمت عنده إلى حجرة لطيفة كانت مفردة له لنجتمع على الشراب والشطرنج وما أشبههما، فطال جلوسي في ذلك اليوم منتظرا له فأبطأ، وتصبّح من أجل رهان كان بين فرسين لبختيار، فعرض لي لقاء صديق فقمت لأمضي ثم أعود إليه، فهجس لي أن كتبت على الحائط الذي كنا نستند إليه هذه الأبيات: يا من أظلّ بباب داره ... ويطول حبسي لانتظاره وحياة طرفك واحوراره ... ومجال صدغك في مداره لا حلت عمري عن هوا ... ك ولو صليت بحرّ ناره وقمت، فلما عاد قرأ الأبيات وغضب من فعلي لئلا يقف عليه «٣» من يحتشمه، وكان شديد الكتمان لما بيني وبينه ومطالبا بمثل ذلك، مراقبة لأبيه، إلا أن ظرفه ووكيد محبته لي وميله إليّ لم يدعه حتى أجاب عنها بما كتب تحتها، ورجعت من ساعتي فوجدته في دار أبيه، فاستأذنت عليه، فخرج إليّ خادم لهم فقال: يقول لك لا التقينا حتى تقف على الجواب عن الأبيات فانه تحتها، فصعدت الدكة فإذا تحت الأبياتبخطه: ما هذه الشناعة، ومن فسح لك في هذه الإذاعة، وما أوجب خروجك عن الطاعة؟! ولكن أنا جنيت على نفسي وعليك، ملكتك فطغيت، وأطعتك فتعديت، وما أحتشم أن أقول: هذا تعرض للاعراض عنك والسلام. فعلمت أنني قد أخطأت، وسقطت- شهد الله- قوتي وحركتي «١» فأخذتني الندامة والحيرة، ثم أذن لي فدخلت فقبلت يده، فمنعني، وقلت: يا سيدي غلطة غلطتها وهفوة هفوتها فإن لم تتجاوز عنها وتعف هلكت، فقال لي: أنت في أوسع العذر بعد أن لا يكون لها أخت، وعاتبني على ذلك عتابا عرفت صحته، ولم تمض إلا مديدة حتى قبض على أبيه، وهرب، فاحتاج إلى الاستتار، فلم يأنس هو وأهله إلا بكونه عندي، فأنا على غفلة إذ دخل في خفّ وإزار، وكادت مرارتي تنفطر فرحا، فتلقيته «٢» أقبّل رجليه وهو يضحك ويقول: يأتيها رزقها وهي نائمة، هذا يا حبيبي بخت من لا يصوم ولا يصلّي في الحقيقة، وكان أخفّ الناس روحا وأمتعهم «٣» لنادرة، وبتنا في تلك الليلة عروسين لا نعقل سكرا، واصطبحنا وقلت هذه الأبيات: بت وبات الحبيب ندماني ... من بعد نأي وطول هجران نشرب قفصيّة معتّقة ... بحانة الشطّ منذ أزمان وكلما دارت الكؤوس لنا ... ألثمني فاه ثم غناني الحمد لله لا شريك له ... أطاعني الدهر بعد عصيان ولم يزل مقيما عندي نحو الشهر حتى استقام أمر أبيه ثم عاد إلى داره. وحدث الحسن بن الحسين النعال قال، قال أبو الفرج الأصبهاني: بلغ أبا الحسن جحظة أن مدرك بن محمد الشيباني الشاعر ذكره بسوء في مجلس كنت حاضره فكتب إليّ: أبا فرج أهجى لديك ويعتدى ... عليّ فلا تحمى لذاك وتغضب لعمرك ما أنصفتني في مودتي ... فكن معتبا إن الأكارم تعتبقال أبو الفرج: فكتبت إليه: عجبت لما بلّغت عنّي باطلا ... وظنّك بي فيه لعمرك أعجب ثكلت إذن نفسي وعزّي وأسرتي ... بفقدي ولا أدركت ما كنت أطلب فكيف بمن لا حظّ لي في لقائه ... وسيان عندي وصله والتجنب فثق بأخ أصفاك محض مودة ... تشاكل منها ما بدا والتغيب قال غرس النعمة: حدثني أبي قال، حدثني جدي قال: كان أبو القاسم الجهني القاضي- وأظنه من أهل البصرة وتقلّد الحسبة بها ومنها عرف أبا محمد المهلبي وصحبه- يشتمل على آداب يتميز بها، إلا أنه كان فاحش الكذب، يورد من الحكايات ما لا يعلق بقبول ولا يدخل في معقول، وكان أبو محمد قد ألف ذلك منه، وقد سلك مسلك الاحتمال، وكنا لا نخلو عند حديثه من التعجّب والاستطراف والاستبعاد، وكان ذلك لا يزيده إلا إغراقا في قوله وتماديا في فعله. فلما كان في بعض الأيام جرى حديث النعنع وإلى أيّ حدّ يطول، فقال الجهني: في البلد الفلاني نعنع يتشجّر حتى يعمل من خشبه السلاليم، فاغتاظ أبو الفرج الأصبهاني من ذاك وقال: نعم عجائب الدنيا كثيرة، ولا يدفع مثل هذا، وليس بمستبدع، وعندي ما هو أعجب من هذا وأغرب، وهو زوج حمام راعبيّ يبيض في نيّف وعشرين يوما بيضتين، فأنتزعهما من تحته وأضع مكانهما صنجة مائة وصنجة خمسين، فإذا انتهى مدة الحضان تفقست الصنجتان عن طست وإبريق أو سطل وكرنيب، فعمّنا الضحك، وفطن الجهنّي لما قصده أبو الفرج من الطنز، وانقبض عن كثير مما كان يحكيه ويتسمّح فيه، وإن لم يخل في الأيام من الشيء بعد الشيء منه. ومن عجيب ما مرّ بي من الكذب حكاية أوردها غرس النعمة عقيب هذه، قال: كان لوالدي تاجر يعرف بأبي طالب وكان معروفا بالكذب، فأذكر وقد حكى في مجلسه، والناس حضور عنده، أنه كان في معسكر محمود بن سبكتكين صاحب خراسان ببخارى معه، وقد جاء من البرد أمر عظيم جمد منه المري حتى قدّ وفري وعملت منه خفاف، وأن الناس كانوا ينزلون في المعسكر فلا يسمع لهم صوت ولا حديث ولا حركة حتى ضرب الطبل في أوقات الصلوات، فإذا أصبح الناس وطلعتالشمس وحميت ذاب ذلك الكلام، فسمعت الأصوات الجامدة منذ أمس من أصوات الطبول والبوقات وحديث الناس وصهيل الخيل ونهيق الحمير ورغاء الابل. قرأت على ظهر جزء من نسخة بكتاب الأغاني لأبي الفرج: حدث ابن عرس الموصلي- وكان المترسل بين عز الدولة وبين أبي تغلب ابن ناصر الدولة، وكان يخلف أبا تغلب بالحضرة- قال: كتب إليّ أبو تغلب يأمرني بابتياع «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، فابتعته له بعشرة آلاف درهم من صرف ثمانية عشر درهما بدينار، فلما حملته إليه ووقف عليه ورأى عظمه وجلالة ما حوى قال: لقد ظلم ورّاقه المسكين، وإنه ليساوي عندي عشرة آلاف دينار، ولو فقد لما قدرت عليه الملوك إلا بالرغائب، وأمر أن تكتب له نسخة أخرى ويخلّد عليها اسمه، فابتدىء بذلك، فما أدري أتمت النسخة أم لا. قال أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد: اتصل بي أن مسوّدة «كتاب الأغاني» - وهي أصل أبي الفرج- أخرجت الى سوق الوراقين لتباع، فأنفذت إلى ابن قرابة وسألته إنفاذ صاحبها لأبتاعها منه لي، فجاءني وعرّفني أنها بيعت في النداء بأربعة آلاف درهم، وأن أكثرها في ظهور وبخطّ التعليق، وأنها اشتريت لأبي أحمد ابن محمد بن حفص، فراسلت أبا أحمد فأنكر أنه يعرف شيئا من هذا، فبحثت كلّ البحث فما قدرت عليها. كان الراضي بالله في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة قد ولّى أبا عبد الله البريدي- وكان قد خرج عليه بنواحي البصرة- الوزارة، فتحدث الناس أنّ الراضي إنما قصد بتقليد أبي عبد الله الوزارة طمعا في إيقاع الحيلة عليه في تحصيله، فقال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في ذلك قصيدة طويلة تزيد على مائة بيت يهجو فيها أبا عبد الله ويؤنب الراضي في توليته وطمعه فيه، أولها «١» : يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي ... قد تولّى الوزارة ابن البريدي جلّ خطب وحلّ أمر عضال ... وبلاء أشاب رأس الوليدهدّ ركن الاسلام وانهتك المل ... ك ومحّت آثاره فهو مودي أخلقت بهجة «١» الزمان كما أن ... هج طول اللباس وشي البرود يقول فيها: وتوهمت أن سيخدعه ذا ... ك فيغتاله اصطياد الصيود هو أزنى مما تقدّر أمّا ... ليس ممن يصاد بالتقليد وانتهت هذه القصيدة إلى أبي عبد الله البريدي، فلما بلغ الى البيت الأخير ضحك وضرب بيديه ورجليه وقال: لو عرف أبو الفرج ما في نفسي وأزال الوحشة وصار إليّ لبالغت في صلته والإفضال عليه من أجل هذا البيت. قال الحميدي: وقد ذكر صاحب «كتاب النشوار» «٢» أبو علي المحسن بن علي القاضي أنه حضر مجلس أبي الفرج الأصبهاني صاحب «كتاب الأغاني» فتذاكروا موت الفجاءة، فقال أبو الفرج: أخبرني شيوخنا أن جميع أحوال العالم قد اعترت من مات فجاءة إلّا أنني لم أسمع من مات على منبر؛ قال أبو علي المحسن: وكان معنا في مجلس أبي الفرج شيخ أندلسيّ قدم من هناك لطلب العلم ولزم أبا الفرج يقال له أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ «٣» ، وكنت أرى أبا الفرج يعظّمه ويكرمه ويذكر ثقته، فأخبرنا أبو زكريا أنه شاهد في مسجد الجامع ببلدة من الأندلس خطيب البلد وقد صعد يوم الجمعة ليخطب فلما بلغ يسيرا من خطبته خرّ ميتا فوق المنبر حتى أنزل به، وطلب في الحال من رقي المنبر فخطب وصلّى الجمعة بنا. إلّا أنّ أبا علي قلب نسبة أبي زكريا فقال: يحيى بن عائذ بن مالك الأندلسي، والصواب ما قلنا. قال الثعالبي «٤» : ومن قوله في المهلبي:ولما انتجعنا عائذين «١» بظلّه ... أعان وما عنّى ومنّ وما منّا وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فأخصبنا وقوله من قصيدة يهنئه بمولود من سرّية رومية «٢» : اسعد بمولود أتاك مباركا ... كالبدر أشرق جنح ليل مقمر سعد لوقت سعادة جاءت به ... أمّ حصان من بنات الأصفر متبخبخ في ذروتي شرف العلى ... بين المهلّب منتماه وقيصر شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري وأنشد له فيه عيدية «٣» : إذا ما علا في الصدر للنهي «٤» والأمر ... وبثّهما في النفع منه وفي الضرّ وأجرى ظبا أقلامه وتدفقت ... بديهته كالمستمدّ من البحر رأيت نظام الدرّ في نظم قوله ... ومنثوره الرقراق في ذلك النثر ويقتضب المعنى «٥» الكثير بلفظة ... ويأتي بما تحوي الطوامير في سطر أيا غرة الدهر ائتنف غرّة الشهر ... وقابل هلال الفطر في ليلة الفطر بأيمن إقبال وأسعد طائر ... وأفضل ما ترجوه من أفسح العمر مضى عنك شهر الصوم يشهد صادقا ... بطهرك فيه واجتنابك للوزر فأكرم بما خطّ الحفيظان منهما ... وأثنى به المثني وأطرى به المطري وزكّتك أوراق المصاحف وانتهى ... إلى الله منها طول درسك والذكر وقبضك كفّ البطش عن كلّ مجرم ... وبطشكها بالعرف والخير والبرّ وقد جاء شوال فشالت نعامة ال ... صيام وأبدلنا النعيم من الضرّوضجت حبيس الدنّ من طول حبسها ... ولامت على طول التجنّب والهجر وأبرزها من قعر أسود مظلم ... كاشراق بدر مشرق اللون كالبدر إذا ضمّها والورد فوه وكفّه ... فلا فرق بين اللون والطعم والنشر وتحسبه إذ سلسل الكأس ناظما ... على الكوكب الدرّيّ سمطا من الدرّ وله فيه يهنئه بابلاله من مرض «١» : أبا محمد المحمود يا حسن الاح ... سان والجود يا بحر الندى الطامي حاشاك من عود عوّاد إليك ومن ... دواء داء ومن إلمام آلام وله «٢» : يا فرجة الهمّ بعد اليأس من فرج «٣» ... يا فرحة الأمن بعد الروع من وهل «٤» اسلم ودم وابق واملك وانم واسم وزد ... وأعط وامنع وضر وانفع وصل وصل وله في القاضي الايذجي وكان التمس منه عكازة فلم يعطه إياها «٥» : اسمع حديثي تسمع قصة عجبا ... لا شيء أظرف منها «٦» تبهر القصصا طلبت عكّازة للوحل تحملني ... ورمتها عند من يخبا العصا فعصا وكنت أحسبه يهوى عصا عصب ... ولم أكن خلته صبّا بكلّ عصا وله من قصيدة يستميح المهلبي «٧» : رهنت ثيابي وحال القضاء ... دون القضاء وصدّ القدر وهذا الشتاء كما قد ترى ... عسوف عليّ قبيح الأثر «٨»يغادي بصرّ من العاصفا ... ت أو دمق مثل وخز الابر «١» وسكان دارك ممن أعو ... ل يلقّين من برده كلّ شرّ فهذي تحنّ وهذي تئنّ ... وأدمع هاتيك تجري درر إذا ما تململن تحت الظلام ... يعلّلن منك بحسن النظر ولا حظن ربعك كالممحلين ... شاموا البروق رجاء المطر يؤمّلن عودي بما ينتظرن ... كما يرتجى آيب من سفر.