page 5692, entry [1566]Open original source
ذكر ابتداء امر القرامطة وفيها وردت الاخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفه، فكان ابتداء امرهم قدوم رجل من ناحيه خوزستان الى سواد الكوفه ومقامه بموضع منه يقال له النهرين، يظهر الزهد والتقشف، ويسف الخوص، ويأكل من كسبه، ويكثر الصلاة، فأقام على ذلك مده، فكان إذا قعد اليه انسان ذاكره امر الدين، وزهده في الدنيا، واعلمه ان الصلاة المفترضه على الناس خمسون صلاه في كل يوم وليله، حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثم اعلمهم انه يدعو الى امام من اهل بيت الرسول، فلم يزل على ذلك يقعد اليه الجماعه فيخبرهم من ذلك بما تعلق قلوبهم، وكان يقعد الى بقال في القرية، وكان بالقرب من البقال نخل اشتراه قوم من التجار، واتخذوا حظيرة جمعوا فيها ما صرموا من حمل النخل، وجاءوا الى البقال فسألوه ان يطلب لهم رجلا يحفظ عليهم ما صرموا من النخل، فاومى لهم الى هذا الرجل، وقال: ان أجابكم الى حفظ ثمرتكم فانه بحيث تحبون، فناظروه على ذلك، فأجابهم الى حفظه بدراهم معلومه، فكان يحفظ لهم، ويصلى اكثر نهاره ويصوم، ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر، فيفطر عليه، ويجمع نوى ذلك التمر. فلما حمل التجار ما لهم من التمر، صاروا الى البقال، فحاسبوا اجيرهم هذا على اجرته، فدفعوها اليه، فحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من التمر، وحط من ذلك ثمن النوى الذى كان دفعه الى البقال، فسمع التجارما جرى بينه وبين البقال في حق النوى، فوثبوا عليه فضربوه، وقالوا: الم ترض ان اكلت تمرنا حتى بعت النوى! فقال لهم البقال: لا تفعلوا، فانه لم يمس تمركم، وقص عليهم قصته، فندموا على ضربهم اياه، وسألوه ان يجعلهم في حل، ففعل وازداد بذلك نبلا عند اهل القرية لما وقفوا عليه من زهده. ثم مرض، فمكث مطروحا على الطريق، وكان في القرية رجل يحمل على اثوار له، احمر العينين شديده حمرتهما، وكان اهل القرية يسمونه كرميته لحمره عينيه، وهو بالنبطية احمر العينين، فكلم البقال كرميته هذا، في ان يحمل هذا العليل الى منزله، ويوصى اهله بالإشراف عليه والعنايه به، ففعل واقام عنده حتى برا، ثم كان يأوي الى منزله، ودعا اهل القرية الى امره، ووصف لهم مذهبه، فأجابه اهل تلك الناحية، وكان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه دينارا، ويزعم انه يأخذ ذلك للإمام، فمكث بذلك يدعو اهل تلك القرى فيجيبونه واتخذ منهم اثنى عشر نقيبا، امرهم ان يدعو الناس الى دينهم، وقال لهم: أنتم كحواريى عيسى بن مريم، فاشتغل اكره تلك الناحية عن اعمالهم بما رسم لهم من الخمسين الصلاة التي ذكر انها مفترضه عليهم. وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير اكرته في العمارة، فسال عن ذلك، فاخبر ان إنسانا طرا عليهم، فأظهر لهم مذهبا من الدين، واعلمهم ان الذى افترضه الله عليهم خمسون صلاه في اليوم والليلة، فقد شغلوا بها عن اعمالهم، فوجه في طلبه، فاخذ وجيء به اليه، فسأله عن امره، فاخبره بقصته، فحلف انه يقتله. فامر به فحبس في بيت، واقفل عليه الباب، ووضع المفتاح تحت وسادته، وتشاغل بالشرب، وسمع بعض من في داره من الجوارى بقصته، فرقت له. فلما نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته، وفتحت الباب واخرجته، واقفلت الباب، وردت المفتاح الى موضعه فلما اصبح الهيصم دعا بالمفتاح ففتح الباب فلم يجده، وشاع بذلك الخبر، ففتن به اهل تلك الناحية، وقالوا: رفع ثم ظهر في موضع آخر ولقى جماعه من اصحابه وغيرهم فسألوه عن قصته، فقال: ليس يمكن أحدا ان يبدأني بسوء، ولا يقدر على ذلك منى،فعظم في اعينهم، ثم خاف على نفسه، فخرج الى ناحيه الشام، فلم يعرف له خبر، وسمى باسم الرجل الذى كان في منزله صاحب الاثوار كرميته، ثم خفف فقالوا: قرمط ذكر هذه القصة بعض أصحابنا عمن حدثه، انه حضر محمد بن داود بن الجراح، وقد دعا بقوم من القرامطة من الحبس، فسألهم عن زكرويه، وذلك بعد ما قتله، وعن قرمط وقصته، وانهم اوموا له الى شيخ منهم، وقالوا له: هذا سلف زكرويه، وهو اخبر الناس بقصته، فسله عما تريد، فسأله فاخبره بهذه القصة. وذكر عن محمد بن داود انه قال: قرمط رجل من سواد الكوفه، كان يحمل غلات السواد على اثوار له، يسمى حمدان ويلقب بقرمط ثم فشا امر القرامطة ومذهبهم، وكثروا بسواد الكوفه، ووقف الطائي احمد بن محمد على امرهم، فوظف على كل رجل منهم في كل سنه دينارا، وكان يجبى من ذلك مالا جليلا، فقدم قوم من الكوفه فرفعوا الى السلطان امر القرامطة، وانهم قد أحدثوا دينا غير الاسلام، وانهم يرون السيف على أمه محمد الا من بايعهم على دينهم، وان الطائي يخفى امرهم على السلطان فلم يلتفت اليهم، ولم يسمع منهم، فانصرفوا، واقام رجل منهم مده طويله بمدينه السلام، يرفع ويزعم انه لا يمكنه الرجوع الى بلده خوفا من الطائي وكان فيما حكوا عن هؤلاء القرامطة من مذهبهم ان جاءوا بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الفرج بن عثمان، وهو من قريه يقال لها نصرانه، داعيه الى المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمه، وهو المهدى، وهو احمد بن محمد بن الحنفيه، وهو جبريل وذكر ان المسيح تصور له في جسم انسان، وقال له: انك الداعيه، وانك الحجه، وانك الناقه، وانك الدابة، وانك روح القدس، وانك يحيى بن زكرياء وعرفه ان الصلاة اربع ركعات:ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها، وان الاذان في كل صلاه ان يقول: الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، مرتين اشهد ان آدم رسول الله، اشهد ان نوحا رسول الله، اشهد ان ابراهيم رسول الله، اشهد ان موسى رسول الله، واشهد ان عيسى رسول الله، واشهد ان محمدا رسول الله، واشهد ان احمد بن محمد بن الحنفيه رسول الله، وان يقرا في كل ركعة الاستفتاح، وهي من المنزل على احمد بن محمد بن الحنفيه. والقبله الى بيت المقدس، والحج الى بيت المقدس، ويوم الجمعه يوم الاثنين لا يعمل فيه شيء، والسورة الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتخذ لأوليائه باوليائه قل ان الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرفوا عبادى سبيلى اتقون يا اولى الألباب، وانا الذى لا اسال عما افعل، وانا العليم الحكيم، وانا الذى ابلوا عبادى، وامتحن خلقى، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختبارى القيته في جنتي، واخلدته في نعمتي، ومن زال عن امرى، وكذب رسلي، اخلدته مهانا في عذابى، واتممت اجلى، واظهرت امرى، على السنه رسلي، وانا الذى لم يعل على جبار الا وضعته، ولا عزيز الا اذللته، وليس الذى أصر على امره ودوام على جهالته، وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين، وبه مؤمنين: أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربى رب العزه وتعالى عما يصف الظالمون! يقولها مرتين، فإذا سجد قال: الله اعلى، الله اعلى، الله اعظم. الله اعظم ومن شرائعه ان الصوم يومان في السنه، وهما المهرجان والنوروز، وان النبيذ حرام والخمر حلال، ولا غسل من جنابه الا الوضوء كوضوء الصلاة، وان من حاربه وجب قتله، ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذت منه الجزية ولا يؤكل كل ذي ناب، ولا كل ذي مخلبوكان مصير قرمط الى سواد الكوفه قبل قتل صاحب الزنج، وذلك ان بعض أصحابنا ذكر عن سلف زكرويه انه قال: قال لي قرمط: صرت الى صاحب الزنج، ووصلت اليه، وقلت له: انى على مذهب، وورائي مائه الف سيف، فناظرنى، فان اتفقنا على المذهب ملت بمن معى إليك، وان تكن الاخرى انصرفت عنك وقلت له: تعطيني الامان؟ ففعل. قال: فناظرته الى الظهر، فتبين لي في آخر مناظرتي اياه انه على خلاف امرى، وقام الى الصلاة، فانسللت، فمضيت خارجا من مدينته، وصرت الى سواد الكوفه .