page 5242, entry [1382]Open original source
خلافه المنتصر محمد بن جعفر وفيها بويع للمنتصر محمد بن جعفر بالخلافة في يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال- وقيل لثلاث خلون منه- وهو ابن خمس وعشرين سنة وكنيته أبو جعفر بالجعفرية، فأقام بها بعد ما بويع له عشرة أيام، ثم تحول منه بعياله وقواده وجنوده الى سامرا. وكان قد بايعه ليلة الأربعاء الذين ذكرناهم قبل، فذكر عن بعضهم، أنه قال: لما كان صبيحة يوم الأربعاء، حضر الناس الجعفرية من القواد والكتاب والوجوه والشاكرية والجند وغيرهم، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا يخبر فيه عن أمير المؤمنين المنتصر، أن الفتح بن خاقان قتل أباه جعفرا المتوكل، فقتله به، فبايع الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فبايع وانصرف. وذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل، كنا في الدار مع المنتصر، فكان كلما خرج الفتح خرج معه، وكلما رجع قام لقيامه وجلس لجلوسه، وخرج في أثره، وكلما ركب أخذ بركابه، وسوى عليه ثيابه في سرج دابته، وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعد له قوما في طريقه ليغتالوه عند انصرافه، وقد كانالمتوكل أسمعه وأحفظه قبل انصرافه، ووثب به، فانصرف على غضب، وانصرفنا معه، فلما صار إلى داره أرسل إلى ندمائه وخاصته- وقد كان واعد الأتراك على قتل المتوكل قبل انصرافه إذا ثمل من النبيذ- قال: فلم ألبث أن جاءني الرسول: أن أحضر فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير، وهو على الركوب، فوقع في نفسي ما كان دار بيننا أنهم على اغتيال المنتصر، وأنه إنما يدعى لذلك، فركبت في سلاح وعدة، وصرت إلى باب الأمير، فإذا هم يموجون، وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنه قد فرغ من أمره، فركب فلحقته في بعض الطريق وأنا مرعوب، فرأى ما بي، فقال: ليس عليك! إن أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه بعد انصرافنا، فمات ﵀. فأكبرت ذلك، وشق علي، ومضينا وأحمد بن الخصيب وجماعة من القواد معنا حتى دخلنا الحير، وتتابعت الأخبار بقتل المتوكل، فأخذت الأبواب، ووكل بها، وقلت: يا أمير المؤمنين، وسلمت عليه بالخلافة، وقلت: لا ينبغي أن نفارقك لموضع الشفقة عليك من مواليك في هذا الوقت، قال: أجل، فكن أنت من ورائي وسليمان الرومي وألقي منديل، فجلس عليه، وأحطنا به، وحضر أحمد بن الخصيب وكاتبه سعيد بن حميد لأخذ البيعة. فذكر عن سعيد بن حميد ان احمد بن الخصيب، قال له: ويلك يا سعيد! معك كلمتان أو ثلاث تأخذ بها البيعة، قلت: نعم، وكلمات وعملت كتاب البيعة، وأخذتها على من حضر وكل من جاء حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله إلى المؤيد، وقال لسعيد الصغير: امض أنت إلى المعتز حتى تحضره، قال سعيد الصغير: فقلت: أما ما دمت يا أمير المؤمنين في قلة ممن معك فلا أبرح والله من وراء ظهرك، حتى يجتمع الناس. قال أحمد بن الخصيب: هاهنا من يكفيك، فامض، فقلت: لا أمضي حتى يجتمع من يكفي، فإني الساعة أولى به منك! فلما كثر القواد، وبايعوا، ومضيت وأنا آيس من نفسي، ومعي غلامان، فلما صرت إلى باب أبي نوح،والناس يموجون ويذهبون ويجيئون، وإذا على الباب جمع كبير في سلاح وعدة، فلما أحسوا بي لحقني فارس منهم، فسألني وهو لا يعرفني: من أنت؟ فعميت عليه خبري، وأخبرته أني من بعض أصحاب الفتح، ومضيت حتى صرت إلى باب المعتز، فلم أجد به أحدا من الحرس والبوابين والمكبرين ولا خلقا من خلق الله حتى صرت إلى الباب الكبير، فدققته دقا عنيفا مفرطا، فأجبت بعد مدة طويلة، فقيل لي: من هذا؟ فقلت: سعيد الصغير، رسول أمير المؤمنين المنتصر، فمضى الرسول، وأبطأ علي، وأحسست بالمنكر وضاقت علي الأرض ثم فتح الباب فإذا ببيدون الخادم قد خرج، وقال لي: ادخل وأغلق الباب دوني، فقلت: ذهبت والله نفسي، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أن أمير المؤمنين شرق بكأس شربها ومات من ساعته، وأن الناس قد اجتمعوا وبايعوا المنتصر، وأنه أرسلني إلى الأمير أبي عبد الله المعتز بالله ليحضر البيعة فدخل ثم خرج إلي، فقال: ادخل، فدخلت على المعتز، فقال لي: ويلك يا سعيد! ما الخبر؟ فأخبرته بمثل ما أخبرت به بيدون، وعزيته وبكيت، وقلت: تحضر يا سيدي، وتكون في أوائل من بايع، فتستدعي بذلك قلب أخيك، فقال لي: ويلك حتى نصبح! فما زلت افتله في الحبل والغارب، ويعينني عليه بيدون الخادم، حتى تهيأ للصلاة، ودعا بثيابه فلبسها، وأخرج له دابة، وركب وركبت معه، وأخذت طريقا غير طريق الجادة، وجعلت أحدثه وأسهل الأمر عليه، وأذكره أشياء يعرفها من أخيه، حتى إذا صرنا إلى باب عبيد الله بن يحيى بن خاقان سألني عنه، فقلت: هو يأخذ البيعه على الناس، والفتح قد بايع، فيئس حينئذ، وإذا بفارس قد لحق بنا، وصار إلى بيدون الخادم، فساره بشيء لا أعلمه، فصاح به بيدون، فمضى ثم رجع ثلاثا، كل ذلك يرده بيدون ويصيح به: دعنا، حتى وافينا باب الحير فاستفتحه فقيل لي: من أنت؟ قلت: سعيد الصغير والأمير المعتز، ففتح لي الباب، وصرنا إلى المنتصر، فلما رآه قربه وعانقه وعزاه، وأخذ البيعة عليه، ثم وافى المؤيد مع سعيد الكبير، ففعل به مثلذلك، وأصبح الناس، وصار المنتصر إلى الجعفري فأمر بدفن المتوكل والفتح، وسكن الناس، فقال سعيد الصغير: ولم أزل أطالب المعتز بالبشرى بخلافة المنتصر وهو محبوس في الدار، حتى وهب لي عشره آلاف درهم.