page 4800, entry [1186]Open original source
ذكر خبر وقعه قصر صالح وفيها كانت الوقعة التي كانت على أصحاب طاهر بقصر صالح. ذكر الخبر عن هذه الوقعة: ذكر عن محمد بْن الحسين بْن مصعب، أن طاهرا لم يزل مصابرا محمدا وجنده على ما وصفت من أمره، حتى مل أهل بغداد من قتاله، وأن عليفراهمرد الموكل بقصري صالح وسليمان بْن أبي جعفر من قبل محمد، كتب إلى طاهر يسأله الأمان، ويضمن له أن يدفع ما في يده من تلك الأموال ومن الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق والعرادات إليه، وأنه قبل ذلك منه، وأجابه إلى ما سأل، ووجه إليه أبا العباس يوسف بْن يعقوب الباذغيسي صاحب شرطه فيمن ضم إليه من قواده وذوي البأس من فرسانه ليلا، فسلم إليه كل ما كان محمد وكله به من ذلك ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائة واستأمن إليه محمد بْن عيسى صاحب شرطه محمد، وكان يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش، وكان محمد بْن عيسى غير مداهن في أمر محمد، وكان مهيبا في الحرب، فلما استأمن هذان إلى طاهر، أشفى محمد على الهلاك، ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم، وصار على باب أم جعفر يتوقع ما يكون، وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطرق والأجناد، فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار قَالَ: فقتل في داخل القصر أبو العباس يوسف بْن يعقوب الباذغيسي ومن كان معه من القواد والرؤساء المعدودين، وقاتل فراهمرد وأصحابه خارجا من القصر حتى فل وانحاز إلى طاهر، ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشد على طاهر وأصحابه منها، ولا أكثر قتيلا وجريحا معقورا من أصحاب طاهر من تلك الوقعة، فأكثرت الشعراء فيها القول من الشعر، وذكر ما كان فيها من شدة الحرب وقال فيها الغوغاء والرعاع، وكان مما قيل في ذلك قول الخليع: أمين الله ثق بالله ... تعط الصبر والنصره كل الأمر إلى الله ... كلاك الله ذو القدره لنا النصر بعون الله ... والكرة لا الفره وللمراق أعدائك ... يوم السوء والدبره وكأس تلفظ الموت ... كريه طعمها مرهسقينا وسقيناهم ... ولكن بهم الحره كذاك الحرب أحيانا ... علينا ولنا مره فذكر عن بعض الأبناء أن طاهرا بث رسله، وكتب إلى القواد والهاشميين وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الأمان والدخول في خلع محمد والبيعة للمأمون، فلحق به جماعة، منهم عبد الله بْن حميد بْن قحطبة الطائي وإخوته، وولد الحسن بْن قحطبة ويحيى بْن علي بْن ماهان ومحمد بْن أبي العاص، وكاتبه قوم من القواد والهاشميين في السر، وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه. قَالَ: ولما كانت وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بْن عيسى بْن نهيك وإلى الهرش، فوضعا مما يليهما من الدروب والأبواب وكلاءهما بأبواب المدينة والأرباض وسوق الكرخ وفرض دجلة وباب المحول والكناسة، فكان لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من اهل الملة والذمة، فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شيء من سائر بلاد الحروب. قَالَ: ولما طال ذلك بالناس، وضاقت بغداد بأهلها، خرج عنها من كانت به قوة بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم، فأخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك، واشتد فيه، وغلظ على اهل الريب وامر محمد ابن أبي خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم، فكان الرجل والمرأة إذا تخلص من أيدي أصحاب الهرش، وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وأمن، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بز، حتى قيل: إن مثل أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا، مثل السور الذي قَالَ الله تعالى ذكره: «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» فلما طال على الناس ما بلوا به ساءت حالهم، وضاقوا به ذرعا، وفي ذلك يقول بعض فتيان بغداد:بكيت دما على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق تبدلنا هموما من سرور ... ومن سعة تبدلنا بضيق أصابتها من الحساد عين ... فافنت أهلها بالمنجيق فقوم أحرقوا بالنار قسرا ... ونائحة تنوح على غريق وصائحه تنادى وا صباحا ... وباكية لفقدان الشفيق وحوراء المدامع ذات دل ... مضمخة المجاسد بالخلوق تفر من الحريق إلى انتهاب ... ووالدها يفر إلى الحريق وسالبة الغزالة مقلتيها ... مضاحكها كلالاة البروق حيارى كالهدايا مفكرات ... عليهن القلائد في الحلوق ينادين الشفيق ولا شفيق ... وقد فقد الشقيق من الشقيق وقوم أخرجوا من ظل دنيا ... متاعهم يباع بكل سوق ومغترب قريب الدار ملقى ... بلا رأس بقارعة الطريق توسط من قتالهم جميعا ... فما يدرون من أي الفريق فلا ولد يقيم على أبيه ... وقد هرب الصديق بلا صديق ومهما أنس من شيء تولى ... فإني ذاكر دار الرقيق وذكر أن قائدا من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس، خرج يوما إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة، لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من أرى، استهانة بأمرهم واحتقارا لهم، فقيل له: نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة، فقال: أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم، وأنتم في السلاح الظاهر، والعده والقوه، ولكم ما لكم منالشجاعة والنجدة! وما عسى أن يبلغ كيد من أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهم! فأوتر قوسه وتقدم، وابصره بعضهم فقصد نحوه وفي يده بارية مقيرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيار، فوقع في باريته أو قريبا منه، فيأخذه فيجعله في موضع من باريته، قد هيأه لذلك، وجعله شبيها بالجعبة وجعل كلما وقع سهم أخذه، وصاح: دانق، أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه، ولم يزل تلك حالة الخراساني وحال العيار حتى أنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيار ليضربه بسيفه، فأخرج من مخلاته حجرا، فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه، ثم ثناه بآخر، فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه، وكر راجعا وهو يقول: ليس هؤلاء بإنس، قَالَ: فحدثت أن طاهرا حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إلى الحرب، فقال بعض شعراء بغداد في ذلك: خرجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزار معشرا في جواشن الصوف يغدون ... إلى الحرب كالأسود الضواري وعليهم مغافر الخوص تجزيهم ... عن البيض، والتراس البواري ليس يدرون ما الفرار إذا الأبطال ... عاذوا من القنا بالفرار واحد منهم يشد على الفين ... عريان ماله من إزار ويقول الفتى إذا طعن الطعنة ... : خذها من الفتى العيار كم شريف قد أخملته وكم قد ... رفعت من مقامر طرار