page 4648, entry [1134]Open original source
ذكر الخبر عن غضب الرشيد على عبد الملك بْن صالح وفيها غضب الرشيد على عبد الملك بْن صالح وحبسه. ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه: ذكر أحمد بْن إبراهيم بْن إسماعيل أن عبد الملك بْن صالح كان له ابن يقال له عبد الرحمن، كان من رجال الناس، وكان عبد الملك يكنى به، وكان لابنه عبد الرحمن لسان، على فأفأة فيه، فنصب لأبيه عبد الملك وقمامة، فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بْن الربيع، فذكر أن عبد الملك بْن صالح أدخل على الرشيد حين سخط عليه، فقال له الرشيد: أكفرا بالنعمة، وجحودا لجليل المنةوالتكرمة! فقال: يا أمير المؤمنين، لقد بؤت إذا بالندم، وتعرضت لاستحلال النقم، وما ذاك إلا بغي حاسد نافسني فيك مودة القرابة وتقديم الولاية إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله ص في امته، وامينه على عترته، لك فيها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها والتثبت في حادثها، والغفران لذنوبها فقال له الرشيد: أتضع لي من لسانك، وترفع لي من جنانك! هذا كاتبك قمامة يخبر بغلك، وفساد نيتك، فاسمع كلامه. فقال عبد الملك: أعطاك ما ليس في عقده، ولعله لا يقدر أن يعضهني ولا يبهتني بما لم يعرفه مني وأحضر قمامة، فقال له الرشيد: تكلم غير هائب ولا خائف، قَالَ: أقول: إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك، فقال عبد الملك: أهو كذاك يا قمامة! قَالَ قمامة: نعم، لقد أردت ختل أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: كيف لا يكذب علي من خلفي وهو يبهتني في وجهي! فقال له الرشيد: وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوك وفساد نيتك، ولو أردت أن أحتج عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك، فبم تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك بْن صالح: هو مأمور، أو عاق مجبور، فإن كان مأمورا فمعذور، وإن كان عاقا ففاجر كفور، أخبر الله ﷿ بعداوته، وحذر منه بقوله: «إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ» . قَالَ: فنهض الرشيد، وهو يقول: أما أمرك فقد وضح، ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضي الله فيك، فإنه الحكم بيني وبينك فقال عبد الملك: رضيت بالله حكما، وبأمير المؤمنين حاكما، فإني أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه، وأمر الله على رضاه. قَالَ: فلما كان بعد ذلك جلس مجلسا آخر، فسلم لما دخل، فلم يرد عليه، فقال عبد الملك: ليس هذا يوما أحتج فيه، ولا أجاذب منازعاوخصما قال: ولم؟ قال: لان أوله جرى على غير السنة، فأنا أخاف آخره. قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: لم ترد علي السلام، أنصف نصفة العوام قَالَ: السلام عليكم، اقتداء بالسنة، وإيثارا للعدل، واستعمالا للتحية ثم التفت نحو سليمان بْن أبي جعفر، فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك: أريد حياته ويريد قتلي البيت. ثم قَالَ: أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أورى نارا تسطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم ورءوس بلا غلاصم، فمهلا، فبي والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فنذار لكم نذار، قبل حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرجل فقال عبد الملك: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك، وفي رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلت لك النصيحة، ومحضت لك الطاعة، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم، وتركت عدوك مشتغلا. فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه، بعد ان بللته بظن أفصح الكتاب لي بعضه، أو ببغي باغ ينهس اللحم، ويالغ الدم، فقد والله سهلت لك الوعور، وذللت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم من ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضيق قمته، كنت كما قَالَ أخو بني جعفر بْن كلاب: ومقام ضيق فرجته ... ببناني ولساني وجدل لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامى وزحلقال: فقال له الرشيد: أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقك. وذكر زيد بْن علي بْن الحسين العلوي، قَالَ: لما حبس الرشيد عبد الملك ابن صالح، دخل عليه عبد الله بْن مالك- وهو يومئذ على شرطه- فقال: أفي إذن أنا فأتكلم؟ قَالَ: تكلم، قَالَ: لا، والله العظيم يا أمير المؤمنين، ما علمت عبد الملك إلا ناصحا، فعلام حبسته! قَالَ: ويحك! بلغني عنه ما أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابني هذين- يعني الأمين والمأمون- فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس أطلقناه قال: اما إذ حبسته يا أمير المؤمنين، فلست أرى في قرب المدة أن تطلقه، ولكن أرى أن تحبسه محبسا كريما يشبه محبس مثلك مثله قَالَ: فإني أفعل قَالَ: فدعا الرشيد الفضل بْن الربيع، فقال: امض إلى عبد الملك بْن صالح إلى محبسه، فقل له: انظر ما تحتاج إليه في محبسك فأمر به حتى يقام لك، فذكر قصته وما سأل. قَالَ: وقال الرشيد يوما لعبد الملك بْن صالح في بعض ما كلمه: ما أنت لصالح! قَالَ: فلمن أنا؟ قَالَ: لمروان الجعدي، قَالَ: ما أبالي أي الفحلين غلب علي، فحبسه الرشيد عند الفضل بْن الربيع، فلم يزل محبوسا حتى توفي الرشيد، فأطلقه محمد، وعقد له على الشام، فكان مقيما بالرقة، وجعل لمحمد عهد الله وميثاقه: لئن قتل وهو حي لا يعطي المأمون طاعة أبدا فمات قبل محمد، فدفن في دار من دور الإمارة، فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له: حول أباك من داري، فنبشت عظامه وحولت. كان قَالَ لمحمد: ان خفت فالجا الى، فو الله لأصوننك. وذكر أن الرشيد بعث في بعض أيامه إلى يحيى بْن خالد: أن عبد الملك ابن صالح أراد الخروج ومنازعتي في الملك، وقد علمت ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتك إلى حالك، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما اطلعت من عبد الملك على شيء من هذا، ولو اطلعت عليه لكنت صاحبهدونك، لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشر كان فيه علي ولي، فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمع في ذلك مني! وهل كنت إذا فعلت ذلك به يفعل بي أكثر من فعلك! أعيذك بالله أن تظن بي هذا الظن، ولكنه كان رجلا محتملا، يسرني أن يكون في أهلك مثله، فوليته، لما أحمدت من مذهبه، وملت إليه لأدبه واحتماله قَالَ: فلما أتاه الرسول بهذا أعاد إليه، فقال: إن أنت لم تقر عليه قتلت الفضل ابنك، فقال له: أنت مسلط علينا فافعل ما أردت، على أنه إن كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لي، فبم يدخل الفضل في ذلك! فقال الرسول للفضل: قم، فإنه لا بد لي من إنفاذ أمر أمير المؤمنين فيك، فلم يشك أنه قاتله، فودع أباه، وقال له: ألست راضيا عني؟ قَالَ: بلى، فرضي الله عنك ففرق بينهما ثلاثة أيام، فلما لم يجد عنده من ذلك شيئا جمعهما كما كانا. وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل، لما كان اعداؤهم يقرفونهم به عنده، فلما أخذ مسرور بيد الفضل كما اعلمه، بلغ من يحيى، فأخرج ما في نفسه، فقال له: قل له: يقتل ابنك مثله قَالَ مسرور: فلما سكن عن الرشيد الغضب، قَالَ: كيف قَالَ؟ فأعدت عليه القول، قَالَ: قد خفت والله قوله، لأنه قلما قَالَ لي شيئا إلا رأيت تأويله. وقيل: بينما الرشيد يسير وفي موكبه عبد الملك بْن صالح، إذ هتف به هاتف وهو يساير عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، طأطئ من أشرافه وقصر من عنانه، واشدد من شكائمه، وإلا أفسد عليك ناحيته فالتفت إلى عبد الملك، فقال: ما يقول هذا يا عبد الملك؟ فقَالَ عبد الملك: مقال باغ ودسيس حاسد، فقال له هارون: صدقت، نقص القوم ففضلتهم، وتخلفوا وتقدمتهم، حتى برز شأوك، فقصر عنه غيرك، ففي صدورهم جمرات التخلف، وحزازات النقص فقال عبد الملك: لا أطفأها الله وأضرمها عليهم حتى تورثهم كمدا دائما ابداوقال الرشيد لعبد الملك بْن صالح وقد مر بمنبج، وبها مستقر عبد الملك: هذا منزلك؟ قَالَ: هو لك يا أمير المؤمنين، ولي بك قَالَ: كيف هو؟ قَالَ: دون بناء أهلي وفوق منازل منبج، قَالَ: فكيف ليلها؟ قال: سحر كله.