Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الجد فِي الحرب والقتال

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري · page 2478, entry [524]

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري — ابن جرير الطبري

Open narrator profile: الجد فِي الحرب والقتال
page 2478, entry [524]Open original source
الجد فِي الحرب والقتال قَالَ أَبُو مخنف: حدثنى ابو روق الهمدانى، أن يَزِيد بن قيس الأرحبي حرض الناس فَقَالَ: إن المسلم السليم من سلم دينه ورأيه، وإن هَؤُلاءِ القوم وَاللَّهِ إن يقاتلونناعَلَى إقامة دين رأونا ضيعناه، وإحياء حق رأونا أمتناه، وإن يقاتلوننا إلا عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا ليكونوا جبابرة فِيهَا ملوكا، فلو ظهروا عَلَيْكُمْ- لا أراهم اللَّه ظهورا وَلا سرورا- لزموكم بمثل سَعِيد والوليد وعبد اللَّه بن عَامِر السفيه الضال، يخبر أحدهم فِي مجلسه بمثل ديته ودية أَبِيهِ وجده، يقول: هَذَا لي وَلا إثم علي، كأنما أعطى تراثه عن أَبِيهِ وأمه، وإنما هُوَ مال اللَّه ﷿، أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا، فقاتلوا عباد اللَّه القوم الظالمين، الحاكمين بغير مَا أنزل اللَّه، وَلا يأخذكم فِي جهادهم لوم لائم، فإنهم إن يظهروا عَلَيْكُمْ يفسدوا عَلَيْكُمْ دينكم ودنياكم، وهم من قَدْ عرفتم وخبرتم، وايم اللَّه مَا ازدادوا إِلَى يومهم هَذَا إلا شرا. وقاتلهم عَبْد اللَّهِ بن بديل فِي الميمنة قتالا شديدا حَتَّى انتهى إِلَى قبة مُعَاوِيَة ثُمَّ إن الَّذِينَ تبايعوا عَلَى الموت أقبلوا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل فِي الميمنة، وبعث إِلَى حبيب بن مسلمة فِي الميسرة، فحمل بهم وبمن كَانَ مَعَهُ عَلَى ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حَتَّى لم يبق مِنْهُمْ إلا ابن بديل فِي مائتين او ثلاثمائة من القراء، قَدْ أسند بعضهم ظهره إِلَى بعض، وانجفل الناس، فأمر علي سَهْل بن حنيف فاستقدم فيمن كَانَ مَعَهُ من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة، فاحتملتهم حَتَّى ألحقتهم بالميمنة، وَكَانَ فِي الميمنة إِلَى موقف علي فِي القلب أهل اليمن فلما كشفوا انتهت الهزيمة إِلَى علي، فانصرف يتمشى نحو الميسرة، فانكشفت عنه مضر من الميسرة، وثبتت رَبِيعَة. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي مالك بن أعين الجهني، عن زَيْد بن وهبالجهني، قَالَ: مر علي مَعَهُ بنوه نحو الميسره، ومعه ربيعه وحدها، وإني لأرى النبل يمر بين عاتقه ومنكبه، وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه، فيكره على ذلك، فيتقدم عليه، فيحول بين أهل الشام وبينه، فيأخذه بيده إذا فعل ذَلِكَ فيلقيه بين يديه أو من ورائه، فبصر بِهِ أحمر- مولى أبي سُفْيَان، أو عُثْمَان، أو بعض بني أُمَيَّة-[فقال على: ورب الكعبة، قتلني اللَّه إن لم أقتلك أو تقتلني!] فأقبل نحوه، فخرج إِلَيْهِ كيسان مولى علي، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بني أُمَيَّة، وينتهزه علي، فيقع بيده فِي جيب درعه، فيجبذه، ثُمَّ حمله عَلَى عاتقه، فكأني أنظر إِلَى رجيلتيه، تختلفان عَلَى عنق علي، ثُمَّ ضرب بِهِ الأرض فكسر منكبه وعضديه، [وشد ابنا علي عَلَيْهِ: حُسَيْن ومُحَمَّد، فضرباه بأسيافهما، حتى برد، فكأني أنظر إِلَى علي قائما وإلى شبليه يضربان الرجل، حَتَّى إذا قتلاه وأقبلا إِلَى أبيهما، والحسن قائما قَالَ لَهُ: يَا بني، مَا منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قَالَ: كفياني يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ] ثُمَّ إن اهل الشام دنوا منه وو الله مَا يزيده قربهم مِنْهُ سرعة فِي مشيه، [فَقَالَ لَهُ الْحَسَن: مَا ضرك لو سعيت حَتَّى تنتهي إِلَى هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدْ صبروا لعدوك من أَصْحَابك؟ فَقَالَ: يَا بني، إن لأبيك يَوْمًا لن يعدوه وَلا يبطئ بِهِ عند السعي، وَلا يعجل بِهِ إِلَيْهِ المشي، إن أباك وَاللَّهِ مَا يبالي أوقع عَلَى الموت، أو وقع الموت عَلَيْهِ] . قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي فضيل بن خديج الكندي، [عن مولى للأشتر، قَالَ: لما انهزمت ميمنة العراق وأقبل علي نحو الميسرة، مر بِهِ الأَشْتَر يركض نحو الفزع قبل الميمنة، فَقَالَ لَهُ علي: يَا مالك، قَالَ: لبيك،قَالَ: ائت هَؤُلاءِ القوم فقل لَهُمْ: أين فراركم من الموت الَّذِي لن تعجزوه، إِلَى الحياة الَّتِي لن تبقى لكم! فمضى فاستقبل الناس منهزمين، فَقَالَ لَهُمْ هَذِهِ الكلمات الَّتِي قالها لَهُ علي] وَقَالَ: إلي أَيُّهَا النَّاسُ، أنا مالك بن الْحَارِث، أنا مالك بن الْحَارِث، ثُمَّ ظن أنه بالأشتر أعرف فِي الناس، فَقَالَ: أنا الأَشْتَر، إلي أَيُّهَا النَّاسُ فأقبلت إِلَيْهِ طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى: أَيُّهَا النَّاسُ، عضضتم بهن آبائكم! مَا أقبح مَا قاتلتم منذ الْيَوْم! أَيُّهَا النَّاسُ، أخلصوا إلي مذحجا، فأقبلت إِلَيْهِ مذحج، فَقَالَ: عضضتم بصم الجندل! مَا أرضيتم ربكم، وَلا نصحتم لَهُ فِي عدوكم، وكيف بِذَلِكَ وَأَنْتُمْ أبناء الحروب، وأَصْحَاب الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان، الَّذِينَ لم يكونوا يسبقون بثأرهم، وَلا تطل دماؤهم، وَلا يعرفون فِي موطن بخسف، وَأَنْتُمْ حد أهل مصركم، وأعد حي فِي قومكم، وما تفعلوا فِي هَذَا الْيَوْم، فإنه مأثور بعد الْيَوْم، فاتقوا مأثور الأحاديث فِي غد، واصدقوا عدوكم اللقاء فإن اللَّه مع الصادقين والذي نفس مالك بيده مَا من هَؤُلاءِ- وأشار بيده إِلَى أهل الشام- رجل عَلَى مثال جناح بعوضة من محمد ص أنتم ما احسنتم القراع، اجلوا سواد وجهي يرجع فِي وجهي دمي. عَلَيْكُمْ بهذا السواد الأعظم، فإن اللَّه ﷿ لو قَدْ فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه قَالُوا: خذ بنا حَيْثُ أحببت وصمد نحو عظمهم فِيمَا يلي الميمنة، فأخذ يزحف إِلَيْهِم، ويردهم، ويستقبله شباب من همدان- وكانوا ثمانمائه مقاتل يَوْمَئِذٍ- وَقَدِ انهزموا آخر الناس، وكانوا قَدْ صبروا فِي الميمنة حَتَّى أصيب مِنْهُمْ ثمانون ومائة رجل، وقتل مِنْهُمْ أحد عشر رئيسا، كلما قتل مِنْهُمْ رجل أخذ الراية آخر، فكان الأول كُرَيْب بن شريح، ثُمَّ شرحبيل ابن شريح، ثُمَّ مرثد بن شريح، ثُمَّ هبيرة بن شريح، ثُمَّ يريم بن شريح،ثُمَّ سمير بن شريح، فقتل هَؤُلاءِ الإخوة السته جميعا ثم أخذ الراية سفيان ابن زَيْد، ثُمَّ عبد بن زَيْدٍ، ثُمَّ كُرَيْب بن زَيْدٍ، فقتل هَؤُلاءِ الإخوة الثلاثة جميعا، ثُمَّ أخذ الراية عميرة بن بشير، ثُمَّ الْحَارِث بن بشير، فقتلا، ثُمَّ أخذ الراية وهب بن كُرَيْب أخو القلوص، فأراد أن يستقبل، فَقَالَ لَهُ رجل من قومه: انصرف بهذه الراية- رحمك اللَّه- فقد قتل أشراف قومك حولها، فلا تقتل نفسك وَلا من بقي من قومك، فانصرفوا وهم يقولون: ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا عَلَى الموت، ثُمَّ نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حَتَّى نقتل أو نظفر فمروا بالأشتر وهم يقولون هَذَا القول، فَقَالَ لَهُمُ الأَشْتَر: إلي أنا أحالفكم وأعاقدكم عَلَى أَلا نرجع أبدا حَتَّى نظفر أو نهلك فأتوه فوقفوا مَعَهُ، ففي هَذَا القول قَالَ كعب بن جعيل التغلبي: وهمدان رزق تبتغي من تحالف وزحف الأَشْتَر نحو الميمنة، وثاب إِلَيْهِ ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء، فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها، وَلا لجمع إلا حازه ورده، فإنه لكذلك إذ مر بزياد بن النضر يحمل إِلَى العسكر، فَقَالَ: من هَذَا؟ فقيل: زياد بن النضر، استلحم عَبْد اللَّهِ بن بديل وأَصْحَابه فِي الميمنة، فتقدم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته، فصبروا، وقاتل حَتَّى صرع، ثُمَّ لم يمكثوا إلا كلا شَيْء حَتَّى مر بيزيد بن قيس الأرحبي محمولا نحو العسكر، فَقَالَ الأَشْتَر: من هَذَا؟ فَقَالُوا: يَزِيد بن قيس، لما صرع زياد ابن النضر رفع لأهل الميمنة رايته، فقاتل حَتَّى صرع، فَقَالَ الأَشْتَر: هَذَا وَاللَّهِ الصبر الجميل، والفعل الكريم، أَلا يستحي الرجل أن ينصرف لا يقتلوَلا يقتل، أو يشفى بِهِ عَلَى القتل! قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو جناب الكلبي، عن الحر بن الصياح النخعي، أن الأَشْتَر يَوْمَئِذٍ كَانَ يقاتل عَلَى فرس لَهُ فِي يده صفيحة يمانية، إذا طأطأها خلت فِيهَا ماء منصبا، وإذا رفعها كاد يعشى البصر شعاعها، وجعل يضرب بسيفه ويقول: الغمرات ثُمَّ ينجلينا قَالَ: فبصر بِهِ الْحَارِث بن جمهان الجعفي والأشتر متقنع فِي الحديد، فلم يعرفه، فدنا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: جزاك اللَّه خيرا منذ الْيَوْم عن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وجماعة المسلمين! فعرفه الاشتر، فقال يا بن جمهان، مثلك يتخلف عن مثل موطني هَذَا الَّذِي أنا فِيهِ! فنظر إِلَيْهِ ابن جمهان فعرفه، فكان من اعظم الرجال واطوله- وكان في لحيته خفه- قليله- فَقَالَ: جعلت فداك! لا وَاللَّهِ مَا علمت بمكانك إلا الساعة، وَلا أفارقك حَتَّى أموت قَالَ: ورآه منقذ وحمير ابنا قيس الناعطيان، فَقَالَ منقذ لحمير: مَا فِي العرب مثل هَذَا، إن كَانَ مَا أَرَى من قتاله على نيته، فَقَالَ لَهُ حمير: وهل النية إلا مَا تراه يصنع! قَالَ: إني أخاف أن يكون يحاول ملكا قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي فضيل بن خديج، عن مولى للأشتر:، إنهلما اجتمع إِلَيْهِ عظم من كَانَ انهزم عن الميمنة حرضهم، ثُمَّ قَالَ: عضوا عَلَى النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامكم، وشدوا شدة قوم موتورين ثأرا بآبائهم وإخوانهم، حناقا عَلَى عدوهم، قَدْ وطنوا عَلَى الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بوتر، وَلا يلحقوا فِي الدُّنْيَا عارا، وايم اللَّه مَا وتر قوم قط بشيء أشد عَلَيْهِم من أن يوتروا دينهم، وإن هَؤُلاءِ القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليميتوا السنة، ويحيوا البدعة، ويعيدوكم فِي ضلالة قَدْ أخرجكم اللَّه ﷿ منها بحسن البصيرة فطيبوا عباد اللَّه أنفسا بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم عَلَى اللَّه، وَاللَّهِ عنده جنات النعيم وإن الفرار من الزحف فِيهِ السلب للعز، والغلبة عَلَى الفيء، وذل المحيا والممات، وعار الدُّنْيَا والآخرة. وحمل عَلَيْهِم حَتَّى كشفهم، فألحقهم بصفوف مُعَاوِيَة بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إِلَى عَبْد اللَّهِ بن بديل وَهُوَ فِي عصبة من القراء بين المائتين والثلثمائه، وَقَدْ لصقوا بالأرض كأنهم جثا فكشف عَنْهُمْ أهل الشام، فأبصروا إخوانهم قَدْ دنوا مِنْهُمْ، فَقَالُوا: مَا فعل أَمِير الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالُوا: حي صالح فِي الميسرة، يقاتل الناس أمامه، فَقَالُوا: الحمد لِلَّهِ، قَدْ كنا ظننا أن قَدْ هلك وهلكتم وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن بديل لأصحابه: استقدموا بنا، فأرسل الاشتر اليه: الا تفعل، أثبت مع الناس فقاتل، فإنه خير لَهُمْ وأبقى لك ولأَصْحَابك فأبى، فمضى كما هُوَ نحو مُعَاوِيَة، وحوله كأمثال الجبال، وفي يده سيفان، وَقَدْ خرج فهو أمام أَصْحَابه، فأخذ كلما دنا مِنْهُ رجل ضربه فقتله، حَتَّى قتل سبعة، ودنا من مُعَاوِيَة فنهض إِلَيْهِ الناس من كل جانب، وأحيط بِهِ وبطائفة من أَصْحَابه، فقاتل حَتَّى قتل، وقتل ناس من اصحابه، ورجعت طائفه قد جرحوا منهزمين، فبعث الاشتر ابن جمهان الجعفي فحمل عَلَى أهل الشام الَّذِينَ يتبعون من نجا من أَصْحَاب ابن بديل حَتَّى نفسوا عَنْهُمْ، وانتهوا إِلَى الأَشْتَر، فَقَالَ لَهُمْ: ألم يكن رأيي لكم خيرا من رأيكم لأنفسكم! الم آمر كم أن تثبتوا مع الناس! وَكَانَ مُعَاوِيَة قَالَ لابن بديل وَهُوَيضرب قدما: أترونه كبش القوم! فلما قتل أرسل إِلَيْهِ، فَقَالَ: انظروا من هُوَ؟ فنظر إِلَيْهِ ناس من أهل الشام فَقَالُوا: لا نعرفه، فأقبل إِلَيْهِ حَتَّى وقف عَلَيْهِ، فَقَالَ: بلى، هَذَا عَبْد اللَّهِ بن بديل، وَاللَّهِ لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلا عَلَى رجالها لفعلت، مدوه، فمدوه، فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ كما قَالَ الشاعر: أخو الحرب إن عضت بِهِ الحرب عضها ... وإن شمرت يَوْمًا بِهِ الحرب شمرا والبيت لحاتم طيئ وإن الأَشْتَر زحف إِلَيْهِم فاستقبله مُعَاوِيَة بعك والأشعرين، فَقَالَ الأَشْتَر لمذحج: اكفونا عكا، ووقف فِي همدان وَقَالَ لكندة: اكفونا الأشعرين، فاقتتلوا قتالا شديدا، وأخذ يخرج إِلَى قومه فيقول: إنما هم عك، فاحملوا عَلَيْهِم، فيجثون عَلَى الركب ويرتجزون: يَا ويل أم مذحج من عك ... هاتيك أم مذحج تبكي فقاتلوهم حَتَّى المساء ثُمَّ إنه قاتلهم فِي همدان وناس من طوائف الناس، فحمل عَلَيْهِم فأزالهم عن مواقفهم حَتَّى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول مُعَاوِيَة، ثُمَّ شد عَلَيْهِم شدة أخرى فصرع الصفوف الأربعة، - وكانوا معقلين بالعمائم- حَتَّى انتهوا إِلَى الخامس الَّذِي حول مُعَاوِيَة، ودعا مُعَاوِيَة بفرس فركب- وَكَانَ يقول: أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الأطنابة من الأنصار- كَانَ جاهليا، والأطنابة امرأة من بلقين: أبت لي عفتي وحياء نفسي ... وإقدامي عَلَى البطل المشيح وإعطائي عَلَى المكروه مالي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي فمنعني هَذَا القول من الفرارقَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي مالك بن أعين الجهني، عن زَيْد بن وهب، أن عَلِيًّا لما رَأَى ميمنته قَدْ عادت إِلَى مواقعها ومصافها وكشفت من بإزائها من عدوها حَتَّى ضاربوهم فِي مواقفهم ومراكزهم، أقبل حَتَّى انتهى إِلَيْهِم [فَقَالَ: إني قَدْ رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشام، وأنتم لهاميم العرب، والسنام الأعظم، وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون، فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكركم بعد انحيازكم، وجب عَلَيْكُمْ مَا وجب عَلَى المولي يوم الزحف دبره، وكنتم من الهالكين، ولكن هون وجدي، وشفى بعض أحاح نفسي، أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تحسونهم بالسيوف، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرده الهيم، فالآن فاصبروا، نزلت عَلَيْكُمُ السكينة وثبتكم اللَّه ﷿ باليقين، ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه، وموبق نفسه، إن فِي الفرار موجدة اللَّه ﷿ عَلَيْهِ، والذل اللازم، والعار الباقي، واعتصار الفيء من يده، وفساد العيش عَلَيْهِ وإن الفار مِنْهُ لا يَزِيد فِي عمره، وَلا يرضي ربه، فموت المرء محقا قبل إتيان هَذِهِ الخصال، خير من الرضا بالتأنيس لها، والإقرار عَلَيْهَا] . قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابر الأحمسي، أن راية بجيلة بصفين كَانَتْ فِي أحمس بن الغوث بن أنمار مع أبي شداد- وَهُوَ قيس بن مكشوح بن هلال بن الْحَارِث بن عَمْرو بن جابر بن على ابن اسلم بن احمس بن الغوث- وقالت لَهُ بجيلة: خذ رايتنا، فَقَالَ: غيري خير لكم مني، قَالُوا: مَا نريد غيرك، قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب قَالُوا: اصنع مَا شئت،فأخذها ثُمَّ زحف، حَتَّى انتهى بهم إِلَى صاحب الترس المذهب- وَكَانَ فِي جماعة عظيمة من أَصْحَاب مُعَاوِيَة، وذكروا أنه عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد المخزومي- فاقتتل الناس هنالك قتالا شديدا، فشد بسيفه نحو صاحب الترس، فتعرض لَهُ رومي، مولى لمعاوية فيضرب قدم أبي شداد فيقطعها، ويضربه أَبُو شداد فيقتله، وأشرعت إِلَيْهِ الأسنة فقتل، وأخذ الراية عبد الله ابن قلع الأحمسي وَهُوَ يقول: لا يبعد اللَّه أبا شداد ... حَيْثُ أجاب دعوة المنادي وشد بالسيف على الأعادي ... نعم الفتى كان لدى الطراد وفي طعان الرجل والجلاد فقاتل حَتَّى قتل، فأخذ الراية أخوه عبد الرَّحْمَن بن قلع، فقاتل حَتَّى قتل، ثُمَّ أخذها عفيف بن إياس، فلم تزل فِي يده حَتَّى تحاجز الناس، وقتل حازم بن أبي حازم الأحمسي- أخو قيس بن أبي حازم- يَوْمَئِذٍ، وقتل نعيم بن صهيب بن العلية البجلي يَوْمَئِذٍ، فأتى ابن عمه وسميه نعيم بن الحارث ابن العلية مُعَاوِيَة- وَكَانَ مَعَهُ- فَقَالَ: إن هَذَا القتيل ابن عمي، فهبه لي أدفنه، فَقَالَ: لا تدفنه فليس لذلك أهلا، وَاللَّهِ مَا قدرنا عَلَى دفن ابن عفان ﵁ إلا سرا قَالَ: وَاللَّهِ لتأذنن فِي دفنه أو لألحقن بهم ولأدعنك. قَالَ مُعَاوِيَة: أترى أشياخ العرب قَدْ أحالتهم أمورهم، فأنت تسألني فِي دفن ابن عمك! ادفنه إن شئت أو دع فدفنه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بن حصيرة الأَزْدِيّ، عن أشياخ من النمر من الأزد، أن مخنف بن سليم لما ندبت الأزد للأزد، حمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إن من الخطإ الجليل، والبلاء العظيم، أنا صرفنا إِلَى قومنا وصرفوا إلينا، وَاللَّهِ مَا هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا، وما هي إلا أجنحتنا نجدها بأسيافنا، فإن نحن لم نؤاس جماعتنا، ولم نناصح صاحبنا كفرنا، واننحن فعلنا فعزنا أبحنا، ونارنا أخمدنا، فَقَالَ لَهُ جندب بن زهير: وَاللَّهِ لو كنا آباءهم وولدناهم- أو كنا أبناءهم وولدونا- ثُمَّ خرجوا من جماعتنا، وطعنوا عَلَى إمامنا وإذا هم الحاكمون بالجور عَلَى أهل ملتنا وذمتنا، مَا افترقنا بعد أن اجتمعنا حَتَّى يرجعوا عما هم عَلَيْهِ، ويدخلوا فِيمَا ندعوهم إِلَيْهِ، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم. فَقَالَ لَهُ مخنف- وَكَانَ ابن خالته: أعز اللَّه بك النيه، وَاللَّهِ مَا علمت صغيرا وكبيرا إلا مشئوما، وَاللَّهِ مَا ميلنا الرأي قط أيهما نأتي أو أيهما ندع- فِي الْجَاهِلِيَّة وَلا بعد أن أسلمنا- إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما، اللَّهُمَّ إن تعافي أحب إلينا من أن تبتلي، فأعط كل امرئ منا مَا يسألك. وَقَالَ أَبُو بريدة بن عوف: اللَّهُمَّ احكم بيننا بِمَا هُوَ أرضى لك يَا قوم إنكم تبصرون مَا يصنع الناس، وإن لنا الأسوة بِمَا عَلَيْهِ الجماعة إن كنا عَلَى حق، وإن يكونوا صادقين فإن أسوة فِي الشر- وَاللَّهِ مَا علمنا- ضرر فِي المحيا والممات وتقدم جندب بن زهير، فبارز رأس أزد الشام، فقتله الشامي، وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عَبْد اللَّهِ من بني ثعلبة، وقتل مع مخنف من رهطه عَبْد اللَّهِ وخالد ابنا ناجد، وعمرو وعامر ابنا عويف، وعبد اللَّه بن الحجاج وجندب بن زهير، وأبو زينب بن عوف بن الْحَارِث، وخرج عَبْد اللَّهِ بن أبي الحصين الأَزْدِيّ فِي القراء الذين مع عمار بن الْحَارِث، وخرج عَبْد اللَّهِ بن أبي الحصين الأَزْدِيّ فِي القراء الَّذِينَ مع عمار بن ياسر فأصيب مَعَهُ. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الْحَارِث بن حصيرة، عن أشياخ النمر، أن عقبة بن حديد النمري قَالَ يوم صفين: أَلا إن مرعى الدُّنْيَا قَدْ أصبح هشيما، وأصبح شجرها خضيدا، وجديدها سملا، وحلوها مر المذاق. أَلا وإني أنبئكم نبأ امرئ صادق: إني قَدْ سئمت الدُّنْيَا وعزفت نفسي عنها،وَقَدْ كنت أتمنى الشهادة، وأتعرض لها فِي كل جيش وغاره، فأبى الله ﷿ إلا أن يبلغني هَذَا الْيَوْم أَلا وإني متعرض لها من ساعتي هَذِهِ، قَدْ طمعت أَلا أحرمها، فما تنتظرون عباد اللَّه بجهاد من عادى اللَّه؟ خوفا من الموت القادم عَلَيْكُمُ، الذاهب بأنفسكم لا محالة، أو من ضربة كف بالسيف تستبدلون الدُّنْيَا بالنظر فِي وجه اللَّه ﷿ وموافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فِي دار القرار! مَا هَذَا بالرأي السديد ثُمَّ مضى فَقَالَ: يَا إخوتي، قَدْ بعت هَذِهِ الدار بالتي أمامها، وهذا وجهى إليها لا يبرح وجوهكم، وَلا يقطع اللَّه ﷿ رجاءكم فتبعه إخوته: عُبَيْد اللَّهِ وعوف ومالك، وَقَالُوا: لا نطلب رزق الدُّنْيَا بعدك، فقبح اللَّه العيش بعدك! اللَّهُمَّ إنا نحتسب أنفسنا عندك! فاستقدموا فقاتلوا حَتَّى قتلوا قَالَ أَبُو مخنف: حدثنى صلة بن زهير النهدي، عن مسلم بن عَبْدِ اللَّهِ الضبابي، قَالَ: شهدت صفين مع الحي ومعنا شمر بن ذي الجوشن الضبابي، فبارزه أدهم بن محرز الباهلي، فضرب أدهم وجه شمر بالسيف، وضربه شمر ضربة لم تضرره، فرجع شمر إِلَى رحله فشرب شربة- وَكَانَ قَدْ ظمئ- ثُمَّ أخذ الرمح، فأقبل وَهُوَ يقول: إني زعيم لأخي باهله ... بطعنة إن لم أصب عاجله أو ضربة تحت القنا والوغى ... شبيهة بالقتل أو قاتله ثُمَّ حمل عَلَى أدهم فصرعه، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ بتلك. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي عَمْرو بن عَمْرو بن عوف بن مالك الجشمي أن بشر بن عصمة المزني كَانَ لحق بمعاوية، فلما اقتتل الناس بصفين بصربشر بن عصمة بمالك بن العقدية- وَهُوَ مالك بن الجلاح الجشمي، ولكن العقدية غلبت عَلَيْهِ- فرآه بشر وَهُوَ يفري فِي أهل الشام فريا عجيبا، وَكَانَ رجلا مسلما شجاعا، فغاظ بشرا مَا رَأَى مِنْهُ، فحمل عَلَيْهِ فطعنه فصرعه، ثُمَّ انصرف، فندم لطعنته إِيَّاهُ جبارا، فقال: وانى لأرجو من مليكي تجاوزا ... ومن صاحب الموسوم فِي الصدر هاجس دلفت لَهُ تحت الغبار بطعنة ... عَلَى ساعة فِيهَا الطعان تخالس فبلغت مقالته ابن العقدية، فَقَالَ: أَلا أبلغا بشر بن عصمة أنني ... شغلت وألهاني الَّذِينَ أمارس فصادفت مني غرة وأصبتها ... كذلك والأبطال ماض وخالس ثُمَّ حمل عَبْد اللَّهِ بن الطفيل البكائي عَلَى جمع لأهل الشام، فلما انصرف حمل عَلَيْهِ رجل من بني تميم- يقال لَهُ قيس بن قرة، ممن لحق بمعاوية من أهل العراق- فيضع الرمح بين كتفي عبد الله بن الطفيل، ويعترضه يزيد ابن مُعَاوِيَة، ابن عم عَبْد اللَّهِ بن الطفيل، فيضع الرمح بين كتفي التميمي، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ طعنته لأطعننك، فَقَالَ: عَلَيْك عهد اللَّه وميثاقه لئن رفعت السنان على ظهر صاحبك لترفعن سنانك عني! فَقَالَ لَهُ: نعم، لك بِذَلِكَ عهد اللَّه، فرفع السنان عن ابن الطفيل، ورفع يَزِيد السنان عن التميمي، فَقَالَ: ممن أنت؟ قَالَ: من بني عَامِر، فَقَالَ لَهُ: جعلني اللَّه فداكم! أينما إلفكم إلفكم كراما، وإني لحادي عشر رجلا من أهل بيتي ورهطي قتلتموهم الْيَوْم، وأنا كنت آخرهم فلما رجع الناس إِلَى الْكُوفَةِ عتب عَلَى يَزِيد بن الطفيل فِي بعض مَا يعتب فِيهِ الرجل عَلَى ابن عمه، فَقَالَ لَهُ: ألم ترني حاميت عنك مناصحا ... بصفين إذ خلاك كل حميم ونهنهت عنك الحنظلي وَقَدْ أتى ... عَلَى سابح ذي ميعة وهزيم!قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي فضيل بن خديج، قَالَ: خرج رجل من أهل الشام يدعو إِلَى المبارزة، فخرج إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن محرز الكندي، ثُمَّ الطمحي، فتجاولا ساعة ثُمَّ إن عبد الرَّحْمَن حمل عَلَى الشامي فطعنه فِي ثغرة نحره فصرعه، ثُمَّ نزل إِلَيْهِ فسلبه درعه وسلاحه، فإذا هُوَ حبشي، فَقَالَ: إنا لِلَّهِ! لمن أخطرت نفسي! لعبد أسود! وخرج رجل من عك يسأل المبارزة، فخرج إِلَيْهِ قيس بن فهدان الكناني، ثُمَّ البدني، فحمل عَلَيْهِ العكي فضربه واحتمله أَصْحَابه فَقَالَ قيس بن فهدان: لقد علمت عك بصفين أننا ... إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا ونحمل رايات الطعان بحقها ... فنوردها بيضا ونصدرها حمرا قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كَانَ يحرض أَصْحَابه فيقول: شدوا إذا شددتم جميعا، وإذا انصرفتم فأقبلوا معا، وغضوا الأبصار، وأقلوا اللفظ، واعتوروا الأقران، وَلا يؤتين من قبلكم العرب قَالَ: وقتل نهيك بن عزير- من بني الْحَارِث بن عدي وعمرو بن يَزِيدَ من بني ذهل، وسعيد بن عَمْرو- وخرج قيس بن يَزِيدَ وَهُوَ ممن فر إِلَى مُعَاوِيَةَ من علي، فدعا إِلَى المبارزة، فخرج إِلَيْهِ أخوه أَبُو العمرطة بن يَزِيدَ، فتعارفا، فتواقفا وانصرفا إِلَى النَّاسِ، فأخبر كل واحد منهما أنه لقي أخاه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ حُذَيْفَة من آل عَامِر بن جوين الطَّائِيّ، أن طيئا يوم صفين قاتلت قتالا شديدا، فعبيت لَهُمْ جموع كثيرة، فجاءهم حمزة بن مالك الهمداني، فَقَالَ: ممن أنتم، لِلَّهِ أنتم! فقال عبد الله ابن خليفة البولاني- وَكَانَ شيعيا شاعرا خطيبا: نحن طيئ السهل، وطيئالرمل، وطيئ الجبل، الممنوع ذي النخل، نحن حماة الجبلين، إِلَى مَا بين العذيب والعين، نحن طيئ الرماح، وطيئ النطاح، وفرسان الصباح. فَقَالَ حمزة بن مالك: بخ بخ! إنك لحسن الثناء عَلَى قومك، فَقَالَ: إن كنت لم تشعر بنجدة معشر ... فأقدم علينا ويب غيرك تشعر ثُمَّ اقتتل الناس أشد القتال، فأخذ يناديهم ويقول: يَا معشر طيئ، فدى لكم طارفي وتالدي! قاتلوا عَلَى الأحساب، وأخذ يقول: أنا الَّذِي كنت إذا الداعي دعا ... مصمما بالسيف ندبا أروعا فأنزل المستلئم المقنعا ... وأقتل المبالط السميدعا وَقَالَ بشر بن العسوس الطَّائِيّ ثُمَّ الملقطي: يَا طيئ السهول والأجبال ... أَلا انهدوا بالبيض والعوالي وبالكماة مِنْكُمُ الأبطال ... فقارعوا أئمة الجهال السالكين سبل الضلال ففقئت يَوْمَئِذٍ عين ابن العسوس، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: أَلا ليت عيني هَذِهِ مثل هَذِهِ ... فلم أمش فِي الآناس إلا بقائد ويا ليتني لم أبق بعد مطرف ... وسعد وبعد المستنير بن خَالِد فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم ... إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائدويا ليت رجلي ثُمَّ طنت بنصفها ... ويا ليت كفي ثُمَّ طاحت بساعدي قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو الصلت التيمي، قَالَ: حَدَّثَنِي أشياخ محارب أنه كَانَ مِنْهُمْ رجل يقال لَهُ خنثر بن عبيدة بن خَالِدٍ، وَكَانَ من أشجع الناس، فلما اقتتل الناس يوم صفين، جعل يرى أَصْحَابه منهزمين، فأخذ ينادي: يَا معشر قيس، أطاعة الشَّيْطَان آثر عندكم من طاعة الرحمن! الفرار فِيهِ معصية اللَّه سُبْحَانَهُ وسخطه، والصبر فِيهِ طاعة اللَّه ﷿ ورضوانه، فتختارون سخط اللَّه تعالى عَلَى رضوانه، ومعصيته عَلَى طاعته! فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبا لنفسه وقال: لا والت نفس امرى ولى الدبر ... أنا الَّذِي لا ينثني وَلا يفر وَلا يرى مع المعازيل الغدر. فقاتل حتى ارتث: ثم انه خرج مع الخمسمائة الَّذِينَ كَانُوا اعتزلوا مع فروة بن نوفل الأشجعي، فنزلوا بالدسكرة والبندنيجين، فقاتلت النخع يَوْمَئِذٍ قتالا شديدا، فأصيب مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ بكر بن هوذة وحيان بن هوذة وشعيب بن نعيم من بني بكر النخع، وربيعة بن مالك بن وهبيل، وأبي بن قيس أخو عَلْقَمَة بن قيس الفقيه، وقطعت رجل عَلْقَمَة يَوْمَئِذٍ، فكان يقول: مَا أحب أن رجلي أصح مَا كَانَتْ، وإنها لمما أرجو بِهِ حسن الثواب من ربي ﷿ وَقَالَ: لقد كنت أحب أن أَرَى فِي نومي أخي أو بعض إخواني، فرأيت أخي فِي النوم فقلت: يَا أخي، ماذا قدمتم عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لي: إنا التقينا نحن والقوم، فاحتججنا عِنْدَ اللَّه ﷿، فحججناهم، فما سررت منذ عقلت سروري بتلك الرؤياقَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سويد بن حية الأسدي، عن الحضين ابن المنذر، [أن أناسا كَانُوا أتوا عَلِيًّا قبل الوقعة فَقَالُوا لَهُ: إنا لا نرى خَالِد بن المعمر إلا قَدْ كاتب مُعَاوِيَة، وَقَدْ خشينا أن يتابعه فبعث إِلَيْهِ علي وإلى رجال من أشرافنا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا معشر رَبِيعَة، فأنتم أنصاري ومجيبو دعوتي ومن أوثق حي فِي العرب فِي نفسي، وَقَدْ بلغني أن مُعَاوِيَة قَدْ كاتب صاحبكم خَالِد بن المعمر، وَقَدْ أتيت بِهِ، وجمعتكم لأشهدكم عَلَيْهِ ولتسمعوا أَيْضًا مَا أقوله ثُمَّ أقبل عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا خَالِد بن المعمر، إن كَانَ مَا بلغني حقا فإني أشهد اللَّه ومن حضرني مِنَ الْمُسْلِمِينَ أنك آمن حَتَّى تلحق بأرض العراق أو الحجاز أو أرض لا سلطان لمعاوية فِيهَا، وإن كنت مكذوبا عَلَيْك، فإن صدورنا تطمئن إليك فحلف بِاللَّهِ مَا فعل،] وَقَالَ رجال منا كثير: لو كنا نعلم أنه فعل أمثلناه، فَقَالَ شقيق بن ثور السدوسي: مَا وفق خَالِد بن المعمر أن نصر مُعَاوِيَة وأهل الشام عَلَى علي وربيعة، فَقَالَ زياد بن خصفة التيمي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، استوثق من ابن المعمر بالإيمان لا يغدرنك. فاستوثق مِنْهُ، ثُمَّ انصرفنا [فلما كَانَ يوم الخميس انهزم الناس من قبل الميمنة، فجاءنا علي حَتَّى انتهى إلينا وَمَعَهُ بنوه، فنادى بصوت عال جهير، كغير المكترث لما فِيهِ الناس: لمن هَذِهِ الرايات؟ قلنا: رايات رَبِيعَة، فَقَالَ: بل هي رايات اللَّه ﷿، عصم اللَّه أهلها، فصبرهم، وثبت أقدامهم. ثُمَّ قَالَ لي: يَا فتى، أَلا تدني رايتك هَذِهِ ذراعا؟ قلت: نعم وَاللَّهِ وعشرة أذرع، فقمت بِهَا فأدنيتها، حَتَّى قَالَ: إن حسبك مكانك، فثبت حَيْثُ أمرني، واجتمع أَصْحَابي] . قَالَ ابو مخنف: حدثنا ابو الصلت التيمى، قَالَ: سمعت أشياخ الحيمن تيم اللَّه بن ثعلبة يقولون: إن راية رَبِيعَة، أهل كوفتها وبصرتها، كَانَتْ مع خَالِد بن المعمر من أهل الْبَصْرَة قَالَ: وسمعتهم يقولون: ان خالد ابن المعمر وسفيان بن ثور السدوسي اصطلحا عَلَى أن وليا راية بكر بن وائل من أهل الْبَصْرَة الحضين بن المنذر الذهلي، وتنافسا فِي الراية، وقالا: هَذَا فتى منا لَهُ حسب، نجعلها لَهُ حَتَّى نرى من رأينا. ثُمَّ إن عَلِيًّا ولى خَالِد بن المعمر بعد راية رَبِيعَة كلها قَالَ: وضرب مُعَاوِيَة لحمير بسهمهم عَلَى ثلاث قبائل، لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عددا منها يَوْمَئِذٍ: عَلَى رَبِيعَة وهمدان ومذحج، فوقع سهم حمير عَلَى رَبِيعَة، فَقَالَ ذو الكلاع: قبحك اللَّه من سهم! كرهت الضراب! فأقبل ذو الكلاع فِي حمير ومن تعلقها، ومعهم عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ فِي أربعة آلاف من قراء أهل الشام، وعلى ميمنتهم ذو الكلاع، فحملوا عَلَى رَبِيعَة، وهم ميسرة أهل العراق، وفيهم ابن عَبَّاس، وَهُوَ عَلَى الميسرة، فحمل عَلَيْهِم ذو الكلاع وعبيد اللَّه بن عُمَرَ حملة شديدة بخيلهم ورجلهم، فتضعضعت رايات رَبِيعَة إلا قليلا من الأخيار والأبدال قَالَ: ثُمَّ إن أهل الشام انصرفوا، فلم يمكثوا إلا قليلا حَتَّى كروا، وعبيد اللَّه بن عُمَرَ يقول: يَا أهل الشام، إن هَذَا الحي من أهل العراق قتلة عُثْمَان بن عَفَّانَ ﵁، وأنصار عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ، وإن هزمتم هَذِهِ القبيلة أدركتم ثأركم فِي عُثْمَان وهلك عَلِيّ بن أبي طالب وأهل العراق، فشدوا عَلَى الناس شدة، فثبتت لَهُمْ رَبِيعَة، وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء والفشلة، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر مِنْهُمْ والحفاظ، فلم يزولوا، وقاتلوا قتالا شديدا. فلما رَأَى خَالِد بن المعمر ناسا من قومه انصرفوا انصرف، ولما رَأَى أَصْحَاب الرايات قَدْ ثبتوا ورأى قومه قَدْ صبروا رجع وصاح بمن انهزم، وأمرهم بالرجوع،فَقَالَ: من أراد من قومه أن يتهمه، أراد الانصراف فلما رآنا قَدْ ثبتنا رجع إلينا وَقَالَ هُوَ: لما رأيت رجالا منا انهزموا رأيت أن أستقبلهم وأردهم إليكم، وأقبلت إليكم فيمن أطاعني مِنْهُمْ، فَجَاءَ بأمر مشبه قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي رجل من بكر بن وائل، عن محرز بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ العجلي، أن خالدا قَالَ يَوْمَئِذٍ: يَا معشر رَبِيعَة، إن اللَّه ﷿ قَدْ أتى بكل رجل مِنْكُمْ من منبته ومسقط رأسه، فجمعكم فِي هَذَا المكان جمعا لم يجمعكم مثله منذ نشر كم فِي الأرض، فإن تمسكوا بأيديكم، وتنكلوا عن عدوكم، وتزولوا عن مصافكم لا يرض اللَّه فعلكم، وَلا تقدموا مِنَ النَّاسِ صغيرا أو كبيرا إلا يقول: فضحت رَبِيعَة الذمار، وحاصت عن القتال، وأتيت من قبلها العرب، فإياكم ان يتشاءم بكم العرب والمسلمون الْيَوْم وإنكم إن تمضوا مقبلين مقدمين، وتصيروا محتسبين فإن الإقدام لكم عاده، والصبر منكم سجيه، واصبروا ونيتكم صادقه أن تؤجروا، فإن ثواب من نوى مَا عِنْدَ اللَّه شرف الدُّنْيَا وكرامة الآخرة، ولن يضيع اللَّه أجر من أحسن عملا. فقام رجل من ربيعه فَقَالَ: ضاع وَاللَّهِ أمر رَبِيعَة حين جعلت إليك أمورها! تأمرنا أَلا نزول وَلا نحول حَتَّى تقتل أنفسنا، وتسفك دماءنا! أَلا ترى الناس قَدِ انصرف جلهم! فقام إِلَيْهِ رجال من قومه فنهروه وتناولوه بألسنتهم فَقَالَ لَهُمْ خَالِد: أخرجوا هَذَا من بينكم، فإن هَذَا إن بقي فيكمضركم، وإن خرج مِنْكُمْ لم ينقصكم، هَذَا الَّذِي لا ينقص العدد، وَلا يملأ البلد، برحك اللَّه من خطيب قوم كرام! كيف جنبت السداد! واشتد قتال رَبِيعَة وحمير وعبيد اللَّه بن عُمَرَ حَتَّى كثرت بينهم القتلى، فقتل سمير بن الريان بن الْحَارِث العجلي، وَكَانَ من أشد الناس بأسا قَالَ أَبُو مخنف: حدثنى جعفر بن أبي الْقَاسِم العبدي، عن يَزِيد بن عَلْقَمَة، عن زَيْد بن بدر العبدي، أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وَقَدْ عبيت قبائل حمير مع ذي الكلاع- وفيهم عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ- لبكر بن وائل، فقوتلوا قتالا شديدا، خافوا فِيهِ الهلاك. فَقَالَ زياد بن خصفة: يَا عبد القيس، لا بكر بعد الْيَوْم فركبنا الخيول، ثُمَّ مضينا فواقفناهم، فما لبثنا إلا قليلا حَتَّى أصيب ذو الكلاع، وقتل عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَرَ ﵁، فَقَالَتْ همدان: قتله هانئ بن خطاب الأرحبي، وقالت حضر موت: قتله مالك بن عمرو التنعي، وقالت بكر ابن وائل: قتله محرز بن الصحصح من بني عائش بن مالك بن تيم اللَّه بن ثعلبة، وأخذ سيفه ذا الوشاح، فأخذ بِهِ مُعَاوِيَة بالكوفة بكر بن وائل، فَقَالُوا: إنما قتله رجل منا من أهل الْبَصْرَة، يقال لَهُ: محرز بن الصحصح، فبعث إِلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ فأخذ مِنْهُ السيف، وَكَانَ رأس النمر بن قاسط عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو من بني تيم الله بن النمرقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد: الَّذِي قتل عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَرَ ﵁ محرز بن الصحصح، وأخذ سيفه ذا الوشاح، سيف عمر، وفي ذَلِكَ قول كعب بن جعيل التغلبي: أَلا إنما تبكي العيون لفارس ... بصفين أجلت خيله وَهُوَ واقف يبدل من أسماء أسياف وائل ... وَكَانَ فتى لو أخطأته المتالف تركن عُبَيْد اللَّهِ بالقاع مسندا ... تمج دم الخرق العروق الذوارف وَهِيَ أكثر من هَذَا وقتل مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ بشر بن مُرَّةَ بن شُرَحْبِيل، والحارث بن شُرَحْبِيل، وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميمي تحت عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَرَ، ثُمَّ خلف عَلَيْهَا الْحَسَن بن علي. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي ابن أخي غياث بن لقيط البكري أن عَلِيًّا حَيْثُ انتهى إِلَى رَبِيعَة، تبارت رَبِيعَة بينها، فَقَالُوا: ان اصيب على فيكم وقد ألجأ إِلَى رايتكم افتضحتم وَقَالَ لَهُمْ شقيق بن ثور: يَا معشر رَبِيعَة، لا عذر لكم فِي العرب إن وصل إِلَى علي فيكم وفيكم رجل حي، وإن منعتموه فمجد الحياة اكتسبتموه فقاتلوا قتالا شديدا حين جاءهم علي لم يكونوا قاتلوا مثله، ففي ذَلِكَ قَالَ علي: لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين تقدما يقدمها فِي الموت حَتَّى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا ... بأسيافنا حَتَّى تولى وأحجما جزى اللَّه قوما صابروا فِي لقائهم ... لدى الموت قوما ما اعف وأكرما!واطيب اخبارا وأكرم شيمة ... إذا كَانَ أصوات الرجال تغمغما رَبِيعَة أعني أَنَّهُمْ أهل نجدة ... وبأس إذا لاقوا جسيما عرمرما
Parsing and provenance details
Local passage ID
249103
Book record
shamela-9783
Source record
338373
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
الجد فِي الحرب والقتال — shamela-9783 · Hadith Research Library