page 1064, entry [1028]Open original source
٩٥٨ - شريك بن عبد الله القاضى أبو عبد الله، النّخعىّ الكوفىّ (¬**) أحد الأئمّة الأعلام، ممّن صحب الإمام الأعظم، وأخذ عنه، وانتفع به.وكان يقول: أبو حنيفة كبير (¬١) العقل. حدّث عن أبى صخرة جامع بن شدّاد، وجامع بن أبى راشد، وسماك بن حرب، وغيرهم. وعنه أبان بن تغلب، ومحمد بن إسحاق، وهما من شيوخه، ومن المتأخّرين: قتيبة، وعلى بن حجر، وإسحاق بن أبى إسرائيل، وأبو بكر بن أبى شيبة، وغيرهم. وذكر إسحاق الأزرق، أنّه أخذ عنه تسعة آلاف حديث. وقال ابن المبارك: هو أعلم بحديث أهل بلده من سفيان. وقال النّسائىّ: ليس به بأس. وقال عيسى بن يونس: ما رأيت أحدا قطّ أورع فى علمه من شريك. وقال أبو إسحاق الجوزجانىّ: كان شريك سيّئ الحفظ. قال الذّهبىّ، بعد نقل كلام أبى إسحاق هذا: قلت كان شريك حسن الحديث، إماما فقيها، ومحدّثا مكثرا، ليس هو فى الإتقان كحمّاد بن زيد، وقد استشهد به البخارىّ وخرّج له مسلم متابعة، ووثّقه يحيى بن معين. مات فى ذى القعدة، سنة سبع وسبعين ومائة، وله اثنان وثمانون سنة. انتهى. قال فى «الجواهر»: ولى القضاء بواسط، سنة خمسين/ومائة، ثم ولى الكوفة بعد ذلك، ومات بها، رحمه الله تعالى. انتهى. وروى عن شريك أنّه قال: كنت أضرب اللّبن بالكوفة، وأشترى دفاتر أكتب فيها العلم.*وروى أنّه لما ولى القضاء أكره على ذلك، وأقعد معه جماعة من الشرط، ثم طاب من نفسه فقعد وحده، وبلغ سفيان الثّورىّ فجاء (¬١) وتراءى له، فلما رآه شريك قام إليه وأكرمه وعظّمه، وقال: يا أبا عبد الله، هل من حاجة؟ قال: نعم، مسألة. قال: أو ليس عندك من العلم ما يكفيك؟ قال أحببت أن أذكّرك فيها. قال: قل. قال: ما تقول فى امرأة جاءت فجلست فى باب رجل، ففتح الرجل الباب واحتملها فأدخلها وفجر بها، على من يجب الحدّ منهما، فقال: على الرجل دونها. قال: ولم؟ قال: لأنّها مكرهة. قال: فلما كان من الغد، جاءت فتزيّنت، وتطيّبت، وجلست على الباب، ففتح الرجل الباب، فدخلت وفجر بها، على من يجب الحدّ؟ قال: عليهما جميعا. قال: ولم؟ قال: لأنّها جاءت بنفسها وقد عرفت الخبر بالأمس. قال: فأنت كذا، كان عذرك واضحا حيث كان الشّرط يحفظونك بالأمس، أىّ عذر بك اليوم؟ فقال: يا أبا عبد الله، اسمع أكلّمك. فقال سفيان: ما كان الله ليرانى أكلّمك أو تتوب. فلم يكلّمه حتى مات. وكان سفيان، ﵀، يقول: أىّ رجل هو لو لم يفسدوه. وروى أنّ الخيزران لمّا حجّت، وهو قاض على الكوفة، فخرج يتلقّاها، فأبطت عليه، فأقام بمكان يقال له شاهى (¬٢)، فيبس خبزه، فجعل يبلّه بالماء ويأكله، فقال العلاء بن المنهال (¬٣): فإن كان الذى قد قلت حقّا … بأن قد أكرهوك على القضاء فمالك ههنا فى كلّ يوم … تلقّى من يحجّ من النّساء مقيما فى قرى شاهى ثلاثا … بلا زاد سوى كسر وماء وقال شريك مرّة لبعض أصحابه: أكرهت على القضاء. فقال له: أفأكرهت على أخذ الرّزق؟ وروى أنّه كان لا يجلس للقضاء حتى يتغذّى، ثم يأتى المسجد فيصلّى ركعتين، ثم يخرج من جيبه رقعة ينظر فيها، وفيها مكتوب: ويحك يا شريك، اذكر الصّراط ودقّته، والوقوف بين يدى الله تعالى.وعن عمر بن الهيّاج، قال: كنت فى صحابة شريك، فأتيته يوما، فخرج إلىّ فى فرو وليس تحته شئ وعليه كساء، فقلت له: قد أصبحت راغبا عن مجلس الحكم. فقال: غسلت أمس ثيابى، فلم تجفّ، وأنا منتظر جفافها، اجلس. قال: فجلست نتذاكر باب العبد يتزوّج بغير إذن مولاه ما تقول فيه، وكانت الخيزران قد وجّهت على الطّراز رجلا نصرانيّا، وكتبت إلى موسى بن عيسى: لا تعص له أمرا. فكان مطاعا بالكوفة، وإذا بالنّصرانىّ قد خرج من زقاق وبين يديه أعوانه، وعليه جبّة خزّ وطيلسان خزّ، وهو على برذون فاره بين يديه رجل مكتوف، وهو يصيح: وا غوثاه، أنا رجل مسلم، أنا بالله وبالقاضى. فصاح شريك بالنّصرانىّ: دعه. فنزل، وجاء فجلس إلى شريك، فقال شريك للمسلم: ما الذى بك؟ فقال أنا رجل أعمل الوشى، وكراء مثلى فى الشهر مائة درهم، أخذنى هذا فحبسنى أربعة أشهر فى طراز، وقد ضاع عيالى، ولم يعطنى شيئا، وطلبت اليوم أجرتى منه، فمدّنى وضربنى. وكشف عن ظهره، فإذا فيه آثار السّياط، فقال شريك للنّصرانىّ: قم فاجلس مع خصمك. فقال: يا أبا عبد الله، أصلحك الله، أنا خادم السّيّدة،/مر به إلى الحبس. فقال له: قم ويلك، فاجلس مع خصمك. فقام، فجلس معه، فقال شريك: ما هذه الآثار التى فى ظهره؟ فقال: أنا ضربته بيدى. فألقى شريك كساءه، ودخل داره، فأخرج سوطا زنديّا، ثمّ ضرب بيده إلى مجامع ثوب النّصرانىّ، فألقاه، ثم جعل يضربه، ويقول: والله لا ضربت بعدها مسلما. فهمّ أعوانه أن يخلّصوه، فقال شريك: من ههنا من صبيان الحىّ، خذوا هؤلاء إلى الحبس. فهربوا والنصرانىّ يبكى ويعصر عينيه، والسّوط يأخذه، ويقول له: يا ملعون. والنصرانىّ يقول: ستعلم. ثم ألقى السّوط من يده فى الدّهليز، وقال: يا أبا حفص، خذ فيما كنّا فيه، ما تقول فى العبد يتزوّج بغير إذن مولاه. كأنّه لم يصنع شيئا، فقام النصرانىّ إلى برذونه ليركبه، فاستعصى عليه، ولم يكن له أحد يأخذ بركابه، فجعل يضربه، وشريك يقول له: ويحك، ارفق به، فإنّه أطوع لله منك. فقلت له: سيكون لهذا عاقبة مكروهة. فقال: أعزّ أمر الله يعزّك الله. ودخل النّصرانىّ على موسى بن عيسى، فقال: من فعل بك هذا؟ فقال: شريك. فقال: لا والله، مالى على شريك اعتراض، ولا أتعرّض له بشئ. ومضى النّصرانىّ من فوره ذلك إلى بغداد؛ ولم يعد. قلت: هكذا كانت أحكام شريك وتصلّبه فى دين الله تعالى، وعدم مبالاته بأحد بعد ظهور الحق، ولو حصل له ما حصل، ومع ذلك فقد لامه أصحابه، وعتبوا عليه، وهجروه لكونه قبل القضاء، ودخل فيه، ورضى به آخرا بعد الإكراه، فكيف لو رأواقضاة زمننا هذا، وتهافتهم على طلب القضاء، ورغبتهم فيه، وتنافسهم فى تحصيله، واتّخاذهم إيّاه حرفة يتكسّبون بها أغراض الدنيا، ويحصّلون أموال الناس من أىّ وجه كان، لا يبالى أحدهم بدينه إذا حصلت دنياه، ولا بآخرته إذا عمرت بالمال اولاه، ويتردّدون إلى أبواب الظّلمة الجهّال، ويبذلون لهم كرائم الأموال، فيرشون ويرتشون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ***