page 6166, entry [2728]Open original source
عَبْد الله بن عُثْمان بن جَعْفَر بن مُحَمَّد اليُوْنِيْنيُّ الزَّاهِدُ، أسَدُ الشَّام " قال ابنُ العَدِيْم في تاريخ حَلَب: أخْبَرني الفَقِيهُ مُحَمَّد اليُوْنِيْنيّ أنَّ الشَّيْخَ عَبْد كان يُصَلي بعد العِشَاء الآخرة وِرْدًا إلى قَرِيب ثُلُث اللَّيْل، فَكان ليْلةً يُعاتِبْ رَبّه ﷿، وَيَقُولُ: يا ربّ، النَّاسُ ما يأتُوني إِلَّا لأجْلِكَ، وأنا قد سألتكَ في المَرْأة الفُلَانيَّة والرَّجُل الفُلَانيّ أنْ تقضي صاجَته، وما قَضَيْتها، فهكَذا يكُون؟ وكان يتمثَّل بهده الأبيات كثيرًا ويَبِكِي: [من الطويل] شَفِيْعي إليكُمُ طُولُ شَوْقي إليكُم … وكُلُّ كَريمٍ للشَّفِيع قبُولُ وعُذْري إليكم أننَّي في هَوَاكُم … أسِيرٌ ومأْسُورُ الغَرَام ذَليلُ فإنْ تقبلُوا عُذْري فأهْلًا ومَرْحبًا … وإنْ لم تُجيبوا فالمُحِبُّ حَمُولُ سأصْبرُ لَا عنكُم ولكن عَليكُمُ … عَسَى لي إلى ذاكَ الجنَابِ وُصُولُ" (¬٢) === " قال الصَّاحِبُ أَبُو القَاسِم: وقد صَحبتُهُ ووَهَب لي قَمِيْصًا له أزْرَق، وَقال لي يَوْمًا ببَيْتِ المقدِس: يا أَبَا القَاسِم، اعْشَقْ تَفْلح! فاسْتَحْيَيتُ، وَذَلِكَ في سَنَة ثلاثٍ وستِّمِائة، وعُدْتُ مع والدِي. ثُمَّ بعد مُدَّة سارَّني بجامع دِمَشْق، وَقال: عَشِقتَ بَعْدُ؟ فَقُلْتُ: لَا، قال: شُهْ عليكَ! واتَّفق أنِّي تزوَّجتُ بعد ذاك بسَنَة، ومِلْتُ إلى الزَّوْجَة مَيْلًا عَظِيمًا، فما كُنْتُ أصْبِرُ عنها" (¬١). "قال ابنُ العزِّ عُمَر: قَرأتُ في تاريخ ابن العَدِيْم، بغير خَطِّهِ، قال سيِّدنا العَلَّامَة أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أبي الحُسَين اليُوْنِيْنيّ: كُنْتُ عند الشّيْخ يَوْمًا، فجاءَهُ رَجُلان من العَرَب، فقالا: نَطْلع إليك؟ قال: لَا، فذَهَب أحدُهما وجَلَس الآخرُ، فَقال الشَّيْخ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (¬٢)، ثُمّ قال لَهُ: اطْلع. وطَلع، فأقامَ عندنا أيَّامًا، فقال لَهُ الشَّيْخُ: تُحبّ أنْ أُربك قبركَ؟ قال: نَعَم، فأتَى بِهِ المقبرة، فَقال: هَذَا قبركَ! فأقام بعد ذَلِكَ اثْنى عَشر يَوْمًا، أو أرْبَعة عشر يَوْمًا، ثُمَّ مات، فدُفِنَ في ذَلِكَ المكان! وَكان لَهُ زَوْجَة ولها بنْت، فطَلبتُ أنْ يُزَوِّجَني بها، فتَوَقَّفت أُمُّها، وقالت: هَذَا فَقِيرٌ ما لَهُ شيء. فَقال: واللهِ إنّي أرَى دَارًا قد بُنِيَتْ لَهُ، وفيها ماءٌ جارٍ، وابْنَتك عنده في الإيْوان، ولهُ كِفَايةٌ عَلَى الدَّوام، فَقالتْ: تَرَى هَذَا؟ قال لها: نعم. فزَوَّجَتْنيها، ورَأت ذلكَ، وأقامَت معي سِنين، وذلك سَنَة مُحاصَرَة المَلِك العَادِل سِنْجَار. وكانت امْرَأة بعد مَوْتها تَطْلب زَواجِي، وتشَفَّعَت بزَوْجةِ الشَّيْخ، فلمَّا أكْثرت علَيَّ، شَكَوْتُها إلى الشَّيْخ، فقال: طَوِّلْ رُوحك يَوْمين، ثلاثة، ما تَعُود === ترَاها. قال: فقَدِمَ ابنُ عمِّها من مِصْر؛ أمِيرٌ كَبِيرٌ، بعد أيَّام، فتَزَوَّجَ بها، وما عُدْتُ رَأيتْهُا. وكَرامَاتُه في هذا كَثِير" (¬١). "كَتَبَ الفَقِيهُ تحت هَذَا الكلام: صَحِيحٌ ذلك، كَتَبَهُ مُحَمَّد بن أبي الحُسَين اليُونيْنيّ" (¬٢). "وقال أبو القَاسِم بن العَدِيْم: تُوفِّي في عَشْر ذي الحِجِّة، وهو صَائمٌ، وقد جاوزَ الثَّمانين. فقال لي الفَقِيهُ مُحَمَّد: كُنْتُ عندَ الشّيْخ، فالْتَفَتَ إلى دَاوُد المُؤذِّن، فَقال: وَصِيَّتك بي غَدًا، فظَنَّ المُؤذِّنُ أنَّهُ يُريد يَوْم القِيامَة، وَكان ذلك يَوْم الجُمُعَة، وهو صائِمٌ، فلما جاءَ وَقْت الإفْطار قال لجارِيتهِ: يا دَرَّاجِ، أجِدُ عَطَشًا، فسَقَتهُ ماءَ لينُوفَر، فباتَ تلكَ اللَّيْلة، وأصْبَحَ وجَلَسَ على حَجَرٍ، موضع قُبِرَ، مُسْتَقبلٌ القِبْلَة، فماتَ وهو جالِسٌ، ولم يُعْلَم بمَوْته، حَتَّى حرَّكُوه، فوَجَدُوه مَيِّتًا، فجاءَ ذلكَ المُؤذِّن وغَسَّلَهُ، ﵀" (¬٣). "قال: وأخْبَرني القاضِي شَمْسُ الدِّين عَبْد الله الحَنَفيّ النَّائِب بدِمَشْق، قال: حَكَى رجُلٌ من الفُقَرَاء كان قد صَحبَ الشَّيْخ عَبْد الله اليُونيْنيّ، وكان في صِبَاه حَمَّاميًّا، قال: دَعَتني نَفْسِي إلى مُعاشَرة النِّسَاء، فبينا أنا عندَ امْرَأة، وإذا زَوْجها قد جاءَ، فدَقَّ الباب، فحِرْتُ، وكان بيَتْها صَغِيرًا، فصَعدتُ السَّطْحَ، فدَخَلَ زَوْجها، فرَآها مُتَغيِّرة، فقال: ما لك؟ قالت: لا شيء. فارْتابَ، وصَعِدَ السَّطْح، قال: ونَظَرتُ واللهِ إلى عِمَامَتهِ وهو في السُّلَّم صَاعد، فقُلْتُ: يا سَيِّدي الشَّيْخ === عَبْد الله، أنا في حَسْبِكَ. فطلع! فلَم يَرَني، ونَزَل، وبَقِي في بَيْتهِ سَاعة، وخَرَجَ، فنَزَلتُ، ومَضَيْتُ إلى الشَّيْخ، فقال: وَيْلك يا مُدْبِر! تَتَستّرُ بنا، وتَسْتَعين بنا على المعاصِي؟! وكان رَحِمَهُ [اللهُ] شَيْخًا طُوَالًا، مُهَابًا، كأنَّهُ نارٌ، وكان يَقُوم نِصْف اللَّيْل إلى الفُقَرَاء، فمن رآه نائمًا ضَرَبهُ، وكان له عَصاة اسْمها: العافِيَة. وكان شُجاعًا في اللهِ، وباللهِ، كَثيرَ الأذْكار والحضُور، يَغارُ ممَّن يَذْكُر اسْم الجبَّار بغير اسْتِحضار، وله هَيْبَةٌ على المشايخ والفُقَرَاء، لا يَسْطِيع الإنْسَان أنْ يُطِيل النَّظَر إليه، وكان لا تأخُذه في اللهِ لوْمة لائم" (¬١).