page 5859, entry [2296]Open original source
أبو القَاسِم الأفْطَسِيُّ العَلَويُّ (¬١) شَرِيْفٌ، فَاضِلٌ، شَاعِرٌ، أدِيبٌ، كان بحَلَب في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة، واسْمُه أحْمَد بنُ الحُسَين بن عليّ بن مُحَمَّد، وقد ذَكَرْناهُ في الأسْماءِ (¬٢)، ونَذكُر هَا هُنا شَيئًا من خَبَره لشُهْرته بالكُنْيَةِ. قَرَأتُ في كتاب التَّاريِخ المُجَدَّد (¬٣)، تأليفُ أبي الحُسَيْن (c) مُحَمَّد بن العبَّاس بن مُحَمَّد بن الحَسَن الكَتَّانِيّ الدِّمَشقيّ، قال: كان أبو القَاسِم الأفْطَسِيُّ من فِتْيَانِ آل أبي طَالِب على تَكَهلِه، وظِرَافهم على قِلَّةِ حَالهِ، له لسَانٌ وهِمَّة وعَارضَة، ومَحبَّةٌ للأدَب وأهْلِهِ. وقَصَدَ كَافُورًا فأحْسَنَ إليه بعد وَفَاةِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وأقامَ بمِصْر إلى الوَقْتِ الّذي خَرَجَ فيه مع تبر (¬٤). وكانت المَوَدَّة بيني وبينَهُ انْتَسَجَتْ، والحالُ وشجَتْ في آخر أيَّام سَيْفِ الدَّوْلَةِ في نَوَاحِيهِ، وكُنْتُ أتفَقَّدُه وهو مُعْتَقلٌ بحَلَب، ولا يَجْسُر أحدٌ على ذلك، فرَاعَى ذلك وشَكَرَهُ، وقوَّى ما بَيْننا وأكَّدَهُ، وكان كَثِيْر الجنَايَاتِعلى سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وحتى أنَّهُ من أقْوَى الأسْبَابِ كان في أمْر ابن الأهْوَازِيّ ورَشِيْق النَّسِيمِيّ، ودِزْبَر الدَّيْلَمِيّ، الخَوَارِج عليه (¬١)، فأسْخَطَهُ ذلك، وكان سَبَبُ اعْتِقَالهِ بعدَ ظَفَره بهم. ومن جُرْأتِهِ عليه وطَرَائفهِ معه ما حَدَّثَني به أبو القَاسِم، قال: اجْتَمَعتُ يَوْمًا مع القُنَّائِيّ الكَاتِب بأنْطَاكِيَةَ، فذَكَرَ فَضَائِلَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وأطْرَاهُ، ووَصَفَ شَجَاعتَهُ وفرُوسِيَّته، وسَخَاءَهُ وفَهْمَهُ وعِلْمَهُ، فقُلتُ: أنا أفْضُلُهُ في هذه الخَلَّالِ كُلِّها، وأزيدُ عليه بالشَّرَف، فأنا خَيْرٌ منه من كُلِّ وَجْهٍ! فَمَضَى القُنَّائيّ، فَحَكَى ذلك له. وجِئْتُه بعد يَوْمٍ، فلَّمَا رآني قال للحَاجِب، وهو يَنْظُر إليَّ: أحْضر القُنَّائيّ، فقُلتُ: ولِمَ أَيُّهَا الأمِير؟ قال: ليُعِيْدَ بحَضْرتك كَلَامًا أعادَهُ عليَّ عنكَ، فقُلتُ: ما تَحْتاجُ إليهِ، أنا أذْكُرَه لك! فقال: هَاتِهِ، فأعَدْتُ عليه القَوْلَ من غير زِيَادَةٍ ولا نَقْصٍ، فقال: وما حَمَلَك على هذا؟ فقُلْتُ: غلَطٌ لَم يَضْرُرْكَ اللَّهُ بهِ ولَم يَنْفَعْنِي. فضَحِكَ، وقال: اللَّه حَسِيْبُكَ. وحَدَّثَنِي أيضًا قال: اضْطُرِرتُ في خَرَاج كان عليَّ بحَارِم، وسُبِّبَ به لقَوْمٍ آذَوْني إلى أنْ بعْتُ حُلِيَّ بعض بَنَاتي وأدَّيْتُ الخَرَاج، ورَكبتُ بعد يَوْم أو يَوْمَيْن فاجْتَمعْتُ مع جَمَاعَةٍ من الأشْرَافِ والكُتَّابِ في طَرِيق المَيْدَان بحَلَب، فاجْتازَ بنا بَدَوِيٌّ قد خَلَعَ عليه سَيْفُ الدَّوْلَةِ وطَوَّقهُ بطَوْق ذَهَبٍ، فقُلْتُ لمَنْ كان معي: أُريكم حُلِيَّ ابْنَتِي؟ ها هو ذا؛ طَوْقٌ في عُنُق هذا البَدَوِيّ، قد أخَذَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ من غير حَقِّهِ، وصَرَفَهُ في غير وَجْهِهِ، فنَقلَ بعْضُهُم هذا القَوْل إليه، فرَدَّ عليَّ الخَرَاج الّذي كُنْتُ أدَّيْتُه.وكان سَيْفُ الدَّوْلَةِ قبْل مَوْتهِ بأيَّامٍ أطْلَقَهُ، وفَكَّ قَيْدَهُ، وخَلَعَ عليه، وأطْلَقَ له أُلُوْفَ دَرَاهِم، واسْتَحَلَّهُ فأحَلَّهُ، واتَّفَقَ أنَّهُ حَضَر وَفاتَهُ، فتَوَلَّى هو الصَّلاةُ عليهِ.