page 3593, entry [1228]Open original source
حَفْص الأُمَوِيُّ (¬١) شَاعِرٌ مُجِيْدٌ مَشْهُورٌ من شُعَرَاء بَنِي أُمَيَّةَ، قَدِمَ الرُّصَافَة على هِشَام بن عَبْد المَلِك، ومَدَحَهُ، واسْتَخَصَّهُ هشَام، وكان يَهْجُو بني هاشِم، وبقي حتَّى أدْرَك دَوْلتهم، ولحق بعَبْدِ اللّه بن عليَّ، فاسْتَأمَن إليهِ، فآمنَهُ بعد أنْ هَجَا بَنِي أُمَيَّة. كَتَبَ إلينا أبو رَوْح عَبْدُ المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الهَرَويّ منها، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بنُ أحْمَد البُنْدَار إذْنًا، قال: أنبأنَا أبو أحْمَد عَبْدُ اللّه بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن أبي مُسْلِم المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ إجَازَةً، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاسِ مُحَمَّد بن يَزِيد المُبَرَّد (¬٢)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن سُفْيان الزِّيَادِيّ، قال: كان حَفْصٌ الأُمَوِيُّهَجَّاءً لبني هاشِم، فطَلَبَهُ عَبْدُ اللّه بن عليّ، فلَم يَقْدر عليه، ثمّ جاءَهُ فقال: عَائِذٌ بالأَمِير منه، قال: ومَنْ أنتَ؟ قال: حَفْصٌ الأُمَوِيُّ، فقال: ألسْتَ الهَجَّاءَ لبني هاشمٍ؟ قال: أنا الّذي أقُول أعَزَّ الله الأَمِير: [من المتقارب] وكانت أُمَيَّة في مُلْكها … تَجُور وتُكْثِر عُدْوَانَهَا فلمَّا رَأى اللّهُ أنْ قد طَغَتْ … ولم يُطِق النَّاسُ طُغْيَانَهَا رَماهَا بسَفَّاحَ آلِ الرَّسُول … فجَذَّ بكَفَّيْهِ أعْيَانَهَا ولو آمَنَتْ قَبْلَ وَقْعِ العَذَابِ … لقد قَبِلَ اللهُ إيْمانَهَا فقال: اجْلِسْ، فجَلَسَ فتغدَّى بينَ يَدَيْهِ، ثمّ دَعَا خَادِمًا له فسَارَّهُ بشيءٍ، ففَزِعَ حَفْصٌ، وقال: أيُّها الأَمِيرُ، قد تَحَرَّمْتُ بكَ وبطَعَامكَ، وفي أقلّ من هذا كانت العَرَبُ تَهَبُ الدِّماءَ، فقال: ليسَ ما ظَنَنْتَ، فجاءَ الخَادِمُ بخَسْمائة دِيْنارٍ، فقال: خُذْها ولا تَقْطَعْنا واصْلِح ما شَعَّثْتَ منَّا. وحَكَى عِيسَى بن لَهِيْعَة بن عِيسَى بن لَهِيْعَة بن عُقْبَة الحَضْرَميّ المِصْرِيّ، عن خَالِد بن كُلْثُوم، عن عَوَانَة بن الحَكَم، ومُحَمَّد بن السَّائِب الكَلْبيَّيْن، قالا: قال هِشَامٌ يَوْمًا لجُلَسَائهِ وقُوَّامهِ على خَيْلِهِ: كم أكْثر ما ضُمَّت عليه حَلْبة من الخَيْل في إسْلَام أو جَاهِلِيَّةٍ؟ فقيل له: ألْف فَرَسٍ، وقيل: ألفان، فأمَرَ أنْ يُؤَذَّن النَّاس بحلَبةِ أرْبَعة آلاف فَرَس، فقيل له: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، يَحْطِمُ بعضُها بعضًا، فلا تتَّسع لها طَريق! فقال: نُطْلقها ونتَوَكَّل على اللّه، واللّه الصَّانِعُ، فجَعَل الغاية (a) خَمْسِين ومائة غَلْوِةِ، والقَصَب مائة، والمُقَوَّس ستّة أسْهُمٍ، وقادَ إليهِ النَّاسُ من كُلَّ أَوْبٍ، ثمّ بَرَزَ هِشَامٌ إلى دَهْنَاءَ الرُّصَافَة قُبَيْل الحَلْبَة بأيَّام، فأصْلَح طَريقًا وَاسِعًا لا يَضِيق بها، فلمَّا أُرْسلَت يَوْم الحَلْبَة بينَ يَدَيْهِ، وكان يَنْظُر إليها تَدُور حتَّى تَرْجع، فجَعَل النَّاسُيتراؤونها حتَّى أقْبل الذَّائِدُ (a) كأنَّهُ رِيْحٌ لا يتَعَلَّق بهِ شيء حتَّى دَخَلِ سَابِقًا وأخَذَ القَصَبة، ثمّ جاءت الخَيْل بعد لأي أفْذَاذًا وأفْوَاجًا، ووثَبَ الرُّجَّاز يَرْتَجزُونَ منهم المَادِح للذَّائِد، ومنهم المَادِح لفَرَسه، ومنهم المَادح لخَيْل قَوْمه، فوَثَبَ مَوْلاهُم حَفْص الأُمَوِيّ فقام مُرْتَجزًا يقُول (¬١): [من الرجز] إنّ الجَوَادَ السَّابِقَ الإمَامُ … خَلِيفَةُ اللّه الرِّضَا الهُمَامُ أَنجَبَهُ السَّوابقُ الكِرَامُ … من مُنْجِباتٍ ما بهنَّ (b) ذَامُ كَرَائمٌ يُجْلَى بها الظَّلَامُ … أمُّ هِشَام جَدُّهما القَمْقَامُ وعَائشٌ تَسْمُو بها الأقْوَامُ … خَلَائفٌ من نَجْلها أعْلَامُ إنَّ هِشَامًا جدَّهُ هِشَامُ … مُقابِلٌ مُدَابِرٌ هَضَّامُ جَرَى بهِ الأخْوَال والأَعْمَامُ … نَجْلٌ لنَجْلٍ (c) كُلُّهُم قُدَّامُ سَنُّوا السَّبْق وما اسْتَنامُوا (d) … حتَّى اسْتَقَامت (e) حَيْثُ ما اسْتَقَامُوا وأَحْرَزَ المَجْد الّذي أقامُوا … أَطْلَقَ وهو يَفَعٌ غُلَامُ في حَلْبَةٍ تَمَّ لها التَّمَامُ … من آل فِهْرٍ وهُمُ السَّنَامُ فبَذَّهُم (f) سَبْقًا وما ألامُوا … كذلكَ الذَّائِد (g) يَوْم قَامُوا أَتَى ببَدْءِ الخَيْل ما يُرَامُ … مُجلِيًا كأنَّهُ حُسَامُ سَبَّاق غَايَاتٍ لها ضِرَامُ … لا يقبَلُ العَفْو ولا يُضَامُ وَيْلُ الجِيَادِ منه ماذا رَامُوا … سَهْمٌ تَعِزُّ دُوْنَهُ السِّهامُ فأعْطَاهُ هِشَامٌ يَوْمئذٍ ثلاثة آلاف دِرْهَم، وخَلَعَ عليه ثَلاثَ حُلَل من جَيِّدِ وَشْي اليَمَن، وحَمَلَهُ على فَرَسٍ له من خَيْلهِ السَّوَابق، وانْصَرَف معهُ يُنْشدهُ هذا الرَّجَزَحتَّى قَعَدَ في مَجْلسه وأَخذهُ (a) بمُلَازمَتهِ، فكان أثِيْرًا عنده، وأعْطَى (b) أصْحَابَ الخَيْل المُقَصِّبَة (¬١) يَوْمئذٍ عَطَايَا كَثِيْرة، فقال الكَلْبيُّ: لا نَعْلَم لتلك الحَلْبة نَظِيرًا في الحَلَائِب.