Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

إسْحَاقُ بن إبْراهيم بن مَيْمُون بن مَاهَان بن بَهْمَن التَّمِيْمِيُّ، مَوْلاهُم، أبو مُحَمَّد المَعْرُوف أبُوه بإبْراهيم المَوْصِلِيُّ

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 1710, entry [630]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

Open narrator profile: إسْحَاقُ بن إبْراهيم بن مَيْمُون بن مَاهَان بن بَهْمَن التَّمِيْمِيُّ، مَوْلاهُم، أبو مُحَمَّد المَعْرُوف أبُوه بإبْراهيم المَوْصِلِيُّ
page 1710, entry [630]Open original source
إسْحَاقُ بن إبْراهيم بن مَيْمُون بن مَاهَان بن بَهْمَن التَّمِيْمِيُّ، مَوْلاهُم، أبو مُحَمَّد المَعْرُوف أبُوه بإبْراهيم المَوْصِلِيُّ (¬١) قَدِمَ حلَبَ صُحْبَة الرَّشِيْد حينَ قَدِمَها، ثمّ قَدِمَها صُحْبَةَ ابنهِ عَبْد الله المَأْمُون. وكان أَدِيْبًا فَاضِلًا شَاعِرًا كَرِيْمًا، حَاذقًا بالغِنَاء وصَنْعَتهِ، وَجِيْهًا عند الخُلَفَاء. أخَذَ الأدَب عن أبي سَعيد الأصْمَعِيِّ، وأبي عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، ووَكِيع ابن الجَرَّاح، وعَبد الرَّزَّاق بن هَمَّام، وأبي تُمَيْلَة، وسَمِعَ مَالِك بن أنَسَ، وسُفْيان ابن عُيَيْنَة، وأبا مُعاوِيَة الضَّرِيْر، وهُشَيْم بن بشِير، والهَيْثَم بن عَدِيّ، وبَقيَّة بن الوَلِيد الحِمْصِيّ، ورَوْح بن عُبَادَة، والحَارِث بن قَيْسِ، وأبا مِسْكِين، وعليّ بن إسْحاق، وسَعْدَ بن مُسلِم، والحَسَن بن عُتْبَة اللَّهَبيِّ، ومُصْعبَ بن عَبْد الله الزُّبَيْرِيّ، وشَدَّاد بن عُقْبَة، وأبا مُحَمَّد يَحْيَى بن المُبارَك اليَزِيْدِيّ، وأبا عَبْد الله أحْمَد بن أبي دُؤَاد القَاضِي.رَوَى عنهُ شَيْخُهُ أبو سَعيد الأصْمَعِيّ، والزُّبَيْر بن بَكَّار، وأبو خَالِد يَزِيد بن مُحَمَّد المُهَلَّبيّ، وابنُهُ حَمَّاد بن إسْحاق بن إبْراهيم، وأبو العَيْنَاءِ مُحَمَّد بن القَاسِم بن خَلَّاد، وعليّ بن يَحْيَى المُنَجِّم، ومَيْمُون بن هَارُون الكَاتِب، والحُسَين بن يَحْيَى الكاتِب، وأحمد بن القَاسِم الهاشِميّ، ومُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن مالك، وأبو الفَضْل العبَّاس بن الفَضْل الرَّبَعيِّ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحسُين بن عَبْد الله بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح سَعيد ابن إبْراهيم بن أحْمَد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن القَاسِم بن إبْراهيم المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين أحْمَد بن فَارِس بن زَكَرِيَّاء اللُّغَويّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عَبْد الله الدُّوْرِيّ بمَدِينَة السَّلام، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحَسَن بن الهَيْثَم، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن عليّ المِرْدَاسِيِّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن إسْحاق بن إبْراهيِم المَوْصِلِيّ، قال: قال لي أبي: قُلتُ ليَحْيَى بن خَالِد: أُرِيْدُ أنْ تُكَلِّم لي سُفْيان بن عُيَيْنَة ليُحَدِّثني بأحَادِيْث، فقال: نَعَم، إذا جاء فأَذْكِرْني، قال: فجاءَهُ سُفْيان، فلمَّا جَلَسَ أَوْمَأْتُ إلى يَحْيَى، فقال: يا أبا مُحَمَّد، إسْحاق بن إبْراهيم من أهْل العِلْمِ والأدَب، وهو مُكْرَهٌ على ما تَعَلَّمه منه! فقال سُفْيان: ما تُريْد بهذا الكَلَام؟ فقال: تُحَدِّثهُ بأحَادِيْث، قال: أكْرَهُ ذلك، فقال يَحْيَى: أقْسَمْتُ عليك ألَّا فَعَلْت، فقال: نعم، فليُبَكِّر إليَّ. قال: فقُلْتُ ليَحْيَى: افْرض لي عليهِ شيئًا، فقال له: يا أبا مُحَمَّد، افْرض له شيئًا، قال: نعم قد جَعَلْتُ له خَمْسَة أحَادِيْث، قال: زِدْهُ، قال قد جَعَلْتُها سَبْعَةً، قال: هل لك أنْ تَجْعلَها عَشرةً، قال: نعم. قال إسْحاقُ: فبَكَّرْتُ إليه واسْتَأذَنْتُ ودَخَلْتُ، فجلَسْتُ بينَ يَدَيْه، وأخْرج كتابَهُ فأمْلَى عليَّ عَشرة أحَادِيْث، فلمَّا فَرَغَ قُلْتُ لهُ: يا أبا مُحَمَّد، إنَّ المُحَدِّث يَسْهُو، ويَغْفُل، والمُحَدَّثُ أيضًا كذلك، فإنْ رأيتَ أنْ أقرأ عليكَ ما سَمِعتُهُ منكَ، قال: إقْرأ فَديتُكَ، فقَرَأتُ عليه وقُلْتُ له أيْضًا: إنَّالقَارِئ رُبَّما أغْفَل طَرْفُهُ الحَرْفَ، والمَقْروءَ عليه رُبَّما ذَهَبَ عنهُ الحَرْفُ، فأنا في حلٍّ أنْ أرْوِي جميع ما سَمِعْته منك؟ قال: نعم فَديْتُكَ، أنتَ والله فَوْقَ أنْ يَسْتَشْفِعَ أو يُشْفَع لك، تعال كُلَّ يَومٍ، فلَوَددْتُ أنَّ سَائر أصْحَاب الحَدِيْثِ كانُوا مثْلَكَ. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬١)، قال: أخْبَرَني أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوب الكَاتِب، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّد بنُ عُبيدِ الله بن قَفَرْجَل، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا أبو العَيْنَاء، قال: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن إبْراهيم المَوْصِليِّ، قال: جئتُ أبا مُعاوِيَةَ الضَّرِيْر ومعي مائةُ حَديثٍ أُرِيْد أنْ أقْرأها عليه، فوجَدْتُ في دِهْليزه رَجُلًا ضَريرًا، فقال لي: إنَّهُ قد جَعَلَ الأذْنَ عليه اليَوْم إليَّ ليَنْفَعني، وأنتَ رَجُلٌ جَلِيْلٌ، فقُلتُ لَهُ: معي مائةُ حَدِيث، وأنا أهَبُ لك عنها مائةَ دِرْهَم، فقال: قد رَضِيْتُ، ودَخَل فاسْتأْذَنَ لي فدَخَلْتُ، وقرأتُ المائةَ حَدِيْث، فقال لي أبو مُعاوِيَة: الّذي ضَمنْتَهُ لهذا يأخُذُه من أذْنَاب النَّاسِ، وأنتَ من رُؤَسَائهم، وهو ضَعِيفٌ مُعِيْلٌ، وأنا أُحِبُّ منفَعَتَهُ، قُلتُ: قد جَعَلتُها له مائة دِيْنار، فقال: أحْسَنَ اللهُ جَزاءَكَ، فَدَفَعْتُها إليه فأغْنَيْتُه. قال أبو بَكْرالخطيبُ (¬٢): حَدَّثَني الحَسَنُ بن عليّ المُقَنَّعِيّ (¬٣)، عن مُحَمَّد بن مُوسَى الكَاتِب، قال: أخْبَرَني يُوسُف بن يَحْيَى بن عليّ المُنَجِّم، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، عن إسْحاقَ، قال: بَقِيْتُ دَهْرًا من دَهْري أُغَلِّسُ في كُلِّ يَوْم إلى هُشَيْم أو غيره من المُحَدِّثِيْن، فأَسْمَع منه، ثمّ أصير إلى الكِسَائِيّ أو الفَرَّاءٍ أو ابن غَزَالَة فأقرأُعليه جُزءًا من القُرْآن، ثمّ آتي مَنْصُور زَلْزَل (¬١) فيُضَارِبُني طَريقتَيْن (a) أو ثلاثةً، ثمّ آتي عَاتِكَة بنتَ شُهْدَة فآخُذ منها صَوْتًا أو صَوتَيْن، ثمّ آتي الأصْمَعِيَّ وأبا عُبَيْدَة فأُنَاشدهمُا وأُحَادِثهما (b) وأسْتَفِيْدُ منهما، ثمّ أصير إلى أبي فأُعْلِمُه ما صنَعْتُ، ومَنْ لَقيْتُ، وما أخَذْتُ، وأتَغَدَّى معه. فإذا كان العَشِي رُحْتُ إلى أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيْد. أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، عن أبي القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر السَّمَرْقَنْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سَهْل بن بِشْرَان النَّحْويِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحيم بن دِيْنار اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج عليّ بن الحُسَين الأصْبَهَانيِّ، قال: إسْحاق بن إبْراهيمَ بن مَيْمُون بن مَاهَان بن بَهْمَن المَوْصِليِّ، كان يقول: أصْلُنا من فَارِس، ولنا بَيْتٌ شَرِيْفٌ في العَجَم. قال أبو الفَرَج (¬٢): مَوضِعُ إسْحاق من العِلْم، ومكانُه من الأدَبِ، ومَحَلُّه في (c) الرِّوَايَة، وتَقَدُّمُهُ في الشِّعْر، ومَنْزِلته في سَائر المَحَاسِن، أشْهَرُ من أنْ يُدَلَّ عليه فيها بوَصْفٍ (d)، فأمَّا الغِنَاءُ فإنَّهُ كان أصْغَرَ عُلُومه، وأَدْنَى ما يُوْسَم له، لم يكن له في الغِنَاء نَظِير، لَحِق بمَنْ مَضَى فيه، وسَبَقَ مَنْ بقي، أوْضَح للنَّاس طَريقه (e)، وسَهَّل عليهم سَبِيْلَهُ، فهو إمامُ أهْل صنَاعته جَمِيعًا، وقُدْوتهم ورَأسُهُم، ومُعَلِّمُهُم، شَهِدَ لهبه المُوَافقُ والمُفَارِقُ، وكان المَأْمُونُ يقُول: لولا ما سبَقَ لإسْحاق على ألْسِنَةِ النَّاسِ من الغِنَاءَ لوَلَّيْتُهُ القَضَاءَ، فإنَّهُ أوْلَى به، وأعَفُّ وأصْدَقُ، وأكثَرُ دِيْنًا وأمَانَةً من هؤلاء القُضَاة. وقال الوَاثِقُ (¬١): ما غَنَّاني إسْحاقُ قَطّ إلَّا ظَنَنْتُ أنْ قد زِيْدَ في مُلْكي، وأنَّ إسْحاق نِعْمَةٌ من نِعَم المُلْك الّتي لم يَحْظَ أحدٌ بمثْلها، ولو أنَّ العُمْرَ والشَّبَابَ والنَّشَاط ممَّا يُشْتَرَى لاشْتَريتُهُ لهُنَّ (a) بشَطْرِ مُلْكِي. وذَكَره مُحَمَّد بن دَاوُد بن الجَرَّاح في كتاب الوَرَقَة (¬٢)، فقال: إسْحاق بن إبْراهيم المَوْصِلِيّ، أبو مُحَمَّد، مَوْلَى لبني تَمِيْم، كَثِيْر الشِّعْر، حَسَنُهُ، وأكثَرُ أغَانيْهِ في أشْعَاره، وهو أسْتَاذُ النَّاس في صِنَاعَته، وفي عِلْم الأخْبارِ والأشْعَار، وله بالفِقْهِ أيضًا مَعْرفَةٌ، وقال: لي عِشرين سَنَة ما رأيتُ مثْلَهُ قَطّ. قال: وسَألتُه عمَّا عندَهُ من الكُتَب، فقال: عندي مائتَا قِمْطَر (¬٣). أنْبَانَا أبو اليُمْن الكِنْدِىِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬٤)، قال: أخْبَرَني الحُسَين بن عليّ الصَّيْمَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عِمْران بن مُوسَى الكَاتِب، [قال] (b): أخْبَرَني مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني عَوْن ابن مُحَمَّد الكِنْدِيّ: أنَّ مُحَمَّد بن عَطِيَّة العَطَوِيّ الشَّاعِر حدَّثَهُ أنَّهُ كان عند يَحْيَىابن أكْثَم في مَجْلِسٍ له يَجْتَمعُ النَّاسُ فيهِ، فوَافَى إسْحاقُ بنُ إبْراهيِم المَوْصِلِيّ، فأخَذَ يُناظِرُ أهْلَ الكَلَامِ حتَّى انْتَصَفَ منهم، ثمّ تكلَّم في الفِقْه فأحْسنَ، وقَاسَ واحْتَجَّ، وتكلَّم في الشِّعْر واللُّغَة ففَاقَ مَنْ حَضَر، فأقْبل على يَحْيَى، فقال: أعَزَّ اللهُ القَاضِي، أفي شَيءٍ ممَّا ناظَرتُ فيه وحَكَيتُه نَقْصٌ أو مَطْعَنٌ؟ قال: لا، قال: فما بالي أقُومُ بسَائر هذه العُلُوم قيامَ أهْلها، وأُنْسَبُ إلى فَنٍّ واحدٍ قد اقْتَصَر النَّاسُ عليهِ؟ قال العَطَوِيُّ: فالتفَتَ إليَّ يَحْيَى بن أكْثَم، فقال: جَوابُهُ في هذا عليك -قال: وكانَ العَطَوِيُّ من أهْلِ الجَدَل- فقُلتُ: نعم، أعَزَّ اللهُ القَاضِي، الجَوَابُ عليَّ. ثُمَّ أقبلْتُ على إسْحاق: فقُلتُ: يا أبا مُحَمَّد، أنت كالفَرَّاءِ والأخْفَش في النَّحو؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في اللُّغَة وعِلْم الشِّعْر كالأصْمَعِيِّ وأبي عُبَيْدَة؟ قال: لا. قلتُ: أفأَنْتَ في الأنْسَابِ كالكَلْبيّ وأبي اليَقْظَان؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في الكَلَام كأبي الهُذَيْل والنَّظَّام؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في الفِقْه كالقَاضِي؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في قَوْل الشِّعْر كأبي العَتَاهِيَة وأبي نُوَاس؟ قال: لا، قُلتُ: فمن هَا هُنا نُسِبْتَ إلى ما نُسِبْتَ إليه لأنَّهُ لا نَظِيرَ لكَ فيه ولا شَبِيهَ، وأنْتَ في غيره دونَ رُؤسَاءَ أهْلِهِ! فضَحِكَ وقامَ فانْصَرف، فقال لي يَحْيَى ابن أكْثَم: لقد وَفَّيْت الحُجَّةَ حقَّها، وفيها ظُلْمٌ قليلٌ لإسْحاق، وإنَّهُ لمَنْ يَقِلُّ في الزَّمان نَظِيرُهُ. وقال أبو بَكْر الخطيبُ (¬١): حَدَّثَني عليّ بن المُحَسِّن (¬٢)، قال: وَجَدْتُ في كتاب جَدِّي عليّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَهْم التَّنُوخِيّ: حَدَّثَنَا الحَرَميِّ بن أبي العَلَاء،قال: حَدَّثَنَا أبو خَالِد يَزِيد (a) بن مُحَمَّد المُهَلَّبيّ، قال: سَمِعْتُ إسْحاقَ المَوْصِليِّ يقول: لمَّا خَرَجْنا مع الرَّشِيْدِ إلى الرَّقَّة، قال لي الأصْمَعِيُّ: كم حملْتَ معَكَ من كُتُبكَ؟ قُلتُ: تخَفَّفْتُ، فَحَمَلتُ ثمانيةَ أحْمَالٍ؛ ستَّةَ عَشَر صُنْدُوقًا. قال: فعَجِبَ، فقُلتُ: كم معَكَ يا أبا سَعِيد؟ قال: ما معي إلَّا صُنْدُوقٌ واحدٌ، قُلتُ: ليسَ إلَّا؟ قال: وتَسْتَقِلُّ صُنْدُوقًا من حَقٍّ؟!. قال أبو خَالِدٍ: وسَمِعْتُ إسْحاق بن إبْراهيم المَوْصِليِّ يقول: رأيْتُ في مَنَامِي كأنَّ جَريرًا ناولَني كُبَّةً من شَعرٍ، فأدْخَلْتُها في فَمِي، فقال بعضُ المُعَبِّرِيْن: هذا رَجُلٌ يقُولُ من الشِّعْر ما شَاء. قال: وجاءَ مَرْوَان بن أبىِ حَفْصَة يَوْمًا إلى أبي، فاسْتَنْشَدَني من شِعْري، فأنْشَدْتُه (¬١): [من الطويل] إذا كانَتِ الأحْرَارُ أصْلي ومَنْصبي … ودَافِعَ ضَيْمي خَازِمٌ وابنَ خَازِمِ عَطَسْتُ بأنْفٍ شَامِخٍ وتَنَاوَلَتْ … يَدَاي السَّمَاءَ (b) قَاعِدًا غيرِ قَائِمِ قال: فجعل مَرْوَان يَسْتَحْسن ذلك، ويقول لأبي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما يقول هذا الغُلَامُ!. == (a) في تاريخ بغداد: أبو خالد بن يزيد بن محمد المهلبي، وهو خطأ. (b) الديوان: الثريا.﷽ وبه توفيقي أنْبَأنَا الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬١)، قال: قَرِأتُ على الحَسَن بن عليّ الجَوْهَرِيّ، عن أبي عُبَيْدِ الله المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْد الله الحَزَنْبَل، قال: ما سَمِعْتُ ابنَ الأعْرَابِيّ يَصِفُ أحدًا بمثْلِ ما يصفُ بهِ إسْحاقَ من العِلْم والصِّدْق والحِفْظ، وكان كَثيرًا ما يقول: أسمعْتُم بأحْسَنَ من ابتدَائهِ في قَوْلهِ (¬٢): [من الخفيف] هل إلى أنْ تَنَامَ عَيْنيْ سَبِيْلُ … إنَّ عَهْدِي بالنَّوْم عَهْدٌ طَوِيْلُ هل تَعْرفُون مَنْ شَكا نَوْمَهُ بمثْل هذا اللَّفْظ الحَسَن؟!. وقال مُحَمَّد بن يَحْيَى: سَمِعْتُ إبْراهيمَ بن إسْحاقَ الحَرْبيّ يقولُ: كان إسْحاقُ المَوْصِلِيّ ثِقَةً صَدُوقًا عَالمًا، وما سَمعْتُ منه شيئًا، ولوَدَدْتُ أَنِّي سَمِعْتُ، وما كان يَفُوتُني منه شيءٌ لو أردْتُه. قال مُحَمَّد: وسَمِعْتُ أحْمَد بن يَحْيَى النَّحْوِيّ يقول نحوَ هذا القَوْل. قال الخَطِيبُ (¬٣): حَدَّثَني الحَسَنُ بن عليّ المُقَنَّعِيّ، عن مُحَمَّد بن مُوسَى الكَاتِب، قال: أخْبَرَني الصُّوْلِيّ، قال: حَدَّثَني عَبْدُ الله بن المُعْتَزّ، قال: حَدّثَني أبو عَبْد الله الهِشَامِيّ، قال: اعْتَبَرَ أهْلُنا على إسْحاقَ بأنْ دَعَوهُ، ومَدُّوا سِتَارةً، وأقْعَدُوا كاتبَيْن ضَابطَيْن بحيثُ لا يَراهُما إسْحاق، وقالوا: كُلمّا غنَّتِ السِّتَارَةُ صَوْتًا فتكلَّم عليه إسْحاق، فاكْتُبا الصَّوْتَ، واكْتُبا لفظَهُ فيه، وجَعَلَ إسْحاقُ كُلمّا سَمِعَ صَوْتًاأخْبَر بالشِّعْر لمَنْ هو، ونَسَبَ الصَّوْتَ، وذَكَرَ جميعَ مَنْ تَغَنَّى فيه، وخَبَرًا إنْ كان له خبرٌ، حتَّى كُتِبَ ذلك كُلُّه وِحُفِظ. ثمّ دَعَوا إسْحاق بعد مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وضَرَبُوا ستَارةً، وأمَرُوا مَنْ خَلْفَها أنْ يُغَنَّين مثْلما كُنَّ غَنَّينَ به ذلك اليوم، فَفَعَلْنَ وابتدأ إسْحاق يَتَكلَّم في الغِنَاء بمثْل ما كان تكلَّم به ما خرَم حَرْفًا. قال: فعَلمُوا وعَلِمَ النَّاسُ أنَّهُ لا يقول إلَّا صَوَابًا وحَقًّا، وعَجِبُوا منهُ. وقال (¬١): قَرَأتُ على الحَسَن بن عليّ الجْوهَرِيّ، عن أبي عُبَيْدِ الله المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَني يُوسُف بن يَحْيَى بن عليّ المُنَجِّم، عن أَبِيهِ، قال: أخْبَرَني أحْمَدُ بن القَاسِم الهاشِميّ، عن إسْحاق بن إبْراهيم، قال: دعَاني المَأْمُونُ وعندهُ إبْراهيم بن المَهْدِيّ، وفي مَجْلِسه عشرون جَارِيَةً قد أقْعَدَ عَشْرًا عن يَمِيْنه، وعَشْرًا عنٍ يَسَاره، معهُنَّ العِيْدَانُ يَضْرِبْنَ بها، فلمَّا دَخَلْتُ سَمِعْتُ من النَّاحِيَةِ اليُسْرى خَطَأ فأنْكَرتُهُ، فقال المَأْمُون: يا إسْحاقُ، أتَسْمَعُ خَطَأً؟ قُلتُ: نَعَم يا أَمِيرَ المُؤمِنِين، فقال لإبْراهيم ابن المَهْدِيّ: هل تَسْمَع خَطأً؟ قال: لا. فأعَادَ عليَّ السُّؤَالَ، فقُلتُ: بَلَى واللهِ يا أَمِير المُؤمِنِين، وإنّهُ لَفِي الجَانِب الأَيْسَر، فأعَاد إبْراهيم سَمْعَه إلى النَّاحِيَة اليُسْرى، ثمّ قال: لا واللهِ يا أَمِير المُؤمِنِين ما في هذه النَّاحِيَة خَطَأٌ، فقُلتُ: يا أَمِير المُؤمِنِين، مُرِ الجَوَارِي اللَّواتي على المَيْمَنَةِ أنْ يُمْسِكنَ، فأمَرَهُنَّ فأمْسَكنَ، ثُمَّ قُلْتُ لإبْراهيم: هل تَسْمَعُ خَطَأَ؟ فتَسَمَّعَ ثمّ قال: ما ها هنا خَطَأٌ، فقُلتُ: يا أَمِير المُؤمِنِينَ، يُمْسِكْنَ وتَضْربُ الثَّامنَةُ، فأمْسَكْن وضَرَبت الثَّامنةُ، فعرفَ إبْراهيم الخَطَأ، فقال: نعم يا أَمِير المُؤمِنِين، ها هُنا خَطَأٌ، فقال عند ذلك المَأْمُونُ: يا إبْراهيمُ، لا تُمَارِ إسْحاقَ بعد اليَوْم؛ فإنَّ رَجُلًا فَهِمَ الخَطَأ بين ثمانين وَتَرًا، وعشرين حَلْقًا، لجَدِيرٌ بألَّا تُماريه، فقال: صَدَقْتَ يا أَمِيرَ المُؤمِنِين.أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد، عن عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، عن أبي نَصْر بن مَاكُولا (¬١)، قال: وإسْحَاق بن إبْراهيم المَوْصِلِيّ المُغَنِّي شَاعِرٌ مُتَأدِّبٌ فَاضِلٌ، له رواياتٌ كَثِيْرةٌ، وكتابٌ مُصَنَّفٌ في الأغَانِي. أنْبَأنَا زَيْد الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت (¬٢)، قال: إسْحاقُ بن إبْراهيم بن مَيْمُون، أبو مُحَمَّد التَّمِيْمِيُّ المَعْرُوف والدهُ بالمَوْصِليِّ، يُقالُ: إنَّهُ وُلد في سَنَة خَمْسِين ومائة، وقيل: وُلد بعد ذلك، وكَتَبَ الحَدِيْثَ عن سُفْيان بن عُيَيْنَة، وهُشَيْم بن بَشِير، وأبي مُعاوِيَة الضَّرِيْر، وطَبقَتهم. وأخَذَ الأدَب عن أبي سَعيد الأصْمَعِيّ، وأبي عُبَيْدَة، ونَحْوهما. وبَرَع في عِلْمِ الغِنَاءِ، وغَلَبَ عليه فنُسِبَ إليهِ. وكان حَسَنَ المَعْرفَة، حُلو النَّادِرة، مَلِيْحَ المُحاضَرَة، جَيِّد الشِّعْر، مَذْكُورًا بالسَّخَاءِ، مُعَظَّمًا عند الخُلَفَاءِ، وهو صَاحب كتاب الأغَانِي الّذي يَرْويه عنه ابنُهُ حَمَّاد. وقد رَوَى عنهُ أيضًا الزُّبَيْر بن بَكَّار، وأبو العَيْنَاء، ومَيْمُون بن هَارُون، وغيرهُم. أنْبَأنَا زَيْن الأُمَناءِ الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ ابن الحَسَن (¬٣)، قال: إسْحاقُ بن إبْراهيم بن مَيْمُون، أبو مُحَمَّد التَّمِيْمِيُّ، المَعْرُوف أبُوه بالمَوْصِليِّ، سَمِعَ مَالِك بن أنَس، وسُفْيانَ بن عُيَيْنَةَ، وهُشَيْمَ بن بَشِير، وأبا مُعاوِيَةَ الضَّرِيْر، وأبا سَعيد الأصَمْعيِّ، وأبا عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، وبَقِيَّة بن الوَلِيد، ورَوْح ابن عُبَادَةَ. رَوَى عنهُ ابنُهُ حَمَّاد، وشَيْخُه أبو سَعيد الأصْمَعيِّ، والزُّبَيْرُ بن بَكَّار، وأبو العَيْنَاءِ مُحَمَّد بن القَاسِم بن خَلَّاد، ومَيْمُون بن هَارُون الكَاتِب، وعليّ بن يَحْيَىالمُنَجِّمَ، وأبو خَالِد يَزِيد بن مُحَمَّد المُهَلَّبيّ، والحُسَين بن يَحْيَى الكَاتِب، وغيرهم. وقَدِمَ دِمَشْق مع المَأْمُون. أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن عُمَر بن عليّ القُرَشِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو السَّعَادَات بن عبدِ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن زُرَيْق القَزَّاز، والكَاتبِة شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَجَ الإِبَرِيُّ، ح. وأخْبَرَنا أبو البَقَاءِ يَعِيْشُ بنُ عليّ بن يَعِيْش، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْدُ اللهِ بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قالوا: أخْبَرَنا الحَاجِبُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد ابن عليّ بن العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسمِ بنُ بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس الكنْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الخَرَائِطِيّ (¬١)، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بن الفَضْل، قال: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن إبْراهيم، عن أبي مِسْكِين، قال: ضَلَّتْ ناقةٌ لفَتَىً من بني تَمِيْم، فَخَرَج إلى حَيّ بني شَيْبَان يَنْشُدها، فإنَّهُ لكذلك إذ بَصُرَ بجَارِيَةٍ كأنَّها الشَّمْسُ حُسْنًا وجَمَالًا، فعَشِقَها عِشْقًا مُبَرِّحًا، فرَجَع إلى قَوْمِهِ وقد أذْهَبَتْ عَقْلَهُ، فا تَمَالَكَ أنْ رجَع إلى حَيِّهم، فلمَّا هَدَأ اللَّيْل، قال: لعَلِّي أُسَكِّنُ بالنَّظر إليها بعضَ ما بي، فأتاها وهي جالسَةٌ وأخوَتُها نِيَام حولها، فقال لها: يا قُرَّةَ عَيْني، قد واللهِ أذْهَبَ الشَّوْق عَقْلي، وكَدَّرَ عليَّ عَيْشِي، فقالتْ له: امْض إلى حالكَ وإلَّا أنْبَهْتُ أخوَتي فقَتلُوكَ، فقال لها: إنَّ القَتْل أهْوَنُ عليَّ من الّذي أنا فيه، قالت: وهَلْ يكُون شيء أشَدّ من القَتْل؟ قال: نعم ما أنا فيهِ من حُبِّك، قالت له: فما تَشَاءُ؟ قال: أمْكنيني من يَدك حتَّى أضَعَها على قَلْبي، ولَكِ عَهْدُ الله أنِّي أرْجعُ، ففَعَلَتْ، فرجَع، فلمَّا كانت القابلَة عادَ فوجَدَها على مثْل حالها، فقالت له كقولها الأوَّل، فقال: أمْكنِيْني من شفَتَيْك حتَّى أرشُفَهُما وأنْصَرف، فلمَّا فعَلَتْ ذلك وقعَ في قَلْبها منه كهَيْئَةِ النَّارِ، فأقْبَلَت تلقَاهُ كُلّ ليلةٍ، فنَذِرَ به حَيُّها وأخوَتُها، فقالوا: ما لهذا الكَلْب قد أطالالمُكْثَ في هذا الجَبَل وهو يَتَخَطَّانا، فقعَدُوا لطَلبِه في لَيْلَتهم تلك، فأرْسَلَتْ إليه أنَّ القَوْمَ يُريدونَك، فكُن على حَذَر، وإيَّاكَ والغَفْلَةَ، فجاءَت السَّماءُ بمَطَر حال بينهم وبين طَلَبِه، ثمّ انجلَت السَّحَابُ وطَلَعَ القَمَر، فتطيَّبت الجَارِيَةُ، ونَشَرَت شَعْرها، وأُعْجِبَتْ بنَفْسها، واشْتَهَتْ أنْ يَرَاها على تلك الحال، فقالت لتِرْبٍ لها قد كانت أطْلَعَتْها على شأنها: يا فُلَانة، أسْعدِيْني على المُضي إليه، فَخَرَجَتا تُريدانه، وهو على الجَبَل خائفٌ من الطَّلَب لما حذَّرته، فبَصُر بشَخْصَين يَسِيران في القَمَر، فلم يَشُكَّ أنَّهما من الطَّالِبين له ليَقْتُلوهُ، فانتَزع بسَهْمٍ، فما أخْطَأ قَلْبَ صَاحِبَته، فسقَطَت مُضرَّجةً بدمائها، فلم تَزَل تَضْطَربُ حتَّى ماتَتْ، فبُهِتَ شَاخصًا يَنْظُر إليها، ثمّ أنْشَأ يقول: [من الكامل] نَعَبَ الغُرَابُ بما كرهـ … ــت ولا إزالةَ للقَدَرْ تبكي وأنْتَ قَتَلْتها … فاصْبِر وإلَّا فانْتَحِر ثُمّ جَمَعَ نَبْلَهُ، فَجَعَل يَجَأُ بها أوْدَاجَهُ حتَّى قَتَل نَفْسَه أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن دَاوُد بن عُثْمان الدَّربَنْدِيّ بمَسْجِد الخَلِيل ﵇ بحِبْرَى، وأبو عليّ حَسَن بن إبْراهيم بن هِبَةِ الله بن دِيْنار المِصْرِيّ بالقَاهِرَة، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفيِّ الأصْبَهَانيِّ، قال: أخْبَرَنا الرَّئِيسُ أبو عَبْدِ الله القَاسِم بن الفَضْل بن أحْمَد بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحُسَين بن الحَسَنِ الغَضَائِريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الأَسْوَد، قال: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن إسْحاق المَوْصِليِّ، قال: أنْشَدَ شَاعِرٌ أبي ولم يُسَمِّه: [من الطويل] ألَم تَعْلَمي يا عَذبة الرِّيق أنَّني … وإنْ أظْهَر الحُسَّاد سُوءَ مَقالعَفَفْتُ ولكن المحبَّ إذا خَلَا … بمَنْ حَبَّ جَالَ (a) الظَّنّ كُلّ مجال (b) فقال له أبي: قد أذْعَنْتَ للصُّوْرَة، وأقْرَرْتَ بالخلْوَة، ثمّ ادَّعَيْتَ العِفَّة، وتَحْتاج على ذلك إلى بَيِّنَة. قَرَأتُ في كتاب الخَمَّارِيْن (¬١) لأبي الفَرَج عليّ بن الحُسَين الأصْبَهَانيِّ، قال: أخْبَرَني هاشِم بن مُحَمَّد الخُزَاعيِّ، قال: حَدَّثَني عَمِّي عَبْد الله بن مالك، عن إسْحاق، ح. قال: وأخْبَرَنا به وَكِيعٌ مُحَمَّد بن خَلَف، عن أبي أَيُّوب المَدِيْنِيِّ، عن مُحَمَّد ابن عَبْدِ الله بن مالك، عن إسْحاق، قال: كُنْتُ مع الرَّشِيْدِ حين خرَجَ إلى الرَّقَّة، فدَخَل يَوْمًا يَشْربُ مع النِّسَاءَ، وانْصَرَفنا، فخرجْتُ ومَضَيْتُ إلى تَلِّ عَزَاز، فنَزَلتُ عند خَمَّارةٍ هناك لها زَوْجٌ قَسٌّ، لها منهُ بنْتٌ واسمها حنَّة لَم أَرَ مثْلها قَطّ جَمَالًا ولا مثْل بِنْتها، وأخْرَجَتْ إليَّ شَرَابًا لَم أرَ مثله حُسْنًا وطِيْبَ رَائِحَة وطَعْم، وأجْلَسَتْني في بَيْتٍ مَرْشُوش فيه ريْحَانٌ غَضٌّ، وأخْرَجَتْ ابْنَتها تَخْدمني كأنَّها خُوْطُ بَانٍ أو جِدل عنَان، لَم أَرَ أحْسَنَ منها قدًّا، ولا أسْهَل خَدًّا، ولا أعْتَقَ وَجْهًا، ولا أبْرَعَ ظَرْفًا، ولا أفْتَر طَرْفًا، ولا أحْسَنَ كَلَامًا، وِلا أتَمَّ تمامًا، فأقْمْتُ عندها ثلاثًا، والرَّشِيْد يَطْلبُني فلا يَقْدر عليَّ، ثمّ انْصَرَفْتُ فذَهبَتْ بي رُسُلُه إليهِ، فدَخَلْتُ عليهِ وهو غَضْبان، فلمَّا رأيتُه خطَرتُ في مَشْيَتي ورقصْتُ، وكانت في رأسي فضْلةٌ قَوِيَّةٌ من السُّكْر، وغَنَّيْتُ في شِعْرٍ قُلْتُهُ في بَيْت الخَمَّارة وصَنَعْتُ فيه، وهو (¬٢): [من الخفيف]إنَّ قَلْبي بالتَّلِّ تَلِّ عَزَاز … عند ظَبي من الظّبَاءِ الجَوَازي شَادن يَسْكُنُ الشَّآمَ وفيهِ … مع شَكْل (a) العِرَاق ظَرْفُ الحِجَاز يا لقَوْمي لبنْتَ قَسٍّ أصَابَتْ … منْكَ صفْوَ الهَوَى وليست تُجَازِي حَلَفَتْ بالمَسِيْح أنْ تُنْجزَ الوَعْـ … ـدَ وليسَتْ تهمُّ (b) بالإنْجَاز فسكن غَضَبُهُ، ثمّ قال لي: وَيْحَك أين كنتَ؟ فأخْبَرتُهُ فضَحِكَ، وقال: عُذْرٌ والله وأيّ عُذْر! وإنَّ مثْل هذا لطيِّبٌ اذا اتَّفَق، أَعِدْ عليَّ غِنَاءَكَ، فأعدْتُهُ فأُعْجِبَ به، وأمَرَني أنْ أُغَنِّيَه ليْلَتي كُلّها؛ أُعِيْدُه أبدًا ولا أغَنِّي أنا ولا غيري سِوَاه، وأمَرَ المُغَنِّين بأخْذه، فما زلتُ أُغَنِّيهِ ويَشْرب عليه إلى الغَدَاة. ثمّ انْصَرَفْنا فصَلَّيْتُ ونمْتُ، فما اسْتَقْرَرْتُ حيًا (c) حتَّى وَافَاني رَسُول الرَّشِيْد يأمرني بالحُضُور، فركبتُ ومَضَيْتُ، فلمَّا دَخَلْتُ إذا بابن جَامِع يَتَمرَّغ على دُكَّان في الدَّار لغَلَبة النَّبِيْذ والسُّكْر عليهِ، فقال لي: أتَدْري لِمَ دُعِيْنا؟ قُلتُ: لا، قال: لكنِّي أدْرِي، دُعِيْنا بسَبَب نَصْرَانيَّتُكَ الزَّانِيَة، عليها وعليكَ لَعْنةُ اللهِ، فضَحِكْتُ، فلمَّا خَرَجَ الرَّشِيْد إلينا أخْبَرتُه الخَبَر فضَحِكَ وقال: صَدَقَ، أعيْدُوه ولا تُغَنُّوَا غيره، فإنِّي اشْتَقْتُ إلى ما كُنَّا فيه لما فارقتُموني، فغَنَّيناهُ جَمِيعًا يَوْمنا كُلَّهُ حتَّى نام في مَوضِعه سُكْرًا، ثمّ انْصَرَفْنا. قُلتُ: إنَّما أوْرَدتُ هذه الحِكايَة مع ما فيها من التَّظَاهُر بالفِسْق والمَعْصِيَة لأنَّهُ يُسْتَفادُ منها دُخُول إسْحاق إلى حَلَب بدُخُوله إلى عَزَاز، وليُفْهَم أنَّ إسْحاق لم يَكُن من أهْل رِوَايَة الحَدِيْث لأنَّهُ قد سَبَقَ من قَوْل سُفْيان أنَّهُ قال له: فلوَدَدْتُ أنَّ سَائر أصْحَاب الحَدِيْث كانُوا مثْلكَ، وإنَّما أراد فيما سَلَكَه معه من تَحَرِّي الصِّدْق، وكذلك ما سَبَق ذِكْرهُ من قَوْل إبْراهيم بن إسْحاق الحَرْبيِّ: كان إسْحاق المَوْصِليِّ ثِقَةً صَدُوقًا، ولوددْتُ أنِّي سَمِعْتُ منهُ، وإنَّما أراد فيما يَرْويه من النَّوَادر والشِّعْر والحِكَايَات، لا من الحَدِيْث، وأَنا أسْتَغْفرُ الله تعالى من إيْرَاد هذا ومثْله.أخْبَرَنا أبو الحَجَّاجِ يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيُّ (¬١)، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن القَاسِم الكَوْكَبِيّ، قال: حَدَّثني أبو الفَضْلِ الرَّبَعيِّ، قال: حَدَّثني إسْحاقُ بن إبْراهيم المَوْصِليِّ، قال: قال لي عليُّ بن هِشَام: قد عَزَمْتُ على الصَّبُوح فاغْدُ عليَّ، فعَاقَني عَائِقٌ فشَغَلني عن البُكُور إليهِ، فجئْتُ في وَقْتِ الظُّهْر وعنده مُخَارِق، فقال لي: يا إسْحاقُ (a)، أينَ كُنْتَ؟ فقُلتُ: شَغَلني -أعزَّ اللهُ الأَمِيرَ- ما لَم أَجِدْ من القِيَام بهِ بُدًّا، ثمّ دَعَا لي بطَعَام، وجَلَسْنا على شَرَابنا، فغَنَّى مُخَارِقٌ صَوتًا من الطَّويل بِشعْر المُؤَمَّل (b)، والغِنَاءُ لأبي سَعيد مَوْلَى فَايدٍ، وهو: [من الطويل] وقد لَامَني في حُبّ مكنُونَة الّتي … أهيْمُ بها أهْلُ الصَّفَاءِ فأَكْثَرُوا يَقُولونَ لي مَهْلًا وصَبْرًا فلم أجِدْ … جَوَابًا سوى أنْ قُلْتُ: كيف التَّصَبُّر أأصْبرُ عنِ نَفْسِي وقد حيْلَ دُوْنَها … ووَاقَعني (c) منها الّذي كُنْتُ أحْذَرُ وفرَّق صَرْفُ الدَّهْر بيني وبينها … فكيفَ تَقَرُّ العَيْنُ أم كيف تحْبَرُ (¬٢) فأخْطَأَ فيهِ فقُلتُ: أخْطَأتَ ويْلكَ! ثمّ غَنَّى صَوْتًا من البَسِيْط، شِعْرهُ لحُمَيْد ابن ثَوْر (¬٣) والغِنَاءُ للهُذَليّ، وهو: [من البسيط] يا مُوْقد النَّار بالعَلْيَاءِ من إضَمٍ … قد هجْتَ لي سُقمًا يا مُوقِد النَّارِ يا رُبَّ نارٍ هدَتْني وهو مُوقَدَةٌ … بالنّدِّ والعَنْبَر الهِنْدِيِّ والغَارِ تَشُبُّها إذ خَبَتْ أيدٍ مُخَضَّبَةٌ … من ثَيِّبَاتٍ مَصُوناتٍ وأَبْكَارِقَلَوْبهنَّ ولم تَبْرحنَ شَاخصَةً … يَنْظُرنَ من أيْنَ يأتي الطَّارِقُ السَّارِي فأخْطَأَ فيهِ، فقُلتُ: أخْطأتَ وَيْلكَ! ثمّ تَغَنَّى صَوْتًا ثالثًا من الكَامِل، شِعْرهُ لكُثَيِّر (¬١) والغِنَاءُ لمَعْبَد، وهو: [من الكامل] إنِّي اسْتَحَيتُكَ أنْ أقُوْلَ (a) بحاجَتي … فإذا قَرَأْتَ صَحِيْفَتي فتَفَهَّمِ وعَليْكَ عَهْدُ اللهِ إنْ أنْبَأتَهُ … أحَدًا ولا أظهَرْتَهُ بتَكَلُّمِ فأخْطَأَ فيهِ فقُلتُ: أخْطأتَ ويْلكَ! فغَضِبَ وقال: يا إسْحاقُ، يأمُركَ الأَمِير بالبُكُور فتأتي ظُهْرًا، وتغنَّيْتُ أصْوَاتًا كُلّها يُحِبُّها ويَطْرَبُ لها فخطَّأتَني فيها، وتَزْعم أنَّك لا تَضْربُ بالعُوْدِ إلَّا بينَ يَدَيّ خَلِيفَةٍ أو وَليِّ عَهْدٍ، ولو قال لكَ بعضُ البَرَامِكَة مثل ذلك لبَكًّرْتَ وضَرَبْتَ وغَنَّيْتَ، فقُلتُ: ما ظَنَنْتُ أنَّ هذا يَجْتَرئُ عليَّ (b)، وواللهِ ما أُبْدِيهِ انْتِقَاصًا لمَجْلِس الأَمِير أعَزَّهُ اللهُ، ولكن اسْمَعْ يا جَاهِل، ثمّ أقْبلْتُ على ابن هِشَام فقُلتُ: دَعَاني -أصْلَحِ اللهُ الأَمِيرَ- يَحْيَى بن خَالِدٍ يَوْمًا وقال لي: بَكِّر فإنِّي على الصَّبُوحِ، وقد كُنْتُ يَوْمئذٍ في دَارٍ بأُجْرَةٍ، فجاءَني من اللَّيْل صَاحِبُ الدَّارِ، فأزْعَجَني إزْعاجًا شَدِيْدًا، فجَرَتْ منِّي يَمِينٌ غَلِيْظَةٌ أنِّي ما أُصْبحُ حتَّى أتَحَوَّل، فلمَّا أصْبَحْتُ خرجْتُ أنا وغِلْمَانىِ حتَّى اكْتَرَيْتُ مَنْزِلًا وتحوَّلْتُ، ثُمّ صرْتُ إلى يَحْيَى وَقْتَ الظُّهْر، فقال لي: أينَ كُنْتَ إلى السَّاعَة؟ فحدَّثْتُهُ بقصِّتي، فقَعَدْنا على شَرَابنا (c) وأخَذْنا في غِنَائنا، فلم ألْبَثْ أنْ دَعَا يَحْيَى بدوَاةٍ وقِرْطاسٍ فوقَّع شيئًا لم أَدْرِ ما هو، ثمّ دَفَع الرُّقْعَةَ إلى جَعْفَر فوقَّع فيها شيئًا ودفَعَها إليَّ، فإنِّي لأَنْظُرُ فيهِا ولم أدْر ما تَضَمَّنَتْ إذ أخَذَها الفَضْلُ من يَدي فوقَّع فيها شيئًاودَفَعها إليَّ، وإذا يَحْيَى قد كَتَب: يُدْفَعُ إلى إسْحاقَ ألْف ألف دِرْهَم يَبْتَاعُ بها مَنْزِلًا، وإذا جَعْفَر قد وقَّعَ: يُدْفَعُ إلى إسْحاقَ ألف ألف دِرْهَم يَبْتاع بها أثَاثًا، وإذا الفَضْلُ قد وقَّع: يُدْفَعُ إلى إسْحَاق ألْف ألف درْهَم يَصْرفها في نَفَقاتِه ومَؤُونَتِهِ، فقُلْتُ في نَفْسِي: هذا حُلُمٌ! فلم ألْبَث أنْ جاءَ خَادِمٌ فأخَذَها من يَدىِ، فلمَّا كان وَقْتُ الانْصِرَاف اسْتَأذنْتُ وخَرَجْتُ، فإذا أنا واللهِ بالمَالِ، وإذا بوُكَلاءٍ يَنْتَظرُوني حتَّى أقْبَضَ منهم، فعَلَام يلُوْمُني هذا الجَاهِل؟!. ثُمَّ قُلْتُ لمُخَارِق: هَاتِ العُوْدَ، فأخَذْتُه وردَّدْتُ الأصْوَات الّتي أخْطَأ فيها، وغَنَّيْتُ صَوْتًا من الطَّويل بِشِعْرٍ لابن يَاسِين (a)، والغِنَاءُ لي فيه، وهو: [من الطويل] إلَهي مَنَحْتَ الودَّ منِّي بخِيْلةً (b) … وأنْتَ على تَغْيير ذاكَ قَدِيرُ شِفَاءُ الهَوَى بَثُّ الجَوَى واشْتكاؤُه … وإنَّ امْرأً أخْفَى الهَوَى لصَبُورُ فطَرِبَ لذلك طَرَبًا شَدِيْدًا، ثمّ قال: حُقَّ لكَ!. ثمّ أقْبل على مُخَارِق فقال: يا فَاسِق، ما أنْتَ والكَلَام؟ وأمَرَ لي بمائة ألف دِرْهَم وخلْعَة، وأمَر لمُخَارِق بعَشْرة آلاف دِرْهَم، فبلغَ ذلك إسْحاقَ بن خَلَفٍ، فأنْشَأَ يَقُول: [من البسيط] إنْ جئتَ سَاحتَهُ تَبْغي سماحتَهُ … بلَّتْكَ (c) راحَتُهُ بالوَبْلِ والدِّيَمِ ما ضَرَّ زائرَهُ الرَّاجِي لنائلهِ … إنْ كان ذا رَحِمٍ أو غيرَ ذِي رَحِمِ فَعَالُهُ كَرَمٌ وقَوْلُهُ نَعَمٌ … بقَولِهِ نَعَمٌ قد لجَّ في نِعَمِأخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْدٍ عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن طَرَّاد ابن مُحَمَّد الزَّيْنَبيِّ بقِرَاءَتي عليه، قال: أخْبَرَنا ثَابِتُ بن بُنْدَار بن إبْراهيم البَقَّال، قال: أخْبَرَنا أبو تَغْلِب عَبدُ الوَهَّاب بن عليّ بن الحَسَن المُلْحَمِيّ (a)، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي أبو الفَرَج المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيّ (¬١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد ابن القَاسِم الأنْبارِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَضْل الهاشِميّ -من وَلدِ حَارِث ابن عَبْدِ المُطَّلِب بن هاشِم- عن إسْحاقَ بن إبْراهيم المَوْصِليِّ، قال: جَلَسْتُ مع الوَاثِق في الزّلال نُرِيدُ النَّجَف، فلمَّا أخَذَتِ المَجاذِف الزّلَال ذَكَرتُ الوَطَنَ فتنفَّسْتُ الصُّعَدَاء، فقال لي: يا إسْحاق (b)، أتَنفَّسُ الصُّعَدَاءَ وأنت معي؟! فقُلتُ: يا أَمِير المُؤمِنِين، أُنْشْدكَ بَيْتَيْن فإنْ عذَرْتَني وإلَّا فهذا الماءُ فاقْذفني فيه، ثُمَّ أنْشَدْتُهُ (¬٢): [من الوافر] حَنَنْتُ إلى أُصَيْبِيَّةٍ صِغَارٍ (c) … وَهَاجَ لي الهَوَى (d) قُرْبُ المَزَار وأبْرَحُ ما يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا (e) … إذا دَنَتِ الدِّيَارُ من الدِّيَار قال: فاسْتَحْسَنها وأمَرَ لي بعَشْرة آلاف دِرْهَم.نَقَلْتُ من خَطِّ أبي بَكْر مُحَمَّد بن هاشِم الخَالِديّ: حَدَّثنا جَحْظَةُ، عن حَمَّاد بن إسْحاقَ، عن أَبيِهِ، قال: لَقِيْتُ الأصْمَعِيَّ يَوْمًا فقُلتُ لَهُ: يا أبا سَعيد، ما تقُول في قَوْل الشَّاعِر (¬١): [من الخفيف] هَلْ إلى نَظْرَةٍ إليكِ سَبِيْلُ … يُرْوَ منها الصَّدَى ويُشْفَى الغَلِيْلُ إنَّ ما قَلَّ منكِ يَكْثرُ عِنْدِي … وكَثِيْرٌ من الحَبِيْبِ (a) القَلِيْلُ فقال: هذا والله يا أبا مُحَمَّد الدِّيْبَاجُ الخُسْرُوَانِيّ، فقُلتُ: إنَّهُ ابنُ لَيْلَتهِ، فَحَسَدَني، وقال: إنَّكَ لتَعْرفُ التَّوْلِيْدَ فيه، ثمّ أَفْكَر قَليلًا، وقال: أجدْتَ هذا من قول بَعْض العُقَيْلِيّيْنَ: [من الطويل] قفِي مَتِّعِيْنا يا مُليحُ بنَظْرَةٍ … فقَدْ حَانَ منَّا يا مُلَيْحُ رَحِيْلُ ألَيْسَ قَليلًا نَظْرةٌ إنْ نَظرْتُها … إليكِ، وكُلًّا ليسَ منْكِ قَلِيْلُ فَخَلَفَ إسْحاق أنَّهُ ما عرفَهُ، فقال له الأصْمَعِيُّ: دَعْ هذا عنْكَ أبا مُحَمَّد؛ فتلكَ الخِرْقَةُ من هذا الثَّوب. وقد رَوَى هذه الحِكايَة الحُسَين بن يَحْيَى الكَاتِب، عن إسْحاق، أخْبَرَنا بها أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا القَزَّازِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬٢)، قال: أخْبَرَني أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد المَرْوَرُّوذِيّ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن مُحَمَّد ابن أحْمَد المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى النَّدِيْم، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بنيَحْيَى الكَاتِب، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق المَوْصِليِّ، قال: أنْشَدْتُ الأصْمَعيِّ شِعْرًا لي على أنّهُ لشَاعِرٍ قَديمٍ: [من الخفيف] هَلْ إلى نَظْرَةٍ إليكِ سَبِيْلُ … يُرْوَ منها الصَّدَى ويُشْفَى الغَلِيْلُ إنَّ ما قَلَّ منكِ يَكْثُر عِنْدِي … وكَثِيْرٌ من الحَبِيْبِ القَلِيْلُ فقال لي: هذا واللهِ الدِّيْبَاجُ الخُسْرُوَانِيّ، فقُلتُ لَهُ: إنَّهُ ابنُ لَيْلَتهِ، فقال: لا جَرَمَ أنَّ أثَرَ التَّوْلِيْدِ فيهِ! فقُلتُ لَهُ: لا جَرَمَ أَنَّ أثَرَ الحَسَدِ فيكَ. قال أبو بَكْر - يعني مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْليِّ (¬١): وقد أعْجبَ هذا المَعْنَى إسْحاقَ فردَّدَهُ في شِعْره، فقال (¬٢): [من مجزوء الرمل] أيُّها الظَّبْيُ الغَريرُ … هَلْ لنا منكَ مُجِيْرُ إنَّ ما نوَّلْتَنَا (a) منْـ … ـكَ وإنْ قَلَّ كَثِيْرُ وكان إسْحاق يَظُنُّ أنَّهُ سَبَقَ إلى هذا المَعْنَى حتَّى أُنْشِدَ لأعْرَابيٍّ: [من الطويل] قفِي وَدِّعِيْنَا يا مُلَيْحُ بنَظْرَةٍ … فقَدْ حَانَ منَّا يا مُلَيْحُ رَحِيْلُ ألَيْسَ قَليلٌ نَظْرةٌ إنْ نَظَرْتُها … إليكِ، وكُلٌّ ليسَ منْكِ (b) قَلِيْلُ قال: فَخَلَفَ إسْحاقُ أنَّهُ ما كان سَمِعَهُ. وقد رَوَى الأصْمَعِيُّ هذين البَيْتَيْن، وحَكَى الحِكايَة عن إسْحاق.أنْبَأنَا بذلك أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (¬١)، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم النَّسِيبُ وأبو الوَحْش المُقْرِئُ، عن أبي الحَسَن رَشَاءِ ابن نَظِيفٍ -قال الحافِظُ: وقَرأتُهُ من خَطِّ رَشَاء- قال: أخْبَرَنا إبْراهيمُ بن عليّ بن إبْراهيم البَغْدَاديّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا أبو العَيْنَاء، قال: قال لي الأصْمَعِيُّ يَوْمًا: لَقِيَني إسْحاقُ المَوْصِلِيّ فقال لي: ما تَقُول في قَوْل الشَّاعِر: [من الخفيف] هَلْ إلى نَظْرَةٍ إليكِ سَبِيْلُ … يُرْوَ منها الصَّدَى ويُشْفَى الغَلِيْلُ إنَّ ما قَلَّ منكِ يَكْثرُ عِنْدِي … وكَثِيْرٌ من المُحِبّ القَلِيْلُ فقُلْتُ له: هذا والله الدِّيْبَاجُ الخُسْرُوَانِيّ، وأُعْجِبْتُ به، فقال لي: إنَّهُ ابنُ لَيْلَتهِ، أي أنا قُلْتُه البَارِحَة، فَحجِلْتُ (a) وقُلْتُ له: لا جَرَم أنَّ أثَرَ التَّوْلِيْد فيهِ، قال: لا جَرَمَ أنَّ أثَرَ الحَسَد فيكَ (b)، وإنَّما سرقَ إسْحاقُ هذا البَيْتَ من العبَّاس بن قَطَن الهِلَالِيّ حيثُ يَقُول: [من الطويل] قفِي مَتِّعِيْنا يا مُلَيْحُ بنَظْرَةٍ … فَقَدْ حَانَ منَّا يا مُلَيْحُ رَحِيْلُ ألَيْسَ قَليلًا نَظْرةٌ إنْ (c) نَظرْتُها … إليكِ، وكُلًّا ليسَ منْكِ قَلِيْلُ أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُفُ بن خَلِيل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ يَحْيَى ابن أَسْعَد بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن الحُسَين الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيُّ (¬٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن إبْرهيم الشَّافِعيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد (d) بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَاأحْمَد بن القَاسِم بن جَعْفَر بن سُليَمان بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا صَبَاح بن خَاقَان، قال: اعْتللتُ علَّةً أشْفَيْتُ منها، فبلَغَ ذلك إسْحاقَ بن إبْراهيم المَوْصِلِيّ فاغْتَمَّ منها، ثمّ وَرَدَ عليه الخَبَرُ بإفَاقَتي، فكَتَبَ إليَّ (¬١): [من الوافر] حَمدْتُ اللّهَ إذ عَافى صَبَاحًا … وأعْقَبَهُ السَّلامَةَ والصَّلَاحَا وكُنَّا خَائِفيْنَ على صَبَاحٍ … من الخَبَر الّذي قَدْ كانَ بَاحَا وخَوَّفَنِي من الحَدَثَان أنِّي … رأيت المَوْت إنْ لَمْ يَغْدُ رَاحَا قَرأتُ بخَطِّ الشَّيْخ الأدِيْب أبي الحَسَن عليّ بن أبي سَالِم البَغْدَاديّ الكَاتِب، قال: نَقَلْتُ من خَطِّ أبي عَبْد الله الحَسَن بن عليّ بن مُقْلَة، قال: نَقَلْتُ من خَطِّ أبي العبَّاس ثَعْلَب، عن إسْحَاق -يعني المَوْصِليِّ- قال إسْحَاق: أنْشَدَني شَدَّاد بن عُقْبَة لَجِميل (¬٢): [من الطويل] [و] إنِّي وتكراري (a) الزِّيَارَة نَحْوَكُم … لبَيْنَ يَدَي هَجْرٍ بُثَيْنَ طَوِيْلِ فقُلتُ أنا (¬٣): [من الطويل] فيَا لَيْتَ شِعْري هلِ يقُولنَّ (b) بَعْدَنا … إذا نحنُ أجْمَعنا (c) غَدًا لرَحِيْل ألَا لَيْتَ أيَّامًا مَضَيْنَ رَوَاجعٌ … ولَيْتَ النَّوَى قد ضَاعَفت (d) بَجمِيل أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْد الله بن عُمَر بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو السَّعَادَاتِ بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد، وشُهْدَة بنتُ أحْمَد بن الفَرَج، ح.وأخْبَرَنَا أبو البَقَاءِ يَعِيْشُ بن عليّ بن يَعِيْش، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد، قالوا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس الكِنْدِيّ، قال: حَدَّثنا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثنا أبوِ الفَضْل الرَّبَعِيّ، قال: حَدَّثَني إسْحاقُ إبْراهيم، قال (¬١): كُنْتُ عند الوَاثِق بالله يوْمًا وهو بالنَّجَف، فدَخَل ابن أبي دُؤَاد فقَعَدَ معنا يَتَحَدَّثُ ولم يكن خَرَجَ الوَاثِق بَعْدُ، فقال لي ابن أبي دُاؤَاد: يا إسْحَاق، قُلتُ: لَبَّيْكَ، قال: أعْجَبني هذان البَيْتان، قُلتُ: فانشِدْني يا أبا عَبْد الله، فما أعْجَبَكَ من شيءٍ ففيهِ السُّرُور، فأنْشَدَني: [من الطويل] ولي نَظْرَةٌ لو كان يُحْبِلُ ناظرٌ … بنَظْرَتِهِ أَنْثَى لقد حَبِلَتْ منِّي فإنْ وَلَدَتْ ما بينَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ … إلى نَظَري ابْنًا فإنَّ ابْنَها ابْني قُلتُ: قد أجاد؛ ولكنِّي أُنْشدكَ بَيْتَيْن أرجُو أنْ يُعْجِباك، قال: هَات، فأنْشَدْتُه (¬٢): [من الطويل] ولمَّا رَمَتْ بالطَّرْفِ غيري ظَنَنْتُها … كما آثَرَتْ بالطَّرْف تُؤْثِرُ بالقَلْبِ وإنِّي بها في كُلِّ حالٍ لوَاثِقٌ … ولكنَّ سُوءَ الظَّنِّ من شِدَّةِ الحُبِّ قال: أحْسَنْتَ يا إسْحَاق. وخَرَجَ الوَاثِق فقال: فيم أنتُم؟ فحدَّثَهُ ابن أبي دُؤَادٍ وأنْشَدَهُ، فأمَر لي (a) بعَشَرة آلاف دِرْهَمٍ، وأمَرَ لابن أبي دُؤَاد بثلاثين ألفًا، فلمَّا رجَعْتُ إلى مَنْزِلي أَصَبْتُ في مَنْزِلي أرْبَعيْن ألفًا، فقُلتُ: ما هذا؟ فقيل: وَجَّهَ إليكَ أبو عَبْدِ الله بهذا.كَتَبَ إلينا أحْمَدُ بن الأزْهَر بن السَّبَّاك: أنَّ أبا بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي أخْبَرَهُم إذْنًا، عن الحَسَن بن عليّ الجَوْهَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُمَر مُحَمَّد بن العبَّاس بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء بن حَيَّوْيَه الخَزَّاز، قال: حدَّثنا أبو بَكْر مُحمَّد بن القَاسِمِ الأنْبَاريّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يَحْيَى النَّحويّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن إسْحاق بن إبْراهيم الموْصِلِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، ح. قال أبو بَكْر: وحدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو عكْرِمَة الضَّبِّيّ عَامِر بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن إبْراهيم المَوْصِلِيّ -واللَّفظ في الرِّوَايتَيْن مُخْتَلطٌ- قال: دَخَلْتُ على هَارُونَ الرَّشِيْد فقال: يا إسْحَاق، أنْشْدني شَيئًا من شِعْرك، فأنْشَدْتُه (¬١): [من الطويل] وآمِرَةٍ بالبُخْلِ قُلْتُ لها: اقصدي (a) … فذلكَ شَيءٌ ما إليهِ سَبِيْلُ أرَى النَّاسَ خُلَّانَ الجَوَادِ ولا أرَى … بَخِيْلًا لَهُ في العَالَمين (b) خَلِيلُ وإنِّي رَأيْتُ البُخْلَ يُزْرِي بأهْلِهِ … فأَكْرَمْتُ نَفْسِي أنْ يُقَالَ بَخِيْلُ ومن خَيْر حَالَاتِ الفَتَى لو عَلمتهِ … إذا نَالَ شَيئًا (c) أنْ يكُونَ يُنِيْلُ عَطَائي عَطَاءُ (d) المُكْثرين تَكَرُّمًا (e) … ومالي كما قد تَعْملينَ قَلِيْلُ وكيفَ أخَافُ الفَقْرَأ وأُحْرَمُ الغِنَى … ورَأيُ أَمِير المُؤمِنِينَ جَمِيلُ فقال: لا، كيفَ إنْ شَاءَ اللّهُ، يا فَضْلُ، أعْطه مائةَ ألف دِرْهَمٍ، ثمّ قال: للّه دَرُّ أبيات تَأْتينا بها يا إسْحاقُ؛ ما أجْوَدَ أُصُولَها، وأَحْسَن فُصُولها! فقُلتُ: يا أَمِيرَ المُؤمِنِين، كَلَامُكَ أحْسَنُ من شِعْري، فقال: يا فَضْلُ، أعْطِهِ مائةَ ألف أُخرى. قال إسْحاقُ: فكان ذلك أوَّلَ مالٍ اعْتَقَدْتُه.وأخْبَرَنَا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد الفَرْغُوليِّ، فيما أجازَ لي مُشَافهةً، قال: حَدَّثَنَا أبو الفِتْيَان عُمَر بن عَبْد الكَريم بن سَعْدُوَيْه الحافِظ بدِهِسْتَان، قال: حَدَّثَني عليّ بن أحْمَد الأنْصَاريّ أبو الحَسَن الأنْدَلُسِيّ بَبيْت المَقْدِس، قال: أخْبَرَنِي أبو مُحَمَّد غَانِم بن وليد المَخْزُوميّ، قال: أخْبرَني أبو عُمَر يُوسُف بن عَبْد الله بن خَيْرُون السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَني أحْمَد بن أَبَان بن سَيِّد اللُّغَويّ، قال: أخْبرَني أبو عليّ إسْمَاعِيْل بن القَاسِم القَالِيّ (¬١)، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن الأنْبارِيّ، قال: حَدَّثَنَا ثَعْلَب النَّحْوِيّ فذكر بإسْنَادِه مثْلَهُ. أنْبَأنَا الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ (¬٢)، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن الحُسَين النِّعَالِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَرَج الأصْبَهَانِيّ (¬٣)، قال: ذَكَرَ أحْمَد بن أبي طَاهِرٍ (¬٤)، عن عَبْد الله بن أبي سَعْدٍ أنَّ عَبْد الله بن سَعيد بن زُرَارَة حدَّثَهُ عن مُحَمَّد بن إبْراهيم اليَسَارِيّ (a)، قال: لمَّا قَدِمَ العَتَّابِيُّ مَدِينَة السَّلام على المَأْمُون، أُذِنَ له، فدَخَلَ عليه وعندَهُ إسْحاقُ المَوْصِلِيّ، وكان العَتَّابِيّ شَيْخًا جَلِيْلًا نَبِيْلًا، فسَلَّم، فرَدَّ عليهِ، وأدْنَاهُ وقَرَّبهُ حتَّى قَرُبَ منه فقَبَّل يَدَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بالجُلُوس فَجَلَس، وأقْبَلَ عليه يُسَائِلُهُ عن حَالِه، وهو يُجِيْبُه بلسَانٍ طَلْقٍ (b)، فاسْتَطْرَفَ (c) المَأْمُونُ ذلك منه، وأقْبَلَ عليه بالمُدَاعَبَةِ والمَزْح (d)، فظَنَّ الشَّيْخُ أنَّهُ اسْتَخَفَّ بهِ، فقال:يا أَمِير المُؤمِنِين، الإيْنَاسُ قَبْلَ الإبْسَاسِ (a)، فاشْتَبَهَ على المَأْمُون قَوْلُه، فنَظَرَ إلى إسْحَاق مُسْتَفْهِمًا، فأوْمَأ إليهِ بعَيْنه وغَمَزَهُ على معناهُ حتَّى فَهِمَهُ، ثمّ قال: نَعَم، يا غُلَام ألف دِيْنارٍ، فأُتِيَ بذلك فوَضَعَهُ (b) بين يَدَي العَتَّابِيّ، وأخَذُوا في الحَدِيْث. ثُمَّ غَمَزَ المَأْمُونُ إسْحاقَ بن إبْراهيم عليه، فجعَلَ العَتَّابِيُّ لا يأخُذُ في شيءٍ إلَّا عَارَضَهُ فيه إسْحاق، فبَقِيَ العَتَّابِيّ مُتَعجِّبًا. ثمّ قال: يا أَمِيرَ المُؤمِنِين، أتأْذَنُ لي في مَسْألَةِ هذا الشَّيْخ عن اسْمه؟ قال: نعم سَلْهُ، فقال لإسْحاق: يا شَيْخُ، مَنْ أنْتَ، وما اسْمُكَ؟ قال: أنا من النَّاسِ، واسْمي كُلْ بَصَلْ. فتَبَسَّم العَتَّابِيّ ثمّ قال: أمَّا النَّسَبُ فمَعْرُوفٌ (c)، وأمَّا الاسْم فمُنْكَرٌ، فقال له إسْحاق: ما أقَلّ إنْصَافُكَ، أتُنْكر أنْ يكون اسْمي كُلْ بَصَل واسْمك كُلْثُوم (d)، وما كُلْثُوم من الأسْماءِ؟ أوَلَيسَ البَصَلُ أطْيَبُ من الثُّوم؟! فقال له العَتَّابِيُّ: لله درُّك ما أحَجَّكَ! أتأذَنُ لي يا أَمِير المُؤمِنِين أنْ أصِلَهُ بما وَصَلْتَني به؟ فقال له المَأْمُون: بل ذلك مُوَفَّرٌ (e) عليك، ونأمُرُ له بمثْلِهِ. فقال له إسْحاقُ: أمّا إذْ أَقْررتَ بهذه فتَوَهَّمْني تَجِدْني. فقال له: ما أظُنُّكَ إلَّا إسْحَاق المَوْصِلِيّ الّذي يَتَناهَى إلينا (f) خَبَرُه، قال: أنا حَيْثُ ظَنَنْتَ، فأقْبَل عليه بالتَّحيَّةِ والسَّلَام. فقال المَأْمُون، وقد طالَ الحَدِيْثُ بينهما: أمَّا إذا اتَّفقْتُما على المَوَدَّة فانْصَرِفا (g)، فانْصَرَفَ العَتَّابِيّ إلى مَنْزِل إسْحَاق، فأقامَ عندَهُ. أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبد المُعِزّ بن مُحَمَّد في كتابهِ، عن أبي القَاسمِ الشَّحَّامِيِّ، عن أبي القَاسِم البُنْدَار، قال: أنْبَأنَا أبو أحْمَد الفَرَضِيُّ، فال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الصُّوْلِيّ إجَازَةً، قال: حَدَّثَني الحُسَينِ بن يَحْيَى، قال: سَمِعْتُ جَعْفَر بن عليّ بن الرَّشِيْدِ يقول: لمَّا وَلي المتُوَكِّلُ الخِلَافَة، خرَجَ إليهِ إسْحاقُ بن إبْراهيم المَوْصِلِيّ من بَغْدَاد مُهَنِّئًا،وكانَ قد ضَعُفَ وضعُفَ بَصَرُه، فلمَّا دَخَلَ عليه دعا له، واسْتَأذَنَهُ في الإنْشَادِ، فأذِنَ له فأنْشَدَ (¬١): [من الكامل] أشْجَاكَ من أسْمَاءَ رَسْمٌ دَارسُ … قَفْرٌ بمختَلفِ الرِّيَاحَ بسَابِسُ فلمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ: يا خَيْر مَن وَرِثَ الرَّسُولَ ومَنْ بهِ … سَمَقَت فُرُوِع خِلَافَةٍ ومَغَارِسُ أنْتَ ابنُ آباءٍ سَمَتْ بكَ منهُمُ … خُلَفَاءُ أرْبَعةُ وأنْتَ الخَامِسُ وإِذا دُعيتَ إلى الجِنَان مُخَلَّدًا … مَعَ رُفْقَةِ الأبْرَار أنْتَ السَّادِسُ إنَّ الخِلَافَة لا تكونُ لغَيرِكُمْ … أبَدًا وإنْ زعمَتْ لذاكَ مَعَاطِسُ قال له المُتَوَكِّلِ: يا إسْحاقُ، ودِدْتُ أنِّي أشْتَري لكَ شَبَابًا وقُوَّةً بنِصْف مُلْكيّ، ثمّ سَأل عمَّا وَصَلَهُ به الوَاثِقُ حين خَرَج إليهِ، فأضْعَفَهُ له. قال الصُّوْلِيّ: وأمَّا حَمَّادُ بن إسْحاقَ، فرَوَى أنَّ المُتَوَكِّل لمَّا وَلي الخِلَافَة كَتَبَ إليهِ إسْحاق (¬٢): [من الطويل] لعَمْري لقَدْ زَان الخِلَافَةَ جَعْفَرٌ … فكانتْ لهُ الحقَّ الّذي ليسَ يُنْكَرُ تَنَاهَتْ إليهِ فاسْتَقَرَّ قَرارُها … ونَامَ بهِ مَنْ كان للخَوْفِ يَسْهَرُ وأصْبَحَ مَنْ في الأرْض بعدَ مَخَافة … وقد أمِنُوا ما كان يُخْشَى ويُحْذَرُ تَلَألأ تاجُ المُلْك لمَّا لبسْتَهُ … وأصْبَحَ مُخْتالًا سَرِيرٌ ومِنْبَرُ فوصَلَهُ وأمَرَهُ بالخُرُوج إليه. أنْبَأنَا زَيْد بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخبَرَنا أبو بَكْر الحافِظ (¬٣)، قال: أخْبَرَني عُبَيْدُ الله بن أحْمَد بن عُثْمان الصَّيْرَفِيّومُحَمَّد بن أحْمَد بن شُعَيْب الرُّويَانِيّ، قالا: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن إبْراهيم بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا ابن دُرَيْد، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الأوَّل بن مُرَيْد (a)، عن أَبِيهِ، قال: ماتَ إسْحاقُ ابن إبْراهيم المَوْصِلِيّ سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين ومَائتَيْن، وماتَ فيها إسْحاق بن إبْراهيم الطَّاهِريّ. قال: وأنْشَدَني في ذلك الوَقْت رَجُلٌ يُعْرَفُ بابن سَيَّابَة (¬١): [من الوافر] تَوَلَّى (b) المَوْصِلِيّ فقَدْ تَوَلَّتْ … بَشَاشَاتُ (c) المَعَازِف والقِيَان وأيّ غَضَارة تَبْقَى فتَبْقَى … حَيَاةُ المَوْصِلِيّ على الزَّمَانِ سَتَبْكِيْهِ المَعَازِفُ والمَلَاهِي … ويُسْعدهنَّ عاتِقَةُ (d) الدِّنَانِ وتَبْكِيْهِ الغَوَايةُ (e) يَوْمَ وَلَّى … ولا تَبْكيهِ تَاليَةُ القُرْآنِ
Parsing and provenance details
Local passage ID
237543
Book record
shamela-1160
Source record
134853
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate