page 1206, entry [384]Open original source
أحمدُ بن عَبْد الوَاحِدِ المُدَرْوِز العَجَمِيُّ (¬١) شَيْخٌ كبيرٌ صَالِحٌ، وَرَدَ حَلَبَ وأقام بها بمَسْجِد السَّيِّدة عَلوِيَّة بنت وَثَّاب بن جَعْبَر النُّمَيْرِيَّة والدة مَحْمُود بن نَصْر بن صالح بن مِرْدَاس، بالقُرْبِ من تَحْت القَلْعَة، وانْضَمَّ إليه في المَسْجِد جَمَاعَةٌ من الفُقَرَاءَ الصَّالِحيْن، وكان يخدُمُهم بنَفْسه ويُدَرْوِز (¬٢) لهم في زِبِّيْل (¬٣) كَبير كان مَعَهُ، ويُمُد لهم من ذلك سُفْرةً في كُلِّ يَوْمٍ، ولمَّا شَاخ واحْدَوْدَبَ وضعُفَ عن حَمْل الزِّبِّيْل، كان يأخُذُ معه فَقِيْرًا من الفُقَرَاء يَحمل الزِّبِّيْل معهُ، وكان يُعْرَف بأحْمَد الزِّنْبِيل لذلك. وكان حَسَن الأخْلَاق، مَعْرُوفًا بالخَيْر والصَّلَاح، صَحِبَ رُوْزبَهَار وقَضِيْب البَان بالمَوْصِل، وشاهدْتُهُ وأنا صَبيٌّ وقد انْحَنَى واحْدَوْدَبَ، وقد حَضَر سمَاعًا مع الفُقَرَاء، وطاب فانْتَصَبَ قائمًا تامّ القَامَة، وكانت هذه عَادتُه إذا طاب في السَّمَاع، وكان يَحْكى عن قَضِيْب البَان كَرَامَات.وأخْبَرَني تَاج الدِّين أحْمَد بن هِبَة الله بن أمِيْن الدَّولَة، قال: سَمِعْتُ الشَّيْخ أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد المُدَرْوِز، يقُول: إنَّ سَبَبَ اشْتِغَالي بالدَّرْوَزَةِ أَنَّنى كنتُ قد حَجَحْتُ وزُرْتُ النَّبِيّ ﷺ، فبقيتُ بالمَدِيْنَة ثلاثة أيَّام لا أطْعَمُ طَعَامًا، فجئتُ إلى قَبْر النَّبِيّ ﷺ، وجَلَسْتُ عندَهُ، وقُلتُ: يا رسُول الله، أكُونُ ضَيْفَك ولي ثلاثة أيَّامٍ لم أُطْعَم طَعَامًا؟! قال: فهَوَّمْتُ وانْتَبَهتُ وفي يدِي دِرْهَمُ كبيرُ، فخرجْتُ واشْتَريْتُ به شيئًا أكَلْتُهُ، وشيئًا للُبْسِي، ثمّ اشْتَغَلْتُ بعد ذلك بالدَّرْوَزَة. قُلتُ: وكان المَلِك الظَّاهِر ﵀ وأُمَرَاؤُه يَحتْرَمُونَهُ ويُكْرمونَهُ. وتُوفِّيَ ﵀ بحَلَب بمَسْجِد السَّيِّدة في ثامن شَوَّال من سَنة سَبْعِ عَشْرة وستِّمائة، وكان قد ناهَز مائةَ سَنَة، وصُلِّي عليه بالمَسْجِد الجامع، ودُفِن بمقام إبْراهيم، ومَرُّوا بجَنَازَتهِ على باب دارِي، وصَعدْتُ إلى غُرْفَة في الدَّار مُشْرفِة على الطَّريق، فوجَدْتُ زَوْجَتي فيها نائمةً، فنَبَّهتُها، وقُلتُ: اجْلِسِي وانْظري جَنَازة الشَّيْخ أحْمَد المُدَرْوِز، فانْتَبَهت وقالت لي: السَّاعَهَ رأيتُ في منامي جنَازةً تَمُرّ بين السَّماءَ والأرْض، والمَيِّت مُغَطَّى بإزَارٍ أبْيَض والهَوَاءُ يُهَبِّبُه، وقد جَاءوا بالجنازَة إلى مَشْهَد المَلِك رِضْوَان خارج حَلَب، فأدْخلُوا الجنَازة إلى البُسْتَان إلى جانبهِ، وهو البُسْتَان المَعْرُوف بالجُنَيْنَة. قُلتُ: وتَبع جَنَازَته جَمْعٌ عظيمٌ، رَحْمَةُ الله عليهِ.