page 646, entry [284]Open original source
غزوة رسول الله، ﷺ، إلى حنين ثم غزوة رسول الله، ﷺ، إلى حنين وهي غزوة هوازن في شوال سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال. قالوا: لما فتح رسول الله، ﷺ، مكة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض وحشدوا وبغوا، وجمع أمرهم مالك بنعوف النصري، وهو يومئذ بن ثلاثين سنة، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونستئهم وأبنائهم حتى نزلوا بأوطاس، وجعلت الأمداد تأتيهم فأجمعوا المسير إلى رسول الله، ﷺ، فخرج إليهم رسول الله، ﷺ، من مكة يوم السبت لست ليال خلون من شوال في اثني عشر ألفا من المسلمين: عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من أهل مكة. فقال أبو بكر: لا نغلب اليوم من قلة! وخرج مع رسول الله، ﷺ، ناس من المشركين كثير، منهم صفوان بن أمية، وكان رسول الله، ﷺ، استعار منه مائة درع بأداتها، فانتهى إلى حنين مساء ليلة الثلثاء لعشر ليال خلون من شوال، فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر أصحاب رسول الله، ﷺ، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب. ووجه رسول الله، ﷺ، عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فدخل عسكرهم فطاف به وجاء بخبرهم، فلما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين فأوعز إليهم أن يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة، وعبأ رسول الله، ﷺ، أصحابه في السحر وصفهم صفوفا ووضع الألوية والرايات في أهلها، مع المهاجرين لواء يحمله علي بن أبي طالب وراية يحملها سعد بن أبي وقاص وراية يحملها عمر بن الخطاب، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر، ويقال لواء الخزرج الآخر مع سعد بن عبادة ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية يحملها رجل منهم مسمى، وقبائل العرب فيهم الألوية والرايات يحملها قوم منهم مسمون. وكان رسول الله، ﷺ، قد قدم سليما من يوم خرج من مكة واستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدمته حتى ورد الجعرانة. وانحدر رسول الله، ﷺ، في وادي الحنين على تعبئة وركب بغلته البيضاء دلدل ولبس درعين والمغفر والبيضةفاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة وانكشفت الخيل خيل بني سليم مولية وتبعه أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين، فجعل رسول الله، ﷺ، يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله! ورجع رسول الله، ﷺ، إلى العسكر وثاب إليه من انهزم وثبت معه يومئذ العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد في أناس من أهل بيته وأصحابه، وجعل يقول للعباس: ناد يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة يا أصحاب سورة البقرة! فنادى، وكان صيتا، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك! فحملوا على المشركين فأشرف رسول الله، ﷺ، فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حمي الوطيس! أنا النبي لا كذب، أنا بن عبد المطلب! ثم قال للعباس بن عبد المطلب: ناولني حصيات، فناولته حصيات من الأرض ثم قال: شاهت الوجوه! ورمى بها وجوه المشركين وقال: انهزموا ورب الكعبة! وقذف الله في قلوبهم الرعب، وانهزموا لا يلوي أحد منهم على أحد، فأمر رسول الله، ﷺ، أن يقتل من قدر عليه، فحنق المسلمون عليهم يقتلونهم حتى قتلوا الذرية، فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ، فنهى عن قتل الذرية، وكان معه سيماء الملائكة، يوم حنين، عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم. وقال رسول الله، ﷺ: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. وأمر رسول الله، ﷺ، يطلب العدو فانتهى بعضهم إلى الطائف وبعضهم نحو نخلة وتوجه قوم منهم إلى أوطاس، فعقد رسول الله، صلىالله عليه وسلم، لأبي عامر الأشعري لواء ووجهه في طلبهم، وكان معه سلمة بن الأكوع، فانتهى إلى عسكرهم فإذا هم ممتنعون فقتل منهم أبو عامر تسعة مبارزة ثم برز له العاشر معلما بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله، واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم حتى فتح الله عليه وقتل قاتل أبي عامر، فقال رسول الله، ﷺ: اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعلى أمتي في الجنة! ودعا لأبي موسى أيضا. وقتل من المسلمين أيضا أيمن بن عبيد بن زيد الخزرجي. وهو بن أم أيمن أخو أسامة بن زيد لأمه، وسراقة بن الحارث ورقيم بن ثعلبة بن زيد بن لوذان، واستحر القتال في بني نصر بن معاوية ثم في بني رباب فقال عبد الله بن قيس وكان مسلما: هلكت بنو رباب! وقال رسول الله، ﷺ: اللهم اجبر مصيبتهم! ووقف مالك بن عوف على ثنية من الثنايا حتى مضى ضعفاء أصحابه وتتام آخرهم ثم هرب فتحصن في قصر بلية، ويقال دخل حصن ثقيف، وأمر رسول الله، ﷺ، بالسبي والغنائم تجمع، فجمع ذلك كله وحدروه إلى الجعرانة فوقف بها إلى أن انصرف رسول الله، ﷺ، من الطائف وهم في حظائرهم يستظلون بها من الشمس، وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستأنى رسول الله، ﷺ، بالسبي أن يقدم عليه وفدهم وبدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل، قال: ابني يزيد؛ قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل؛ قال: ابني معاوية؛ قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل. فأعطاه إياها وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها. وأعطى النصر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبلوأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين بعيرا، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا، وأعطى الحارث بن هشلم مائة من الإبل، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل، وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك شعرا فأعطاه مائة من الإبل، ويقال خمسين، وأعطى ذلك كله من الخمس وهو أثبت الأقاويل عندنا، ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم ثم فضها على الناس فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثني عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له. وقدم وفد هوازن على النبي، ﷺ، وهو أربعة عشر رجلا ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله، ﷺ، من الرضاعة فسألوه أن يمن عليهم بالسبي فقال: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقال: أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأسأل لكم الناس؛ فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله، ﷺ، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا! وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا! وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا! وقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله، ﷺ، فقال العباس بن مرداس: وهنتموني! وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلمإن هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بسبيهم وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن أبى فليرد عليهم وليكن ذلك قرضا علينا ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا. قالوا: رضينا وسلمنا، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم ولم يختلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يده منهم ثم ردها بعد ذلك. وكان رسول الله، ﷺ، قد كسا السبي قبطية قبطية. قالوا: فلما رأت الأنصار ما أعطى رسول الله، ﷺ، في قريش والعرب تكلموا في ذلك فقال: رسول الله، ﷺ: يا معشر الأنصار أما ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ قالوا: رضينا يا رسول الله بك حظا وقسما؟! فقال: رسول الله، ﷺ: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار! وانصرف رسول الله، ﷺ، وتفرقوا. وكان رسول الله، ﷺ، انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لأثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم بعمرة ودخل مكة فطاف وسعى وحلق رأسه ورجع إلى الجعرانة من ليلته كبائت، ثم غدا يوم الخميس فانصرف إلى المدينة فسلك في وادي الجعرانة حتى خرج على سرف ثم أخذ الطريق إلى مر الظهران ثم إلى المدينة، ﷺ. أخبرنا الضحاك بن مخلد الشيباني أبو عاصم النبيل قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي وأخبرني عبد الله بن عباس عن أبيه: أن رسول الله، ﷺ، أتى هوازن في اثنيعشر ألفا، فقتل منهم مثل ما قتل من قريش يوم بدر وأخذ رسول الله، ﷺ، ترابا من البطحاء فرمى به وجوهنا فانهزمنا. أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن الزهري عن كثير بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون فولى المسلمون يومئذ، فلقد رأيت رسول الله وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أخذ بغرز النبي، ﷺ، والنبي ما يألو ما أسرع نحو المشركين، قال: فأتيته حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء فقال: يا عباس ناد يا أصحاب السمرة! قال: وكنت رجلا صيتا فناديت بصوتي الأعلى أين أصحاب السمرة؟ فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك! وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون. ونادت الأنصار: يا معشر الأنصار! مرتين، ثم قصرت الدعوى في بني الحارث بن الخزرج فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبي وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال: هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ بيده من الحصى فرماهم بها ثم قال: انهزموا ورب الكعبة! قال: فوالله ما زال أمرهم مدبرا وحدهم كليلا حتى هزمهم الله فكأني أنظر إلى النبي، ﷺ، يركض خلفهم على بغلة له. قال الزهري: وأخبرني بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف من السبي فجاؤوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا نبي الله أنت خير الناس وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا! فقال: إن عندي من ترون وإن خير القول أصدقه فاختاروا مني إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم؛ قالوا: ما كنا لنعدل بالأحساب شيئا. فقام النبي، ﷺ، خطيبا فقال: إن هؤلاء قد جاؤوا مسلمين وإنا قد خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيهمكانه؛ قالوا: يا نبي الله قد رضينا وسلمنا؛ قال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم يرفعون ذلك إلينا؛ فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء عن أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله، ﷺ، وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله! حان الرواح؟ فقال: أجل، ثم قال: يا بلال! فثار من تحت شجرة سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك! قال: أسرج لي فرسي، فأخرج سرجا دفاته من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر. قال: فأسرج فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كما قال الله، فقال رسول الله، ﷺ: يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله، قال: ثم اقتحم رسول الله، ﷺ، عن فرسه فأخذ كفا من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه! فهزمهم الله. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا إلا امتلأت عيناه وفوه ترابا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد. أخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: أخبرنا همام، أخبرنا قتادة عن الحسن عن سمرة: أن يوم حنين كان يوما مطيرا، قال: فأمر رسول الله، ﷺ، مناديا فنادى: إن الصلاة في الرحال.أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا همام، أخبرنا قتادة وأخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شعبة قال قتادة أخبرني عن أبي المليح عن أبيه قال: أصابنا مطر بحنين فأمر رسول الله، ﷺ، مناديه فنادى: إن الصلاة في الرحال. وأخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرني عبد الرحمن المسعودي عن القاسم عن عبد الله بن مسعود قالوا: نودي في الناس يوم حنين يا أصحاب سورة البقرة! فأقبلوا بسيوفهم كأنها الشهب فهزم الله المشركين.