page 7985, entry [7341]Open original source
الشيخ وكفاحه: إنه رحمه الله تعالى مع قيامه بالتدريس والتصنيف ما زال يكافح الفرق الزائغة، والمذاهب الهدّامة، والأفكار الإلحادية، والآراء اللادينية، وله جهود جبّارة في سبيل إخماد هذه الفتن، واشترك في جهاد الحرية واستخلاص الوطن من أيد غاصبة، وما ذلك إلا لكون صلته بالله قوية، وإيمانه راسخا، تجد فيه غيرة إيمانية، وشجاعة دينية، وحماسا في سبيل الإيمان والدين، وفيما يلى نبذة إجمالية لمكافحة الفرق الهدّامة الضالة: ١ - فتنة عناية الله المشرقي: وكان المشرقي صاحب لواء حزب خاكساران، وقد كافحه الشيخ كفاحا شديدا، لما رأى سكّان "بشاور" يتأثرون بأكاذيبه ومختلقاته، فناظره، وبَاهَله، وبين للناس دجله، ولما سافرإلى "مصر" كتب عنه في مجلة الإسلام الأسبوعية في عددها للواحد والأربعين من المجلد السابع لسنة ١٣٥٧ هـ، وحضَّ العلماء على أن يتنبهوا لأفكاره الهدّامة، ويلقموا الأحجار في أفواه هؤلاء الملاحدة، وقد أفتى علماء "مصر" أن آراء المشرقي كفر صريح، وإلحاد ظاهر، كتب في مقاله: عار والله على الذين يحملون لواء الدين، وينوءون بثقل أعبائه على أكتافهم، أن يسكتوا عن مثل هذه الحالة المنكرة الفظيعة، أو يقصروا في القيام للدفاع بالقدر، الذي يستحقّه هذا الفشل، وتتطلبه تلك الفوضى، كتب عن تفسيره "التذكرة" في كتابه "يتيمة البيان في شيء من علوم القرآن". ومن تفاسير أهل الباطن تفسير لعناية الله المشرقى الأمرتسري، سماه "التذكرة"، وحال الرجل أشهر من نار على علم، وهو على طريقة السيّد أحمد خان، الذى ذكر حاله في هدم أصول الإسلام، واتفق رأيه حذو القذة بالقذة في أكثر أصوله سواء بسواء، ولما ألَّف "تذكرته" هذه، وطبعها، ورآها علماء الحق أكفروه بالإجماع، لم يتخلف عنه أحد من أهل الحق، ثم أخذ يعدّد هفواته وأباطيله، وختم الكلام عليه بقوله: وبالجملة: وجوه كفر الرجل أكثر من أن تستقصى في هذا الموضع. وقد ماتت هذه الفتنة حتف أنفه، وصار الأمر كما كتب الشيخ فى نهاية مقاله: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وقد ألَّف الشيخ رسالته "بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب"، ردا على هذا الضال، لما أصدر بيانا أن جهة القبلة في بلادنا غير صحيحة، ولا تجوز الصلاة إلى هذه الجهة التي تصلى إليها عندنا، فردَّالشيخ ﵀ على هذا الرجل، وأبطل "قوله بالحجّة والبراهين القاطعة بهذه الرسالة اللطيفة. ٢ - فتنة غلام أحمد برويز: قاوم فتنة إنكار حجّية الحديث والسنّة، فتة برويز وأعوانه، وكان برويز أسّس جمعية باسم طلوع الإسلام، ونشر من هذا المركز الآراء الهدّامة وأساسها أن القرآن الكريم يكفي للهداية، والحلال ما أحلّه الله، والحرام ما حرّمه. فالحرام هي الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما عداها حلال لما ورد في الآية الكريمة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وأعلن أن الأحكام القرآنية كانت موقّتة، وزاد الطين بلة إعانة أرباب الحكومة له، ففطن الشيخ لفظاعة الأمر، فقام لمقاومته، ويحهوده أصدرت الفتوى، وقدكتبها العلامة الشيخ المفتي ولي حسن، وعليها توقيعات علماء الأمة من "باكستان"، و"الهند" و"الحرمين الشريفين"، و"مصر"، و"الشام"، ما يزيد عددهم ألف عالم وفقيه ومفت، وكلهم أجمع على أن هذا الرجل ومن يدّعي مثل هذه الدعاوي لا صلة له بالإسلام، وبذلك ماتت هذه الفتنة ميتة سوء، وردَّ الله كيد الكافرين ومكر المفسدين، و ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ٣ - فتنة الدكتور فضل الرحمن: إن جنرال الرئيس محمد أيوب خان الرئيس البكستاني آنذاك أسّس مجمعا للبحوث الإسلامية، وبالأسف لم يكن هذا المجمع مجمعا علميا للبحوث الإسلامية، بل كان مجمعا للتنقيب في الدين وتحريفه، وتغيير وجهة نظر عامة المسلمين عنه، كي يضعف صلتهم بالدين، ولذلك انتخب لهرجالا لا صلة لهم بالعلوم الإسلامية ولا فيهم غيرة دينية، بل جلّ همّهم تحريف الدين، وطلب الدكتور فضل الرحمن المستشرق من جامعة ميككل لرياسة هذا المجمع، وإن هذا الرجل أراد أن يقبله العلماء، فاتصل بهم في بدء أمره، وأظهر لهم أنه يريد خدمة الإسلام والدين، ويحتاج إلى معونتهم، وبناء على رغبته ذهب الشيخ ﵀ إلى مجمع البحوث الإسلامية مرة، وبين لهم طريق الصواب، وسبيل الرشاد، ولكن كل إناء يرضخ بما فيه، أصدر الرجل وأعوانه بيانات وكلمات، تخالف أصول الدين، وحرّفوا في الدين، وأنكروا الأحاديث النبوية، وأحلّوا الخمر والربا، وغير ذلك من الهفوات. ونظرا إلى ذلك قام الشيخ بالدفاع عن الدين الحنيف، وردَّ ماكان يصدره هؤلاء في مجلتهم الشهرية فكر ونظر، ردّه بلسانه وقلمه وبمجلته الشهرية "بينات"، وأرسل على هؤلاء الطواغيت شهبا ثاقبة، واضطربت لذلك الأمة المحمدية، واضطرت الحكومة إلى أن تعزله عن رياسة المجمع، وبذلك قمع فتنته، ورجع الرجل إلى حيث أتى. ٤ - الشيخ ونقده الأستاذ المودودي: إن الأستاذ المودودي بدأ حياته كصحفي، ثم جعل يدعو الناس إلى إنشاء حكومة صالحة إسلامية، وأخذ يتقدم إلى أن شكل جماعة باسم الجماعة الإسلامية، لبذل الجهود لإنشاء حكومة إسلامية صالحة باسم تجديد الدين وإحيائه، ولبى الشعب المسلم على دعوته، حيث كانوا تحت ظلّ الحكومة البريطانية، وكانوا ينتظرو إنشاء الحكومة الإسلامية، فلمّا رأى الناس الاسم الحسن لدعوته والصورة الطيبة لندائه، لبّوا على دعوته، زاعمين فيها شفاء غلّتهم، ولكن بالأسف ظهر من قلمه ولسانه ما نبّه العلماء على هذهالأخطاء، وتفرّسوا الخطرات في أفكاره من الزيغ والانحراف والطعن على السلف من أقدم العصور إلى اليوم، وبناء على ذلك أصدر مركز الفتوى في "الهند" رياسة دار الإفتاء في دار العلوم بـ"ديوبند" الفتوى في الأستاذ المذكور وجماعته، وحذروا المسلمين عن المشاركة معه في جماعته، وأن من يتبعه، ويقول بقوله فهو آثم وعاص. وقد اتخذ العلماء وجهابذة الدين قرارا في حقّه وحق جماعته، وقالوا: إن مطالعة كتبه وتآليفه وحزبه تجعل الناس في حرية من اتباع أئمة الدين، وأن لا يبق لهم صلة بهم، الذي يتسبّب لضلالهم، ويضع صلتهم بالدين، وبالصحابة حملة الدين وناقليه، فنحن نعلن براءتنا عن هذه الجماعة (¬١)، وقد اتفق على هذا القرار الأجلة من العلماء والمفتين، الذين كان عليهم مدار الفتوى، ثم صدر هذا القرار منهم قبل أن يظهر من الأستاذ المذكور ما بدا في الأيام الأخيرة من شدة شكيمته في الطعن على الصحابة والتابعين، ولم يكن إذ ذاك صاحب تفسير، ولا صاحب "تجديد دين"، ولا صاحب "خلافة وملوكية" ما احتوى طامات، ولو رأوا ما رأينا، وبدا لهم ما بدا، لكان حكمهم أشدّ، ولكنهم لفراستهم الإيمانية تفرّسوا الخطر ببصائرهم، ونصحوا القوم بالاحتراز والتجنّب (¬٢). وقد نقد الشيخ ﵀ في كتيبه باسم "الأستاذ المودودي وشئ من حياته وأفكاره" الأستاذ في آرائه التي تخالف الدين وتناقضه حرصا لإبقاء آخرته ونصحا له، وإرشادا شأن الأبرار المتقين، ولم يخف في ذلك لومة لائم،وكان يعرف أن له، ولجماعة صلات بالدول العربية، حيث يقدرو جهوده لعدم اطلاعهم على هذه الطامات، حيث لم تترجم هذه الأشياء المنكرة بالعربية، ولو عرف إخواننا العرب ذلك لما عظموه، ولما أيّدوه شأنهم مع كل من يخالف الدين. وكتب الشيخ رحمه الله تعالى، في الجزء الثاني من كتابه "الأستاذ المودودي". ثم أنا أدري أن جماعته وحزبه لهم أموال طائلة في البلاد وخارجها، ولهم وسائل شتى من الجرائد والمجلات، وأقلام ومحابر، ولهم حماة ورعاة، ولهم إدارات وجمعيات، وعندهم من تنظيم للدعاية ما يدهش الحليم حيرانا، كم من باكستاني، وهندي، وعربي. وكم من جاهل صحفي أصبح مغرورا بسمتهم لأجل دعايتهم، وبعض منهم ممن يتطاهر بشتى المظاهر ليس له هم إلا المال والجاه، يطوف في البلاد لجمع الأموال بأسماء كاذبة، ما لها حقيقة، بكل زور وتلبيس لا يخشى الله، ولا يوم الحساب، ولا يخاف المقام عند رب الأرباب. فأمثال هؤلاء يفتتحو أفواههم بالازدراء وأقلامهم بالافتراء. عاملهم الله بعدله، أو هداهم إلى الحق بفضله، ""وسيعلم الذي ظلموا أيّ منقلب ينقلبون (¬١). وبعد أن انتقد كلامه في الأنبياء ﵈، والصحابة رضى الله عنهم، وضرويات الدين كتب في نهاية البحث: وقد قلت وأقول: إن كلامه في حق الأنبياء والرسل كلام كله فظيع، لا يستساغ، ولا يتحمل، وكذلك في حق الصحابة، عليهم رضوان الله، فهذا هو تفهيمه لا أدري، ولست إخال أدري كيف يخفى على الناظرين المغرمين بهأمثال هذه الأمور، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، فرحم الله من أنصف، وانقاد للحق، ولم يتعسّف (¬١). فقام الشيخ ﵀ ينقد عليه هذه الأشياء، وأصدر جزأين من كتابه الذي نوى أن يكمله في عشرة أجزاء، ولكن سبقتْه المنية، وانتقل إلى رحمة الله تعالى، فجزاه الله خيرا عن الدين والإسلام والمسلمين. هذا، ولم يكن هذه التلبيسات مخفية عن الناس، ولذا قام بالرد عليه كثيرون من العلماء من جميع الطوائف الإسلامية، حتى العلماء الذين كانوا معه في بدء أمره، ولما ظهرت لهم هذه المنكرات تركوه، وأظهروا للناس بطلانه، وأدّوا بذلك واجبهم، ولكن لم تظهر صوتهم لدعايته هذه الجماعة، وسلطتهم على الأموال والمناصب، والله يهدي الأمة المسلمة إلى ما فيه الخير والنجاة، والتوفيق والسداد.