page 7851, entry [7254]Open original source
بعض أخباره مع أصحابه وتلطفه مع أهل الحديث: أخرج ابن أبي العوام عن الطحاوي عن بكّسار بن قتيبة أنه سمع أبا الوليد الطيالسي يقول: لما قدم أبو يوسف "البصرة" حاجا مع هارون الرشيد اجتمع أصحاب الرأي وأصحاب الحديث على بابه، فطلب كلّ فريق منهم الدخول إليه أولا، فأشرف عليهم، فلم يأذن لفريق منهم، ولم يعنف فريقا على طلبه الدخول إليه قبل الفريق الآخر، وقال لهم جميعا: أنا من الفريقين جميعا، فلا أقدم فرقة على الأخرى، ولكني أسأل الفريقين عن مسألة، فأيهمأصاب الجواب دخل هو وأصحابه أولا، ثم أخرج خاتما كان في يده، فقال: رجل مضغ خاتمي هذا، حتى هشمه، ما الواجب لي عليه؟ قال: فاختلف عليه أصحاب الحديث، ولم يعجبه قولهم، وقال له رجل من أهل الرأي: عليه قيمته مصوغا من الذهب، يغرمها لصاحب الخاتم، ويأخذ الفضّة المهشومة لنفسه، إلا أن يشاء ربّ الخاتم أن يحتبسه لنفسه، ولا شيء له على هاشمه، فقال أبو يوسف: يدخل أصحاب هذا القول، فدخل أصحاب الرأي، ودخلت معهم، فسأله المستملي، فأملى في أول مجلس حديثا عن الحسن بن صالح، ثم كأنه خطر بقلبه شيء، أو كلّمه رجل بشيء لم أفهمه، فقال ما أخاف على رجل من شيء خوفي عليه من كلامه في الحسن بن صالح، فوقع في قلبي أنه أراد شعبة، فقمت على قدمي، ثم قلت: لله عليّ أن لا أجلس في مجلس يعرض فيه بأبي بسطام، ثم خرجت، فرجعت إلى نفسي، فقلت: هذا قاضي الآفاق ووزير أمير المؤمنين وزميله في حجّه، وما يضرّه غضبي، ولا ينفعه رضائي، فرجعت، فجلست حتى فرغ المجلس، فأقبل عليّ إقبال رجل ماكان له همّ غيري، فقال لي: يا هشام! وإذا هو يعنيني، لأني كنت عنده بـ "بغداد "، والله ما أردت بأبي بسطام سوءا، ولو فى قلبي أكبر منه في قلبك فيما أرى، ولكني لا أعلم أني رأيت رجلا مثل الحسن بن صالح، قال بكّار بن قتيبة: فذكرت هذا لهلال ين يحيى، فقال: أنا والله الذي أجاب أبا يوسف في مسألة الخاتم الذي سأل عنها: ولقد كان قتيبة يعني أبي حاضر المجلس معنا، وشاهدي، أن أبا يوسف يومئذ أملى علينا بابا من مكاتب، فلمّا فرغ منه قمت إليه من بين الناس، فقلت له: ليس هذا قولكم في الصرف، أفنغير ذلك القول، ونثبت هذا، أو نغير هذا، ونثبت ذلك القول؟ فقال أبو يوسف: دعوهما، فسيأتي من يميز بينهما. اهـ.وأخرج أيضا عن الحسن بن القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا أحمد بن صالح بن مهران، حدّثني عرزم بن فروة، قال حجّ أبو يوسف القاضي، فلما صار إلى "الحجاز" أصاب الواقدي بحال ضيقة، فحمله معه إلى "بغداد"، فلما دخل على الرشيد سلّم عليه، وسلّم على يحيى بن خالد، فقال له يحيى: يا أبا يوسف! أي شئ أهديت إلينا من "مكة"، قال: أهديت إليك هدية لم يهدها أحد قبلي إلى أحد قبلك، قال: وما هي؟ قال: أهديت رجلا تسأل عما شئت، قال: فهيا بتعجيل البعثة به، قال الواقدي: فبعث بي أبو يوسف إليه، فما زال يسألني طول نهاره، فلما كان الليل أمر أن يفرش لي إلى جانب فراشه، فلمّا كان السحر دعا بدواة وقرطاس، وكتب كتابا دفعه إلى بعض خدمه، وقال: إذا صلى الشيخ صرْ معه إلى فلان، وادفع الكتاب إليه، فلمّا صلّيت قال الخادم: امض بنا، فصار بي إلى رجل أدخلني عليه، وأوصل الكتاب إليه، فقال الرجل للخادم: امض لسبيلك، وقال لي: اقعد، ثم دعا بغلمان، فأمرهم بفرش أنطاع، فجعلوا ينقلون البدر، ويضعونها على الأنطاع، فلمّا تعالى النهار قلت له: يا هذا! إن لي شغلا، فإن رأيت أن تروج أمري، فافعل، فقال لي: أنا في حاجتك، كتب إليّ الوزير أن أدفع إليك مائة ألف، فقلت: على رسلك، أعطني عشرة آلاف درهم، واحبس الباقي عندك، وانصرفت إلى أبي يوسف، فأعلمته، فقال لي أبو يوسف: لست أرضى لك بها، حتى أزداد لك. اهـ. هكذا كانت منزلة الواقدي عند أبي يوسف مدى نفاذ كلمة أبي يوسف على الوزير، ومبلغ تقدير الجميع للعلم في ذلك العهد. وأخرج أيضا عن الطحاوي عن عبدة بن سليمان عن إبراهيم بن الجراح، قال: لما أردت الخروج إلى "البصرة" قلت لأبي يوسف: من ألزم بها؟ فقال له جماد بن زيد، وعظم من قدره، فلمّا قدمت "البصرة" لزمت حمادا،فوالله ما جرى ذكر أبي يوسف عنده إلا أتبعه بالوقيعة فيه، فبينا أنا عنده إذ أتته امرأة تسأله أن يكتب لها شرطا، فشقّ عليه أن يردّها، وشقّ عليه أن يتشاغل عن أصحاب الحديث، وكبر الأمر في قلبه، فقلت له: يا أبا إسماعيل! مرها، فلتدفع إلى صحيفتها، حتى أكتب لها، ففعل، وأمسك عن الحديث لأفرغ من الصحيفة، فقلت: لا تحتاج إلى هذا حدّث، ففعل فلمّا فرغت منه الكتاب ناولته الصحيفة، فأخذها، وقرأها، فأعجبته، ثم قال: ممن تتعلمون هذا؟ قلت: من الذي لا يجري ذكره إلا وصلت ذلك بالوقيعة فيه، ولقد أوصاني عند فراقي إياه ألا ألزم أحدا غيرك، فقال: من هو؟ قلت: أبو يوسف، فاستحيا، ولم يكن يذكره بعد إلا بخير. اهـ. وفي ذلك عبر من ناحية إنصاف أبي يوسف في أهل الرواية، وسعة صدر ابن الجراح إزاء التطاول على شيخه إلى سنوح فرصة، يتوصّل بها إلى كفّ حماد عن عدوانه في حكمة، وسداد وانطلاق ألسنة الرواة في أصحابنا من غير مبرّر. وأخرج أيضا عن الطحاوي، عن أبي خازم، عن الحسن بن موسى، عن بشر بن الوليد، قول أبي يوسف في محمد بن الحسن أيّ سيف هو؟ غير أن فيه صدأ يحتاج إلى جلاء، وفي الحسن بن زياد هو عندي كالصيد، لأني إذا سأله رجل أن يعطيه ما يطلق بطنه أعطاه ما يمسكه، وإذا سأله ما يمسكه أعطاه ما يطلقه، وفي بشر هو كإبرة الرفاء، طرفها دقيق ومدخلها لطيف، وهي سريعة الانكسار، وفي الحسن بن أبي مالك هو كجمل، حمل حملا ثقيلا في يوم مطير، فتذهب يده مرة هكذا، ومرة هكذا، ثم يسلم، وفي إبراهيم بن الجراح هو عندي كرجل عنده دراهم مكحلة، فكلّما مسّها نقصت. اهـ. والدراهم المكحلة هي التي يلصق بها الكحل، فيزيد منه الدرهم دانقا، أو دانقين، كما في "المغرب".