page 7847, entry [7253]Open original source
هل اجتمع الشافعي بأبي يوسف ﵄: اجتماعه به ممكن باعتبار معاصرته له، وقد ورد سؤال الشافعي أبا يوسف عن النبيذ في "جامع المسانيد" لأبي المؤيد الخوارزمي، لكنه خال من السند، مع عدم ذكر الحسن بن أبي مالك المذكور، كراو عنه في عداد من أخذ عن الشافعي في كتب مناقب الشافعي التي تستقصي ذكر شيوخه، مع جزم شيوخ الرواية أنهما لم يجتمعا أصلا، لو ورد ذلك بسند يعول عليه لكنا قلنا: إنه يكتفي بإمكان اللقي، وإن لم يثبت اجتماعهما في غير هذا الخبر، ولا يستبعد أن يكون الأصل (يوسف)، وزيد عليه (أبا) سهوا، ويوسف هنا يوسف بن خالد السمتي، وهو من شيوخ الشافعي باتفاق، وأما دعوى ابن الجويني مناظرة الشافعي أبا يوسف بمحضر الرشيد في "المدينة المنورة" في مسائل، وفي "مكة المكرمة": في مسألة في كتابيه "مغيث الخلق" و"المستظهري"، فقد بيّنّا وجوه تفنيدها في "إحقاق الحق" (ص ١٠، ١١) فلا داعي إلى إعادة الكلام، لأن سقوطها في غاية الظهور، وأما دعوى اجتماعهما في مجلس الرشيد يوم حمل الشافعي إلى "العراق" سنة ١٨٤ هـ في الرحلة التي يرويها عبد الله بن محمد البلوي وأحمد بن موسى النجّار فلا يتصوّر صدقها أيضا، لتقدّم وفاة أبي يوسف على ذلك التاريخ بسنتين، ولا بعث قبل النشأة الأخرى ليتمّ هذا الاجتماع، وليمكن إبعاد أبي يوسف من المجلس سحبا بالرجل، كما يهذي به بعضه. وهنا رحلة أخرى غريية التلفيق، وتبيين حالة الرحلتين في "بلوغ الأماني" (ص ٢٨) ومما يفضح وجوه الاختلاق فيما يرويه البلوي، كون وفاة أبي يوسف قبل ذلك التاريخ بسنتين، -كما سبق-، وعدم اجتماعهما أصلا على تعاصرهما عند النقاد، وعدم تولي محمد بن الحسن المظالم أصلا، وكونه قاضيا بـ "الرقة" إذ ذاك، وكون هو الذي أنقذ الشافعي من المحنة، وتلقّي الشافعي العلم منه بعد ذلك، بلوغ ما سمعه الشافعي منه حمل بختي (¬١) من الكتب، وكون الشافعي إذ ذاك في عهد الأخذ والتلقّي لا في مرتبة الإمامة والقدوة، حتى يتصوّر أن يحسده حاسد، وكون الشافعي مقرّا بفضله عليه في كلّ فرصة تأخّر ادعاء الشافعي الاجتهاد والقيام بالدعوة إلى ما بعد وفاة محمد بن الحسن بستّ سنوات عند قدومه "بغداد" ثاني مرة سنة ١٩٥ هـ، كما أوضحت ذلك كلّه في "بلوغ الأماني" و"إحقاق الحق" و"التأنيب" وغيرها، فيكون ادعا اجتماع الشافعي بأبي يوسف ومحمد بن الحسن معا في "العراق" سنة ١٨٤ هـ في مجلس الرشيد وسعيهما في قتله عند الرشيد من أسخف الكذب وأسقطه، إن أخرج الرحلة التي تنصّ على ذلك كلّه مثل الآبري وأبي نعيم الأصفهاني والبيهقي، فإذا لم يتحاش هؤلاء من تسجيل هذا الاختلاق المفضوح من كلّ ناحية لا يستغرب أن يغتر به عبد الملك بن الجويني وأبو حامد الطوسي والفخر الرازي، فيدوّنوا في صدد ترجيح مذهبهم ظلت الرحلة الكاذبة حاملين بين ضلوعهم نار حقد، لا تنطفئ ضدّ أصحاب أبى حنيفة فقهاء الملة، لظنّهم أن ما في تلك الرحلة صحيح كلّه، ولو كان ذلك صحيحا كما ظنّوا لكان أصحاب أبي حنيفة من أسقط خلق الله حقّا، لكنّهم براء صدقا من تلك التهمة الشنعاء بشهادة نفس تلك الرحلة المفضوحة وبشهادة التاريخ الصحيح، وإن لم ينتبه إلى ذلك ابن الجويني والغزالي والفخر الرازي لقلة إلمامهم بالمنقول وبأحوال رجال النقل، اكتفاء منهم بالمعقول والجدل معولين على نقول هؤلاء. قال الذهبي في "الميزان" عبد الله بن محمد البلوي عن عمارة بن زيد، قال الدارقطني: يضع الحديث، قلت (أي الذهبي): روى عنه أبو عوانة في "صحيحه" في الاستسقاء خبرا موضوعا. اهـ. وقال ابن حجر في "اللسان": وهو صاحب رحلة الشافعي طولها ونمقها، وغالب ما أورده فيها مختلق. اهـ. وفي "توالي التأنيس" وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله بن محمد البلوي، فقد أخرجها الآبري والبيهقي وغيرهما مطولة ومختصرة، وساقها الفخر الرازي في مناقب الشافعي بغير إسناد، معتمدا عليها، وهي مكذوبة، وغلب ما فيها موضوع، وبعضها ملفّق من روايات ملفّقة. وقال الذهبي: أحمد بن موسى النجّار حيوان وحشي، قال: قال محمد بن سهل الأموي، حدّثنا عبد الله بن محمد البلوي، فذكر محنة مكذوبة للشافعي فضيحة لمن تدبّرها، وأقرّه ابن حجر في "اللسان"، وقال ابن كثير في "تاريخه": من زعم من الرواة أن الشافعي اجتمع بأبي يوسف كما يقوله عبد الله بن محمد البلوي الكذاب في الرحلة التي ساقها للشافعي فقد أخطأ في ذلك، وإنما ورد الشافعي "بغداد" في أول قدمة قدمها إليها سنة أربع وثمانين ومائة، وإنما اجتمع الشافعي بمحمد بن الحسن الشيباني، فأحسن إليه، وأقبل عليه، ولم يكن بينهما شنآن، كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن، ويستغرب بعد هذا كلّه قول النووي في "المجموع"، وفي رحلته مصنّف مشهور مسموع، كما يستغرب قوله في "تهذيب الأسماء واللغات"، وبعث أبو يوسف القاضي إلى الشافعي حين خرج من عند هارون الرشيد يقرئه السلام، ويقول صنّف الكتب، فإنك أولى من يصنّف في هذا الزمان، بعد أن نصّ أهل الشأن على أن الشافعي لم يجتمع بأبي يوسف أصلا، ولا السخاوي في "المقاصد الحسنة"، وكذلك ما ذكر من أن الشافعي اجتمع بأبي يوسف عند الرشيد باطل، فلم يجتمع الشافعي بالرشيد، إلا بعد موت أبي يوسف، قال شيخنا: وكذا الرحلة المنسوبة للشافعي إلى الرشيد، وأن محمد بن الحسن حرّضه على قتله. اهـ. ومثله في "توالي التأنيس" فيكون هذا وذاك من هفوات النووي المعدودة، وأما ابن غانم فليس من أهل الرواية، فلا تستغرب منه كثرة الهفوات، فلا نشتغل بتفنيدها، والذي أراه أن مختلق تلك الرحلة في أول الدهر لم يكن دافعه إلى هذا الاختلاق مجرّد التحيز للإمام الشافعي ﵁، وهو في رفعة شأنه وذيوع عمله في غنية عن مناصرة المختلقين الآثمة، بل قصد ذلك المختلق الإيقاع بين المسلمين في الشرق الإسلامي، الذي كان ينقسم إذ ذاك إلى طائفتين عظيمتين فقط، وهم الحنفية والشافعية، علما منه بأن دسّ الفتنة بينهما بتلك الصورة المزرية الماسّة بكرامة الأئمة، يكون حاملا للفريقين على التنابذ والتناحر، فناشر كتب الفاتنين في آخر الزمن بعد ظهور وجوه الاختلاق فيها لا يكون أقلّ تبعة من المختلق الأصلي، فوجب الدفاع عن أئمة الهدى بحجج قاصمة لظهور الفاتنين، ففعلت بتوفيقه سبحانه، وفضحت افتراءات المفترين بأدلة نيرة واضحة المعالم، تختنق بأنفاس عصبة التعصّب، وتفهمهم خطورة التحزّب وتحمّلهم على الإقلاع من الدسّ بين الأمة بالتحامل على الأئمة، فمن يشتبه في شيء مما سطرناه فله أن يردّ بالحجّة ما ذكرناه، بل نرحّب بذلك كلّ ترحيب خاضعين لحكم الدليل القائم، وأما من يتجنى على مدلولات الألفاظ ونصوص النقول الماثلة أمامه، ويقوّلنا ما لم نقله، فإنما يكون مقرّا بضيق أفق اطلاعه على سعة دائرة تنطعه وتجريه، مع قلة تحريه، فمن لم يربأ بنفسه أن يعدّ ذكر المرء بالإقلال من الإفتاء مقتصرا على النوازل عين التصريح بغباوته، وأن يتصور كون الردّ على قول القائل يجب على كافة العاقلين وعامة المسلمين شرقا وغربا بعدا وقربا انتحال مذهب الشافعي، لأنه قرشي، والأئمة من قريش، بتذكير الخلاف في نسبه من كتبهم، وذكر الكلام في الحديث ودلالته عند أهل الشأن، بمعنى الطعن في النسب، يكون محروما من سلامة الفكر والطعن في النسب، هو ذكر مثالب فيه، لا تذكير الخلاف لمن يحاول رد إمامة كلّ إمام من أئمة الهدى المتبوعين، فإن كان هذا المتهوّر المتقوّل يعتقد صحة قول الجويني ذلك في (١٦) من "المغيث" فقد ردّ إمامة إمامه وإمامة سائر الأئمة أجمعين، وهذا هو الهراء حقّا، ويرثى لمن يطلق لسانه بكلّ عدوان في أقدس مكان غير متصوّن مما يوجب تضاعف السيئات. والله ولي الهداية.