page 7840, entry [7251]Open original source
اجتماع أبي يوسف بمالك بن أنس ﵄: اجتمع أبو يوسف بمالك -عالم دار الهجرة- عام حجّه مع الرشيد، وقد ذكر ذلك وكيع القاضي في "أخبار القضاة" وابن أبي العوام في كتابه السابق ذكره، وابن عساكر في "كشف المغطي"، ومن المعروف: أن أبا يوسف لما حجّ مع الرشيد سأله أبو يوسف أن يجمعه مع مالك للمناظرة في مسألة الحكم بشهادة شاهد واحد ويمين المدعي، كما هو مذهب أهل "المدينة"، فأبى مالك وأناب عنه المغيرة المخزومي أو عثمان بن كنانة من أصحابه، فتلا أبو يوسف آيات الشهادة، وقال: لا تسمع أن الله ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء، ولم يصحّ عن النبي أنه قضى به، وإنما يدور هذا الحديث على سهيل عن أبي صالح، ثم نسيه سهيل، فكان يحدّث ويقول: حدثني ربيعة عني، فلمّا نسيه سهيل بطل الخبر، فقال المغيرة: فلمّا قضى به رسول الله ﷺ، وقضى به علي، وفلان، فقال أبو يوسف: أنا أكلّمك بالقرآن، وأنت تكلّمني بأفعال الناس، أتراك تعرفني بهذا بما قضى به علي وغيره (¬١)؟ فقال المغيرة: أفأنت كافر بنبيّ، قضىباليمين مع الشاهد، أمؤمن به؟ فسكت أبو يوسف، كما أشرت إلى ذلك فيما علّقت على "الانتقاء" لابن عبد البر، وما كان لأبي يوسف غير السكوت تجاه مثل ذلك المناظر، وقد أفاض محمد بن الحسن في التدليل على قول أصحابنا في "موطئه"، وقد أشرت إلى أدلة أصحابنا في ذلك في "النكت الطريفة" إشارة وافية، مع ذكر جماعة من كبار المالكية خالفو مالكا في المسألة، في كتاب ابن أبي العوام عن الطحاوي ثنا ابن أبي عمران، ثنا على بن صالح، وبشر بن الوليد جميعا، عن أبي يوسف، قال: قدمت "المدينة"، فأخرج إلى من أثق به صاعا، فقال لي: هذا صاع النبي ﷺ، فقدّرته خمسة أرطال وثلثا. قال لنا ابن أبي عمران: الذي أخرج لأبي يوسف هذا الصاع هو مالك بن أنس، وقد بسطنا القول في ذلك في "إحقاق الحق" وأما الوقف فقد حكى الطحاوي عن عيسى بن أبان، أن أبا يوسف لما قدم "بغداد" من "الكوفة" كان على قول أبي حنيفة في بيع الأوقاف، حتى حدّثه إسماعيل ابن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر في صدقة عمر بسهامه من "خيبر"، فقال: هذا مما لا يسع خلافه، ولو تناهى هذا إلى أبي حنيفة، لقال له ولما خالفه. وروى الطحاوي عن بكّار بن قتيبة، قدم أبو يوسف "البصرة" حاجا مع هارون الرشيد، وهو على مذهب أبي حنيفة في إطلاق بيع الأوقاف، فجعل لا يرى أرضا نفيسة من "البصرة"، فيسأل عنها إلا أخبر أنها وقف رجل من أصحاب النبي ﷺ، فدخل قلبه من ذلك شيء، ثم صار إلى "المدينة"، فرأى ما هناك من صدقات أصحاب رسول الله ﷺ، فقدم "بغداد"، وقد زال عن قلبه كلّ ما كان فيه من بيع الأوقاف، وكان أبو يوسف اطلع على "الموطأ" بمناولة أسد بن الفرات لنسختهإياه، وكان محمد بن الحسن يعدّ هذا اكتفاء بشمّ العلم، حيث لم يرحل أبو يوسف إلى مالك، ورحل هو إليه، كما هو معروف، لكن لم تكن حاجة أبي يوسف إلى "الموطأ" كحاجة محمد إليه لسعة دائرة أبي يوسف في معرفة الأحاديث والآثار. وروى وكيع القاضي في "أخبار القضاة" عن أحمد بن إسماعيل السهمي عن مطرف الأصمّ، قدم هارون "المدينة" ومعه أبو يوسف، فبعث إلى مالك بن أنس بأمر أمير المؤمنين أن يخرج إليه، فكتب إليه مالك، يا أمير المؤمنين! إني رجل عليل، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليَّ بما أراد فعل، فاراد أن يكتب إليه، فقال له أبو يوسف: ابعث إليه، حتى يجيئ إليك، فبعث إليه، فجاء في دار مروان، وقد هيّئ لكلّ إنسان مجلس، فهيئ لمالك مجلسه الذي له، فقال له أبو يوسف: ما ترى في رجل حلف لا يصلي نافلة أبدا، قال: يضرب ويحبس، حتى يصلّي، قال: فجاء هارون، فقال له أبو يوسف: يا أمير المؤمنين! إني سألت مالكا عن كذا وكذا، فقال: كذا، فقال له هارون: وترى ذلك يا أبا عبد الله! قال: لا، قال أبو يوسف: أليس أفتيتني بذلك؟ قال: بلى، ولكن أبا يوسف رجل عراقي، إن أفتيته بترك النافلة يفتي الناس بترك الفريضة، وأنت لا أخافك على ذلك، فلمّا خرج مالك خرج معه أبو يوسف، يتوكأ عليه (أي لعلته)، ومالك يقول له: ارجع حتى بلغه منزله. وروي أيضا عن محمد بن إسماعيل السلمي، ومحمد بن العباس الكابلي، عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عن مالك بلغني أن أبا يوسف جاءه إنسان، فقال: إني حلفت بطلاق امرأتي لأشترينّ جارية، وذلك يشتدّ عليّ لمكان زوجتي ومنزلتها عندي، فقال له أبو يوسف: فاشتر سفينة، فهى جارية، لكن المبلغ لم يضبط، وإنما السؤال عمن يراد حلفه على أن لا يشتريجارية، فأمره بالحلف قاصدا بالجارية السفينة، والسهمي يروي عن مالك وغيره بالبواطيل، قاله ابن عدي، ومطرف مضطرب الحديث، والسلمي تكلّموا فيه في نقد ابن أبي حاتم، والكابلي غير مرضيّ عند ابن المنادي، وعبد العزيز انفرد بتضعيفه أبو داود، والخبر على كلّ حال من البلاغات.