page 7836, entry [7250]Open original source
رأيه في مسائل الكلام المتنازع فيها في عصره: روى ابن أبي العوام عن محمد بن أحمد بن حماد، عن محمد بن شجاع عن الحسن بن أبي مالك، سمعت أبا يوسف، يقول: القرآن كلام الله، من قال: كيف، ولم، وتعاطى مراء ومجادلة استوجب الحبس والضرب بالسوط المبرّح، وبه سمعت أبا يوسف يقول: لا يفلح من استحلى شيئا من الكلام، ويقول: احفظوا عني هذا، ولقد كان يقول: لو قدرت أن أقاسمكم ما عندي وما في قلبي من العلم لفعلت، وكان ناصحا، ما سمعته قطّ يرخّص في شيء من الكلام، ولقد كان ينهانا عنه أشدّ النهي، وبه إلى ابن شجاع، قلت: للحسن بن أبي مالك: أروي عنك أن أبا يوسف كان يرى أن من زاد على أن القرآن كلام الله أنه يرى عليه العقوبة بالضرب، قال: نعم، ارو ذلك عني، سمعت أبا يوسف يقول: من سأل عنه عوقب. قلت: يا أبا علي فهل توافق أبا يوسف على هذا؟ قال: لو خالفت في جميع قوله لوافقته على هذا، من سمعته يسأل عن شيء من هذا فهو رجل سوء، لا يؤدّيه سؤاله إلى خير. وسمعت محمد بن شجاع يقول: سمعت الحسن بن أبي مالك وبشر بن الوليد يقولان: إن رجلا حكى أن أبا يوسف قال: القرآن مخلوق، فأتينا أبا يوسف، فقلنا: نحن بطانتك وخاصتك، تخبر غيرنا بشيء تنهانا عنه، قال: وما هو؟ فذكرنا له ما حكى، فقال لنا: يا مجانين هؤلاء يكذبون على الله ﷿، فكيف لا يكذبون عليّ؟ وقال: أهل البدع يحكون كلامهم، ويكذبون على الناس، وقال الطحاوي: حدّثني يحيى بن عثمان عن أبي إبراهيم (بن معبد)، ضرب أبو يوسف رجلا من الأبناء كان يرى رأي الجهمية خمسة وثلاثين سوطا، وقال: لولا أنه كان من الأبناء لزاده، وهذا ظنّ الراوي، وروى الطحاوي عن على بن عبد الرحمن بن المغيرة عن سعيد بن ديسم سمعت إيراهيم بن الجراّح يقول: كنا عند أبى يوسف ومعنا بشر، وفي المجلس معنا يوسف بن أبي يوسف، فتكلّموا في مسألة، فقال ليوسف: ما أنت، وذا أقبل على داحك (¬١)، -وكانت عليه جبة وشيء له قيمة-. وحدّث أبو بكر الخصّاف أحمد بن عمرو بن مهير عن أبيه، سمعت الحسن يقول: قال أبو يوسف: أعلم ما تكون بالكلام أجهل ما تكون بالله ﷿. وروى الطحاوي عن ابن أبي عمران عن بشر بن الوليد، سمعت أبا يوسف يقول: من طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب العلم بالكلام تزندق، وعن إبراهيم بن الجنيد عن علي بن الجعد، قال سمعت أبا يوسف يقول، وسأله رجل فقال: يا أبا يوسف! يذكرون أنك تجيز شهادة من يقول: إن الله لا يعلم ما يكون، حتى يكون، فقال: ويحك هذا أستتيبه، فإن تاب، وإلا قتلته، وروى أسد بن الفرات عن أبي يوسف أنه قال: ذروا الخصومة في الدين والمراء فيه والجدال، فإن الدين واضح بين، قد فرض الله ﷿ وفرائضه، وشرع سننه، وحدّ حدوده، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. المائدة الآية ٣. فأحلّوا حلال القرآن، وحرّموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بالمتشابه منه، واعتبروا بالأمثال فيه، فلو كانت الخصومة في الدين تقوى عند الله لسبق إليها رسول الله وأصحابه بعده، فهل اختصموا في الدين أو تنازعوا فيه، وقد اختصموا في الفقه، وتكلّموا فيه، واختلفوا في الفرائض والصلاة والحجّ والطلاق والحلال والحرام، ولم يختصموا في الدين، ولم يتنازعوا فيه، فاقتصروا على تقوى الله وطاعته، والزموا ما جرت به السنة، وكفيتم فيه المؤونة، ودعوا ما أحدث المحدثون من التنازع في الدين، والجدال فيه والمراء، فإن لزوم السنة عصمة بإذن الله تعالى لمن لزمها، والذي سنّها كان أعلم بما في خلافها من الخطأ والزلل، وقد أنزل الله ﷿ في كتابه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. الأنعام الآية ٦٨. ولو شاء أنزل في ذلك جدالا وحجاجا، ولكنه أبى ذلك، ونهاهم، فقال: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، النساء الَاية ١٤٠. وقال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ آل عمران الآية ٢٠. ولم يقل: وحاجّهم، وعن إبراهيم بن الجنيد عن علي بن الجعد، سمعت أبا يوسف وسأله رجل، فقال: يا أبا يوسف يذكرون عنك أنك تجيز شهادة من يشتم أصحاب النبي على التأويل، فقال: ويحك، هذا أحبسه وأضربه، حتى يتوب، وتلك الروايات مما أسنده ابن أبي العوام في كتابه، وعن عثمان بن حكيم أنه رفع إلى الرشيد زنديق، فدعا أبا يوسف ليكلّمه، فقال له الرشيد: كلّمه، وناظره، قال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين! ادع ادع بالسيف، والنطع، وأعرض عليه الإسلام، فإن أسلم، وإلا فاضرب عنقه، هذا لا يناظر، وقد ألحد في الإسلام، كما في "تاريخ الخطيب"، و"مناقب الموفّق". وذكر الذهبي في "جزئه" عن علي بن الجعد عن أبي يوسف من قال: إيماني كإيمان جبريل فهو صاحب بدعة، وذكر وكيع القاضي عن محمد بن إشكاب عن أبيه، وعن الهيثم بن خارجة عن أبي يوسف بـ "خراسان" صنفان ما على الأرض شرّ منهما: المقاتلية والجهمية، يعني المجسّمة، والجبرية. وعلى صرامة أبي يوسف في السنة وقوة اعتصامه بها وشدّته في أهل البدع، كما رأيت تجد أناسا من النقلة لا يسعهم، إلا أن ينالوه ويرموه بالتجهّم أو الإرجاء، وهو من جميع البدع براء، والإرجاء الذي ينسب إليه هو محض السنّة، كما أوضحت ذلك في "التأنيب"، بل خلاف ما ذهب إليه يوقع في مذهب الخوارج أو المعتزلة عند من يعي ما يقال له، ولست أتحدّث هنا عن كلام أمثال العقيلي ممن ضاعت موازين عقولهم في نقد الرجال، اكتفاء بما ذكرت في "بلوغ الأماني"، و"التأنيب"، و"تقدمة نصب الراية"، وفيما علّقته على "جزء الذهبي" في مناقب أبي يوسف ﵀، ورضي عنه وأرضاه، وفي ذلك ما يغني عن الإعادة، والله الهادي للصواب.