page 2881, entry [2396]Open original source
زفر في طبقة المجتهد المطلق في التحقيق، وإن حافظ على انتسابه إلى أبي حنيفة: بعد أن علم أن زفر مع أبي يوسف كفرسي رهان في الاجتهاد، لا يبقى وجه للالتفات إلى قول من ظنّ أن زفر في عداد المجتهدين في المذهب، كما أوضحنا ذلك في غير موضع. وإنما وقع في ذلك الظنّ من رأى كثرة تنويه زفر بأقوال الإمام الأعظم، مع أن ذلك التنويه والموافقة لآرائه إنما كان بمعرفة لدليل الحكم، كما عرف هو، لا تقليدا له. قال ابن أبي العوام: حدّثني محمد بن أحمد بن حمّاد، سمعت محمد بن شجاع، سمعت أبا عاصم الضحّاك بن مخلد يقول: سمعت زفر، يقول: ما خالفت أبا حنيفة في قول إلا وقد كان أبو حنيفة يقول به. وحدّث ابن أبي العوام أيضا عن الطحاوي، عن ابن أبي عمران، سمعت سوار بن عبد الله العنبري القاضي -يعني الحفيد- يقول: سمعت أبا عاصم يقول: قال زفر بن الهذيل: كلّ أقوالي هذه قد قالها أبو حنيفة قبلي، ثم وقف منها على أشياء، لم أقف أنا عليها، فخالفها لما وقف عليه منها، وثبت أنا عليها. قال أحمد بن أبي عمران، فأنكرت ذلك، فأتيت محمد بن شجاع، فحدثته بذلك، فقال لي: مكانك، ثم دخل منزله، وخرج وفي يده كتاب، فقرأ عليَّ منه هذه الحكاية، عن أبي عاصم، كما سمعتها من سوار العنبري.وفي "الكردرية" أن يحيى بن أكثم روى عن والده أنه سمع زفر يقول: لم أجترئ أن أخالف الإمام بعد وفاته، لأني إذا خالفته في حياته، وأبرزت الدليل، وأتيت به ألزمني بالحقّ الظاهر من ساعته، وردّني إلى قوله، فأما بعد وفاته فكيف أخالفه؟ وربما لو كان حيا، وحاج لردّني إلى قوله. وهذا ليس بتقليد له، بل سكوت عما لا يعلم دليله، واطمئنان إلى الدليل، وفهم صحيح للدليل فيما يعلم، وهو الاجتهاد بعينه، وأبو حنيفة هو الذي كان ينهى أصحابه عن التقليد، ويأمرهم بإبداء ما عنده من الحجج، فيناقشهم فيها، حتى يستقرّ الحقّ في نصابه، وكان لأصحابه مقام عظيم في سرد الدلائل وتحقيق المسائل، بل كان أبو حنيفة يقول: لا يحلّ لأحد أن يفتي بقولي ما لم يعلم من أين قلته، ومع ذلك كلّه كان لزفر مخالفات في الأصول والفروع مدوّنة في كتب القوم، فلا يكون تأدّب زفر تجاه أستاذه محافظته على الانتساب إليه، وعرفانه لجميله عليه مما ينزل مقامه في الاجتهاد المطلق على حدّة ذهنه في قياس المسائل، وقوّة ضبطه للدلائل، وإتقانه للحديث، كما أقرّ بذلك أمثال ابن حبّان، وورعه البالغ معروف عند الجميع ﵁ وعن أساتذته وأصحابه أجمعين-. ولزفر نحو سبع عشرة مسألة يفتي بها في المذهب عند نقاد المذهب، ألّف فيها السيّد أحمد الحموي شارح "الأشباه والنظائر" رسالة سمّاها "عقود الدرر فيما يفتي به في المذهب من أقوال زفر"، وشرحها الشيخ عبد الغني النابلسي، ومحصها ابن عابدين، وانفرادات زفر في المسائل مدوّنة في "منظومة النسفي" في الخلاف وشروحها ببسط. وقد أشار أبو زيد الدبوسي في "تأسيس النظر" في فصل خاص إلى مخالفات زفر في الأصول والفروع، كما أشير إلى آرائه الخاصة في الأصول في كتب الأصول المبسوطة، كـ "شامل الأتقاني"، و"بحر الزركشي"، و"شروح أصول البزدوي" خاصة، فإن كان شأن المجتهد المطلق الانفراد بمسائل في الأصول والفروع، فها هو زفر، لهانفرادات في الناحيتين على أن الموافقة لإمام في الرأي في بعض مسائل الأصول أو الفروع عن علم بأدلتها لا تخلّ بالاجهاد المطلق أصلا، كما أوضحت ذلك في كثير من المواضع، والله سبحانه أعلم.