page 2879, entry [2395]Open original source
نشر زفر لمذهب أبي حنيفة في البصرة: وروى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن أبي خازم القاضي، سمعت أحمد بن عبدة يقول: قدم يوسف بن خالد السمتي "البصرة". من عند أبي حنيفة، فكان يأتي عثمان البتّي، وهو رئيسها وفقيهها، فيجاذب أصحابه المسائل، ويذكر لهم خلاف أبي حنيفة إياهم، فيضربونه، ويسبّون أبا حنيفة، فلم يزالوا كذلك، حتى قدم زفر بن الهذيل "البصرة"، فكان أعلم بالسياسة منه، فكان يأتي حلقة البتّي، فيسمع مسائلهم، فإذا وقف على الأصل الذي بنوا عليه تتبّع فروعهم، التي فرّعوا على ذلك الأصل، فإذا وقف على تركهم الأصل طالب البتّي، حتى يلزمه قوله، ويبين له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهودا عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البتّي على ذلك، واستحسنوا ما كان منه، قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره لهم، ويقيم الحجة عليهم فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه، ويطالب البتّي بالرجوع إليه، ويشهد أصحابه عليه بذلك، ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة. فما مضت الأيام، حتى تحوّلت الحلقة إلى زفر، وبقي البتّي وحده. هذا في رحلة زفر إلى "البصرة" في حياة إمام أهل "البصرة" عثمان بن مسلم البتّي ﵁. وأما رحلته إلى "البصرة" بعد وفاة البتّي وأبي حنيفة واستقراره فيها، أنبأ الصيمري عن أبي الحسن العبّاس بن أحمد بن الفضل الهاشمي، عن أحمد بن محمد المسكي، عن علي بن محمد النخعي، عن أبي خازم القاضي عن بكر (العمي) عن هلال بن يحيى، قال: رحل يوسف بن خالد السمتي من "البصرة" إلى "الكوفة"، فتفقّه عند أبي حنيفة، فلما أراد الخروج إلى "البصرة" قال له أبو حنيفة: إذا حضرت، فإنك تجيئ إلى قوم قد تقدّمت لهم الرياسة، فلا تعجل بالقعود عند أسطوانة واتخاذ حلقة، ثم تقول: قال أبو حنيفة، وقال أبو حنيفة، فإنك إذا فعلت ذلك لم تلبث، حتى تقام. قال: فخرج يوسف، فأعجبته نفسه، وجلس عند أسطوانة، وقال: قال أبو حنيفة، قال: فأقاموه من المسجد، فلم يذكر أحد أبا حنيفة، حتى قدم زفر "البصرة"، فجعل يجلس عند الشيوخ الذين تقدمت لهم الرياسة، فيحتج لأقوالهم بما ليس عندهم، فيعجبون من ذلك، ثم يقول: ههنا قول آخر أحسن من هذا، فيذكره، ويحتج له، ولا يعلم أنه قول أبي حنيفة، فإذا حسن في قلوبهم قال: إنه قول أبي حنيفة، فيقولون: هو قول حسن، لا تبالي بمن قال به، فلم يزل بهم، حتى ردّهم إلى قول أبي حنيفة ﵁. سوء السياسة في العالم يحرمه نشر العلم، واستفادة المجتمع منه، ولو أخذ يوسف السمتي بوصايا أبي حنيفة في معاشرة الناس، وسياستهم لما أوذي، ولا طعن في دينه، ولا رمي ببدع فظيعة ليس هذا موضع شرحها، (¬١) ووصية أبي حنيفة ليوسف السمتي مدوّنة في كتب المناقب، وقد قام بتحقيقها الأستاذ الغيور المفضال الشيخ إبراهيم المختار الزيلعي الجبرتي حفظه الله، وهي مطبوعة في مطبعة السيّد مصطفى البابي الحلبي، وهي من عيون الوصايا، تعلم القائم بالإرشاد بين الناس طرق معاشرتهم وسياستهم لينجح في إرشادهم وتعليمهم. وقد روى الصيمري عن عبد الله بن محمد الأسدي عن أبي بكر الدامغاني عن الطحاوي، عن ابن أبي ثور، عن سليمان بن عمران، عن أسد: قدم زفر "البصرة"، فدخل مسجدها، فانفضّت إليه حلق أصحاب التابعين.