page 1737, entry [1385]Open original source
استبحاره المدهش في علوم الرواية والدراية، وحافظته المحيّره للألباب، وسرعة مطالعته، ودقّة نظره: قال شيخنا مجمع الفضائل العلوم العلامة الشيخ أبو المحاسن محمد يوسف البنوري، ﵀ تعالي، في "نفحة العنبر من حياة إمام العصر الشيخ أنور" تحت هذا العنوان ما نصّه باختصار يسير: كان الشيخ الكشميري، ﵀، آية من آيات اللّه العظام، ونادرة من نوادر العصر، إماما في الحقائق والمعارف، لا يساهم، ولا يزاحم، وقدوة لأماثل العصر الحاضر في حلّ الدقائق ومشكلات العلوم وغوامض الأحوال العلمية والعرفانية، بحيث لا يُناضَل، ولا يُنازَع. كان إماما حجّة في علوم القرآن وعلوم الحديث، مُتْقِنا في كشف مَغْزاها ومَرْماها، وكان مرجعا للأمة الإسلامية في إيضاح معناها ومبناها، كان حافظا موعيا لمذاهب علماء الأمّة المحمدية، مع التغلغل في تخريجها وتنقيحها،واعيا لأقوالهم المختلفة الشتيتة، قادرا على اختيار بعضها من بعض ترجيحا، أحاط بالعلوم العقلية والفنون الحكمية الحديثية والقديمة، بالرأي الثاقب والحكم النافذ، كان نقيب العلوم العربية والفنون الأدبية، غائصا في بحارها وغمارها … جمع الله له من شَمْل الفضائل والفواضل ما تكلّ الألسنة عن تفصيلها، وتَتَلَعْثَم عن بيانها، ويتكفكف سَنَا المِزْبَر عن تسطير جميعها. فآثره الله بالقريحة الوقَّادة، ما خلت القرون عن أمثالها، وأردفه بقوة الحافظة ما بلغ غايةً ليس دونها غاية، حتى علمنا علمَ يقين صحةَ ما أثِرَ لنا من قوّة الحافظة للمحدّثين وسائر السلَف الصالح في العهد الغابر في كتب الطبقات والرجال والتاريخ، بل كأنّا رأيناهم رأيَ العين، فلم تبق لنا ريبة ولا خطرة من الوهم، فقد أبدى الصريحُ لنا عن الرَّغْوَة. بلغني عن الشيخ الفقيه المحدّث مولانا حسين أحمد المهاجر المدني أنه قال: سمعتُ حضرة الشيخ الكشميري ﵀ أنه قال: إذا طالعتُ كتابا مرتجلا، ولم أرد ادّخار مباحثه، يبقى في حفظي إلى نحو خمس عشرة سنة. ثم مع هذه الحافظة وفّق لغزارة المطالعة وسرعتها، بحيث تتحيّر منه العقول، حتى تُطْوَى من بين يديه ذخائرُ من المكنونات العلمية كلّ يوم، حتى سمعت من بعض خواص معارفه: أنه أول ما كان يطالع "مسند أحمد" المطبوع بـ "مصر"، كان يطالع كلّ يوم نحو مائتي صفحة منه، مع غور وإمعان في أسانيده وحلّ مشكلاته. وسمعتُ من حضرة الشيخ قوله ﵀: إني طالعتُ أولا "مسند أحمد"، فلخّصت منه أدلّة الحنفية والأحاديث المفيدة لهم في عدّة أيام، ولكن مع هذه السرعة كان ينقل أحاديثَه أينما احتاج له في المشكلاتوالمعضلات مع ضبط تام لأحوال رواتها وطبقاتها. ثم طالع "مسند أحمد" مرّة ثانية في أواخر عمره لالتقاط أحاديث نزول سيّدنا عيسى على نبينا وعليه السلام. ثم مكّنه الله من حسن الإلقاء على الطلبة، والإملاء على الأشهاد، بجَزَالة التعبير ونَفَاسة التحبير. وهاك أمثلة يسيرة من سرعة مطالعته، ودقّة نظره، واستبحاره في سائر العلوم النقلية والعقلية: ١ - طالع في سنة ١٣٢١ من الهجرة كتاب "فتح القدير" للشيخ المحقّق العارف كمال الدين ابن الهمام، ﵀ مع "التكملة" في بضع وعشرين يوما، وكتب تلخيصه إلى كتاب الحجّ، وأجاب عن إيراداته التي أوردها على صاحب "الهداية"، وناقشَ فيها في جزء لطيف. كلّ ذلك في تلك البرهة القصيرة، ثم استغنى عن المراجعة لنقل مباحثه في جميع المسائل مدّة عمره، وكان ﵀ حكى لنا هذه الواقعة في سنة ١٣٤٧ الهجرية تحديثا بنعمة ربّه، وحثًا لأشواق الطلبة ولَوَاعِجهم إلى مطالعة الكتب ومقاساة الشدائد فيها. ولفظه بالهندية: جهبيس سال هوئي بهر مراجعت كي ضرورت نهين بري، أور جو مضمون اسكا بيان كرون كا أكر مراجعت كرون كا تفاوت كم باوكي". انتهى. هكذا سمعتْه أذناي ووعاه قلبي، هذا، وأنت تعلم أن كتاب "فتح القدير" من أصعب كتب الفقه وأدقّها، يغوص مؤلّفه المحقّق ﵀ في مسائل أصل الفقه والجدل والخلاف ومباحث الكلام وغيرها، من نفائس العلوم، بتخريج وتنقيح، كتاب لا نظيرَ له في مزاياه وخصائصه، فَادْرِه الآنتَذُقْه، فإن من لم يذقْ لم يدْرِ، وكان الشيخ ﵀ يقول: إنه ليس أصوليا نظّارا في علماء المذاهب الأربعة مثل المحقّق ابن الهمام، وكتابه "التحرير" في أصول الفقه من أصعب كتب الأصول. ٢ - اختلف علماء "كشمير" في جواب مسألة، وأفتوا بعضهم خلاف بعض، وكان من حسن الاتفاق أن وَرَدَ الشيخُ ﵀ بـ "كشمير" فحضر الفريقان منهم لزيارته، ثم الفصل في تلك المعضَلة التي تَشَتَّتَتْ فيها آراؤهم، وعرض كلا الفريقين فتاواهما مكتوبة في حضرته، فأمرني الشيخ ﵀ بتحرير الجواب بعد ما فصَّل لي الأمرَ، ونقَّح، ووضَّح. وكان فريق منهم استدلّوا لفتواهم بعبارة كانوا يأثرونها عن "الفتاوى العمادية" المخطوطة، فقال لي الشيخ ﵀: واكتب فيه: إني قد طالعتُ "الفتاوى العمادية" بنسخة مخطوطة صحيحة في مكتبة دار العلوم الديوبندية، فليس فيها هذه العبارة قط، فكتب ذلك، فتحيّر الناظرون، وبُهِتَ المستدلّون بها. وأمثال هذه الواقعة أكثر من أن يحصر ويستقصي، ولو أردنا استيعابها لأعيانا الالتزام وسَئِمَ الناظرون، وإنما أردنا رَشْحَة بن رشحاته، ونموذجا من بدائع خصائصه. ولله درّ العالم العامل الورع الزاهد الشيخ المحدّث مولانا محمد إدريس الكاندهلوي شارح "المشكاة"، حيث قال في وصف حافظته، وأجاد: وقد صحّ عند الناس آثار حفظه … وقد حسَّنوها جُلُّ أهل التفض. ولكن أرى فيه الغَرَابة واضحا … أقول كقول الترمذي المحلَّل. حديث غريب ما عرفناه أسنَدَا … سوى وجه شاه الأنور المتهلَّل. وفي الباب عمن لا يُعدُّ ويُحصَر … ولا خُلْفَ فيه للمقّ ومبطل.٣ - سمعت من حضرة الأستاذ محقّق العصر الحاضر المفسّر الحاذق والمحدّث البارع مولانا ومقتدانا الشيخ شبير أحمد العثماني -طال بقاؤه، شيخ الحديث اليوم بـ "الجامعة الإسلامية"، صاحب "فتح الملهم شرح مسلم" وغيره- أنه قال: قد اعتاصَ عليّ حلّ فتنة سيّدنا داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام عند تحرير "فوائد التنزيل العزيز". فتصفّحتُ أسفارَ القوم من جميع مظانّها، وأجَلْتُ قدَاح النظر في أنْجَادها وأغْوارها، واستنفدتُ جهدي في الاستقراء البالغ، حتى بقيتُ في حلّ هذه العقدة العويصة نحو خمسة عشر يوما، فما صادفت ما يشفى صدري، ويَقْنَع غُلّتي بما يناسب جلالة شأن الأنبياء ﵈، وعصمتهم ووجاهتهم، وما يلائم نظمَ التنزيل المعجِز وسياقه البليغ، حتى عييتُ بها، فراجعتُ حضرة الشيخ الأنور ﵀ وكان مريضا ذا فراش، وكشفتُ له عن الحال والداء العضال، فقال ﵀ مرتجِلا مقتضِبا: أخرج أبو عبد الله الحكم في "مستدرَكه" أثرا لابن عبّاس رضى الله عنه، وهو يفيد في انحلال هذه العُقْدة، فراجِعْه لعلّه يشفى صدرَك، وهو أحسن ما روي في هذا الباب، وأقرب إلى سياق التنزيل. قال شيخنا المحقّق: فراجعتُه وتأمّلتُه، فسقى غُلَّتي وشفى عِلَّتي وانحلّتْ به عقدتي، وجعلتُ في "فوائد التنزيل" عليه مدارَ حلّ العُقْدة، وقرَرْتُه وفَصَلْتُه، ثم أرَيْتُ ٠ هـ الشيخَ ﵀، ففرح، واستبشر، واستحسن تطبيقي له بنظم التنزيل العزيز. هذا، وكم حلّ من مثل هذه العُقَد المعضَلة التي أشكل انحلالُها على الأفاضل والأذكياء من المدرّسين والمؤلّفين، بل على شيوخه وأكابره، فله منّةعظيمة على رقابهم، وكم هكذا أصاب المِحَزَّ، وطَبَّقَ المِفْصِلَ، فكفى وشفي، ورَوَى وأرْوَي، ولله درّ صديقنا الفاضل مولانا محمد يوسف الكاملفوري، حيث قال في حقِّه: كم هكذا صردت خوارق عادة … عنه وجاحدها من العُمْيَان. فهذا أكبر مؤلّف -في العالم في العصر الحاضر، تربو مصنّفاتُه على مِئِين، حتى فاقَ في كثرة التصانيف على الشيخ جلال الدين السيوطي- حكيم الأمة الشيخ الفقيه العابد الزاهد مولانا الشاه محمد أشرف على التهانوي طالَ بقاؤُه، كان يسأله عن أمور في غوامض المسائل ومشكلات الفتاوي، وسنشير إلى شيء منها. وهذا الشيخ الفقيه الحبر المحدّث خليل أحمد السهارنفوري ثم المدني، ﵀، صاحب "بذل المجهود شرح سنن أبي داود"، كان يسأله فيما يُشْكِلُ عليه في تأليفه شَرْحَه هذا من باب الرواية والدراية. وهذا شيخه المحقّق العارف مولانا محمود الحسن الديوبندي، قدّس سرّه، المعروف بـ "شيخ الهند" كان ربما يقول له: هل لأحد في ذلك قول؟ وهل عثرتَ لأحد على حلّ هذه المشكلة؟ اعترافا بسعة علمه وغزارة مطالعته وتبحّره واطلاعه الواسع. وهذا الشيخ مولانا محمد ظهير حسن النِّيْمَوي ﵀، المحدّث الشهير، صاحب "آثار السنن" كان يستفيد من الشيخ ﵀ بالتراسل والتكاتب في غوامض الحديث، وكان يستعين به في تأليف كتابه "آثار السنن"، وكان يعرض عليه ما يؤلّفه قطعةً قطعةً، هكذا سمعتُ عن حضرة الشيخ ﵀. وقال في كتابه "نيل الفرقدين". وقد كان الشيخ النِّيْمَوي المرحوم حين تأليفه ذلك الكتابَ يرسلُ إليّ قطعةً، حتى إني كنت مرافقا فيه، وزدتُ عليه أشياء كثيرة بعده.فناهيك بأمثال هؤلاء أعلام العصر عهودا عدولا قولا وعملا، وكثيرا ما رأينا في جملة من أسفاره في "بلاد الفَنْجاب" أنه كان يجتمع لزيارته طوائف من المشايخ، والعلماء المدرّسون المكِبُّون على مطالعة الفنون ليلا ونهارا، ويسألونه حلّ ما أشكل عليهم في أيّ كتاب من أيّ علم كان. فرجل يسأل في الفقه، ورجل في الحديث، وعالم في معضَلات النحو، وأخر في دقائق العلم الإلهية والطبيعية، وغيره في العلوم الآلية، وواحد في التاريخ بل في مهمّاته ومشكلاته، وآخر في سير المصنّفين وعاداتهم، هكذا واحد بعد واحد، فتارة يخاطب هذا وتارة يجاوب هذا، وتارة ذلك، ومرّة ذاك، فيشتفي، ويَشْفي، حتى ترى أنه بحر يموج، أو مُزنة تَهْمِي، أو واد يسيل، إذا شرع في الحديث خِلْتَ أنه لا يُحسِن غيرَه، وإذا شرع في استطراد غوامض الفقه ظننتَ أنه لا يعلم غيرَه، وإذا شرع في البلاغة ودقائقها حسبتَ أن الشيخ عبد القاهر ﵀ عادَ منشورا. هكذا كان حاله في دقائق العلوم ومعارفها، فما ظنّك بقواعدها العامّة ومسائلها المشهورة، وذكَّرني حاله هذا ما ذكر الحافظ ابن القيّم في "هداية الحَيَاري" في حقّ حبر الأمة عبد الله بن عبّاس، حيث قال: قال عطاء بن أبي رَبَاح: ما رأيتُ مجلسا قطّ أكرم من مجلس ابن عبّاس، أكثر فقها وأعظم جفنة، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر، يُصدِرهم كلّهم في واد واسع … وقال: وقال الأعمش: كان ابن عبّاس إذا رأيتَه قلتَ: أجمل الناس، فإذا تكلّم قلتَ: أفصح الناس، فإذا حدّثَ قلتَ: أعلم الناس. وقال الحافظ ابن القيّم نفسه في حقّ هذا الحبر: وكان بحرا لا ينزِف، لو نزل به أهل الأرض لأوسعهم علما، وكان إذا أخذ في الحلال والحرام والفرائض يقول القائل: لايحسن سواه، فإذا أخذ في تفسير القرآن ومعانيه يقول السامع: لا يحسن سواه، فإذا أخذ في السنّة والرواية عن النبي ﷺ يقول القائل: لا يحسن سواه، فإذا أخذ في القصص وأخبار الأمم وسير الماضين فكذلك، فإذا أخذ في أنساب العرب وقبائلها وأصولها وفروعها فكذلك، فإذا أخذ في الشعر والغريب فكذلك. انتهى كلامه. ولعمري ما وجدتُ أحسنَ ولا أوضحَ مثالا بالشيخ ﵀ ومآثره وخصائصه من هذه العبارة الجامعة لهذا الحافظ في حقّ حبر الأمّة، فلا ريبَ أن شيخنا ﵀ كان حبرَ الأمّة وبحرها، فكان عالما بمنابت القَصِيْص، جمع الله له شَمْل الفضائل والفواضل، ولقد صدق القائل: ليسَ على الله بمستنكَر … أن يجمع العالم في واحد. نعم! لو لم تكنْ هذه النظائر بين أعيننا لما تيقنّا ما أسلفَ لنا علماوُنا الغابرون في حقّ السلف، والآن بحمد الله كشف الغطاء عن أبصارنا، فبصرُنا اليوم حديد، نرى صدقَ جميع ذلك، وثلجتْ بها صدورنا، ويُلَمُّ بها شعَثُنا، فيا له من أمة هذه الأعلامُ والأحبارُ في آخرها!! فماذا يكون الظنّ بأولها؟! وهذا معنى قوله ﷺ: "مثل أمتي كالمطر، لا يدرَى أولُه خير أم آخرُه"، رواه الترمذي عن أنس ﵁، أو كما قال، فنظر ﷺ إلى مآثر هذه الأمْة وفضائلها في آخرها، فاستكثرها، فأعجبتْه فتناسى فضائلَ أولها، كيف لا يكون فضل باهر وشرف زاهر لعهد النبي ﷺ، وقد قال ﷺ: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم": "فالسابقون السابقون، أولئك المقرّبون". فسبحان مَنْ أقامَ في الأمّة لخدمة كتابه ودينهوالذبّ عن حريمه وحماه رجالا في بدء هذه الأمّة المختارة ونهايتها، ظاهرين على الحقّ ينشرُون العلم، ويخدمون الإسلام، ويصلحون ما أفسدَه الناس حتى يأتي أمر الله. هذا، وكانتْ قد انعقدتْ حفلة تأبينٍ عظيمة بالجامعة الإسلامية بعد وفاة الشيخ ﵀، تعزية ورثاء، وقد ألفى شيخنا محقّق العصر مولانا العثماني -طالتْ حياته- فيها خطبة باللغة الأردية، مؤثّرة بليغة ناجعة، فبكي، وأبكي، حتى ذرفت العيون، ووجلت القلوب، وقد قيل: عين عَرَفَتْ فذَرَفَتْ. أريد أن أهدي للناظرين طرَفَها وأزُفُّ إليهم عرائسَ أبكار الكلمات، التي التقطتُها من تلك المقالة الناجعة، فإنها كلمة كشفتْ عن وجوه مخدّرات مآثر الشيخ لثامَ الشكّ والارتياب، بحيث يرتاحُ لها أولو البصائر والألباب، فدونك كلمةً جامعةً ملخّصةً مترجمةً إلى العربية ترفُل في أذيالها، وتبدو للمشتاقين بحسنها وجمالها. قال طال بقاؤُه: أيّها السادة! قد أرخيَتْ اليومَ على العلم والفضل سدولُ الظلام، إذ قد نزلتْ داهية عظيمة أصبحتْ أربابْ الفضل والعلم قاطبة بها يتامي، ما أريد أن الطلبة وأصحاب التحصيل أصبحوا يتامي، بل العلماء والشيوخ وأساتذة الطلبة أضحوا يتامي، فقدوا من يقوم بحلّ مشكلاتهم. بلية قد غشيت العالم الإسلاميّ بأسره، لم يبق لنا اليوم مَنْ يحلّ لنا مشكلات القرآن، ووغوامض الحديث، فإلى مَنْ يرجع في المعضَلَات، وممن نَسْتطبُّ سَقَامنا، قد تزلزل اليوم أساسُ العلم، وانهدَّ عمود الملّة الإسلامية، فهذه ثَلْمَة، لا يرجَى سدادُها. ربّ مسائل معضَلة قد أعوزَني دواؤها، فاستقريتُ لها أسفارَ القدماء، وتصحفّتُ بها زبرَ كبار المحقّقين، فلم أفزْ بما يشفي غليلصدري، فراجعتُ حضرة الشيخ الأنور -أنار الله مرقدَه- فشفى صدري بكلمات مختصرة جامعة منقّحة، تطمئنُّ بها النفوس، وتقرّ به الأعين، وتسكن إليه القلوب، أو أرشدني إلى زبر وأسفار يكون هناك المحيص عنها، فيكون الأمر كما يقول. وهكذا كلّما كان يسأل عن دقائق المسائل مما بلغ الغاية دقّتها، ومما تعسّر على الأذكياء المتبحّرين انفصامها، يجيب عنها ارتجالا من غير رَوِيَّة وإمعان نظر، كأن قد حلّ جميع هذه المشكلات من زمان مديد، وفرغ عنها مطمئنّ القلب، فقد رزقه الله علما وسيعا، أحاط بسائر مشكلات العلوم من جميع جهاتها. اشتهرَ في الناس أنه كان في قوّة حافظته، ومواظبته المطالعة ليلا ونهارا، وتبحّره في العلوم، فقيد المثل وحيدا، ولكن الذي هو أكبر مزاياه عندى أنه كان خبيرا مطلعا على أرواح العلوم وحقائقها، وهذه هي غاية معارج العلم ونهاية مدارجه. لو سألني أحد: هل رأيتَ الحافظ ابن حجر العسقلاني؟ وهل لاقيتَ الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد؟ أو سلطان العلماء عزّ الدين بن عبد السلام ﵀؟ فلو أجبته بقولي: نعم، لكنتُ صادقا تشبيها واستعارة، ولا غروَ، فإنه كان متصفا بتلك المزايا التي امتازوا اليوم بها في الأمة، ولو سمحت الأيام بوجوده في تلك القرون المباركة لعدّ في طبقتهم، ولكان مثلهم اليوم في الأمّة الحاضرة، فأحسُّ أن اليوم قد توفي الحافظ ابن حجر، والحافظ ابن دقيق العيد، وسلطان العلماء، وحُرِمْنا من استفادة علومهم وبركاتهم اليوم. ثم فوق ذلك ما جمع الله فيه من الورع، والزهد، والتواضع، وحسن الخلق، شمائل كريمة، قلّما تجتمع في عالم، وإن اتّصف بها أحد واجتمعتْفيه هذه الملكات والشمائل الحسنة فمن أين لنا وجه كوجه الشيخ الأنور؟ حيث تنبعث أشعّته، ويتهلّل جبينه، وتقرّ العيون بمرآه، وتنشرح الصدور بزَوْرَة مُحَيَّاه، كثيرا ما رأينا في الأسفار أن الناظرين في الحفلات والمواعظ والمناظرات كما كانوا يتحيّرون من تلاطم علومه وسعة معلوماته، كذلك يندهشون من حسنه البارع، وجماله المعجب، بل الكفرة والمشركون كانوا يتأثّرون من نظرة إلى مُحَيَّاه، ولقد صدق القائل: ليس على الله بمستنكَر … أن يجمع العالَمَ في واحد. كان في بدء عمره لا يتوجّه كثيرا إلى حقائق التصوّف، ولكن غلبَ عليه في آخر العمر الانهماك والاستغراق في بيان الحقائق والمعارف، حتى قد يصدَع بحقائق عالية ومعارف مضنونة تُحَيِّرُ البصائرَ وألبابَ الفحول. ثم فوق جميع ذلك مصابرته على الشدائد، ومكابدته في المصائب، وقد جرّبنا ذلك في فتنة اختلافات "دار العلوم الديوبندية"، فتحيّرنا لضبط نفسه وشدّة صبره واستقامته واستقلاله، فاعتقدنا كمالاته بعد المسابَرَة والتجارب أزيد مما كنا نعتقدها من قبل. وقد صدق القائل: الصدر من يلقى الحطوبَ بصدره + وبصَبْره وبحمده وبشكره. انتهتْ كلمة الشيخ العلامة الحبر العثماني دامتْ بركاته ملخّصة. وقد استوعبتْ فنصعتْ، وجمعتْ فأوعبتْ، وكشفت الحجب فصَدَعَتْ، ولا تلحَقُكَ غفلة من أنّ هذه المقالةَ ليستْ من أحد تلامذة الشيخ ﵀، ولا من مسترشديه وأصحابه، بل هذه مقالة مَنْ بلغ الغاية القصوى في كمالاته وفضائله، ومن هو مُسَاهِمُه في شيخ، ومعاصره في عمر، شجرتان من روض واحد، سقيتا بماء واحد، فلله درّه ثم لله درّه، كيف صَدعَ بالحقّ وكَشَفَ بالصدق، جزاه الله عني أولا، ثم عن سائر المسلمين خيرَ ما يجازي به عبادَه المحسنين.وقال شيخنا البنوري في "نفحة العنبر" أيضا: