page 1120, entry [821]Open original source
مؤلّفات أبي جعفر الطحاوي: أما تصانيف أبي جعفر الطحاوي ففى غاية الحسن والجمع والتحقيق وكثير الفوائد، ولم تحظ "مصر" بطبع شئ منها سوى رسالة صغيرة سبقتْها بلاد في طبعها، رغم كون مصنّفها من مفاخر "وادي النيل"، ولو كان مثل هذا العالم في الغرب لانتدب أهل الشأن لدراسة كتبه، وتحقيقها رجالا خاصّة، بل نراهم يعملون هذا في بعض رجال الشرق في حين أننا أصبحنا بعداء عن تقدير مقادير الرجال. أغنياء بما نستقى من أدمغتنا فقط، من غير أن نرى حاجة إلى البحث والتنقيب في التراث الشرقي الفاخر، معمحاولتنا التجديد في كلّ شيء، فلو زاحمناهم في البحث والتعب وراء اجتلاء معارفنا، وباعدناهم في الموبقات، وصنوف السقوط لانبعثنا من جديد. وليس ذلك على الله ببعيد. فمن مصنّفات الطحاوي الممتعة: "كتاب معاني الآثار" في المحاكمة بين أدلّة المسائل الخلافية، يسوق بسنده الأخبار، التى يتمسّك بها أهل الخلاف في تلك المسائل، ويخرج من بحوثه بعد نقدها إسنادا ومتنا، رواية ونظرا بما يقتنع به الباحث المنصف المتبرّئ من التقليد الأعمى، وليس لهذا الكتاب نظيرٌ في التفقيه، وتعليم طرق التفقّيه، وتنمية ملكة الفقه، رغم إعراض من أعرض عنه. ولذلك كان الأستاذ المغفور له شيخنا العلامة محمد خالص الشرواني ﵀ اختاره في عداد كتب الدراسة مع "الآثار" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وكان لأهل العلم عناية خاصة بتدريس "كتاب معاني الآثار"، وروايته، وتلخيصه، وشرحه، والكلام في رجاله، فمن شرّاحه: الحافظ أبو محمد المنبجي، مؤلّف "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب"، وقطعة من شرحه موجودة في مكتبة أيا صوفيا بـ "الآستانة"، ومنهم: الحافظ عبد القادر القرشي صاحب "الحاوي في تخريج أحاديث معاني الآثار للطحاوي" -وقطعة منه موجودة بدار الكتب المصرية- وذكر القرشى في قسم الجامع من "طبقاته" (٤٣١) سبب تأليفه، وقال: كان ذلك بإشارة شيخنا الحجّة علاء الدين المارديني لما سأله بعض الأمراء عن ذلك الوقت، وقال له: عندنا. "كتاب الطحاوي"، فإذا ذكرنا لخصمنا الحديث منه يقولون لنا: ما نسمع إلا من البخاري ومسلم -في كلام نحو هذا- فقال له شيخنا: والأحاديث التي في كتاب الطحاوي أكثرها في البخاري ومسلم، والسنن وغير ذلك من كتب الحفّاظ -في كلام نحو هذا،فقال له الأمير: أسألك أن تخرجه، وتعزو أحاديثه إلى هذه الكتب، فقال له شيخنا: ما أتفرّغ لذلك. ولكن عندي شخص من أصحابي يفعل ذلك، وتكلّم معه ﵀ في الإحسان إلىّ، وعظّمني عنده، وجعلني أمة في هذا العمل. فحملني إلى الأمير، وأحسن إليّ، وأمدّني الأمير بكتب كثيرة، كـ "الأطراف" للمزّي، و"تهذيب الكمال" له، وغيرهما، وشرعتُ فيه، وكان ابتدائي فيه سنة ٧٤٠ هـ، وأمدّني شيخنا بكتاب لطيف، فيه أسماء شيوخ الطحاوي، وقال لي: هذا يكفيك من عندي، فحصلَ لي النفع العظيم. اهـ. إلى آخر ما ذكرَه هناك. وطريقته في التخريج أنه يتكلّم على أسانيده، ويعزو أحاديثه وإسناده إلى الكتب الستة، و"المصنّف" لابن أبي شيبة، و"كتاب الحفّاظ"، وهكذا، فخدم خدمة عظيمة في هذا الباب. ومن شرّاح الكتاب: البدر العيني الحافظ، وقد عني بتدريسه سنين متطاولة في المؤيّدية -وكان المؤيّد شيخ ملمّا بالعلم، يناقش العلماء في العلى، حتى جعل لهذا الكتاب كرسيا خاصا في جامعته، كباقي أمهات كتب الحديث، وعيّن لهذا الكرسي البدر العينيّ، فقام البدر بتدريس هذا الكتاب خيرَ قيام مدّة مديدة، وألّف شرحين ضخمين فخمين، صورة ومعنى. أحدهما "نخب الأفكار في شرح معاني الآثار"، ويتعرّض لتراجم رجال الكتاب في صلب هذا الشرح، كما فعل في "شرح صحيح البخاري". وهذا من محفوظات دار الكتب المصرية في ثمانية مجلّدات بخطّ المؤلّف وبها خروم. وتوجد بعض أجزاء منه في مكتبة أحمد الثالث في طوبقبو، ومكتبة (عموجة حسين باشا) بـ "الآستانة". والشرح الآخر هو "مباني الأخبار في شرح معاني الآثار" للبدر العيني، وهو محفوظ في دار الكتب المصرية بخطّ المولّف في ستة مجلّدات.وهو خلو من الكلام في الرجال، حيث أفردهم في تأليف، سماه "معاني الأخيار في رجال معاني الآثار" في مجلّدين، مع نقص في نسخة دار الكتب المصرية، يستدرك من نسخة مكتبة رواق الأتراك في "الأزهر الشريف"، وخدمة البدر العيني لـ "معاني الآثار" لا تقلّ عن خدمته لـ "صحيح البخاري"، والله سبحانه يكافئه على تلك الخدمات الجسيمة، ولا سيّما في تحقيق أحاديث الأحكام. وممن لخّص "معاني الآثار" حافظ المغرب ابن عبد البر، وبه امتلأ قلبه إجلالا للطحاوي، ويكثر النقل عنه في كتبه، ولا سيّما لـ "التمهيد"، وممن لخّصه أيضا الحافظ الزيلعي صاحب "نصب الرأية". وملخّصه محفوظ بمكتبة رواق الأتراك، ومكتبة الكوبريلي بـ "الآستانة"، وشرحه صاحب "اللباب في الجمع بين السنّة والكتاب" أيضا، وهو محفوظ في مكتبة أيا صوفيا في "الآستانة"، ولمحمد بن محمد الباهلي المالكي "كتاب تصحيح معاني الآثار" محفوظ في بانكوك، كما ذكره بروكلمان، ولم أطلعْ عليه. و "كتاب معاني الآثار" طبع عدّة مرّات في "الهند". لكن أين جمال الطبع المصري من الطبع الهندي فيا حبّذا! لو طبعتْ تلك الكتب مع إعادة طبع "المعاني الآثار" بـ "مصر" بعناية خاصة. ويقول الطحاوي في صدر "كتاب معاني الآثار": سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتابا، أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله ﷺ في الأحكام، التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضا، لقلّة علمهم بناسخها من منسوخها، وما يجب به العمل منها لما يشهد له من الكتاب الناطق والسنّة المجتمع عليها، وأجعل لذلك أبوابا، أذكر في كلّ كتاب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء،واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحجّة لمن صحّ عندي قوله منهم بما يصحّ به مثله، من كتاب أو سنّة أو إجماع أو تواتر، من أقاويل الصحابة أو تابعيهم. وأني نظرتُ في ذلك، وبحثتُ عنه بحثا شديدا، فاستخرجتُ منه أبوابا على النحو الذي سأل، وجعلتُ ذلك كتابا ذكرتُ في كلّ كتاب منها جنسا من تلك الأجناس، فبهذا تعلم بمبلغ ثقل ما قام بحمله الطحاوي، وعظيم مقدار عمله، ﵁، وأرضاه-. ومن مؤلّفات الطحاوي أيضا: "بيان مشكل الحديث" المعروف بـ "مشكل الآثار" في نفي التضادّ عن الأحاديث واستخراج الأحكام منها. وهو من محفوظات مكتبة فيض الله شيخ الإسلام في "إستانبول" تحت أرقام (٢٧٣ - ٢٧٩) في سبعة مجلّدات ضخام. وهي نسخة صحيحة مقروءة، من رواية أبي القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة الرعيني عن الطحاوي، قابلها، وصحّحها ابن السابق المترجم له في "الضوء اللامع". وللقسم المطبوع منه في "حيدر آباد" في أربعة أجزاء، ربما لا يكون نصف الكتاب على سقم الطبع، ومن اطّلع على "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي ﵁، و "مختلف الحديث" لابن قتيبة. ثم اطّلع على كتاب الطحاوي هذا يزداد إجلالا له، ومعرفة لمقداره العظيم، وكم كنا نود لو طبع بـ "مصر" تمام الكتاب من النسخة المذكورة، وقد اختصر أبو الوليد بن رشد الجدّ "كتاب مشكل الآثار" مع بعض اعتراضات منه عليه، واختصاره محفوظ بدار الكتب المصرية، واختصر هذا المختصر قاضي القضاة جميل الدين يوسف بن موسى الملطي منشيوخ البدر العيني في كتاب سماه (المعتصر من المختصر"، فأجاد في التلخيص والإجابة عما أورده ابن رشد. وطبع "المعتصر" بـ "الهند" مع الخطأ في اسم مؤلّفه، واسم مختصره - وهذا "المعتصر" نافع أيضا (¬١). و "اختلاف العلماء" للطحاوي في نحو مائة وثلاثين جزءا حديثيا. وقد اختصره أبو بكر الرازي، واختصاره هو الموجود في مكتبة جار الله ولي الدين في "إستانبول"، وأما الأصل فلم أظفرْ به، وأما القطعة الموجودة بدار الكتب المصرية فهى من "مختصر اختلاف علماء الأمصار" لأبي بكر الرازى، وإن نسبتْ غلطا إلى الطحاوي، وفي "المختصر" يذكر أقوال الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وأقوال النخعي، وعثمان البتي، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وابن شبرمة، وابن ليلى، والحسن بن حي، وغيرهم، من المجتهدين الأقدمين، الذين صعب اليوم الاطلاعُ على آرائهم في المسائل الخلافية، فيا ليت الأصل بحث عنه، وعن مختصره، وطبع هو أو مختصره، أو كلاهما. و "أحكام القرآن" للطحاوي في نحو عشرين جزءا، ويقول القاضي عياض في "الإكمال": إن للطحاوي ألف ورقة في تفسير القرآن، وذلك هو "أحكام القرآن" له، وللطحاوي أيضا "كتاب الشروط الكبير" في التوثيق في نحو أربعين جزءا، وقد طبع بعض المستشرقين جزءا منه، وتوجد قطعة منه في مكتبة على باشا الشهيد، وأخرى في مكتبة مراد ملابـ "إستانبول". من غير أن تتمّ بهما نسخة كاملة، وله أيضا "الشروط الأوسط"، و"مختصر الشروط" له في خمسة أجزاء، محفوظ في مكتبة شيخ الإسلام فيض الله، وتدلّ تلك الكتب على براعة الطحاوي البالغة في علم الشروط والتوثيق مهما تضايق من ذلك الأستاذ عبد القاهر التميمي. و"مختصر الطحاوي" في الفقه في المذهب على شاكلة "مختصر المزني" في مذهب الشافعى، وهو محفوظ بمكتبة "الأزهر"، ومكتبتي جار الله، وفيض الله بـ "الآستانة"، ولـ "مختصر الطحاوي" شروح، أقدمها وأهمّها "شرح أبي بكر الرازى" الجصّاص غاية في الإتقان دراية ورواية. قطعة منه توجد بدار الكتب المصرية، والباقى في مكتبة جار الله بـ "الآستانة". ومنها: شرح أبي عبد الله الحسين بن علي الصيمري، ومنها: شرح شمس الأئمة السرخسي: قطعة منه توجد في مكتبة السليمانية، والباقي في مكتبة (شهزاده) بـ "الآستانة". ومنها: شرح أبي نصر أحمد بن محمد، المعروف بالأقطع، شارح "مختصر القدوري"، وفيها شرح أبي نصر أحمد بن منصور الخجندي الإسبيجابي الكبير، ومنها: شرح بهاء الدين على بن محمد السمرقندي الإسبيجابي الصغير. وهما موجودان في عدّة مكتبات في "الآستانة". والكبير في مكتبة علي باشا الشهيد، والصغير في مكتبة بني جامع. ومنها: شرح أحمد بن محمد بن مسعود الوبري، وله غير ذلك من الشروح. وله أيضا "النوادر الفقهية" في عشرة أجزاء، و"كتاب النوادر والحكايات" في نحو عشرين جزءا، وله جزء في حكم أرض "مكّة"، وجزء في قسم الفئ والغنائم. وله الردّ في خمسة أجزاء على "كتاب المدلّسين" لأبي على الحسين بن علي الكرابيسي، الذي أعطى حججا لأعداء أهل السنّة بكتابه هذا، حيثحاول فيه توهينَ الرواة من غير أهل مذهبه ليحيا هو فقط ومذهبه، كلمة أحمد في كتاب الكرابيسي هذا مذكورة في "شرح علل الترمذي" لابن رجب، فالطحاوي سدّ هذه الثلمة بردّه على الكرابيسي، مشكورا فضله، وقد ذكر "كتاب المدلّسين" هذا الإمام أحمد، فذمّه ذمّا شديدا. وكذلك أنكر عليه أبو ثور، وغيره، من العلماء. قال المروزي: مضيت إلى الكرابيسي، وهو إذ ذاك مستور، يذبّ عن السنّة، ويظهر نصرة أبي عبد الله، فقال لي: إن أبا عبد الله رجل صالح، مثله يوفّق لإصابة الحقّ، وقد رضيت أن يعرض كتابي عليه، قال: وقد سألني أبو ثور، وابن عقيل، وابن حبيش أن أضرب على هذا الكتاب فأبيتُ عليه، وقلتُ: بل أزيد فيه ما سنح في ذلك، وأبى أن يرجع عنه، فجئ بالكتاب إلى أبي عبد الله، وهو لا يدري من وضع الكتاب، وكان في الكتاب الطعن على الأعمش، والنصرة للحسن بن صالح، وكان في الكتاب: أن قلتم: إن الحسن بن صالح كان يرى رأى الخوارج، فهذا ابن الزبير قد خرج، فلمّا قرئ على أبي عبد الله، قال: هذا قد جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجّوا به حذروا عن هذا، ونهى عنه. أهـ. وقال ابن رجب: وقد تسلّط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع في الطعن على أهل الحديث، وكذلك بعض أهل الحديث ينقل منه دسائسَ إما يخفى عليه أمرها أو لا يخفى، كيعقوب الفَسَوي، وغيره. اهـ. وعلى مثل هذا الكتاب الخطر ردّ الطحاوي ردّا، موفقا يشكر عليه. وله أيضا "كتاب الأشربة"، حمله هشام الرعيني إلى المغرب فيما حمل من كتب الطحاوي. وله أيضا جزءان في الردّ على عيسى بن أبان من أصحاب محمد بن الحسن، وجزء في الردّ على أبي عبيد في النسب وجزءان في اختلاف الروايات علىمذهب الكوفيين، وجزء في الرزية. وله "شرح الجامع الكبير" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، و"شرح الجامع الصغير". وله أيضا "كتاب المحاضر والسجلات"، و"كتاب الوصايا والفرائض"، و "كتاب التاريخ الكبير". قال ابن خلكان: وله تاريخ كبير، ولقد اجتهدتُ في تحصيله غاية الاجتهاد، وما ظفرت به، وكلّ من سألت عنه من أهل هذا الشأن جهلوا به. اهـ. لكن نرى كتب الرجال مكتظّة بالنقل عنه. وله أيضا "أخبار أبي حنيفة وأصحابه"، وهو الذي يسمّيه بعضهم بـ "مناقب أبي حنيفة". وله أيضا كتاب في النحل وأحكامها وصفاتها وأجناسها، وما روي فيها من خبر في نحو أربعين جزءا، وله العقيدة المشهورة (¬١) المسمّاة "بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة" على مذهب فقهاء الملّة أبي حنيفة وأبي يوسف الأنصاري ومحمد بن الحسن، ﵏. وله جزء في التسوية بين حدّثنا وأخبرنا. وقد لخّصه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"، وله أيضا "كتاب سنن الشافعي"، جمع فيه ما سمعه من المزني من أحاديث الشافعي عرفانا لجميله. والشافعية يروون تلك الأحاديث بطريقه، كما سبق، وللطحاوي "كتاب صحيح الآثار" محفوظ في مكتبة بانتا، كما ذكره بروكلمان، ولم أطلعْ عليه.وقد ألّف ابن قطلوبنا الحافظ جزءا في عوالي حديث الطحاوي، وسمعه عند قبره، وفعل مثل ذلك مع الليث بن سعد، وبكّار القاضي، والثلاثة محفوظة في مكتبة برلين، كما في بركلمان. وتلك شذرة من فضائل هذا الإمام الجليل، وهذا القدر من البيان كاف في هذا الشأن.