Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

كلام بعض الناس في الطحاوي

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 1112, entry [820]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 1112, entry [820]Open original source
كلام بعض الناس في الطحاوي: وقد سبق ذكرُ كلمات أهل العلم في الثناء على أبي جعفر الطحاوي بما هو جدير به، وشهادة أهل الشأن بثقته وديانته، وحفظه وأمانته، وفهمه وفطانته. ومن أمثال أبي سعيد بن يونس الحافظ، وأبي سعد السمعاني، وابن الجوزي، وسبطه، وابن عبد البر، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم، فلا داعى إلى إعادة ذكرهم، ومع ذلك لم يسعْ بعض المتعصّبين أن لا ينالوا منه، ليخفضوا منزلته العالية. لكن ما زادوا في مقامه السامي إلا علوّا وارتفاعا، ولا في نفوسهم المريضة، إلا انخذالا واتضاعا، -سامحهم الله، وألهمه الصنع عن هؤلاء المرضى في عقولهم وديانتهم، وفي ثقتهم وأمانتهم-، فأقول: قال أبو بكر البيهقى في أول "كتاب معرفة السنن": وحين شرعتُ في كتابي هذا جاءني شخص من أصحابي بكتاب لأبي جعفر الطحاوي، فكم من حديث ضعيف فيه صحّحه لأجل رأيه، وكم من حديث صحيح ضعّفه لأجل رأيه، هكذا قال البيهقي في "معرفة السنن"، وهي المعروفة بـ "السنن الوسطى". وقد قال الحافظ عبد القادر القرشي في كتابه "الجواهر المضية" في "كتاب الجامع" منه (٤٣١): معلّقا على هذه الكلمة: وحاش لله أن الطحاوي -رحمه الله تعالى- يقع في هذا. فهذا الكتاب الذي أشار إليه هو الكتاب المعروف بـ "معاني الآثار" -وبعد أن توسّع الحافظ القرشى في بيان ما صنّفه في تخريج أحاديثه بإشارة شيخه- قال: والله لم أرَ في هذا الكتاب شيئا مما ذكره البيهقي عن الطحاوي، وقد اعتنى شيخنا … ووضع كتابا عظيما نفيسا على "كتاب السنن الكبير" له، وبيّن فيه أنواعا مما ارتكبها من ذلك النوع، الذي رمى به البيهقي الطحاوي، فيذكر حديثا لمذهبه، وفي سنده ضعيف، فيوثقه، ويذكر حديثا على مذهبنا، وفيه ذلك الرجل الذي وثقه، فيضعّفه. ويقع هذا في كثير من المواضع. وبين هذين العملين مقدار ورقتين أو ثلاثة. وهذا كتابه موجود بأيدي الناس، فمن شكّ في هذا فلينظرْ فيه. وكتاب شيخنا كتاب عظيم، لو رآه من قبله من الحفّاظ لسأله تقبيل لسانه، الذي تفوه بهذا، كما سأل أبو سليمان الداراني أبا داود صاحب "السنن" أن يخرج إليه لسانه حتى يقبّله. والقصّة مشهورة. ثم قال القرشي: يقول الناس: إن الشافعي له فضل على كلّ أحد، والبيهقي فضله على الشافعي، فوالله ما قال هذا من شيم توجّه الشافعي وعظمته ولسانه في العلوم، ولقد أخرج الشافعى بابا من العلم ما اهتدى إليه الناس من قبله. وهو علم الناسخ والمنسوخ، وعليه مدار الإسلام. اهـ. وكتاب شيخه هو "الجوهر النقي في الردّ على سنن البيهقي" طبع أولا وحدَه في "حيدر آباد الدكن"، ثم طبع مع "السنن الكبرى". وأما "معرفة السنن" فلم تطبعْ بعد، وهى موجودة بمكتبة رواق المغاربة بـ "الأزهر"، والبيهقي (¬١). وإن أساء إلى نفسه بهذا الصنيع المكشوف الدخائل، لكنّه أحسن إلى العلم من حيث إن صنعه ذلك أدّى إلى تأليف "الجوهر النقي" النافع للغاية. والبيهقي ﵀ له كتب نافعة. لكن في معيار نقده خلل، يدعو إلى التبصّر في الاستسلام له، كما يتيقّن بذلك من طالعَ الكتابين الأصل والنقد. فيجد الردودَ الموجّهةَ إليه غاية الوجاهة إزاء أشياء ملموسة، في حين أن كلامه في الطحاوي كلام مرسَل على عواهنه، و"الحاوي في تخريج أحاديث الطحاوي" للحافظ عبد القادر القرشي، و"نخب الأفكار"، و"معاني الأخبار" للبدر العيني قامتْ بتمحيص الحقّ في ذلك، وهذا المقام لا يتّسع لأكثر من هذا. ثم تكلّم ابن تيمية في "منهاجه"، وقال في حقّ الطحاوي: ليستْ عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولهذا روى في "شرح معاني الآثار" الأحاديث المختلفة. وإنما رجّح ما يرجّحه منها في الغالب من جهة القياس، الذي رآه حجّةِ، ويكون أكثره مجروحا من جهة الإسناد، ولا يثبت، فإنه لم يكنْ له معرفة بالإسناد، كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث، فقيها، عالما. اهـ. فتراه يحكم عليه هذا الحكم القاسي، لأنه صحّح حديث ردّ الشمس لعليّ -كرّم الله وجهه-. فيكون الاعتراف بحصّة هذا الحديث ينافي انحرافه عن عليّ ﵁، وتبدو على كلامه آثار بغضه لعليّ ﵇ في كلّ خطوة من خطوات تحدثه عنه. ولا مجالَ لردّ حديث أسماء في ذلك من جهة الصناعة الحديثية، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية، ومعرفة الطحاوي بالعلل لا يتجاهلها إلا من اعتلّ بعلل، لا دواءَ لها، وقد جمع أهل العلم بالحديث طرق هذا الحديث قديما وحديثا، وحكموا عليه بالصحة، رضى ابن تيمية أم لم يرضَ، منهم: أبو القاسم العامري الحكم النيسابوري الحافظ، وللسيوطي جزء خاص في ذلك، وكذا لمحمد بن يوسف الصالحي، ومن القائلين بصحة ذلك الحديث القاضي عياض في "الشفا في تعريف حقوق المصطفى" ﷺ. لكن لا مجالا لرفع الغشاوة عن أبصار المنحازين إلى الخوارج، نسأل الله السلامة. وعادة ابن تيمية أنه إذا رأى مسألة واحدة لبعض أهل العلم يجعلها قاعدة كلّية عنده، فيعزو إلى ذلك الناطق بتلك المسألة الواحدة كليا خياليا، واستيلاد الكلّي من الجزئي منطق طريف، ينفرد هو به. على أن ما ظنّ أنه ترجيح بموافقة القياس ترجيح بعدم الشذوذ عن موارد الشرع، كما سبق، ثم الكلام في الأحاديث المختلفة بالتحدّث عن رجالها جرحا وتعديلا لا يخلو عنه بحث من بحوث كتابه، وكتابه بين أيدي أهل العلم، فمثل هذا التهجّم إزاء الحقائق الماثلة لا يصدر ممن يحترم نفسه، ولو أخذنا نسرد كلامَه في الرجال من ثنايا كتبه لطال بنا الكلام جدا، وخرجنا عن الموضوع، ومن الذي ردّ على كتاب المدلّسين للكرابيسي (¬١). سواء؟ أهذا شأن مَنْ يجهل علمَ الرجال؟ والجاهل بالرجال هو الذي يكتب أبو بكر الصامت الحنبلي في أغلاطه في الرجال جزءا مع تخيّره إليه. وكتب الطحاوي شهود صدق على علمه الواسع بالرجال، ثم إن ابن حجر العسقلاني لم يرضَ إلا أن يذكر الإمامَ الطحاويّ في "لسان الميزان"، وبهذا آذى نفسَه قبل أن يؤذي الطحاويّ لشذوذه عن جماعة أهل العلم في الثناء عليه، وهو كما يقول أبرّ أصحابه له الحافظ السخاوي في "تعليقاته" على "الدرر الكامنة": لا يستطيع أن يترجم لحنفى إلا باخسا لحقّه. ومنتقصا لشأنه، وفي هوامش "الدرر" كثير من كلام السخاوي في ذلك، فبهذا يتبيّن صواب ما قاله المحبّ بن الشِّحْنة في ابن حجر، إلا أنه لا يعلو على كلامه في حنفيّ متقدّم ولا متأخر لبالغ تعصّبه. وقد ترجم ابن حجر للطحاوي في "لسان الميزان" مستدركا على الذهبي ترجمة واسعة ليدسّ في خلالها هذه الكلمة، نقلا عن مسلمة بن القاسم عن ابن الأحمر التاجر الرحال: دخلت "مصر" قبل الثلاثمائة، وأهل "مصر" يرمون الطحاوي بأمر عظيم فظيع، فيقول ابن حجر شرحا لتلك الكلمة: يعني من جهة أمور القضاء أو من جهة ما قيل: إنه أفتى به أبا الجيش في أمر الخصيان. أهـ. كبرتْ كلمة تخرجُ من أفواههم، تراه يلوح، ولا يصرّح، لتذهب نفس السامع إلى كلّ سوء بشأنه، وليسئ إلى سمعته الطيّبة، أهكذا يكون الجرح والتعديل عند أهل النقد؟! ومن هؤلاء الذين كانوا يرمونه من أهل "مصر"؟ فليذكر واحدا أو اثنين منهم بدل أن يعزو هذا الرمي إلى جميع أهل "مصر" ليمكن النظر في حال الرامين، الذين لا يكونون عشر معشار أهل "مصر"، وما هذا الأمر الفظيع الذي يساق لتشويه سمعته؟ وماذا يفيد خبر المجاهيل في أمور مجهولة غير الكشف عن جهل مسجّلة بملء شدقيه، وعن طويته بين جنبيه؟. أكان الطحاوي قاضيا، حتى يصبح رميه بأمور تتعلّق بالجور في القضاء؟ وهو الذي كان يحضّ القاضى على محاسبة الأمناء، صونا للحقوق عن الضياع، وإيصالا لها إلى أصحابها، فيثورون، ويفورون، ويدبّرون تدابير ضدّه، من غير أن يحيق المكرُ السيئ إلا بأهله، كما سبق، وليس الفاجر يستفتي العلماء في استباحة الفجور، ولم يكن الطحاوي من الطراز الذي يخصّ أميرا أو وزيرا بفتيا، وكتاب السر يعزى إلى غيره، وقد وردت على المعري فريته السخيفة في موضعه، وبهت الأشرار على الأبرار، لا يأخذ به نيلا منهم إلا مثلهم. وكان الطحاوي ﵁ من أشدّ العلماء ردّا على مبيحى الأثفار. راجع معاني الآثار (٢: ٢٣)، بخلاف ابن حجر، فإنه قوى ثبوت القول به في "التلخيص الحبير" (٣٠٧)، وهذا مما يندي جبين العالم خجلا، لكن من لم يأب التغزّل في الغزلان، وألّف خمس رسائل في هذا الشأن، لا يأبى أن يلطخ الجباه الطاهرة بصنوف الأقذار من أهل الهذيان، وهو يعلم تكذيب كثير من علماء "الأندلس" لمسلمة بن القاسم القرطبي، وقول ابن الفَرَضى وغيره فيه: إنه ضعيف العقل، صاحب رقى ونير نحات حفظ عليه كلام سوء في التشبيهات. وقول الذهبي وغيره فيه: إنه ضعيف، وما قيل: إنه كان من المشبّهة، فبرواية مثله الموهمة، لا يطعن فيمن ثبتتْ أمانته وديانته، وثقته وإمامته، إلا من في نفسه حاجة -حفظنا الله من شرور أنفسنا، وألهمنا العدلَ في كلّ الأمور- وكان مسلمة أخذ مذهب المشبّهة عن شيخ السالمية أحمد بن محمد بن سالم البصري المذكور، حاله فيما علّقناه على "تبيين كذب المفتري"، وليس في استطاعة ابن حجر تبرئته من هذا المذهب الردي. ومضرب المثل السائر المصري فضحت نفسك بيديك يعرفه ابن حجر جيّدا، وقد سجّله الجمال بن عبد الهادي المعروف بابن المبرّد في كتابه عن القرن التاسع في ترجمة ابن حجر، وصيغة مثل ابن النديم بعيدة عن أن تكون صالحة للاحتجاج بها. راجع طبقات ابن السبكى (٤: ١٨) لتعلم رأي الشافعية في لزوم الحدّ أو سقوطه. ولله الأمر من قبل ومن بعد. وأما قول الأستاذ أبي منصور عبد القاهر التميمي في نقضه لكتاب أبي عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني في ترجيح مذهبه: واستقصى محمد بن جرير الطبري الشروط قي كتاب على أصول الشافعي، وسرق أبو جعفر الطحاوي من كتابه ما أودعه كتابه، وأوهم أنه من منتجات أهل الرأي فدليل على صواب ما ادّعاه الفخر الرازي من أهل مذهبه فيه من أنه كان شديد التعصّب على المخالفين، ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه -راجع: رسالة الرازي في مناظرته لأهل "ما وراء النهر"- فهل كان ابن جرير مصري الدار يسكن الطحاوي، حتى يتمكّن الطحاوي من سرقة كتاب ابن جرير في الشروط؟ وكتب الطحاوي في الشروط على مذهب أصحاب أبي حنيفة أفهل كان الكتاب المسروق مؤلّفا على مذهب أبي حنيفة؟! فإن كان ابن جرير كتب كتابا في الشروط، فإنما يكتبه على مذهبه الخاص، لأنه مجتهد مطلق بستقلّ، لا على مذهب أبي حنيفة، ولا على مذهب الشافعي، ودار ابن جرير في "طبرستان" في حوض بحر الخرز مدّة، وفي "بغداد" مدّة، وبعدهما عن "مصر" معلوم، فيكون يتصوّر أن يسرق أحدهما من الآخر خلسة؟! وليس بين وفاتيهما مدّة كبيرة، تسع لإخفاء السرقة، على أكبر تنزيل، على أن كتاب الشروط المعزو إلى ابن جرير باسم "أمثلة العدول" مما لا وجودَ له بين تراث السلف إلا في كتب التراجم. وأما كتب الشروط للطحاوي من صغير ومتوسّط كبير فمعروفة شرقا وغربا، متداولة في أيدى العلماء. ثم إن ابن جرير. أطال المقام في "طبرستان"، وعند ما عاد إلى "بغداد" كان مقهورا تحت سلطان الحشوية بـ "بغداد"، يرمون بيته بأحجار، ولا يتمكّن من المحافظة على نفسه إلا نجرس من الحكومة، ويضطرّ في بعض الأحوال أن يدفن بعض كتبه مثل "اختلاف الفقهاء"، فلم يكنْ حرا طليقا في نشر العلم في عهد سطوة الحشوية، وطال ذلك العهد هناك. وأما الطحاوي في "مصر" فكان موفور الكرامة، يجلّه الكبير والصغير، ويوالي القضاة الاستعانة بغزير علمه في الفقه والحديث والتوثيق وتسجيل الشروط، حتى سارتْ بتصانيفه وأنبائه الركبانُ في جميع البلدان شرقا وغربا. أمثله يكون في حاجة إلى السرقة في علم الشروط؟ وقد تلقّى علم الشروط من أمثال القاضى بكّار (¬١)، وابن أبي عمران، وأبي خازم عبد الحميد (¬٢) أصحاب أئمة علم الشروط بـ "البصرة" و"الكوفة" و"بغداد"، فمهما أبعد بعض العلوم عن الحنفية، لا يمكن إبعاد علم الشروط والتوثيق عنه، فإنهم أئمة هذا العلم من عهد أبي يوسف، وقبل عهده، وما جرى بين إبراهيم بن الجراح وبين حمّاد بن زيد مسجّل في موضعه، وقول يحيى بن أكثم في شروط هلال الرأي وغيره من أهل "البصرة" معروف (¬١)، ومن أحاط علما بذلك كلّه لا يتردّد لحظة في أن هذا الزعم نسج خيال التعصّب، وافتعال غير مدبر، نسأل الله السلامة، وعلى كلّ حال فإن كتاب أبي عبد الله الجرجاني وكتاب نقضه لأبي منصور عبد القاهر لا يخلوان من غلو وإسراف في القول، على جلالة قدر مؤلّفيهما، وأصاب ابن الصلاح حيث قال فيهما: كلّ واحد منهما لم يخل كلامه من ادّعاء ما ليس له، والتشنيع بما لا يؤبه به مع وهم كثير أتياه. -سامحهم الله تعالى وإيانا بمنّه وكرمه-.
Parsing and provenance details
Local passage ID
1092529
Book record
shamela-819
Source record
1107568
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain