page 881, entry [641]Open original source
ومن نعم الله تعالى عليه: أنه خصّه بعلوم لم يشركْ معه فيها غيره، والتي أشرك فيها معه غيره من سائر الأئمة كثيرة، لا يحصيها البيان، ونحن نذكر قليلا من ذلك الكثير، حسبما ذكرها محسن بن يحيى الترهتي في "اليانع الجني". منها: ما أكرمه الله تعالى به من الفصاحة في اللغة العربية والربط الخاص بالفنون الأدبية في النظم والنثر، كأنما الإعجاز أو السحر من رقّة اللفظ، ومعناه وصفاء المورد ومغناه.ومنها: علوم الفقه على المذاهب الأربعة وأصحابهم، والاطلاع على مأخذ المسائل ومنازع الحجج والدلائل. ومنها: علم الحديث والأثر مع حفظ المتون وضبط الأسانيد، والنظر في دواوين المجاميع والمسانيد، ولم يتفق لأحد قبله ممن كان يعتني بهذا العلم من أهل قطره ما اتفق له من زواية الأثر، وإشاعته في الأكناف البعيدة. ومنها: علم تفسير القرآن وتأويل كتاب الله العزيز، فمن نظر في كتبه شهد بتوفّر حظّه منه. ومنها: أصول هذه العلوم ومبادئها، التي هذّبها تهذيبا بليغا، وأكثر من التصرّف فيها يكاد يصحّ أن يقال: إنه باني أسها، وباري قوسها. فأما أصول التفسير فكتابه "الفوز الكبير" فيها شاهد صدق على براعته على كثير من أهلها، والحقّ أنه متفرّد بتحقيق هذا الفن وتدقيقه. وأما أصول الحديث فله فيها باع رحيب، وقد أشار ابنه عبد العزيز أن له فيها تحقيقات مستظرفة، لم يسبقْ إليها. وأما أصول الفقه فإنه شرح أصول المذاهب المختلفة وجمعها، وبيّن الفرق بين الأمور الجدلية والأصول الفقهية، وردّ وجوه الاستنباط على كثرتها إلى عشرة، وأسّس قواعد الجمع بين مختلف الأدلة وبين قوانين الترجيح. ومنها: علم العقائد وأصول الدين، فإنه أتى بأسرار غامضة في تطبيق بالمأثور، مما لا يهتدي إليها في الأعصار، إلا واحد ممن يجتبيه الله سبحانه، وذلك لأن المتكلّم في هذا العلم إما أن يكون صاحب حديث، يتهافت على ظواهره، أو صاحب كلام، يتعمّق في الرأي، أو صاحب فقه يتوسط الفريقين، أو صاحب ذوق، يطمئنّ إلى ما يتجلّى له، وقد جمع الله تعالى في صدره ما شتته بين هؤلاء.ومنها: آداب السلوك وعلم الحقائق، فإنه أفاض من ذوارف المعارف على أهلها سجالا، لأنه كان جامعا بين الطرق الثلاثة من السمع والفكرة والذوق، فلا يتجلّى له شئ من السرّ الغامض، فيقبله إلا بعد ما شهد بصحته شاهد صدق من المعقول والمنقول. لا أقول: إنه لم يشاركْه فيها من علماء أرضه ممن عاصرهم، أو تأخّر زمانه بقليل عن زمانهم، إلا أنه فضلهم بعلوم وهبية، ضمّها إلى علومه، وهي كثيرة لا تضبط. فمنها: فنون من علم التفسير، كبيان العلوم الخمسة القرآنية، وتأويل الحروف المقطّعات في أوائل السور، وتوجيه قصص الأنبياء ﵈، وبيان مباديها، التى نشأت من استعداد النبي صلّى الله عليه و آله وسلّم، وقابلية قومه، ومن التدبير الذى دبرته الحكمة الإلهية في زمانه، فقد ألّف لذلك رسالة جيّدة، سماها "تأويل الأحاديث". ومنها: ترجمة القرآن بالفارسية على شاكلة النظم العربي في قدر الكلام، وخصوص اللفظ وعمومه وغير ذلك، وسماها "فتح الرحمن في ترجمة القرآن". ومنها: ما ألقى الله في قلبه وقتا من الأوقات ميزانا، يعرف به سبب كلّ اختلاف وقع فى الملّة المحمدية -على صاحبها الصلاة والتحية-، ويعرف ما هو الحقّ عند الله وعند رسوله، وقد ذكر نموذجا من ذلك حين سئل عن الاختلاف في "الإنصاف"، و"عقد الجيد"، و"الهمعات"، وغير ذلك من مصنّفاته. ومنها: ما صبّ الله تعالى في صدره من نور كشف له وجوه أسرار الشريعة، ثم شرح صدره لبيانها، فبيّنها على أحسن وجه فى "حجّة اللهالبالغة"، وقد قال ولده عبد العزيز في كتابه إلى أمير حيدر البلغرامي: وكتاب "حجة الله البالغة" التى هى عمدة تصانيفه في علم أسرار الحديث، ولم يتكلّم في هذا العلم أحد قبله على هذا الوجه من تأصيل الأصول، وتفريع الفروع، وتمهيد المقدّمات، والمبادئ، واستنتاج المقاصد منها إلى المجلس والنادى، وإنما يستنشم نفحات قليلة من هذا العلم في كتاب "إحياء العلوم" للغزالي، وكتاب "القواعد الكبرى" للشيخ عزّ الدين بن عبد السّلام المقدسى، وربما يوجد بعض فوائد هذا العلم فى مواضع من "الفتوحات المكّية" للشيخ الأكبر، و"الكبريت الأحمر" للشيخ ابن عربي، وكذا مؤلّفات تلميذه الشيخ الكبير صدر الدين القونوي -قدّس سرّهما- وقد جمهما الشيخ عبد الوهّاب الشعراني في كتاب "الميزان"، انتهى. وليس على الله بمستنكَر … أن يجمع العالَم في واحد (¬١). ومن نعم الله تعالى عليه: أن أولاه خلعة الفاتحية، وألهمه الجمع بين الفقه والحديث وأسرار السنن ومصالح الأحكام وسائر ما جاء به النبي ﷺ من ربّه ﷿، حتى أثبت عقائد أهل السنّة بالأدلّة والحجج، وطهّرها من قذى أهل المعقول، وأعطى علم الإبداع والخلق والتدبير والتدلّي مع طول وعرض، وعلم استعداد النفوس الإنسانية لجميعها، وأفيض عليه الحكمة العملية، وتوفيقتشييدها بالكتاب والسنّة، وتمييز العلم المنقول من المحرّف المدخول، وفرق السنّة السنيّة من البدعة غير المرضيّة، كما قال في "التفهيمات الإلهية". ومن نعم الله عليّ ولا فخر أن جعلني ناطق هذه الدورة وحكيمها، وقائد هذه الطبقة وزعيمها، فنطق على لساني، ونفث في نفسي، فان نطقت بأذكار القوم وأشغالهم نطقت بجوامعها، وأتيت على مذاهبهم جميعها، وإن تكلّمت على نسب القوم فيما بينه وبين ربّهم، زويت لي مناكبها، وبسطت في جوانبها، ووافيت ذروة سنامها، وقبضت على مجامع خطامها، وإن خطبت بأسرار اللطائف الإنسانية تعوضت قاموسها، وتلمّست باغوسها، وقبضت على جلابيبها، وأخذت بتلابيبها. وإن تمطيت ظهر علوم النفوس ومبالغها، فأنا أبو عذرتها، آتيهم بعجائب لا تحصى، وغرائب لا تكتنيه ولا اكتناهها، يرجى، وإن بحثت عن علم الشرائع والنبوّات فأنا ليث عرينها، وحافظ جرينها، ووارث خزائنها، وباحث مغانيها. وكم لله من لطف خفي … يدقّ خفاء عن فهم الذكيّ وقال في موضع آخر من ذلك الكتاب: لما تمّت بي دورة الحكمة ألبسني الله خلعة المجدّدية، فعلمت علم الجمع بين المختلفات، انتهى. وقد أثنى عليه الأجلّة من العلماء ومنهم: شيخه أبو طاهر محمد بن إبراهيم المدني، قال: إنه يسند عني اللفظ، وكنت أصحّح منه المعنى، أو كلمة تشبه ذلك، وكتبها فيما كتب له، وهذا يقرب من قول البخاري في أبي عيسى حين قال له: ما انتفعتُ بكَ أكثر مما انتفعتَ بي، وليس وراءه مفخرة ترام، ولا فوقها منقبة تتمنى.شرف ينطح النجوم بروقيه … وعز يقلقل الأجبالا وقال الشيخ شرف الدين محمد الحسيني الدهلوي في كتابه "الوسيلة إلى الله"، ثم لما دوّنت علوم الولاية وقواعدها وقوانينها، وتحقّقت النفوس الكاملة بأصولها وفروعها، وغلبت على الاستعدادات المختلفة نتائجها وثمراتها، ومرّ الدهور والأعصار، وتطاولت إليها أيدى الأفكار، اختلطت علوم الولاية بعلوم النبوّة، لشدّة غموضها، اختلاطا صعب التمييز بينها، بل اختلطت العلوم كلّها من النافعة والضارّة، لاختلاط الناس عربهم وعجمهم، لاختلاف استعداداتهم وأمزجتهم، ولتمارس العلم وتداول الكتب بينهم، فتدبّر لكلّ أحد من الناس أن يحمل أيّ عبارة من أيّ علم شاء على وفق ذوقه بطريق فنّ الاعتبار، ويستدلّ بها على مدّعاه، وهو لا يدري أن حملها بطريق الاعتبار، وأن فن الاعتبار لا يتأتى به الاستدلال، فاشتبه الأمر على نفوس المستعدّين، وتعسر التحقّيق لها بالعلوم على حيالها، فأصيبت المصيبة، واستطارت البلية كلّ الجهات، حتى إن الزنادقة والملاحدة في زيّ الصوفية، وتطاولت أيديهم بعبارات القرآن العظيم والأحاديث النبوية ﷺ، وكلمات المشايخ الكبار، وحملوها على غير المراد، فضلّوا، وأضلّوا. فكاد الزمان أن يكون شبيها بزمان الجاهلية، فاقتضى التدبير الكلّى والحكمة الأزلية أن تظهر حقيقة الحقائق بالقدر المشترك، الجامع بين علوم النبوّة والولاية، بل الجامع بين العلوم كلّها مرّة أخرى في مظهرها الثالث، ليكون منصّة لظهور حقائقها الجامعة المميّزة بين العلوم ومراتبها، فهو يقنّن قوانين، ويدوّن قواعد، يحصل بها الامتياز التامّ بين علوم النبوّة والولاية، بل بين العلوم المعتدّة كلّها من التفسير والحديث والفقه والكلام والتصوّف والسلوك، فينزل كلّ علم منزلته، ويبلغ كلّعبارة وإشارة مبلغه، وهو الكامل المكمّل، زبدة المتقدّمين، قدوة المتأخرّين، قطب المدقّقين، غوث المحقّقين الشيخ ولى الله المحدّث الدهلوي -سلمه الله سبحانه- ومن كان له لطف قريحة وطالع مصنّفاته الشريفة، وتحقّق بقواعدها وقوانينها، خصوصا كتاب "حجّة الله البالغة"، و (اللمحات"، و "ألطاف القدس"، و "الهمعات"، و "المكتوب المرسل إلى المدينة"، و "الكتاب المسوّى في شرح الموطأ" لم يبق له ريبة في تصديق هدا المطلب الأهنى والمقصد الأقصى، (قل الحق من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، فمثل مصنّفاته الشريفة بالنسبة إلى التصنيفات السابقة في العلوم مثل رجل ماهر باللغات بأسرها إلى جماعة وجدوا دينارا يطلب به كلّ واحد بلغته العنب، فوقع خصام وخلاف بينهم بسبب اختلاف ألفاظهم، فأخذ هذا الرجل الدينار من أيديهم، وأشترى عنبا، وأعطاهم، فلمّا رأوا ذلك شكروا له، ورضوا بينهم، وتعانقوا، فافهم، انتهى. وذكر الشيخ غلام علي العلوي الدهلوي في "المقامات) أن شيخه مرزا جانجانان العلوي الدهلوي كان يقول: إن الشيخ ولي الله قد بيّن طريقة جديدة، وله أسلوب خاص في تحقيق أسرار المعارف وغوامض العلوم، وإنه ربّاني من العلماء، ولعلّه لم يوجد مثله في الصوفية المحقّقين الذين جمعوا بين علم الظاهر والباطن، وتكلّموا بعلوم جديدة إلا رجال معدودون، انتهى. وذكر محسن بن يحيى الترهتي في "اليانع الجني" أنه سمع شيخه العلامة فضل حق بن فضل إمام الخير آبادي، مرّتين يثني عليه، فيحسن الثناء، من ذلك ما سمعه حين كان ببلدة "ألور" وكانت وقعت في يده نسخة من كتاب "إزالة الخفاء"، فكان أولع بها، ويكثر النظر فيها، أوان فراغه مندروسه وسائر ما يشغله من شأنه، فلمّا وقف على كثير منها قالِ بمحضر من الناس: إن الذي صنّف هذا الكتاب لبحر زخّار، لا يرى له ساحل، هذا وليس يقع فيه إلا جاهل غبي من الجهّال، لا يرجى أن يستطب ما به من دائه العضال أو حاسد يحسده على ما أكرمه الله تعالى به من علية الخصال وجلية سجايا الشرف والكمال: حسدوك إذ رأوك آثرك … الله بما قد فضلت النجباء. وقد حكي عن المفتي عناية أحمد الكاكوروي أنه كان يقول: إن الشيخ ولي الله مثله كمثل شجرة طوبى، أصلها في بيته، وفرعها في كلّ بيت من بيوت المسلمين، فما من بيت ولا مكان من بيوت المسلمين، وأمكنتهم إلا وفيه فرع من تلك الشجرة، لا يعرف غالبُ الناس أين أصلها. وقال السيّد صدّيق حسن القنوجى في "الحطّة بذكر الصحاح الستة" في ذكر من جاء بعلم الحديث في "الهند": ثم جاء الله ﷾ من بعدهم بالشيخ الأجلّ والمحدّث الأكمل ناطق هذه الدورة وحكيمها، وفائق تلك الطبقة وزعيمها، الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، المتوفى سنة ستّ وسبعين ومائة وألف، وكذا بأولاده الأمجاد وأولاده أولاده أولي الإرشاد، المشمّرين هذا العلم عن ساق الجدّ والاجتهاد، فعاد لهم علم الحديث غضّا طريا، بعد ما كان شيئا فريا، وقد نفع الله بهم وبعلومهم كثيرا من عباده المؤمنين، ونفى بسعيهم المشكور من فتن الإشراك والبدع ومحدثات الأمور في الدين، ما ليس يخاف على أحد من العالمين، فهؤلاء الكرام قد رجّحوا علم السنّة على غيرها من العلوم، وجعلوا الفقه كالتابع له والمحكوم، وجاء تحديثهم حيث يرتضيه أهل الرواية، ويبغيه أصحاب الدراية، شهدت بذلك كتبهم وفتاويهم، ونطقت به زبرهم ووصاياهم،ومن يرتاب في ذلك، فليرجع إلى ما هنالك، فعلى "الهند" وأهلها شكرهم ما دامت "الهند" وأهلها: من زار بابك لم تبرح جوارحه … تروي أحاديث ما أوليت من منن. فالعين عن قرة والكف عن صلة … والقلب عن جابر والسمع عن حسن. وقال القنوجي المذكور في "أبجد العلوم" كان بيته في "الهند" بيت علم الدين، وهم كانوا مشايخ "الهند" في العلوم النقلية بل والعقلية، أصحاب الأعمال الصالحات، وأرباب الفضائل الباقيات، لم يعهد مثل علمهم بالدين علم بيت واحد من بيوت مسلمين في قطر من أقطار "الهند"، وإن كان بعضهم قد عرف بعض علم المعقول، وعدّ على غير بصيرة من الفحول، ولكن لم يكن علم الحديث والتفسير والفقه والأصول، وما يليها إلا في هذا البيت، لا يختلف في ذلك من موافق ولا مخالف، إلا من أعماه الله عن الإنصاف ومستّه العصبية والاعتساف، وأين الثري من الثريا والنبيذ من الحميا؟ والله يختصّ برحمته من يشاء، انتهى. وأما مصنّفاته الجيّدة الحسان الطيبة فكثيرة. منها: ما تدلّ على سعة نظره وغزارة علمه "فتح الرحمن في ترجمة القرآن" بالفارسية، وهى على شاكلة النظم العربي في قدر الكلام، وخصوص اللفظ، وعمومه، وغير ذلك. ومنها: "الزهراوين" في تفسير سورة البقرة وآل عمران. ومنها: "الفوز الكبير في أصول التفسير"، ذكر فيه العلوم الخمسة القرآنية، وتأويل الحروف المقطّعات، وحقائق أخرى. ومنها: "تأويل الأحاديث" رسالة نفيسة له بالعربية في توجيه قصص الأنبياء ﵈، وبيان مباديها، التي نشأت من استعداد النبي وقابلية قومه ومن التدبير الذي دبّرته الحكمة الإلهية في زمانه.ومنها: "فتح الخبير"، وهو الجزء الخامس من "الفوز الكبير"، اقتصر فيه على غريب القرآن، وتفسيره، مما روي عن عبد الله بن عبّاس ﵁. ومنها: رسالة نفيسة له بالفارسية في قواعد ترجمة القرآن، وحلّ مشكلاتها. ومنها: منهياته على "فتح الرحمن"، جمعها في رسالة مفردة له.