page 300, entry [247]Open original source
بعض التشنيعات عليه والجواب عنه: ومن التشنيعات أيضًا، قولهم: إنه قدَّم القياس الذي اختلف الناس في كونه حجَّة على الأخبار الصحيحة، التي اتفق العلماء على كونها حُجَّة. والجواب: أن هذا القول (¬١) زعم منهم، فإن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسول الله ﷺ، ثم بما اتفقت عليه الصحابة، ثم بما جاءَ عن واحد من الصحابة، وثبتَ ذلك، واشتهرَ، ولم يظهرْ له فيه مُخالف، وإن كان أمرًا اختلف فيه الصحابة والعلماء، فإنه يقيس الشيء بالشيء حتى يتضح الأمر، ثم بالقياس إن لم يكنْ في الحادثة شئ مما ذكرناه. والدليل على أن مذهب أبي حنيفة على الصفة المشروحة، ما رَوَى أبو مطيع البلخي، قال: [كتب] أبو جعفر المنصور إلى أبي حنيفة يسأله عن مسائل، وكان مما سأل: أخبرني عن ما أنت عليه، فقد وقع فيك الناس، وزعموا أنك ذو رأي، وصاحب اجتهاد وقياس، كتبتُ (¬٢) إليك بالمسائل، فإن كنت بها عالمًا علمنا أنك تقول بما نقول، وإن اشتبهت عليك، وتماديت فيها، علمنا أنك تقول بالقياس، والسَّلام.فأجابَ عنْ تلك المسائل، وقال: يعلم أمير المؤمنين أن الذين يقعون فينا، لأنا نعمل بكتاب الله، ثم سنة رسوله ﵊، ثم بأحاديث الصحابة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ونحوهم، وهذا حسد منهم، وطعن في الدين، وهذا علم لا يعرفه إلا الخبير البصير، والله ما تكلمت بمسئلة حتى أذنت نفسي بالنصيحة، وليس بين الله وبين خلقه قرابة، وقد قالت الصحابة والتابعون: الأمر بالرأي لا بالكبر والسنّ، فمن وافق كان أقرب إلى الحق، وأوفق للقرآن والسنن، فالأولى أن يعمل بقولهم. وقال أبو مطيع البلخي لأبي حنيفة: أرأيت لو رأيت رأيًا، ورأى أبو بكر رأيًا غيره، أتدع رأيك برأيه؟ قال: نعم. فقلتُ: أرأيتَ لو رأيتَ رأيًا، ورأى عمر رأيًا، أتدع رأيك برأيه؟ قال: نعم. قال: ثم سألته عن عثمان وعلي، فأجاب بمثل هذا، وقال: إني أدع رأيي عند رأي جميع الصحابة، إلا ثلاثة أنفس: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وسمرة بن جُندب. فهذا يدلّ على أنه يؤخّر القياس عند الآثار. ويدلّ على ذلك أيضًا، ما روي عن محمد بن النضر، وكان من كبار العلماء، وأنه قال: ما رأيتُ أحدًا تمسّك بالآثار أكثر من أبي حنيفة. وعن أبي مُطيع البلخي، أن سفيان الثوري، ومقاتل بن حيَّان (¬١)، وحمَّاد بن سلمة، وغيرهم من فقهاء ذلك العصر، اجتمعوا، وقالوا: إن النعمان هذا يدعى الفقه، وما عنده إلا القياس، فتعالوا، حتى نناظره في ذلك، فإن قال:إنه قياس، قلنا له: عبدت الشمس بالمقاييس، وأول من قاسَ إبليس، لعنه الله، حيث قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فناظرهم أبو حنيفة يوم الجمعة في جامع "الكوفة"، وعرض عليهم مذهبَه كما ذكرنا، فقالوا: إنك سيّد العلماء، فاعف عنا؛ فإننا وقعنا فيك من غير تجربة ولا روية. فقال لهم أبو حنيفة: غَفر الله لنا ولكم. وروى أن أبا حنيفة كان يتكلم في مسئلة من المسائل القياسية، وشخص من أهل "المدينة" يتسمع، فقال: ما هذه المقايسة، دعوها، فإن أول من قاسَ إبليس. فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا هذا، وضعت الكلام في غير موضعه، إبليس رد على الله تعالى أمره، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾، وقال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، فاستكبر ورد على الله أمره، وكل من رد على الله تعالى أمره فهو كافر، وهذا القياس الذي نحن فيه نطلب فيه اتباع أمر الله تعالى؛ لأنا نرده إلى أصل أمر الله تعالى في الكتاب، أو السنَّة، أو إجماع الصحابة والتابعين، فلا نخرج من أمر الله تعالى، ويكون العمل على الكتاب والسنَّة والإجماع، فاتبعنا في أمرنا إليها أمر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فنحن ندور حول الاتباع، فنعمل بأمر الله تعالى، وإبليس خالف أمر الله تعالى، وردَّه عليه، فكيف يستويان؟ فقال الرجل: غلطتُ يا أبا حنيفة، وتُبتُ إلى الله تعالى، فنوَّر الله قلبك كما نوَّرتَ قلبي.