page 283, entry [241]Open original source
جود أبي حنيفة، وسماحه، وحُسن عهده: عن قيس بن الربيع (¬١)، قال: كان أبو حنيفة رجلًا ورعًا فقيهًا محسودًا، وكان كثير الصلة والبر لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه. وقال أيضًا: كان أبو حنيفة من عقلاء الرجال، وكان يبعث بالبضائع إلى "بغداد"، يشتري (¬٢) بها الأمتعة، ويحملها إلى "الكوفة"، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائجَ الأشياخ المحدثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله؟ فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي، فما في رزق الله حول لغيره. وحدث حجر بن عبد الجبَّار، قال: ما أرى الناس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا أكثر إكرامًا لأصحابه. وقال حفص بن حمزة القرشي: كان أبو حنيفة ربما مرَّ به الرجل، فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده. وكان أكرم الناس مجالسة. وروي (¬٣) أنه رأى على بعض جُلسائه ثيابًا رثة، فأمره، فجلس، حتى تفرق الناس، وبقي وحده، فقال له: ارفع المصلى، وخذْ ما تحته. فرفع الرجل المصلى، وكان تحته ألف درهم، فقال له: خذْ هذه الدراهم فغير بها من حالك.فقال الرجل إني موسر، وأنا في نعمة، ولستُ أحتاج إليها. فقال له: أما بلغك الحديث: "إن الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده"، فينبغي لك أن تغير حالك، حتى لا يغتم صديقك. وروي (¬١) أن امرأة جاءتْ إلى أبي حنيفة تطلب منه ثوب خز، فأخرج لها ثوبًا، فقالت له: إني امرأة ضعيفة، وإنها أمانة، فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك. فقال: خُذيه بأربعة دراهم. فقالتْ: لا تسخر بي، وأنا امرأة عجوز كبيرة. فقال: إني اشتريتُ ثوبين، فبعتُ أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقى هذا يقوم عليَّ بأربعة دراهم. وجاء إليه يوما رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز. فقال: ما لونه؟ قال: كذا، وكذا. فقال له: اصبرْ حتى يقع، وآخذه لك، إن شاءَ الله تعالى. فما دارت الجمعة حتى وقع، فمرَّ به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتُك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبَه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن؟ قال: درهمًا. فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنّك تهزأ. قال: ما هزأتُ، إني اشتريتُ ثوبين بعشرين دينارًا ودرهم، وإني بعتُ أحدهما بعشرين دينارًا، وبقى هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق. ومن المشهور عن مروءته، ووفائه ورعايته حق الجوار، ما روي أنه كان له جار بـ "الكوفة" إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنَّه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل معه لحمًا، فطبخه أو سمكة، فشواها، ثم لا يزال يشرب، حتىإذا دب الشراب فيه غنى بصوت، وهو يقول (¬١): أضاعوني وأي فتًى أضاعُوا … ليَوم كريهةٍ وسدَادِ ثَغْرِ. فلا يزال يشرب، ويردّد هذا البيت، حتى يأخذه النوم. وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس. فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وكب بغلة، واستأذن على الأمير، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط. ففعل، فلم يزل الأمير يوسع في مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليال، ويأمر الأمير بتخليته. فقال: نعم، كل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين. فركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشى وراءه، فلمَّا نزل أبو حنيفة مضى إليه، فقال: يا فتى، هل أضعناك؟ فقال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار، ورعايته (¬٢). وتاب الرجل، ولم يعدْ إلى ما كان عليه، ببركة الإمام، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مُتقلبه ومثواه، ونفعنا ببركاته، وبركات علومه في الدنيا والآخرة.